2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 1قراءة البحث

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

العدد 1
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 1
بحث منهجي

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

محمد تهامي ذكر

عنوان المقال: المنهج المقارن: ماهيته، مجالاته وأهدافه الكاتب: محمد تهامي دكير – باحث في الفقه المقارن

هيكل المقال: يتكون البحث من مقدمة وخمسة محاور رئيسية وخاتمة:

لمحة تاريخية عن المنهج المقارن واستعمالاته.

المنهج المقارن في التراث الفقهي الإسلامي.

علم الخلاف: موضوعه وأهدافه وحركة التأليف فيه.

أعلام الفقه المقارن (الشيخ الطوسي وابن رشد) ونماذج من مؤلفاتهم.

المنهج المقارن في البحوث الفقهية المعاصرة ودوره في معالجة قضايا الأمة.

أهم محاور المقال:

تعريف المنهج المقارن وتاريخه: • أداة معرفية لتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين موضوعات متقاربة. • استخدمه أرسطو في السياسة، ثم علماء الاجتماع كدوركايم. • تطور استعماله في القانون المقارن منذ القرن 19 بإنشاء جمعية التشريع المقارن بباريس.

المنهج المقارن في الفقه الإسلامي: • ظهر مبكراً في الفقه والكلام والفلسفة استجابة لواقع فكري ناضج. • عرف عند القدماء بـ "علم الخلاف" أو "الخلافيات". • يهدف إلى بيان أسباب اختلاف الفقهاء وأدلتهم، والموازنة بين الآراء.

علم الخلاف: موضوعه وحركته التأليفية: • موضوعه المسائل الفقهية المختلف فيها وأدلة كل مذهب. • أهدافه: معرفة أسباب الاختلاف، المقارنة بين الأدلة، الترجيح. • نشط التأليف فيه بين مدارس الحديث والرأي والمذاهب الأربعة، ومن كتب الشيعة الإمامية. • من أبرز المؤلفات: تأسيس النظر للدبوسي، اختلاف الفقهاء للطبري، الإعلام للمفيد، الخلاف للطوسي، بداية المجتهد لابن رشد.

نماذج بارزة:الشيخ الطوسي: عرض آراء المذاهب السنية الأربعة والرأي الإمامي بأدلته التفصيلية. • ابن رشد: عرض آراء المذاهب الأربعة والظاهرية بأمانة علمية، والترجيح بقوة الدليل.

المنهج المقارن المعاصر: • موسوعات فقهية كالموسوعة الكويتية، موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن. • كثير منها يكتفي بعرض الأقوال دون مناقشتها أو ترجيحها. • الحاجة لتوسيع المقارنة لتشمل جميع المذاهب وتحريرها من التعصب.

دور المنهج المقارن في معالجة قضايا الأمة: • مواجهة ظاهرة التكفير والصراع المذهبي عبر التعارف العلمي. • التعرف على التراث الفقهي الإسلامي وأسباب الاختلاف بين الفقهاء. • تحديد مساحات الاتفاق والاختلاف بين المذاهب. • أهميته للمفتي في الاطلاع على الآراء المتعددة قبل الإفتاء. • علاقته بالاجتهاد وإعادة النظر في فتاوى القدامى. • التخفيف من التعصب المذهبي ودعم جهود تقنين الشريعة. • المساهمة في بناء نظريات إسلامية متكاملة.

النتائج والتوصيات: • المنهج المقارن أداة علمية حيوية لفهم الفقه الإسلامي وتطويره. • ضرورة الانتقال من مرحلة جمع الأقوال إلى مرحلة مناقشة الأدلة والترجيح. • توسيع نطاق المقارنة ليشمل جميع المذاهب الإسلامية. • تبني المنهج المقارن يسهم في التقريب بين المذاهب ومعالجة قضايا الأمة. • تشجيع إنتاج موسوعات مقارنة شاملة ومحايدة.

الكلمات المفتاحية: المنهج المقارن، علم الخلاف، الفقه المقارن، الشيخ الطوسي، ابن رشد، التقريب بين المذاهب، الاجتهاد، الموسوعات الفقهية.

المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

ملف العدد

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

محمد تهامي ذكير

المنهج المقارن: لمحة تاريخية

المنهج المقارن، منهج قديم قدم الفكر الإنساني، وقد استعمل كأداة معرفية يتم من خلالها تحديد أو الكشف عن أوجه الاختلاف أو الائتلاف والتشابه بين موضوعين أو ظاهرتين أو شيئين متماثلين، وهذا يعني استحالة عقد مقارنة بين شيئين متناقضين تماما، لأننا سنكون أمام ما اصطلح على تسميته بالمقابلة وليس المقارنة .

وقد استخدم هذا المنهج في الدراسات السياسية والاجتماعية والقانونية، وكان أول من استخدمه حسب بعض الدراسات - الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي قام بتطبيقه في أبحاثه السياسية كتابه : السياسية)، عندما تعرض لدراسة ومناقشة حوالي (١٥٨) دستوراً ونظاماً سياسياً في اليونان القديمة.

أما في الأزمنة الحديثة والمعاصرة - فقد اشتهرت العلوم الإنسانية باستعمالها لهذا المنهج، وخصوصا الدراسات الإجتماعية، فعلماء الإجتماع - مثل دوركايم وغيره - اعتبروا المنهج المقارن بمثابة التجربة في الدراسات العلمية، لأنه يستطيع أن يُحدد بدقة علمية وموضوعية، أوجه الشبه والإختلاف وحجم الفوارق بين النظم الاجتماعية كما باستطاعته اكتشاف المحاسن والعيوب والسلبيات والإيجابيات في الظواهر الاجتماعية.

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه.

أما علاقة القانون بالمنهج المقارن، فقد عرف القانون تطوراً مهما خلال القرن (۱۹) بتأسيس جمعية التشريع المقارن بباريس سنة ١٨٦٩م، للإهتمام بدراسة القانون المقارن، عن طريق مقارنة الأنظمة القانونية لبلدان مختلفة، لأجل معرفة أوجه الشبه وأوجه الإختلاف بين هاته القوانين، والعمل على تفسير مختلف فروع القانون ...

المنهج المقارن في التراث الفقهي الإسلامي :

إكتشف المسلمون المنهج المقارن مبكراً، واستعملوه في أكثر من حقل معرفي في الفقه والكلام والفلسفة ... إلخ. وحسب عدد من الباحثين المعاصرين فإن الفقهاء والعلماء المسلمين الذين كتبوا في الفقه المقارن أو (علم الخلاف أو الخلافيات) كما يسميه القدماء، لم يتعرفوا على هذا المنهج عن طريق تراث الحضارات السابقة، وإنما جاء استجابة لتطور فكري حدث على أرض الواقع، وثمرة لنضج البيئة الفكرية الإسلامية. حيث نشطت حركة التأليف والكتابة والتأسيس للعلوم الإسلامية، وخصوصاً علوم الفقه والتفسير والحديث والكلام والفلسفة...

لقد اختلف الصحابة بعد النبي (ص)، في فهم القرآن والسنة، واختلفت الروايات والأحاديث والآراء الاجتهادية المنقولة عنهم، فنقل التابعون هذه الأقوال والأفعال والمواقف والآراء المتنوعة والمختلفة عنهم وحفظوها...

وبعد انطلاق حركة الاجتهاد مع الأئمة الأوائل المؤسسين للمذاهب الفقهية، وما تبع ذلك من تصنيف وتأليف وتقييد للعلم، أصبح بين يدي العلماء والفقهاء وطلبة العلم الديني مادة مهمة من الآراء المتعددة والاجتهادات المتنوعة، مشفوعة بأدلتها وأصول استنباطها وتفريعاتها...

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

(١١٤

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

وبعد تأسيس المذاهب والمدارس الفقهية وما حدث بعدها بقرون، من اشتعال نار المنافسة والخصومة والمناظرات بين المقلدين لهذه المذاهب من طلبة وعلماء، كان لا بد من الانخراط في الدفاع عن الاختيارات المذهبية واجتهادات الأئمة، ومواجهة الآراء المخالفة، وبيان ضعف أدلتها، فكان أن ظهر ما أطلق عليه المسلمون (علم الخلاف) أو (علم الخلافيات)، أي الفقه المقارن بالاصطلاح الحديث والمعاصر...

وقد نشطت حركة التأليف في هذا العلم لبيان أسباب اختلاف الفقهاء والمجتهدين وأدلة كل مجتهد حسب مبانيه الأصولية والإجتهادية...

علم الخلاف، موضوعه وأهدافه:

عرف الأستاذ حاجي خليفة علم الخلاف بأنه: «علم يُعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبهة وقواعد الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية .

كما عرف بأنه «علم بالآراء المختلفة في حكم المسألة الشرعية ودليل كل رأي فيه وبيان الحق منها بالبرهان».

أما ابن خلدون فيرى أن الغاية من علم الخلاف هي بيان مآخذ الأئمة (۳) ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم.

من خلال هذه التعاريف يتبين لنا موضوع هذا العلم والهدف من التأليف فيه، وثمرة هذا العلم وما يترتب عن هذا العرض للآراء الاجتهادية من نتائج...

فموضوعه المسائل والأحكام الشرعية (الفقهية) والآراء المتعددة للمجتهدين، وبيان أدلة كل مجتهد من قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس أو عقل أو استصحاب... إلخ .

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه

وهذا العرض لأقوال الأئمة وآرائهم يقتضي بالضرورة الموازنة والمقارنة بين هذه الآراء والأقوال، وكذلك المقارنة بين الأدلة والبراهين. أما ما يترتب عليه من نتائج فأهمها:

التعرف على أسباب اختلاف الفقهاء والمجتهدين .

التعرف على أدلة كل مجتهد حسب مدرسته الأصولية ..

إمكانية المقارنة والموازنة والترجيح حسب قوة الدليل والبرهان .

حركة التأليف في علم الخلاف:

نشطت حركة التأليف في علم الخلاف مع اتساع الخصومة بين أتباع مدرستي الحديث والرأي في الفقه، وكذلك بداية المناظرات والدفاع عن اختيارات المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، فحسب صاحب (أبجد العلوم) يعتبر أبو زيد الدبوسي الحنفي (ت (٤٣٢هـ) أول من ألف في علم الخلاف (بكتابيه : تأسيس النظر، والتعليقة في مسائل الخلاف بين الأمة). لكن كتابات الإمام الشافعي وغيره تؤكد أن الدبوسي الحنفي لم يكن أول من كتب في علم الخلاف. فللشافعي رسائل في الخلاف، كتبها وألحقها بكتابه (الأم) مثل: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واختلاف الشافعي مع مالك.. كما ألف الطبري (ت ٣١٠هـ) «اختلاف الفقهاء، وابن المنذر النيسابوري (ت (۳۱۸هـ) اختلاف العلماء»، والطحاوي (ت ۳۲۱هـ) «اختلاف الفقهاء بالإضافة إلى «الإعلام» للشيخ المفيد من الشيعة الإمامية ت ٤١٣ هـ).

وبعيداً عن من كان له فضل السبق إلى التأليف في هذا العلم، فقد ظهرت كتب كثيرة في علم الخلاف نذكر منها:

تذكرة الخلاف والنكت لأبي إسحاق الشيرازي .

١١٦

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

أحيلة العلماء في اختلاف الفقهاء، لأبي بكر الشاسي الشافعي .

عيون الأدلة، لأبي الحسن بن القصار المالكي .

الإشراف على مذاهب الأشراف، لأبي هبيرة الحنبلي .

مغيث الخلق في اختيار الأحق، لإمام الحرمين الجويني .

كتاب المجموع، وهو شرح المهذب للشيرازي في الفقه الشافعي) وهو شبه موسوعة في الفقه المقارن، عرضت فيه مجمل الآراء الفقهية بأدلتها مع ترجيح بعض الآراء ولو خالفت المذهب الشافعي.

اختلاف الأئمة العلماء، للوزير أبو المظفر الشيباني.

المحلى، لابن حزم الظاهري الأندلسي، وهو موسوعة فقهية استعرض فيها آراء الفقهاء ورد بعض الآراء بشدته المعهودة، وكشف أن بعض الآراء والفتاوى لا أصل لها في القرآن أو السنة. كما قارن بين أقوال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد المالكي الأندلسي.

زبدة الأحكام في مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام، السراج الدين عمر بن إسحاق الهندي، قاضي قضاة الحنفية في القاهرة (ت) (٧٠٤هـ)، وهو كتاب يعرض باختصار ما اتفق عليه وما اختلف فيه الأئمة، وهو بذلك يقدم لطالب العلم معرفة المساحات الاختلاف والإتفاق بين المذاهب الأربعة...

وهذه الكتب جميعها لأهل السنة ولمقلدي المذاهب الأربعة المشهورة وتستعرض آراء هذه المذاهب وتقارن و توازن بينها...

أما بالنسبة للشيعة الإمامية، فقد اهتم عدد من الفقهاء منهم بعلم الخلاف وألفوا فيه كتباً مهمة، نذكر منها:

۱۱۷

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه

الإعلام للشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ).

الانتصار، والناصريات للسيد الشريف المرتضى علم الهدى (ت ٤٣٦ هـ)...

الخلاف في الأحكام، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بالشيخ الطوسي.

المعتبر في شرح المختصر، للمحقق الحلي (ت ٦٧٦ هـ).

تذكرة الفقهاء، للعلامة الحلي.

ورغم أهمية جميع الكتب التي ألفت في هذا العلم، فقد اشتهر من بينها كتابان: الأول: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد المالكي، والثاني، كتاب الخلاف للشيخ الطوسي.

بين الطوسي الإمامي وابن رشد المالكي :

يعتبر الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( ٣٨٥هـ - ٤٦٠هـ)، من كبار فقهاء ومجتهدي الشيعة الإمامية الذين اهتموا بالمنهج المقارن في الفقه ، وكتابه الخلاف في الأحكام) من أشهر الكتب في الفقه المقارن، وقد استعرض فيه الشيخ أقوال وآراء أئمة وفقهاء المذاهب السنية الأربعة، ثم عرض الرأي الإمامي وأدلته، وفي ذلك يقول: وذكر مذهب كل مخالف على التعيين، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد، وأن أقرن كل مسألة بدليل نحتج به على من خالفنا، موجب للعلم من ظاهر قرآن أو سنة مقطوع بها أو إجماع أو دليل خطاب أو استصحاب حال - على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا - أو دلالة أصل أو محتوی خطاب.. (4)

وقد كشف الطوسي في كتابه هذا عن معرفة عميقة بالمذاهب الفقهية

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫٢٠١٣م

۱۱۸

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

وتفريعاتها الإجتهادية، لأنه كان قد تفقه في بداية تحصيله العلمي في بغداد على جميع المذاهب الفقهية، وخصوصا مذهب الشافعي، فقد كان عالما بأقوال أصحابه و اختلافاتهم، وقد اهتم بأقوال الشافعية في كتابه الاختلاف، ما جعل تقي الدين السبكي، في كتابه طبقات الشافعية الكبرى، يشتبه في مذهبه، فأرخ له باعتباره فقيهاً شافعياً (٥).

أما أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الفقيه الأندلسي المالكي ( ٥٢٠هـ - ٥٩٥هـ ) صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد) فهو من رواد مدرسة الفقه المقارن في المدرسة السنية ولا يوازيه في منهجه المقارن سوى ما نلمسه في بعض الموسوعات الفقهية الحديثة...

وما يميز إبن رشد أنه كان ابن الدليل فيما يعرضه من آراء، لذلك نجده ينتصر لبعض الآراء الفقهية النادرة أو الشاذة، أو المخالفة لرأي الجمهور، فيرجحها لقوة الدليل والبرهان.

لقد استعرض ابن رشد أقوال أئمة الإجتهاد في المذاهب الأربعة، بالإضافة إلى آراء المذهب الظاهري، ولم يكن هدفه إبطال مذهب أو الانتصار الآخر، وإنما منهجه عرض الأقوال بأمانة علمية، ليتمكن من التعرف على أسباب اختلاف الأئمة والمجتهدين، وبيان دليل كل واحد منهم، ثم بعد ذلك يتسنى له أن يرجح الرأي الراجح لقوة الدليل.

وهذا ما أشار إليه في مقدمة الكتاب بقوله: إن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها...

وهذا بالفعل ما جعل كتابه من أهم الكتب في الفقه المقارن، وإن كان ينقصه الرأي الشيعي الإمامي والزيدي (٦)، لكن قد يكون معذوراً لبعده عن المشرق

۱۱۹

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه .

حيث يتواجد الشيعة وتنتشر كتبهم. أما في الأندلس فتداول الكتب الشيعية كان نادراً...

لقد استفاد كل من الطوسي وابن رشد من أجواء الانفتاح وتضعضع السلطة السياسية آنذاك وتراجع الدعم السياسي للتعصب المذهبي، فكتبا في الفقه المقارن واستعرضا آراء الفقهاء المتنوعة في المسألة الواحدة، بحياد وأمانة وتحرر من التعصب المذهبي وما يميز (الخلاف) عن بداية المجتهد) هو وجود الرأي الإمامي وأدلته التفصيلية ومقارنتها بآراء المذاهب السنية الأربعة، وإقامة الحجة على اختيارات الإمامية والدفاع عنها ...

وبالتالي، فالطوسي الإمامي وابن رشد المالكي، يمكن اعتبارهما بحق أنموذجاً يحتذى في تبني المنهج المقارن وممارسته وتطبيقه في الدراسات الفقهية.

المنهج المقارن في البحوث الفقهية المعاصرة

في القرن الماضي ومع عودة الحيوية والنشاط للفكر الإسلامي، - نتيجة الدعوات الإصلاح والتجديد، ومحاولات فتح باب الإجتهاد لمواكبة العصر ومستجداته ونوازله وزخم الصحوة الإسلامية التي دعت للعودة إلى الدين والشريعة - نشطت الأبحاث والدراسات المقارنة في الفقه الإسلامي، دراسات كان الهدف منها أولا: تقديم الفقه الإسلامي في حلة جديدة بالاستفادة من تراث المذاهب الفقهية المشهورة ثانيا: القيام بدراسات مقارنة بين أحكام الشريعة والقوانين الوضعية الغربية لبيان صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان وتفوقها وانسجامها مع الفطرة الإنسانية...

فكان أن ظهرت كتابات مهمة في الفقه المقارن، توجت بظهور موسوعات مهمة في الفقه المقارن مثل:

١٢٠

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

موسوعة عبد الناصر الفقهية أو موسوعة الفقه الإسلامي)، وقد صدر أول جزء منها سنة ١٣٨١هـ وقد بلغت أجزاؤها (٢٤) جزءاً. ولا تزال في مصطلحات الهمزة.

الموسوعة الفقهية الكويتية، وقد بلغت (٤٥) جزءاً.

الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ".

فقه السنة، للسيد سابق.

موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي، في (١٠) أجزاء.

موسوعة الفقه الإسلامي المقارن بين المذاهب السنية والمذهب الشيعي الإمامي).

أما الدراسات المقارنة الخاصة بموضوع معين، فهي أكثر من أن تُحصى، فقد أنجزت المئات بل الآلاف من الدراسات المقارنة، كرسائل ماجستير ودكتوراه في الجامعات العربية والإسلامية، على مدى نصف القرن الماضي.

أما ما يميز هذه الموسوعات الفقهية المقارنة - باستثناء موسوعة عبد الناصر الفقهية - فهو اقتصارها على المذاهب الأربعة فقط، وفيما سلك السيد سابق والجزيري الترجيح بين الأقوال والإختيار بين الآراء، وتجاوز بعض الآراء القديمة - وكذلك فعل الدكتور وهبة الزحيلي - فإن الموسوعة الكويتية ابتعدت عن الترجيح والمناقشة واكتفت بعرض الأقوال والإختلافات حتى داخل المذهب الواحد إن وجدت، لأن ذلك متروك لكتب الخلاف والشروح في كل مذهب...

وكذلك سلكت موسوعة عبد الناصر الفقهية المنهج نفسه أي جمع الأحكام الفقهية وترتيبها ونقلها بدقة وأمانة مع تجاوز الأقوال الشادة - والابتعاد عن

۱۲۱

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

الموازنة بين المذاهب واختيارات الأئمة الإجتهادية، إلا أنها لم تقتصر على المذاهب الأربعة، وإنما أضافت إليها آراء الشيعة الإمامية والزيدية والظاهرية والإباضية.

وعلى أهمية هذه الموسوعات الفقهية المقارنة، إلا أنها لم تتجاوز المرحلة الأولى في منهج المقارنة، وهي مرحلة جمع وعرض الآراء الفقهية المتعددة والمختلفة في المسألة الواحدة، وتجنبت عرض الأدلة وإجراء المقارنة والموازنة والمقابلة بينها، ومناقشة الأدلة مناقشة علمية للوصول إلى أقوى الأقوال دليلا وأحسنها وأقربها إلى روح الشريعة ومقاصدها، وترجيحها على غيرها من الأقوال، وهذه هي المرحلة الثانية والمهمة والمطلوبة في منهج المقارنة.

كما أن تطبيق المنهج المقارن يظل ناقصاً دون توسيع دائرة هذه المقارنة لتشمل جميع المذاهب الإسلامية، بل جميع الآراء الفقهية التي يحتضنها التراث الفقهي الإسلامي، وأن تتحرر المقارنة والموازنة ومناقشة الأدلة من كل تعصب مذهبي، وإنما قوة الدليل والبرهان هي ميزان الترجيح والإختيار.

أما بالنسبة للكتابات والدراسات الفقهية المقارنة الحديثة والمعاصرة لدى الشيعة الإمامية، فقد صدر الجزء الأول من موسوعة الفقه الإسلامي المقارن» عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي» (سنة ٢٠١١م).

وقد صدرت قبلها موسوعات أخرى، وهناك أكثر من موسوعة قيد الإنجاز الآن في جامعات ومراكز وحوزات مدينة قم بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكذلك هناك كتابات كثيرة مقارنة هي عبارة عن جهود فردية...

من هذه الكتابات نذكر :

الفقه على المذاهب الخمسة العبادات الأحوال الشخصية)، للشيخ محمد جواد مغنية.

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

۱۲۲

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

وقد أشار في المقدمة إلى الأسباب التي دفعته لكتابة هذا الكتاب ومنهجه فيه قائلاً: وعلى أساس التمهيد للتخيير من جميع المذاهب، عزمت على وضع هذا الكتاب، ملخصاً فيه أقوال المذاهب الخمسة الجعفري والحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، من مصادرهما. وكما في أقوال المذاهب ما يتفق مع الحياة، ويحقق العدالة، فإن فيها ما يجب ستره والإعراض عنه...

كما خصص الشيخ حبيب آل إبراهيم من علماء جبل لبنان (١٣٠٤- ١٣٨٥ هـ)) الجزء الثاني من كتابه الحقائق في الجوامع والفوراق، للمقارنة بين الفقهين الشيعي الإمامي والسني مقتصراً على باب العبادات الطهارة والصلاة).

وقد أشار في مقدمة كتابه أن الهدف من كتابته هو التقريب بين السنة والشيعة، عندما يتبين للقارئ أن الإختلاف بينهما كالإختلاف بين الحنفية والشافعية والمالكية، بل لا تكاد توجد مسألة للشيعة فيها حكم إلا ولهم من أهل السنة فيها موافق...

كتاب العبادات الطهارة، الصلاة، الصوم، الحج الزكاة على المذاهب الإسلامية: مذهب أهل البيت (ع) ومذاهب الأئمة الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة للسيد محمد الغروي (صدر عن دار التعارف في بيروت سنة ۲۰۰۷م).

يقول المؤلف في المقدمة: إن الهدف من هذا التأليف هو التقريب بين نظرة المسلمين بعضهم إلى الآخر من خلال تعريف كل منهم على الآخر، لكي يعرفوا أن الرب واحد والنبي واحد والمعاد واحد والقرآن واحد وأركان الإسلام واحدة. لكن الفرق قد حصل في أمور ثانوية....

۱۲۳

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

فقه العبادات المقارن للشيخ فاضل الصفار، صدر عن مركز الفقاهة، ط1- ۲۰۱۱م.

بالإضافة إلى كتابات تحقيقية عديدة، أضافت الرأي الإمامي إلى بعض الكتابات السنية المقارنة المنجزة - والتي كان ينقصها فعلا الرأي الشيعي - مثل : إضافة الرأي الشيعي الإمامي إلى كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد )) لابن رشد المالكي، وطبعه من جديد مع هذه الإضافة .

وكذلك أعيد طبع كتاب التشريع الجنائي الإسلامي للشهيد عبد القادر عودة المصري، بإضافة الرأي الإمامي في الهامش.. وغيرها من الكتابات والدراسات .

المنهج المقارن ودوره في تحقيق وحدة الأمة، ومعالجة قضاياها المعاصرة

بعد هذه الجولة السريعة والتي تعرفنا من خلالها على أسباب ظهور علم الخلاف وأهدافه وأهم الكتب في هذا العلم، والجهود التأليفية الحديثة والمعاصرة في مجال الفقه المقارن، ستتحدث عن أهمية المنهج المقارن في معالجة قضايا الأمة المعاصرة، وخصوصا المساهمة في تحقيق الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية ، من خلال مجموعة من العناوين

1- المنهج المقارن ودوره في مواجهة ظاهرة التكفير والصراع المذهبي

يعتبر الجهل المتبادل بين المذاهب الإسلامية من أهم أسباب التنافر بين أتباعها ومقلديها - سواء أكانوا علماء أو عامة لذلك فالدراسات والكتابات المقارنة - وخصوصا الموسوعية - تقدم معرفة علمية موضوعية بآراء المذاهب وأدلتها ومعتمد علمائها ومجتهديها في أي اختيار أو اجتهاد فقهي، وهذا التعارف

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

١٢٤

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

والتعرف على الآخر المذهبي المخالف يكشف عن مبانيه الإجتهادية وأصوله الاستنباطية المعتبرة، بحيث قد يكون الصواب إلى جانبه عند النظر العلمي والتدقيق الموضوعي...

وبذلك يتحقق التعرف العلمي الموضوعي على المخالف المذهبي فتتراجع دعاوى التكفير والتضليل والتبديع وإخراجه من الملة والدين وتكفيره، بل الدعوة لقتله واستباحة ماله ودمه وعرضه، ويحل محلها الإيمان بشرعية التعدد وواقعية الاختلاف، وهذا منطلق وأساس لمعالجة قضايا التكفير والصراع المذهبي الذي يمزق وحدة الأمة اليوم ...

٢- التعرف على التراث الفقهي الإسلامي :

لا يمكن لأي باحث أو مجتهد أن يدعي أن ما يقوله أو يراه مذهبه الذي يقلده هو رأي الإسلام، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بنظرية إسلامية، دون أن يكون مطلعاً على جميع المذاهب وعالماً بالآراء المعتبرة في التراث الفقهي الإسلامي. لذلك قال الشاطبي في كتابه الموافقات جعل الناس العلم معرفة الاختلاف، والمنهج المقارن لا يمكنه من التعرف على مختلف الآراء في القضية أو المسألة فقط، وإنما يفتح أمامه الطريق للموازنة والمناقشة ومقارنة الأدلة، مما يساعده على اختيار أحسن وأفضل الأقوال لترجيحها، وهذا يحقق مصلحة للإسلام وللمكلف المقلد...

المنهج المقارن يكشف الأسباب العلمية لاختلاف الفقهاء والمجتهدين :

من أهم ثمار ونتائج ممارسة المنهج المقارن في الفقه على وجه الخصوص، تمكن الباحث أو المجتهد من التعرف بشكل دقيق وعلمي على أسباب اختلاف المجتهدين وأهل الرأي، سواء تعلق الأمر باختلاف الفهم والتفسير أو التأويل، أو مصادر الاستنباط، وهذا ما أكده إبن خلدون في مقدمته عندما وصف علم الخلاف

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

بأنه علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطلعين له على الاستدلال...

وكذلك يتم التعرف من خلال هذا المنهج على الرأي الراجح في أي مذهب مما يسهل عملية المقارنة والموازنة العامة.. لذلك نجد أن أغلب من كتب واشتغل بعلم الخلاف أو الفقه المقارن تمكن من اكتشاف أسباب اختلاف الفقهاء.....

الفقه المقارن يكشف بوضوح أن المذاهب الفقهية لم تختلف في حجية الكتاب أو السنة، ولا على مبادىء الشريعة وأحكامها العامة، وإنما كان خلافها في مناهج النظر في هذه الأصول، واختلافاً في نسبة المدرك من حقيقة المبادئ والأحكام.

وتشخيص هذه الأسباب مقدمة إما لمناقشتها لمعرفة الحق والصواب فيها، أو إيجاد العذر للمخالف، وكلا الأمرين يقربان بين المذاهب الإسلامية، ويخففان من ظواهر التعصب والنتزاعات المذهبية.

٤- المنهج المقارن ومعرفة مساحات الاتفاق والاختلاف بين المذاهب

بالمنهج المقارن يستطيع الباحث تحديد مساحات الاتفاق والاختلاف بين المذاهب الفقهية، كما يكشف أن مسائل الشريعة ليست كلها عرضة للخلاف، بل فيها ما هو قطعي لا يدخله الخلاف أصلا، وفيها كليات الشريعة التي تضافرت على معناها النصوص واتفقت عليها الأمة قاطبة، وفيها الجزئيات المنصوصة التي لا يتعدد الفهم فيها لورودها في أقصى درجات الوضوح، وهي التي يقول فيها الفقهاء: لا اجتهاد مع النص، أولا اجتهاد في مورد النص، وأما ما كان بخلاف ذلك فهو ما يدخله الخلاف..(١٢).

مثال على ذلك ما أشار إليه الشيخ المفيد في كتابه (الإعلام) خلال مقارنته بين إجماع أهل السنة في باب الحج مع إجماع الإمامية فيه، وأنهم لم يجمعوا في

١٢٦

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

هذا الباب على خلاف ما اتفقت الإمامية عليه إلا في مسألة واحدة، كما أنه ليس للإمامية على الإطباق فيما سواها من أحكام الحج قول، إلا وكافة المذاهب السنية أو بعضها توافقهم عليه . وكذلك في أحكام البيوع، فليس في أحكامه اتفاق على شيء، في خلافه إجماع من المذاهب السنية .. وكل مسألة اتفق الإمامية عليها على قول فيها أو اختلفوا، ففيها إجماع أو اختلاف لديهم كذلك ...... (١٤)

وكذلك تمكن الدكتور وهبه الزحيلي في موسوعته الفقهية من تحديد أمهات المسائل الفقهية المختلف فيها بين السنة والشيعة وذكرها في مقدمة الموسوعة وهي لا تتجاوز العشرين مسألة ....

وعليه، فتحديد مساحات الاتفاق والاختلاف هو مقدمة ضرورية للتقريب خصوصا عندما تكشف الدراسات المقارنة أن حجم الاتفاق بين المذاهب أكبر من حجم الاختلاف، وهذه حقيقة يمكن أن يتسلح بها دعاة التقريب في مواجهة دعاة التفرقة والتحارب بين المذاهب الإسلامية...

ه كتب الفقه المقارن وأهميتها للمفتي :

لا بد لأي مفتي قبل الإفتاء من أن يطلع على الآراء المتعددة والمختلفة في أي مسألة، وكتب الفقه المقارن توفر للمفتي هذا الإطلاع والمعرفة. لذلك نقل ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: «لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه.. وعن يحيى بن سلام: «لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يُفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إلى (١٥). ونحن نعلم مدى الضيق والحرج الذي يقع فيه بعض المكلفين اليوم نتيجة بعض الفتاوى التي يختارها مفتون لا علم لهم بتعدد الآراء المذهبية في تلك المسألة أو القضية ...

۱۲۷

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

٦- الفقه المقارن وعلاقته بالاجتهاد

عندما سمى ابن رشد المالكي كتابه في علم الخلاف (بداية المجتهد) كان يعلم أن الإطلاع على آراء المجتهدين وأدلتهم فيما يختارونه من أقوال، هو مقدمة لأي اجتهاد، كما أن أي عملية للترجيح بين الأقوال ومناقشة الأدلة والموازنة بينها، واختيار أحسنها وأفضلها، إن لم يكن اجتهادا مطلقاً، كما يقول الشيخ مغنية - فإنه على كل حال ضرب من الإجتهاد (١٦) وبذلك تكون الدراسات المقارنة مقدمة للاجتهاد.

وفتح باب الإجتهاد على مصراعيه، وخصوصا لدى أهل السنة، سيؤدي أولا إلى ظهور مذاهب اجتهادية جديدة، وتجاوز المذاهب القديمة، وكذلك فتح باب الاجتهاد في القضايا المعاصرة، وما أحوج الأمة للاجتهاد في هذه القضايا وهي كثيرة ومحل ابتلاء الأفراد والأمة معا ..

  • الفقه المقارن وإعادة النظر في فتاوى القدامى :

عن طريق الفقه المقارن يستطيع الباحث أو المجتهد المعاصر أن يعيد النظر في عدد من الفتاوى القديمة، إما لضعف دليلها، أو التاريخيتها وارتباطها بظروف تغيرت ولم يعد لها موضوع، أو لعدم انسجامها مع الواقع. وهذا الاجتهاد له أهميته الآن والإسلام يتعرض للهجوم والنقد بسبب تشبث البعض بالعمل ببعض الفتاوى القديمة التي كانت مقبولة اجتماعياً في الماضي. وكذلك إعادة النظر في عدد من المسائل الفقهية التي تعتبر مسائل مختلف فيها بين المذاهب السنية فيما بينها، وبين السنة والشيعة كذلك...

المنهج المقارن والتخفيف من حدة التعصب المذهبي :

مما لا شك فيه أن الاطلاع على كتب الخلاف وكتب الفقه المقارن،

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

يخفف من حدة التعصب المذهبي، لأن المقلد يكتشف أن المذهب المخالف له أدلته وبراهينه المعتبرة، وأن المسألة فيها نظر وتأمل، وليس مقطوع فيها. وقد تدفعه قوة الدليل إلى الأخذ به، والتحرر من تقليد مذهبه في هذا الرأي، لذلك فالمنهج المقارن، كما يقول الشيخ مغنية يجعلنا ندع التقليد لمذهب خاص، وقول معين ونختار من اجتهادات جميع المذاهب ما يتفق مع تطور الحياة، ويسر الشريعة.. (۱۷)

  • - المنهج المقارن ودعم جهود تقنين الشريعة :

هناك الآن دعوات وجهود تبذل لتقنين الشريعة في العالم الإسلامي، والفقه المقارن يمكنه أن يلعب دوراً مهماً في دعم هذه الجهود، وتيسير عملية التقنين، بمساعدة الفقهاء والمقننين على اختيار أفضل الآراء الاجتهادية وأكثرها انسجاما مع العصر، بعيداً عن الالتزام بمذهب معين لأسباب تاريخية أو تعصبا فقط...

كما أن التقنين يُفترض فيه أن يستفيد من التراث الفقهي لجميع المذاهب الفقهية بدون استثناء...

١٠- المنهج المقارن وبناء النظريات الإسلامية في جميع المجالات :

لا يمكن بناء نظرية إسلامية متكاملة تمثل الإسلام فعلا، بالإقتصار على التراث الفقهي والكلامي لمذهب معين، بل لابد من الرجوع إلى تراث جميع المذاهب في عملية بناء النظريات الإسلامية في جميع المجالات والفقه المقارن يمكنه أن يساعد كثيراً في هذا المجال، لأن كتب الخلاف وكتب وموسوعات الفقه المقارن يمكن أن تضع بين يدي الباحث والمفكر المادة الكاملة والشاملة لأراء المذاهب والعلماء والمجتهدين حول أي موضوع.. وبالتالي يتمكن من الاختيار بحرية من الأقوال والفتاوى والاجتهادات ما يساعده فعلا على بناء نظرية متكاملة في مجال ما.. لذلك قيل إن الشهيد السيد محمد باقر الصدر، في كتابه اقتصادنا

۱۲۹

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

استفاد من جميع المذاهب الإسلامية ولم يقتصر على المذهب الشيعي الإمامي حتى تسنى له وضع نظرية إسلامية في مجال الإقتصاد...

وهذه الجهود بمجملها تصب - مما لاشك فيه - ، في معالجة الكثير من القضايا المعاصرة والتحديات التي تواجه هذه الأمة في الوقت الراهن ...

لذلك كله لم يجانب الصواب من قال: العلم بالخلاف ومواقعه طريق الفلاح».

الهوامش

(1) أنظر تعريف المنهج المقارن في د. قباري محمد إسماعيل، مناهج البحث في علم الاجتماع منشأة المعارف بالأسكندرية (د. ت).

(۲) انظر : كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار إحياء التراث العربي. ج ١ مادة علم الخلاف ص ۷۲۱

(۳) انظر : المقدمة، ص ٤٥٦ - ٤٥٧.

(٤) أنظر : كتاب الإختلاف المقدمة .

(٥) أنظر: الطبقات، الجزء الثالث، ص ۵۱) ترجمة ( محمد بن الحسن بن علي).

(1) قام المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب بتحقيقه وإعادة طبعه مع إضافة الرأي الشيعي الإمامي، وقد طبع الكتاب سنة ٢٠١٠م.

(۷) يقال هو للشيخ المراغي شيخ الأزهر، ولكن نسب خطأ للجزيري.

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

المنهج المقارن ودوره في معالجة قضايا الأمة المعاصرة

(۸) الفقه على المذاهب الخمسة، دار الجواد، بيروت، ط ٨ ١٩٨٤م، ص ٩

(۹) أنظر : الحقائق في الجوامع والفوارق، مطبعة العرفان، صيدا، لبنان، ط ۱ - ۱۹۳۸ م ج ۱ - ص ۱۰.

(۱۰) دار التعارف للمطبوعات، ط -۱- ۲۰۰۷م، ص ۱۸-۱۹ .

(۱۱) أنجز تحت إشراف المجمع العالمي للتقريب، وقد صدر سنة ٢٠١٠م .

(۱۲) مجلة الأمة الوسط، دراسة لأبي أمامة نوار بن الشلي مناهج الفقهاء في التعامل مع الخلاف

ومعالم المنهج الوسط، ص ٢٧٤.

(۱۳) ص ٣٤، أنظر: مكتبة الشيعة على الإنترنت.

(١٤) بتصرف أنظر : المصدر السابق، ص ٣٤ - ٣٥

(١٥) أنظر هذه الأقوال في ابن عبد البر، طبعة مؤسسة الريان، ج ۲، ص ٩٥-١٠٥.

(١٦) الفقه على المذاهب الخمسة، مصدر سابق، ص ۹ ..

(۱۷) المصدر نفسه ...

۱۳۱

نهاية البحث