2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 4-5قراءة البحث

التدرج فی الاوامر و النواهي

العدد 4-5
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 4-5
بحث منهجي

التدرج فی الاوامر و النواهي

أحمد بابكر خليل عيسى

عنوان المقال: التدرج في الأوامر والنواهي: دلالة ألفاظ خطاب الشارع عليه ووقوعه في العصر

الكاتب: د. أحمد بابكر خليل عيسى – أستاذ بكلية الشريعة والقانون، جامعة أم درمان الإسلامية – السودان

هيكل المقال: يتكون البحث من مقدمة وستة مطالب وخاتمة، إضافة إلى تفريعات فرعية، على النحو الآتي:

المطلب الأول: تعريف التدرج لغةً واصطلاحاً

المطلب الثاني: أنواع التدرج وحكمته وقواعده

المطلب الثالث: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المأمورات

المطلب الرابع: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المأمور نفسه

المطلب الخامس: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المحرمات

المطلب السادس: ارتباط التدرج بالزمان والأشخاص والمكان

أهم محاور المقال:

مفهوم التدرج وأهميته:

التدرج سنة شرعية ودعوية، اقتضتها حكمة الله في مخاطبة الناس بحسب قدراتهم، ووردت أدلته في القرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، كعمر بن عبد العزيز.

يختلف عن مبدأ التراخي أو تعطيل الأحكام، إذ لا يرفع واجباً ولا يبيح حراماً.

أنواع التدرج:

التدرج في التشريع: كالتدرج في تحريم الخمر.

التدرج في الإبلاغ: كإرسال معاذ إلى اليمن.

التدرج في التنفيذ: كسياسة عمر بن عبد العزيز في الإصلاح.

ضوابط التدرج:

عدم التدرج في العقيدة والتوحيد.

لا يبيح محرماً ولا يسقط واجباً.

يخص الداعية لا المدعو.

يراعي أحوال الأشخاص والمجتمعات.

دلالة خطاب الشارع على التدرج:

في المأمورات: نزول القرآن منجّماً، وتدرج النبي في الدعوة.

في المأمور نفسه: تدرج في الصلاة والصيام والتوحيد.

في المحرمات: تحريم الخمر والربا والميسر على مراحل.

في المحرَّم نفسه: تدرج في شرب الخمر نفسه حتى التحريم الكلي.

الارتباط بالزمان والمكان والأشخاص:

التدرج باقٍ بشرط وجود علّته: كحديثي العهد بجاهلية أو في بيئات منحرفة عن الإسلام.

يراعى حال المدعوين، وظروفهم، ومجتمعاتهم (مكي، مدني، استضعاف...).

النتائج والتوصيات:

التدرج دعامة دعوية أصيلة، لم تُنسخ، ويُستفاد منها في مجتمعات العصر.

الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، والتدرج تجلٍّ من تجليات هذه الصلاحية.

ضرورة التفريق بين التدرج كوسيلة دعوية وبين التحايل على الأحكام الشرعية.

يُنصح بتفعيل التدرج في الدعوة بما يراعي واقع الناس ويمكّنهم من التدرج نحو الالتزام الكامل بالشريعة.

الكلمات المفتاحية: التدرج، الدعوة، التبليغ، خطاب الشارع، التشريع، التوحيد، عمر بن عبد العزيز، تحريم الخمر، فقه الأولويات، خطاب الواقع.

ملف العدد

التدرج في الأوامر والنواهي

دلالة ألفاظ خطاب الشارع عليه ووقوعه في العصر

د. أحمد بابكر خليل عيسى (*)

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا محمد عليه وعلى آله وصحابته أفضل الصلاة وأتم التسليم، فان مسألة التدرج سنة إلهية ومنهج دعوي يتبع عند الحاجة إليه وفق ضوابط وأسس معينة .

واستدلالاً لما سبق فقد نزل القرآن الكريم متدرجاً في ثلاث وعشرين سنة، ولما اعترض على ذلك الكافرون بين الله الحكمة من نزوله متدرجا فقال: وقال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِتُثَبَّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ

ترتيلا [الفرقان: ۳۲] .

وقد انتهج أبو الأنبياء سيدنا ابراهيم عليه السلام هذا التدرج (1) في إثبات الحجة على قومه، فبين أولاً أن ما كان أفلاً لا يصلح للعبادة، وبين ثانياً تلميحاً أن من اتجه لهذه الكواكب كان ضالاً، وبين ثالثاً التصريح بأنهم على الشرك، والبراءة منهم بعد أن قامت الحجة عليهم وظهر الحق.

أما قول إبراهيم الله في الشمس: هذا أكبر فالجواب عنه: أن إبراهيم عليه السلام كان يجادل ويناظر المنجمين وعباد الكواكب، ومذهب هؤلاء المنجمين أن

(*) أستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة أم درمان الإسلامية - السودان.

التدرج في الأوامر والنواهي

الشمس هي رئيسة الكواكب في الفلك، وهي في العالم بمنزلة جرم القلب في البدن، وسائر أجرام الكواكب والأفلاك بمنزلة أعضاء البدن ومفاصل الجسد، لذلك كانت مناسبة قوله: هذا أكبر عظيمة، إذ به يلفت الانتباه إلى أن هذه الشمس وهي أكبر الأجرام - عندكم - منزلة وحجماً وضياءاً لا تصلح أن تكون إلها، فمن باب أولى ما دونها من سائر الكواكب .

وعلى هذا النهج سار المسلمون والخلفاء الراشدون ومن سلك طريقهم بعد النبي الله وقد روى الشاطبي ) في (الموافقات) أن عمر بن عبد العزيز، وقد ولي الخلافة بعد أناس انحرفوا عن منهج الراشدين، وارتكبوا مظالم، ضيعوا بها حقوق الناس، وتعدوا حدود الله، فقد دخل عليه ابنه التقى الصالح عبد الملك ، وقال له في حماس متوقد: يا أبت ما لك تبطئ في إنفاذ الأمور ؟! فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق! فقال الأب الحكيم الموفق: «لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذلك فتنة.

وفي موقف مشابه، قال له: يا بني، إن قومك - يعني بني أمية - قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم أمن أن يفتقوا علي فتقاً، تكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق بسببي محجمة من دم، أو ما ترضى ألا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا، إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الحاكمين ؟!.

وفي موطن آخر قال له: إني أروض الناس رياضة الصعب، فإن أبقاني الله مضيت لرأيي، وإن عجلت علي منية فقد علم الله نيتي، إني أخاف إن باغت الناس بالتي تقول أن يلجئوني إلى السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف.

ومن هذه الواقعة يمكن القول بأن دعاة عدم التدرج وعدم حصوله بعد تمام

١٤٩

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط احكام المستجدات والنوازل .

الشريعة دافعهم يرجع الى حماسهم نحو الإتباع والإقتداء الكامل، وأولئك الذين يقولون بحصوله في العصر دافعهم هو عدم حمل الناس على ما يكرهون، ونؤكد في هذا المقام بأن الكل دافعه الى ذلك هو الحرص على الدين والتدين ولكن اختلفت السبل بسبب حماس وتطلع الشباب في أن يؤخذ الأمر كله، وحكمة واتزان الشيوخ في أن العلة التي بسببها تدرج الشارع لو تحققت في العصر يمكن حصول ذلك .

وليس المقصود بالتدرج في التنفيذ أن نتدرج في إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات، كما كان الحال عليه قبل استقرار الشريعة وتمام النعمة، فنبيح الخمر مثلاً ونبين أن إثمها أكبر من نفعها، ثم نحرم شربها أوقات الصلوات المفروضة، ثم بعد حين نحرمها تحريماً قاطعاً، فهذا أمر لا يمكن أن يقول به من كان له أدنى معرفة بنصوص الشريعة، وفهم المقاصدها.

يقول الشاطبي: ومن هنا كان نزول القرآن نجوما في عشرين سنة، ووردت الأحكام التكليفية شيئاً فشيئاً ولم تنزل دفعة واحدة، وذلك لئلا تنفر عنها النفوس دفعة واحدة؛ فلو نزلت دفعة واحدة لتكاثرت التكاليف على المكلف، فلم يكن لينقاد إليها انقياده إلى الحكم الواحد أو الإثنين، وفي الحديث: الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإذا اعتادت النفس فعلا من أفعال الخير حصل له به نور في قلبه وانشرح له صدره، فلا يأتي فعل ثان إلا وفي النفس له القبول، هذا عادة الله في أهل الطاعة، وعادة أخرى جارية في الناس، أن النفس أقرب انقيادا إلى فعل يكون عندها فعل آخر من نوعه، ومنها كان عليه الصلاة والسلام يكره أضداد هذا ويحب ما يلائمه، فكان يحب الرفق ويكره العنف، وينهى عن التعمق والتكلف والدخول تحت ما لا يطاق حمله؛ لأن هذا كله أقرب إلى الانقياد وأسهل في التشريع للجمهورة.

الفقه المقارن

١٥٠

  • العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤ م -

التدرج في الأوامر والنواهي

المطلب الأول: تعريف التدرج لغة واصطلاحاً .

المطلب الثاني: أنواع التدرج وحكمته وقواعده .

المطلب الثالث: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المأمورات .

المطلب الرابع: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المأمور نفسه ..

المطلب الخامس: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المحرمات .

المطلب السادس: دلالة خطاب الشارع على التدرج في نفس المحرم .

المطلب السابع: ارتباط التدرج بالزمان والأشخاص والمكان .

المطلب الأول: تعريف التدرج فقه الأولويات وحكمته وقواعده

الفرع الأول : تعريف التدرج

التدرج في اللغة:

جاء في لسان العرب (2)

قيل .... ودرجه إلى كذا واستدرجه، بمعنى أي أدناه منه على التدريج، فتدرج هو، وفي التنزيل العزيز: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ۱۸۲] قال بعضهم: معناه ستأخذهم قليلا قليلا ولا نباغتهم؛ وقيل: معناه سنأخذهم من حيث لا يحتسبون؛ وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به فيركنون إليه ويأنسون به فلا يذكرون الموت، فيأخذهم على غرتهم أغفل ما كانوا. ولهذا قال : عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حمل إليه كنوز كسرى: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً، فإني أسمعك تقول: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ۱۸۲].

وروي عن أبي الهيثم امتنع فلان من كذا وكذا حتى أتاه فلان فاستدرجه أي خدعه حتى حمله على أن درج في ذلك. أبو سعيد: استدرجه كلامي أي أقلقه حتى تركه يدرج على الأرض.

١٥١

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط احكام المستجدات والنوازل

والدروج من الرياح السريعة المر، وقيل: هي التي تدرج أي تمر مراً ليس بالقوي ولا الشديد. يقال: ريح دروج، وقدح دروج والريح إذا عصفت استدرجت الحصى أي صيرته إلى أن يدرج على وجه الأرض من غير أن ترفعه إلى الهواء، فيقال درجت بالحصى واستدرجت الحصى. أما درجت به فجرت عليه جريا شديدا درجت في سيرها، وأما استدرجته فصيرته بجريه عليها إلى أن درج الحصى هو بنفسه. ويقال: ذهب دمه أدراج الرياح أي هدرا ودرجت الريح تركت نمانم في الرمل. وريح دروج يدرج مؤخرها حتى يرى لها مثل ذيل الرسن في الرمل واسم ذلك الموضع الدرج. ويقال: استدرجت المحاور المحال؛ كما قال ذو الرمة: صريف المحال استدرجتها المحاور أي صيرتها إلى أن تدرج. (ويقال: استدرجت الناقة ولدها إذا استتبعته بعد ما تلقيه من بطنها، ويقال: درج إذا صعد في المراتب ودرج إذا لزم المحجة من الدين والكلام كله بكسر العين من فعل ودرج ودرج الرجل: مات. ويقال للقوم إذا ماتوا ولم يخلفوا عقباً قد درجوا ودرجوا. وقبيلة دارجة إذا انقرضت ولم يبق لها عقب... وكأن أصل هذا من درجت الثوب إذا طويته، كأن هؤلاء لما ماتوا ولم يخلفوا عقباً طووا طريق النسل والبقاء. ويقال للقوم إذا انقرضوا: درجوا.

جاء في تاج العروس (0)

.... درج الشيء يدرجه درجا (طوى)، وأدخله كدرج) تدريجا، (وأدرج)، والرباعي أفصحها، والإدراج لف الشيء، ويقال لما طويته: أدرجته، لأنه يطوى على وجهه.

وأدرجت الكتاب طويته (و) من المجاز يقال: درج الرجل (كسمع)، إذا (صعد في المراتب) لأن الدرجة بمعنى المنزلة والمرتبة، (و) درج إذا لزم المحجة)، أي الطريق الواضح من الدين أو الكلام، كله بكسر العين من فعل، وقيل: هي التي تدرج أي تمر مرا ليس بالقوي ولا الشديد، يقال: ريح دروج وقدح دروج.

١٥٢

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤م

التدرج في الأوامر والنواهي

الفرع الثاني : والمقصود بالتدرج في الإصطلاح

الانتقال بالمخاطب من الأسهل إلى الأصعب، ومن كلية إلى أخرى، ومن الكليات إلى الجزئيات، ومن الإلتزام النظري إلى الإلتزام العملي التطبيقي، ومن الإيمان إلى الأعمال، ومن التوحيد إلى العبادات.

والانتقال به في باب المحرمات، من محرم إلى آخر.. ومن تحريم الكبائر إلى تحريم الصغائر، حتى يصل المخاطب إلى مرتبة التكيف مع كل خطاب للشارع، والانصياع لكل أمر، فالتدرج سنة كونية، وشرعية، لأنها تتوافق والفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فإن طبيعة البشر، تأبى قبول الأحكام جملة واحدة، أو الامتناع عن المحرمات مرة واحدة، وذلك لما ألفته النفس واعتادت عليه من العادات في جاهليتها، واستثقال ما هو جديد من العبادات، لذلك يصعب على النفس ترك ما ألفته من تلك العادات، ويشق عليها تجنب ما اعتادته من الشهوات دفعة واحدة لذلك جاءت سنة التدرج الشرعية، موافقة تماماً لسنة الله الكونية.

قال تعالى: قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السَّرَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... [الفرقان: الآية ١٦

لذلك من الله سبحانه التدرج مع عباده في كثير من القضايا.. في المأمورات وفي المنهيات.. وكذلك سنه رسول الله.

اشتراك التدرج وفقه الأولويات :

وأما الاشتراك بين التدرج وفقه الأولويات، فذلك لأن فقه الأولويات يعني التدرج من الأهم إلى المهم... فالتوحيد - مثلاً - أعظم العبادة، فكان لا بد من تقديمه على كل عبادة، لأنه لا تستقيم عبادة إلا به، فهذا تدرج وأخذ بالأولويات فهو يشبه الوضوء للصلاة.

ولما كان الشرك أعظم الذنوب، كان لا بد من تقديم النهي عنه على كل

١٥٣

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

ذنب، فهذا تدرج وأخذ بالأولويات، وهكذا تتداخل هاتان القاعدتان، وتتشاركان.

والمقصود تمثيلاً: أنه إذا أسلم رجل.. أو إذا جاء داعية إلى قوم قد تركوا الواجبات.. وفعلوا المحرمات، فلا يطلب منه (منهم) فعل الواجبات كلها دفعة واحدة، ولا ترك المحرمات كلها دفعة واحدة.. وإنما يطلب منه (منهم) التوحيد.. ثم الصلاة، ثم الزكاة، وينهى عن الكبائر.. كبيرة كبيرة...

وأما إذا كان الرجل حديث الإسلام، أو القوم الذين ضعف إيمانهم.. على استعداد لتقبل فعل معظم الطاعات، وترك معظم المنهيات فيبلغون والحال هذه... لكن كم من امرئ أفاد أنه على استعداد... ثم سرعان ما انتكس ؟!

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي: إن التدرج في تطبيق الشريعة ليس معناه تعطيل الحكم بالشريعة أو تعليقه إلى أجل غير مسمى، بل معناه وضع خطة محكمة ذات مراحل محددة للانتقال بالمجتمع من العلمانية إلى الإسلام، على أن تعطى الأولوية للجوانب التربوية والإعلامية والثقافية التي تعمل متضامنة متكاملة من أجل بناء الإنسان الذي ينشده الإسلام، وتهيئة المناخ اللازم لتطبيق سائر شرائع الإسلام بنجاح وتوفيق، وفي مقدمة ذلك إزالة الحواجز أمام الدعاة الصادقين للإسلام - أفراداً وجماعات - وتوفير ضمانات الحرية الضرورية لهم ليقوموا بواجبهم في الدعوة والتوعية والتربية والتكوين، وهذه من ألزم الأولويات التدرج المطلوب هو الذي يضع نصب عينيه الهدف، ويحتال جاهدا للوصول إليه، فلا يمر يوم - كما أشار عمر بن عبد العزيز - إلا وهو يميت بدعة من بدع الجاهلية ويحيي سنة من سنن الإسلام.

المطلب الثاني: أنواع التدرج وحكمته وقواعده الفرع الأول : أنواع التدرج ينقسم التدرج إلى ثلاثة أنواع هي :

النوع الأول: التدرج في التشريع، ومعناه: أن يكون مقصود المشرع تشريع

١٥٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

التدرج في الأوامر والنواهي

صورة معينة لكن يتوسل إليها بتشريع مؤقت قاصر عن الصورة المقصودة ثم يتدرج المشرع حتى يصل إلى صورة المنع التي كانت مقصودة له أول الأمر "ومن أشهر أمثلته التدرج في تشريع الخمر على أربع مراحل".

النوع الثاني: التدرج في إبلاغ الصورة التشريعية، ومعناه: بيان بعض الدين والحق والسكوت عن بيان بعضه إلى أن يحين وقته ومن أشهر أمثلته حديث معاذ المشهور لما بعثه النبي له إلى قوم أهل كتاب .

النوع الثالث: التدرج في التنفيذ: وفيه تكون الصورة التشريعية معلومة بينة ولكن يسكت عن إنفاذها وتحقيق مقتضياتها ومن أشهر أمثلته ما أشرنا إليه في قصة الخليفة عمر بن عبد العزيز في مقدمة هذه الورقة.

الفرع الثاني: حكمة التدرج

من المعلوم أن النفوس طبعت على استثقال التكاليف، قال تعالى: كتب عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة، الآية: (٢١٦]، وقال : «حفت الجنة بالمكاره»، الحديث .

كما طبعت النفوس على صعوبة ترك ما ألفته من الشهوات والملذات ومفارقة الأصحاب.

قال له : وخفت النار بالشهوات ....

فإذا نقلت النفس من حال إلى حال، ومن حكم إلى حكم، كان ذلك أدعى للاستجابة، وأسهل لترك المحرمات، وفعل الطاعات.

ثم إن المؤمن إذا فعل طاعة أو ترك حراماً الله.. ازداد إيمانه، فتنشطت نفسه لطاعة جديدة، أو هجر لمعصية وهكذا، ذلك لأن الإيمان يسهل أداء الطاعات بل يشوق لها، ويُكره المحرمات، وينفر منها، وهذا هو سر تدرج النبي صلى الله عليه وسلم مع وقد أهل الطائف وغيرهم، فقد كانوا يحبون أن يسلموا، ولكن استثقل بعضهم خمس صلوات، وغيرها، لضعف إيمانهم، وقربهم من جاهليتهم، التي لا

١٥٥

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

تكليف فيها إلا الشهوات والهوى، فقبل منهم رسول الله الله الإسلام بما اشترطوا، إلى حين استقرار الإيمان في قلوبهم بأدائهم بعض العبادات، وبصحبتهم المسلمين، وبسماعهم القرآن الكريم، وحضورهم دروس العلم، فإن هذا سيزيد في إيمانهم، ويزيل جهلهم، الأمر الذي يدفعهم إلى تصحيح وضعهم بأنفسهم، وهذا ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا.». وهذا ما كان.

الفرع الثالث: قواعد التدرج

هذه أربعة قواعد نرى أنها ضرورية لمسألة التدرج ووقوعه في العصر يجب أن نضعها في الإعتبار عند مناقشة هذا الأمر وهي :

القاعدة الأولى :

إن التوحيد لا يقبل التدرج أو النسخ أو الاستثناء، فلا يجوز التعريف بالله بصورة مرحلية ، ومما ورد في هذا الشأن عندما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين الشعراء آية (٢١٤)، خرج رسول الله الله حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه، فقالوا: من هذا فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي، قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب تباً لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَب سورة المسد الآية (1))) فلم يتدرج معهم في شأن العقيدة لأنها لا تقبل التدرج .

القاعدة الثانية :

التدرج لا يبيح ولا يسقط

من أوجب قواعد التدرج في خطاب الشارع أنه لا يبيح حراماً، ولا يسقط واجباً فالواجب واجب إلى قيام الساعة، والمحرم محرم إلى قيام الساعة.

١٥٦

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م -

التدرج في الأوامر والنواهي

فإن قيل : فكيف يرى الحرام ولا ينكره ... قيل: يجوز أن يسكت عنه سكوتاً مؤقتاً إذا كان يعالج ما هو أكبر منه ، أو يمهد لإنكاره، وإلا فكيف كان يسكت (رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يعلم وجوب تغييره ؟! كما سبق ذكره في بعض الأمثلة .

القاعدة الثالثة:

التدرج لنقل المدعو من حال لحال...

وبهذا يتضح أن التدرج هو منهج دعوي يخص الداعية، لينقل المدعوين من حال إلى حال، لا أن يبيح لهم ما حرم الله، أو يسقط عنهم ما أوجب الله.

ويتضح هذا في صورتين:

الأولى التي لا يقع فيها التدرج صورة من كان مسلماً، ويعيش بين المسلمين والعلماء، قد عرف التوحيد والشرك، والحلال والحرام، فهذا ليس له في التدرج شأن ولا شيء.

الثانية التي يقع فيها التدرج : وهي على صورتين:

(1) صورة من كان يريد الإسلام، أو هو حديث عهد بجاهلية، لا يعرف توحيداً ولا شركاً، ولا حلالاً ولا حراماً، فهذا الذي شرع في حقه التدرج، ولا يحاسب إلا على ما بلغه، وأقيمت الحجة عليه فيه.

(۲) ويلحق بالصورة السابقة من كان غارقاً في جهله، غائصاً في ذنوبه فيستدرج إلى الخير درجة درجة، وينقذ من الضلال دركة دركة.

القاعدة الرابعة :

لا بد من التأني ومراعاة التدرج في التأثير على المخالف مبتدعا كان أو غيره والمسلك في التدرج مع الخصم بالانتقال مما هو متفق عليه معه، إلى ما هو مختلف فيه، وجعل المجمع عليه دليلاً على المختلف فيه (١١).

١٥٧

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الخلاصة :

فالتدرج منهج دعوي، لا مذهب فقهي، يحكم، ويحرم، ويبيح، فمن عرف الحرام وواطأه، أثم، ومن ترك الواجب وهو يعلمه فقد عصى، سواء تدرج معه أو لم يتدرج.

بالتالي النتيجة أن هؤلاء الذين ورد وقوع التدرج في حقهم كما في الحالة الثانية بصورتيها لو واطؤوا هذا الذي تدرج معهم فيه الداعية مع علمهم النهي أو التحريم أو الوجوب فإن هذا التدرج لا يعفيهم من المساءلة الدينية إذ إنهم يأثمون على ذلك .

المطلب الثالث: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المأمورات

الفرع الأول : حصول التدرج في تنجيم القرآن الكريم

من أوضح ما يبين قضية التدرج في الواجبات، نزول القرآن على مراحل وعدم نزوله دفعة واحدة، لأن هذا التتابع والتدرج يثبت الأفئدة، ويجعلها تعي ما يقال لها، لذلك لما استغرب الكفار نزول القرآن منجماً، قال لهم سبحانه مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : ... كَذَلِكَ لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ.. الآية [الفرقان، الآية: ۳۲)، ويبين هذا؛ ما كان من سيرة الأنبياء في مسلكهم الدعوي، فقد كانوا يدعون الناس إلى توحيد الخالق، ونبذ الشرك، قبل الأمر بكثير من العبادات، ولا التعرض إلى كثير من المحرمات التي يتعاطاها المدعوون.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتِ ﴾ [النحل: ٣٦].

فإذا استقر الإيمان في القلوب، وخلصت النفوس بالتوحيد، نقلت إلى أداء الأركان، واحداً بعد الآخر.. أي: إلى العبادات، عبادة تلو أخرى.

لذلك نجد أن النبي الله مكث يدعو الناس إلى التوحيد بمكة ثلاثة عشر عاماً ليستقر الإيمان في القلوب .

١٥٨

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :

التدرج في الأوامر والنواهي

وإذا كان الإيمان هو القاعدة، فإن العبادات هي مثبتاتها، فهي تثبت الإيمان وتزيده، وأثناء التدرج بالعبادات، يكون التدرج بالانتهاء عن المحرمات، ذلك لأن العبادات تعين على ترك المنكرات.

قال تعالى: إن الصلاة تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء والمنكر .. [العنكبوت: ٤٥]

وقال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهم بها ﴾ [التوبة: ١٠٣]

وقال الله : «صوم ثلاثة أيام من الشهر تذهب وحر الصدر (١٢)

وحر الصدر: أي تطهير القلب من الدنس، وما يلحقه من الأدران المعنوية من حقد وحسد، وماشابه ذلك.

وقال : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن، أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها (۱۳)

فالبدء بالدعوة إلى الإيمان.. تأسيس واطمئنان والتثنية بالعبادات.. ذكر وتثبيت، والنهي عن المنكرات... تطهير وتزكية.

الفرع الثاني حصول التدرج في السنة النبوية

قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه دليل حصول التدرج فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله الله المعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب (١٤)

١٥٩

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

فقوله : «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل» دال على وجوب البدء بالتوحيد قبل غيره من أركان الإسلام، ثم الفرائض والسنن والآداب.

وقوله : «فإذا عرفوا الله دال على وجوب البدء بتعليم التوحيد حتى يعرفه الناس ويخضعوا له، ثم ينتقل إلى غيره، ولا يكفي مجرد خضوع الناس لـه لينتقل إلى غيره.

وقوله : «فإن هم أطاعوا لك بذلك دال على التدرج على هذا النحو، والبدء بالأهم فالأهم، وألا ينتقل إلى ركن حتى يُفرغ من الذي قبله، ويخضع له الناس ويعلموه.

قال صاحب فتح المجيد (١٥) وتأمل هنا كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً - وغيره بالتبع - كيف يدعو الناس، فلا بد أن يكون الداعي على علم بحال المدعو وبما يناسبه، لا أن يبدأ في الجدل معه على جهل بحاله، فقال له: (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب)، أي: سيجادلونك بالتوراة، وبما عندهم من علم فجهز ردك عليهم، وفكر في طريقة الجدال معهم،

وكيف تقنعهم، فهم أهل كتاب عرفوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام وعرفوا علامات النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم أشركوا بالله سبحانه فعبدوا غيره قال تعالى: وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠].

فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فلا تبدأ معهم في إثبات وجود الله تعالى، وأنه الذي خلق السماوات والأرض، فهم يعرفون ذلك بل ابدأ في دعائهم إلى التوحيد؛ لأنهم مشركون هذا هو التدرج الذي مارسه النبي وأمر به، وهو الذي ينبغي أن يمارسه الدعاة إلى الله، فيبدؤوا بلا إله إلا الله، ويتعلموها ويعلموها.

١٦٠

  • الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤ م -

التدرج في الأوامر والنواهي

المطلب الرابع: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المأمور نفسه

ولم تقتصر سنة التدرج بين الكليات كالتوحيد، ثم العبادة فحسب بل كان التدرج في الكلية نفسها، أي: كان التدرج في التوحيد نفسه، وفي الصلاة نفسها، وفي الصوم كذلك.

الفرع الأول : دلالة خطاب الشارع على التدرج في التوحيد نفسه

فأول ما حرم الشرك الأكبر، ولم ينههم الرسول الله عن الشرك الأصغر إلا في المدينة، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله له أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم .

ففي هذا الحديث وغيره، دلالة على أن الصحابة كانوا يحلفون في المدينة بآبائهم، فلو كان شركاً أكبر، وقد نهوا عنه أول الأمر، لما وقعوا فيه بعد الهجرة، وبخاصة من أمثال عمر رضي الله عنه.

وأصرح من هذا؛ قوله : إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: «لا تقولوا ما شاء الله، وما شاء محمد (۱۷)

الفرع الثاني : دلالة خطاب الشارع على التدرج في الصلاة نفسها

وأول ما شرعت الصلاة ركعتين ركعتين في مكة، ودون النوافل، ثم زيدت في الحضر، ثم شرعت النوافل، فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأولى (١٨).

ولم تكن الصلاة أول ما شرعت على هيئتها آخر الأمر، فكان المسلمون يتكلمون في صلاتهم، ثم أمروا بالإمساك عنه، بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ۲۳۸]

قال ابن كثير : وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة المنافاته إياها، فعن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي الله في الحاجة في

١٦١

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الصلاة حتى نزلت هذه الآية ﴿وَقُومُوا لله قانتين [البقرة: ۲۳۸] فأمرنا بالسكوت (١٩).

الفرع الثالث : دلالة خطاب الشارع على التدرج في الصيام نفسه

فعن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال.... وقال في الصوم فإن رسول الله الله كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى يَأْتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، إلى قوله: (طَعَامُ مِسْكِين﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤) فمن شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر فطر، ويطعم كل يوم مسكينا أجزأه ذلك، فأنزل الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، إلى قوله أيام أخر [البقرة: ١٨٥] فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز، اللذين لا يستطيعان الصوم، وساق الحديث (۲۰)

ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على أن التدرج كان في تعليم الناس التوحيد نفسه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمهم التوحيد كاملاً، ولا الصلاة دفعة واحدة على هيئتها الأخيرة.

والمقصود من هذا أن التدرج يكون من كلية إلى كلية، كما يكون في الكلية نفسها من حال إلى حال.

الفرع الرابع : دلالة خطاب الشارع على التدرج في المعاملات آيات الربا نموذجاً

وبالنظر إلى الآيات الواردة في الربا، نجد أن القرآن الكريم قد تعرض لهذا الداء الوبيل في أربعة مواضع (٢١)

ففي المرحلة الأولى :

يقول تعالى: ﴿وَمَا أَتَيْتُم مِّن رَبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا أَتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.

  • الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :

التدرج في الأوامر والنواهي

والآية الكريمة كما تبين أن الربا ليس له ثواب عند الله، فهي كذلك لم تذكر أن الله قد أجل لأكله عقاباً، كما تبين الآية أن ما أخذه المرابي من المحتاج عن طريق الاستغلال ليزيد به في ماله بلا مقابل، فإن ماله لن يزيد عند الله تعالى.

أما المرحلة الثانية:

فقد كانت درساً وعبرة قصها علينا القرآن الكريم عن سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا، فأكلوه، وعاقبهم الله بمعصيته، قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتِ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبَصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرَّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

(سورة النساء الآيتان: ١٦٠-١٦١).

وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح ومهما يكن من أمر، فإن هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصداً في هذا الأمر.

ثم تأتي المرحلة الثالثة:

تحمل النهي الصريح عن الربا، ولكنه لم يكن إلا نهياً جزئياً عن الربا الفاحش، الذي يتزايد حتى يصير أضعافاً مضاعفة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران٫ ۱۳۰]

وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر، فإن هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصداً في هذا الأمر.

ثم تأتي المرحلة الرابعة:

تحمل النهي الصريح عن الربا، ولكنه لم يكن إلا نهياً جزئياً عن الربا

١٦٣١

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافاً مضاعفة، قال تعالى: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) (البقرة: ۲۷۸). ترك لهم ما سلف من الربا ولم يقرر استرداده منهم، ولا مصادرة أموالهم كلها، أو جزء منها، بسبب أن الربا كان داخلاً فيها.. إذ لا تحريم بغير نص، ولا حكم بغير تشريع.. وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به...

المطلب الخامس: دلالة خطاب الشارع على التدرج في المحرمات

كما كان التدرج في المأمورات من توحيد وعبادات، كان كذلك في تحريم المحرمات، فلم تحرم المحرمات في بدء الدعوة، ولا حرمت بعد ذلك دفعة واحدة، بل كانت تحرم واحدة تلو الأخرى.

وقد كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يتعاطون بمكة محرمات؛ من خمر وميسر وغير ذلك، مما عده الإسلام بعد ذلك من الموبقات، دون أن ينهاهم الإسلام وقتئذ عن شيء منها، وهذا أمر مشهور لا يحتاج إلى شواهد، فتعاطي الصحابة الخمر حتى في المدينة مشهور ومعروف (۲۲)

فقد بدأ الإسلام بتحريم الشرك، ثم الكبائر، ثم الصغائر.

قال تعالى : .... قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مآب [الرعد: ٣٦].

تعميم. وقال تعالى: ... وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ۸۷]. ثم نزل بعد ذلك تحريم المحرمات بالتدرج دون تفصيل - بادئ الأمر - ولا

قال تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لُحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهُ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنْ رَبِّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].

١٦٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤ -

التدرج في الأوامر والنواهي

قال القرطبي: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم.. والآية مكية، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة

وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والنطيحة كما في قوله تعالى: حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَة والنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النَّصْبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَمْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينَكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطَرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفِ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 3] والخمر كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ۹۰ - ۹۱] وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (٢٣)

المطلب السادس: دلالة خطاب الشارع على التدرج في نفس المحرم

كذلك كان يتدرج في المحرم نفسه من حال إلى حال، والتدرج في تحريم الخمر أشهر من أن نذكره هنا.

فعن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: ۲۱۹] قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي

١٦٥

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

في النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِنَّا عَابِرِي سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال عمر: انتهينا (٢٤)

قال القفال: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب، أن الله تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيراً، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق".

المطلب السادس: ارتباط التدرج بالزمان والأشخاص والمكان

الفرع الأول : بقاء سنة التدرج واستمراها

فإن قيل: إن التدرج كان قبل نزول الأحكام، وفرض العبادات، وقد تمت الأحكام، وفرضت العبادات، فلا تدرج اليوم، قيل:

أولاً:

إن التدرج منهج مرحلي، وطريقة دعوية، لا تنسخ كأحكام الحلال والحرام المعرضة للنسخ.

ثانياً:

إنه لا دليل على نسخ التدرج لمن يحتاجه، ودعوى تمام الشريعة لا تتعارض مع بقاء سنة التدرج في بعض الأحوال، ومع بعض الأعيان، بل لو قيل: إن من تمام الشريعة، وكمالها، وجمالها بقاء سنة التدرج... لكان صحيحاً، وذلك

المقارن - العددان (٥٤) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

الفقه

١٦٦

التدرج في الأوامر والنواهي

ليتناسب هذا الدين وأحوال الناس كافة.. ولو سلم بأن التدرج منسوخ.. فكيف ستعامل هذه الشعوب المسلمة التي خرجت مما وقع فيها من الفتن، وهي لا تعلم عن دينها شيئاً .

ثالثاً:

إن التدرج كان لعلة، فإذا زالت زال، وإذا وجدت وجد، وعلته وجود مجتمعات جاهلية تدعى إلى الإسلام، أو وجود مسلمين حديثي عهد بجاهلية.

ووجود هذه الأصناف وهي علة التدرج - ما زالت قائمة، وستبقى إلى يوم القيامة، وببقائها تبقى سنة التدرج، لذلك يشرع في حق هؤلاء التدرج؛ ولو بعد ثبوت الأحكام الشرعية.

فلو قدر أن رجلاً يريد أن يسلم، واستثقل ترك الخمر، فلا مانع أن يسلم، ولو بقي على ذنبه، أو استثقل الحج، فيقال له أسلم، ثم يكون بعد ذلك ما يكون، أو إذا أرادت امرأة أن تسلم على أن لا تتحجب، فيقال لها: أسلمي، ولو بقيت سافرة.

والحكمة؛ أن يفتح لهم باب الإسلام على ما هم عليه إلا الكفر، ثم يتدرج معهم في أحكام الدين واحدة تلو الأخرى حتى يثبتوا.

رابعاً :

تدرج الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات بعد نزول الأحكام تدرجاً مرتبطاً بالأشخاص، وهذا ما سنفصله في الفرع التالي:

الفرع الثاني : ارتباط التدرج بالأشخاص

المعرفة هذا النوع من التدرج هل يجوز التدرج مع أقوام دون أقوام، وأفراد دون أفراد، لظرف طارئ، أو لحالة خاصة، كما هو الحال مع المسلمين الذين كانوا يخضعون للحكم الشيوعي، وغيرهم ممن جهلوا دينهم ودب فيهم ما دب من الشركيات، وانتشر ما انتشر فيهم من البدع، والمحرمات.

ومثل هذه المجتمعات، لم تنعدم عبر التاريخ، حتى في عصرنا، فقد وجد في

١٦٧

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

مثل هذه المجتمعات مسلمون لا يعرفون أركان الإسلام، فكيف بأدائها وأحكامها (٢٥)

فليس من الحكمة؛ نقل مثل هؤلاء إلى الإسلام بجملته، بدعوى أنهم مسلمون، وأن الشريعة كملت بل لا بد من أخذهم بقاعدة التدرج.. التوحيد... فالعبادات، واحدة بعد الأخرى.. والنهي عن المحرمات... الأعظم فالأعظم حسب أحوال العباد.

ومن أروع ما وقع من مثل هذا في عصر النبوة دليلاً على التدرج في هذا

الجانب :

الأول: (حديث وقد ثقيف):

عن وهب قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول: «سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا» (٢٦).

وعن نصر بن عاصم عن رجل منهم أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه (٢٧)

لذلك لو أن امرءاً قال: أسلم وأؤدي بعض العبادات دون بعض، ولا أنتهي عن المحرمات كلها، أو بعضها، نقيل له: أسلم... لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً (٢٨).

الفرع الثالث : ارتباط التدرج بالمكان

من المعلوم أن المجتمعات ليست واحدة في أحوالها فهناك المجتمع المكي.. والمجتمع الدعوي.. والمجتمع الحبشي.. والمجتمع الحجازي.. والمجتمع الإسلامي.. إلى غير ذلك من أنواع المجتمعات التي لكل واحد منها أحواله وأحكامه، ومواقفه.

والبيئة تؤثر على هؤلاء (٢٩)، كما قال تعالى: ﴿وَصَدَهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ) [النمل: ٤٣)

١٦٨

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م -

التدرج في الأوامر والنواهي

أولاً: توفر ظروف المجتمع المكي

لذلك تتأكد حكمة بقاء منهجية التدرج لتتناسب وهذه المجتمعات كل حسب حاله، وبخاصة في بيئة كحال المجتمع المكي، والمقصود بالوضع المكي:

وجود مسلمين ضعفاء مضطهدين بين أظهر الكافرين، لا يسمح لهم بالدعوة ولا يستطيعون إقامة شعائرهم، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر... فضلاً عن الجهاد، وإقامة الحدود، فإن وجد قوم من المسلمين كذلك، فيشرع لهم الاقتداء بأفعال الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) بمكة، من أداء ما يستطيعونه من العبادات، والانتهاء عما يستطيعونه من المحرمات.

ويجب عليهم الرد الكريم، والصفح الجميل، والعفو عن المؤذين، وكف الأبدي، ويحرم عليهم الرد بالعنف والقتال، قال تعالى: ﴿ فَاصْفَح الصفح الجميل [الحجر: ٨٥]، كما قال في هذا الشأن الأحنَفَ بْنَ قَيْسٍ : وَإِذَا جَمِيلٌ الْوَجْهِ لَمْ يَأْتِ الْجَمِيلَ فَمَا جَمَالُهُ : مَا خَيْرُ أَخْلاقِ الْفَتَى إِلَّا تُقَاهُ وَاحْتِمَالُهُ، وقوله تعالى : ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (يوسف: (۱۸) وقوله: فَاصْبر صبراً جَمِيلاً (المعارج: (٥) الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه ولا جزع فيه، وقوله : فاصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (الحجر: ٨٥)، أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه .

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ [النساء: ۷۷]

قال أهل العلم: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة، فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: . [۲۹

١٦٩

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الخلاصة:

أن منهجية التدرج في الدعوة إلى الله ما تزال قائمة لم تنسخ، يعمل بها حسب الأحوال، وأن فيها من الحكمة الشيء الكثير، وأن غياب هذه القاعدة من منهج الداعية فضلاً عما فيه من مخالفة لسنن الله الكونية، وسننه الشرعية، فإن فيه اصطداماً مع واقع ليس من ورائه إلا الفشل، والنفور... فشل الداعية.. ونفور المدعوين.

الخاتمة

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين، فإن التغيير سنة ماضية الى يوم الدين وحوادث الدنيا متجددة وحاجة الناس الى الشرع الذي ينظم جوانب الحياة المختلفة ضرورة من ضرورات الحياة .

بالتالي ليس للخلق القدرة على تنظيم هذه الحياة من أنفسهم دون تدخل من الخالق الذي خلقهم، فكان ذلك في بعث الرسل والأنبياء بالرسالات التي ينبغي أن ينقاد لها الناس، ولمعرفة الخالق بأحوال الناس لم ينزل عليهم الأوامر والنواهي جملة واحدة، بل حتى لم ينزل كل الرسالات على رسول واحد ومع هذا اختلفت أزمنة الرسل والرسالات مما يدل على حكمة الخالق في الرفق بالمجتمعات .

فكيف لا يرفق الخالق بهؤلاء وهو عالم بأحوالهم وخبير بأسرارهم، لهذا وزيادة في الرفق لم ينزل حتى القرآن جملة واحدة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام رفقاً بالناس والأمة، ولتحقيق مقاصد الشارع في الوصول بالمجتمع الى مراقي الإيمان والهداية التي تقوم على الإعتقاد القائم على الفهم الثابت الذي يدفع بهم إلى التمسك بالعزيمة، ويمنع الناس من الشعور بالحرج الذي قد يدفع بهم الى التخلي عن ذاك الذي بدأ ينمو في النفس كبذرة خير يراد لها النمو كما جاء في قوله : لولا أن قومك حَدِيثُوا عهد بشرك لهَدَمْتُ الكعبة ثم أقمتها على قواعد إبراهيم، فالذي منعه من الهدم هو حداثة القوم بالشرك فهدمها قد يعيدهم

١٧٠

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) المسنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

التدرج في الأوامر والنواهي

إلى ما كانو عليه من ضلال فحرصاً منه الله على بقاء هؤلاء في حظيرة الإسلام ترك الكعبة على غير قواعد ابراهيم حتى لا يؤدي ذلك الى تغيير قواعد أناس آمنوا بالله رباً وبمحمد الله نبياً إلى قواعد شرك لا تؤمن بالله وتناصب رسول الله عدواً .

لقد ناقشت هذه الدراسة النصوص الشرعية التي وردت في هذا المعنى تحت لفظ "التدرج" نظراً وتأملاً في الأوامر والنواهي ودلالة ألفاظ الشارع على هذا التدرج، وذلك كله لتحقيق هدف محدد هو امكانية حصول هذا التدرج في العصر".

وبعد المناقشة والتحليل توصلت الدراسة إلى النتائج والتوصيات التالية:

أهم النتائج :

(1) أكدت فائدة الدراسات من هذا النوع لتأكيد صلاحية هذه الشريعة لكل مكان وزمان ولكل فرد أو مجموعة أو شعب...

(۲) حصول التدرج في التشريع كمنهج دعوي يمكن الإستفادة منه في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة حسب الحال والظروف والمكان والأشخاص .

(۳) ثبوت التدرج في العصر لا يعني تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وانما هو منهج للأخذ بيد غير المسلم إلى الإسلام الكامل الذي يدفع به إلى الأخذ بالعزيمة بل يصل الى مرحلة الورع والزهد مخافة المنكرات وبعداً عن الحرام.

(٤) عدم حصول التدرج في العقيدة وتوحيد الله عز وجل لأن هذه مسألة لا تقبل التبعيض أو التجزئة فإما بياضاً ناصعاً لبناً أو سواداً حالكاً مظلماً ايمان صريح أو كفر بواح.

۱۷۱

ملف العدد : المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الهوامش

(1) التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام، لعبد المجيد بن سالم المشعبي (ص: (۸۱) الناشر: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة : الطبعة الثانية، ١٤١٩هـ ٫ ۱۹۹۸م عدد الأجزاء : ۱ ...

(۲) أحمد بن محمد بن خلف بن محرز بن محمد أبو العباس الأندلسي الشاطبي المالكي المقرئ من أهل شاطبة مدينة من شرق الأندلس سئل أبو العباس عن مولده فقال في رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة بالأندلس تاريخ دمشق لابن عساكر : أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: ٥٧١هـ)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، عدد الأجزاء: ٨٠ ( ٧٤) و ٦ مجلدات فهارس)، (٣٤٣٫٥) .

(۳) عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي... كان عونا لأبيه على العدل وقال لأبيه في أصحابه أنفذ فيها أمر الله إذا جاشت بسي وبك القدور انظر : تاريخ دمشق أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: ۵۷۱ هـ) (۳۷ ۳۸) .

(٤) لسان العرب : محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: (۷۱۱هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ

(٢٦٨٫٢)

(۵) تاج العروس من جواهر القاموس : محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، أبو الفيض الملقب بمرتضى الزبيدي (المتوفى: ۱۲۰۵هـ)، مجموعة من المحققين، دار الهداية تاج العروس (٥٥٥٫٥) .

(٦) رواه مسلم بالرقم (۲۸۲۲) ..

(۷) رواه مسلم بالرقم (۲۸۲۲) .

(۸) المسيح عليه السلام دراسة سلفية (۲۹۷٫۱) المسيح عليه السلام دراسة سلفية للشيخ رفاعي سرور الناشر: دار هادف للطباعة والنشر .

(۹) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، لأبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: ٥٥٨هـ)، المحقق: سعود بن عبد العزيز الخلف، الناشر: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى ١٤١٩هـ ٫ ١٩٩٩م، عدد الأجزاء: ٣ (٧٢٤٫٣).

(۱۰) دعوة أهل البدع (ص: ۱۸۷).

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

۱۷۲

التدرج في الأوامر والنواهي

(۱۱) التوضيحات الكاشفات على كشف الشبهات (ص: (۱۳۱) تأليف: د محمد بن عبد الله بن صالح الهبدان المشرف العام على شبكة نور الإسلام.

(۱۲) رواه أحمد (٧٨،٣٦٣٫٥)، والنسائي في السن (٢٠٨٫٤)، وفي الكبرى (٢٦٩٣)، وانظر صحيح الترغيب والترهيب (۱۰۲۳).

(۱۳) رواه مسلم، واللفظ له، كتاب الطهارة رقم (٢٢٣)، وأحمد (٣٤٣٫٥).

(١٤) رواه البخاري (٤٣٤٧) واللفظ له، ومسلم (١٩).

(١٥) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد الشيخ الطبيب أحمد حطيبة (٦) ١١، بترقيم الشاملة آليا)، http:٫٫www.islamweb.net دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية

(١٦) رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦).

(۱۷) رواه أحمد (۷۲٫۵) رقم ۲۰۷۱۳، وابن ماجة (۲۱۱۸م)، والطبراني في الكبير (٣٢٤٫٨) ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٧٤)، وصححه الألباني في الصحيحة ١٣٦ ١٣٧).

(۱۸) رواه البخاري ( ۳۵۰ ٣٩٣٥)، ومسلم (٦٨٥).

(۱۸) رواه البخاري (۳۵۰، ٣٩٣۵)، ومسلم (٦٨٥)

(۱۹) تفسیر ابن کثیر (۳۰۲٫۱)، والحديث رواه أحمد (٣٦٨٫٤) واللفظ له، والبخاري (۱۲۰۰) ٤٥٣٤)، ومسلم (٥٣٩).

(٢٠) رواه أحمد ( ٢٤٦٫٥)، وأبو داوود ( ٥٠٧)، والحاكم (٢٧٤٫٢)، وصححه ووافقه الذهبي، واقتصر على ذكر أحوال الصيام، ولم يذكر أحوال الصلاة، وذكره الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٤٧٩) وقال: صحيح.

(۲۱) منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام (۷۹۳٫۲).

(۲۲) راجع البخاري (۲۰۸۹، ٤٠٠۳)، ومسلم (۱۹۷۹)...

(۲۳) تفسير القرطبي ( ۱۱۵٫۷)، والحديث رواه مسلم (١٩٣٤) وغيره.

(٢٤) أبو داوود (٣٦٧٠)، والنسائي (٢٨٦٫٨)، والترمذي (٣٠٤٩)...

(٢٥) ووجد منهم من لا يعرف من الإسلام إلا أنه يحرم أكل الخنزير، ولا يعلم توحيداً، ولا عبادة فضلاً عن حلال وحرام

(٢٦) ووجد منهم من لا يعرف من الإسلام إلا أنه يحرم أكل الخنزير، ولا يعلم توحيداً، ولا عبادة فضلاً عن حلال وحرام.

(۲۷) رواه أحمد (٢٤،٢٥،٣٦٣٫٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٤١)، وأبو نعيم كما في أسد الغابة (٤٤٦٫٦) قلت: واسناده صحيح، رجاله ثقات، والرجل المبهم شيخ نصر صحابي وجهالة الصحابي لا تضر.

۱۷۳

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

(۲۸) من جميل ما حدث مرة، أن أحد العلماء سأل رجلاً عن سبب تركه للصلاة، فقال الرجل: أحب الصلاة ولكن الوضوء يصعب علي البرودة الماء، لذلك تركت الصلاة، وكان ذلك في بلاد باردة، وقبل وجود أجهزة تدفئة المياه، فقال له العالم تيمم وصل.. فضج العلماء الآخرون ودفعوا العالم للمحكمة على أنه أسقط الوضوء وهو معلوم من الدين بالضرورة .

(۲۹) دعوة أهل البدع، لخالد بن أحمد الزهراني (ص: ١٤٨) .

(۳۰) الصارم المسلول (٤١٣٫٢) .

  • العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :
  • الفقه المقارن

١٧٤

نهاية البحث