2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 4-5قراءة البحث

منهج البحث في المسائل المستجدّة لدى المذاهب الإسلامية

العدد 4-5
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 4-5
بحث منهجي

منهج البحث في المسائل المستجدّة لدى المذاهب الإسلامية

محمد تهامي ذكر

عنوان المقال: مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

الكاتب: الأستاذ محمد تهامي ذكير

هيكل المقال: يتكون البحث من تمهيد وخمسة محاور رئيسية وخاتمة:

التمهيد: أهمية فقه النوازل ودور التطور الحضاري في بروز المسائل المستحدثة

المفاهيم الأساسية: تعريف النوازل والتخريج والتكييف الفقهي

مناهج البحث لدى فقهاء الإمامية المعاصرين

مناهج البحث لدى فقهاء المذاهب السنية

دراسة تطبيقية: عقد التأمين نموذجاً للتخريج والتكييف الفقهي

أهم محاور المقال:

أهمية فقه النوازل:

المستجدات تمثل تحدياً وضرورة للاجتهاد، وإثبات لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.

تعريف النوازل:

موضوعات جديدة أو متغيرة تتطلب حكماً شرعياً، تشمل الطب، الاقتصاد، التكنولوجيا.

التخريج والتكييف الفقهي:

التخريج: إلحاق المسائل المستحدثة بأقوال وأحكام مأثورة بناءً على المشابهة.

التكييف: تصور المسألة وربطها بأصل فقهي منضبط.

مناهج فقهاء الإمامية:

الانطلاق من النصوص، القواعد الكلية، الأصول العملية، العناوين الثانوية.

تمييز بين الحكم الأولي، الثانوي، والولائي.

اعتماد القضايا الحقيقية وشمول العمومات، ومراعاة تغير الزمان والمكان.

مناهج فقهاء السنة:

خطوات تبدأ بالتصور ثم التكييف ثم التطبيق.

مراعاة المآلات، المقاصد، الخصوصيات الزمانية والمكانية، والضرورات.

اعتماد مصادر مثل: القياس، المصالح المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، الإجماع.

نموذج تطبيقي: عقد التأمين:

اختلاف فقهي في تكييفه: • فقهاء السنة (غالباً) حرّموه باعتباره غررياً وربوياً ومقامرة. • فقهاء الإمامية أجازوه بتخريجات متنوعة (الضمان، الهبة المعوضة، الصلح، أو عقد مستقل).

سبب الاختلاف يعود إلى التكييف والتصور ومصادر الاستنباط.

النتائج والتوصيات:

فقه النوازل ضرورة حيوية لتجديد الاجتهاد وتعزيز صلاحية الشريعة.

لا معنى لتقنين الشريعة دون اجتهاد نشط في المستجدات.

الخلاف بين المذاهب في النوازل فرصة للتقارب لا التنازع.

يُوصى بتكثيف التعاون بين مجتهدي المذاهب، وتأسيس فقه جماعي معاصر.

تعزيز تكوين المجتهد النوازلي علماً وفهماً بواقع العصر.

الكلمات المفتاحية: الاجتهاد، فقه النوازل، المسائل المستحدثة، التخريج الفقهي، التكييف الفقهي، العقد، المقاصد، الفقه المقارن، عقد التأمين، المذاهب الإسلامية، الإمامية، السنة.

Ask ChatGPT

ملف العدد

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

الأستاذ محمد تهامي ذكير

أهمية البحث في المستجدات والنوازل المعاصرة

إذا كان لكل عصر وزمن - منذ ظهور الإسلام وإلى الآن - مستجداته ونوازله الفقهية، التي يحتاج المكلف إلى معرفة الحكم الشرعي فيها أو تكليفه تجاهها، وإذا كان الفقهاء والمجتهدون عبر هذه الأزمنة قد بذلوا الجهد وأفرغوا الوسع للكشف عن حكم الشريعة وموقف الإسلام بشكل عام من هذه المستجدات والنوازل، وألفوا فيها الكتب والرسائل...

فإن العصر الحاضر والزمن الذي نعيش فيه اليوم، يمكن وصفه بـ (زمن المستجدات والنوازل بالنسبة للفقه الإسلامي، وذلك لكثرة المستجدات التي حلت بساحته، مع تنوعها وشمولها لجميع المجالات والأصعدة...

لقد كشف التطور العلمي والحضاري المتسارع والمهول في البحث العلمي والاكتشافات في مجال الطبيعة والطب والتقنية والاتصالات والمواصلات عن حقائق ووقائع غيرت الحياة على هذا الكوكب وجعلت منه قرية صغيرة، كما أثر هذا التطور العلمي والحضاري على نظرة الإنسان إلى أشياء كثيرة في نفسه وجسده وفي الطبيعة من حوله، بل لقد تغيرت علاقته بالزمان والمكان، حيث أصبح يتواصل بسرعة قياسية مع بني جنسه في كل مكان من هذه الكرة، فقد أصبح بإمكانه الوصول إلى أماكن بعيدة في ساعات معدودة لم يكن ليصل إليها في الماضي إلا بشق الأنفس وفي أشهر إن لم نقل سنوات...

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

وقد انعكست هذه التطورات والمتغيرات كذلك على علاقته بالدين وفهمه لنصوصه الشرعية، وممارساته الشعائره وعباداته، فتغيرت الأعراف والمواضيع وتبدلت قيمة الأشياء، ما استدعى تغير الفتوى، وظهرت الحاجة الملحة لفقه المستجدات والنوازل، أو الاجتهاد في المسائل المستحدثة والقضايا المعاصرة..

في هذه الدراسة سنتناول مناهج البحث والخطوات التي سلكها فقهاء ومجتهدو المذاهب الإسلامية للنظر الاجتهادي في هذه المستجدات والنوازل المعاصرة، أو الأسس والقواعد التي اعتمدوها للوصول إلى الأحكام الشرعية لها، والكشف عن موقف الإسلام منها ..

لكن قبل الشروع في ذلك، لا بد في البداية من الإشارة إلى مجموعة من العناوين المهمة كتمهيد للدخول في هذا البحث .

صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان

أجمع فقهاء المذاهب الإسلامية كافة على اتصاف الشريعة الإسلامية بالخاتمية والخلود والشمول والإحاطة بكل ما يحتاجه الإنسان (المكلف) عبر جميع الأزمنة والأمكنة، وهذا هو مصداق كمال الدين وإتمام النعمة...

الفراغ التشريعي وضرورة الاجتهاد

لكل واقعة أو حادثة أو نازلة في أي زمان أو مكان، حكم شرعي، ومهمة المجتهد هي الاستنباط والكشف عن هذه الأحكام. وبالتالي فلا وجود للفراغ التشريعي.. لذلك وجب الاجتهاد لمواجهة المستجدات والنوازل وبذل الوسع والجهد لمعرفة موقف الشريعة منها، وإلا اتهمت الشريعة بالقصور والضعف، وهذا بخلاف القول بصلاحيتها لكل زمان ومكان مصداقا للخاتمية والخلود.. يقول الشاطبي: إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة (1) المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد......

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

من هنا ظهر عبر تاريخ الفقه ما سمي بفقه النوازل، كما أفرد المعاصرون أبوابا خاصة للمسائل المستحدثة في كتبهم الفقهية...

ما هي المسائل المستحدثة؟

ليس هناك اختلاف بين الفقهاء في تعريف المسائل المستحدثة أو النوازل المعاصرة، إلا بإضافة بعض القيود أو الأوصاف أو التفاصيل والمصاديق، ففي كتب الفقه الإمامي هناك شبه اتفاق على أن المسائل المستحدثة هي: «كل موضوع جديد يطلب له حكم شرعي سواء لم يكن في السابق أو كان، لكن تغيرت بعض قيوده، فالأول من قبيل النقود الاعتبارية التي لم تكن من قبل والثاني من قبيل اعتبار المالية لبعض الأعيان النجسة والتي لم تكن لها مالية في الماضي ...

أما في الكتابات السنية المعاصرة، فهناك الكثير من التعاريف المتشابهة والتي لا تختلف عن التعريف السابق في جوهره، يقول الدكتور وهبة الزحيلي: "المسائل أو المستجدات الطارئة على المجتمع بسبب توسع الأعمال، وتعقد المعاملات، والتي لا يوجد نص تشريعي مباشرلها، أو اجتهاد فقهي سابق ينطبق عليها، وصورها متعددة ومتجددة ومختلفة بين البلدان والأقاليم، لاختلاف العادات والأعراف المحلية...

التخريج الفقهي والتكييف الفقهي:

يلاحظ في الكتابات الفقهية القديمة والمعاصرة المهتمة بالمستجدات والنوازل، ورود وتداول بعض المصطلحات العلمية المهمة والملازمة لهذا الموضوع، ونقصد بها مصطلحي: التخريج الفقهي والتكييف الفقهي...

بالنسبة للتخريج الفقهي، يقول ابن فرحون المالكي: التخريج عند الفقهاء على ثلاثة أنواع:

الأول: استخراج حكم مسألة ليس فيها حكم منصوص من مسألة منصوصة.

۳۸

الفقه المقارن

  • العددان (٤-٥) المسنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

النوع الثاني: أن يكون في المسألة حكم منصوص فيخرج فيها من مسألة أخرى قول بخلافه.

والنوع الثالث: أن يوجد للإمام نص في مسألة على حكم، ويوجد نص في مثلها على حد ذلك الحكم، ولم يوجد بينهما فارق فينقلون النص من إحدى المسألتين ويخرجون في الأخرى، فيكون في كل واحدة منهما قول منصوص وقول مخرج ....

أ - فالتخريج عند الفقهاء - كما يقول الدكتور عبدالله الزبير - لا يخرج عن أحد هذه المعاني الثلاثة :

ب - بناء مسألة لم يرد فيها قول للإمام على قول أو فتيا له في مسألة قريبة الشبه منها للمشابهة بين المسألتين، وهذا قريب مما يعرف بالتخريج على المذهب...

ج - بناء مسألة ورد فيها قول للإمام وفتيا له على قول آخر في المذهب أو أصل فيه يكون فيها للمذهب قولان قول بالجواز وقول بالمنع، أو قول بالمنع ثم قول بالجواز.

د - توجيه المسائل التي يظهر فيها نوع إشكال والتفصيل فيها بياناً لمرادها واستيعاباً لها فيما يندرج تحت أصول المذهب وقواعده ) (٥)

أما السيد محمد باقر الميرداماد فيعرف التخريج الفقهي بأنه:

استخراج شيء من مذاق أحوال الأدلة والمدارك وغوامضها بالنظر التعقبي (النظر الدقيق البرهاني) بعد النظر الاقتضائي (الأولي)، واستنباط حكم جزئي بخصوصه، خفي من دليل بعينه من الأدلة، كتاب أو سنة مثلا، غير منسحب الحكم على ذلك الجزئي في ظاهر الأمر، وجليل النظر بتدقيق النظر الفحصى فيه ليستبين اندراج هذا الجزئي في موضوعه. وهذا معنى قولهم: تعدية الحكم من المنطوق إلى المسكوت عنه من غير أن يكون قياسا ...

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

أما بالنسبة للتكييف الفقهي فهناك عدة تعاريف له أشهرها التعريف المعجمي: تحرير المسألة، وبيان انتمائها إلى أصل معين... أي تصورها تصورا كاملا، وتحرير الأصل الذي تنتمي إليه . (۷)

والتكييف باعتبار الأصل الذي يبنى عليه أنواع تكييف على نص شرعي (كتاب سنة، إجماع.. إلخ)، تكييف على قاعدة كلية عامة أو على نص الفقيه.. إلخ .

أما بخصوص الفرق أو العلاقة . بين التخريج والتكييف الفقهيين، فإن عددا من الكتاب والباحثين اعتبرهما شيئاً واحداً، فيما ذهب آخرون إلى اعتبار التكييف مرتبة من مراتب التخريج بعد التصور للمسألة المستحدثة، وهناك من أدرج تخريج المسائل تحت التكييف...

مناهج البحث في المستجدات لدى فقهاء ومجتهدي الإمامية المعاصرين

ينطلق البحث في المسائل المستخدمة والنوازل المستحدثة لدى فقهاء ومجتهدي المذهب الإمامي، من حقائق فرضها الواقع وأثبتها التغير والتطور الاجتماعي والحضاري المتسارع، فالفقه الإسلامي يواجه اليوم بروز موضوعات جديدة للأحكام الشرعية لم تكن من قبل، كما ظهرت موضوعات كانت موجودة في الماضي لكن طرأت عليها أحوال وشرائط غيرت قيودها، مثل بعض الأعيان النجسة التي لم تكن لها قيمة مالية في الماضي واليوم أصبحت تباع وتشترى كالدم مثلا...

هذا الواقع يفرض على الفقيه والمجتهد على وجه الخصوص ضرورة التصدي للبحث عن الحكم الشرعي لهذه الموضوعات والمسائل لأننا: «لا نجد فقيها من الفقهاء في أي عصر من الأعصار يقول بعدم وجود حكم ظاهري على الأقل لواقعة ما ...

وبالتالي فوظيفة الفقيه المجتهد هي تشخيص أو الكشف عن الحكم الشرعي وتقديمه للمكلف بالرجوع الى المباني العامة والقواعد الكلية لإرجاع هذه المسائل المستحدثة إليها من باب رد الفرع إلى الأصل...

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م -

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

وهذا الرجوع ينطلق أساساً من المقدمات العامة التالية:

الرجوع أو التمسك بالنصوص الخاصة والعامة من الكتاب والسنة الشريفة وروايات أهل البيت .

الرجوع إلى القواعد الكلية المأخوذة من الأدلة المعتبرة (الكتاب السنة الإجماع القطعي ....

عندما لا يصل الفقهيه إلى حكم واقعي أو ظاهري للمسألة المستجدة وسقط في الشك فإن عليه الرجوع إلى الأصول العملية المعتبرة (أي البراءة، الإستصحاب، والتخيير والإحتياط.. إلخ ) .

هذا بخصوص المنطلقات أو القواعد العامة التي ترتكز عليها عملية الإستنباط، لكن التشخيص الدقيق للحكم الشرعي المفضي للفتوى والكشف عن حكم الواقعة المستجدة أو النازلة المعاصرة، يمر عبر خطوات علمية دقيقة ومنهجية، لا بد من سلوكها وذلك عبر الإتفات أو التنبه إلى مجموعة من العناوين: أولا: ضرورة التنبه إلى عامل تغير الزمان والمكان، لأن الموضوعات العرفية تتغير دائما، ومع تغير الموضوعات تتغير الأحكام...

ثانيا: التمسك بالإطلاقات والعمومات

وهنا على الفقيه المجتهد التنبه إلى أن أغلب الأحكام الشرعية التي وردت بصورة القضايا إخباراً مثل قوله تعالى: أوفوا بالعقود، أو إنشاءاً كقوله له المؤمنون عند شروطهم، إنما وردت على نحو القضايا الحقيقية لا الخارجية... وبالتالي فمصاديقها لا تنحصر في ما كان موجودا زمن الوحي أو صدور النص، بل تشتمل جميع المصاديق التي قد توجد لها في أي زمان أو مكان، ما لم يقم دليل على خروجها أو استثنائها (١١).

ومثال ذلك أحكام المسافر سواء سافر بالوسائل القديمة أو الحديثة والمتطورة... وبالتالي يمكن - كما يقول المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الشيرازي - "حل الكثير من المسائل المعاصرة بالتمسك بالإطلاقات والعمومات، ما لم يقم دليل على تقييدها أو تخصيصها .. (٢).

و مثاله كذلك العقود المستحدثة والمعاصرة كـ ( التأمين)، فهذه العقود يمكن أن تجري فيها قاعدة أوفوا بالعقود، مع توفر الشرائط الشرعية في العقود..

ثالثا: التنبه إلى العناوين الثانوية، لأن المسائل المستحدثة كثيرا ما تندرج تحت هذه العناوين، حيث تتغير الأحكام بحسب العناوين الخارجية الطارئة، مثل: الوجوب بعنوان المقدمة، أو الحلية عند الاضطرار...

وأقسام العناوين الثانوية غير منحصرة في مقدمة الواجب أو الاضطرار، بل تتعداها إلى قواعد الضرر والضرار العسر والحرج الشديد الضرورة، الإعانة على الواجب الشرعي، الأهم والمهم... إلخ . (۱۳)

وإذا كانت العناوين الثانوية تنحل - كما يقول المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ببركتها الكثير من عقد ومشكلات المسائل المستجدة إلا أن الاستناد إليها يحتاج إلى عدد من التنبيهات المهمة التي يجب على الفقيه المجتهد أخذها بعين الاعتبار...

مثلا الأحكام الثانوية جميعها تدور على موضوعاتها، فإذا تغيرت أو انتفى الموضوع انتفى الحكم، ومن هنا فالضرورات تقدر بقدرها.. كما يجب تجنب الإفراط والتفريط في الاعتماد على العناوين الثانوية.

هذه باختصار المباني العامة للمسائل المستحدثة أو المنطلقات المنهجية التي ينطلق منها المجتهد الإمامي أو يعتمدها في بحثه لتشخيص أو كشف أحكام المستجدات والنوازل المعاصرة...

أما سير البحث أو الخطوات المنهجية التي يسلكها المجتهد الإمامي وهو يحاول استنباط الحكم الشرعي لأي مسألة مستحدثة أو نازلة معاصرة فهي تبدأ بالبحث عن:

٤٢

الفقه

المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

أولا: عن الحكم الأولي للواقعة أو المسألة المستجدة، أي الحكم المجعول للشيء بواقعه من دون ملاحظة ما يطرأ للشيء من عوارض وهو الذي ينقسم إلى الواقعي والظاهري، وإلى التكليفي والوضعي (4)..

ثانيا: البحث عن الحكم الثانوي للواقعة المستجدة، أي الحكم المجعول للشيء بلحاظ العناوين الطارئة عليه، وهي عناوين خاصة بحثها الفقهاء، كالإضطرار والإكراه والعسر والحرج وغير ذلك...

ثالثا: البحث عن الحكم الولائي للواقعة المستجدة، أو ما يطلق عليه الحكم الحكومتي، وهو عبارة عن الحكم الصادر من الحاكم الشرعي باعتباره وليا وحاكما، أي لمن له ولاية الأمر والنهي..

بالنسبة لقواعد الحكم الأولي في المسائل المستحدثة والمتعلقة بالمعاملات على وجه الخصوص، فإن البحث لا بد أن يتبع الخطى التالية (١٥):

تحديد الموضوع في المسألة المستحدثة، للخروج بتصور عن موضوعها و تحديد جميع خصوصياته...

تحديد الموضوع في الأدلة الشرعية، لأن الحكم الوارد من الشارع منصب على عنوان مخصوص، وكل عنوان يشكل موضوعا لهذا الحكم، لذلك لا بد عند البحث عن أحكام المسائل المستحدثة من تحديد عناوين هذه الموضوعات بدقة شديدة، كي لا يقع المجتهد في الالتباس أو الخطأ والاشتباه...

تحديد الأصل العملي عند تعذر الوصول الى دليل اجتهادي سواء ارتبط بالحكم الأولي أو الثانوي، بالتمسك بالاحتياط (مثلا: في مسألة الفروج لإثبات حرمة التلقيح الصناعي، لأنا علمنا شدة تحذير الشارع في أمر الفروج، فمجرد احتمال الحرمة كاف في وجوب الكف والاحتياط..) (١٦).

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

البحث عن العمومات المحللة أو المحرمة الموضوع المسألة المستحدثة وقد انطلق المجتهدون الشيعة هنا من كون الأدلة الشرعية.

وردت بنحو القضايا الحقيقية لا الخارجية، أي بمعنى أنها تشمل الأفراد التي كانت موجودة في عصر النص عصر نزول الوحي) وما سيوجد الى يوم القيامة، وهذا هو الأساس في شمول هذه الأدلة للموضوعات المستجدة...

ه البحث عن الارتكازات المتشرعية أو العقلائية التي تنطبق على الموضوعات المستجدة...

٦. البحث عن العلل المنصوصة أو المستنبطة، لأن الكشف عن العلل مقدمة

وأداة لتعميم الأحكام في الموضوعات المستجدة...

البحث عن الأولويات المعتبرة شرعا.. (١٧).

أما بخصوص قواعد الحكم الثانوي للمسائل المستحدثة...

فإن الفقهاء - كما يرى السيد علي الموسوي - لا يلجأون عادة الى التمسك بالعناوين الثانوية إلا عندما يصطدم الحكم الأولى ببعض العناوين الثانوية التي قد تكون ملازمة لبعض المسائل المستحدثة، فالضرورة والإضطرار، والعسر والحرج والضرر والضرار المنفي في الشريعة حفظ النظام العام... إلخ، كلها عناوين ثانوية قد توجب تبدل الأحكام الأولية وترفعها، من الحرمة إلى الجواز).. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، حيث صدرت الفتوى مبتنية على أساس هذه القواعد، مثل الإفتاء بجواز تشريح الجثث لأغراض البحث العلمي أو لتحقيق مصلحة راجحة مع أن الفعل محرم في الأصل...

أما قواعد الحكم الولائي أو الحكومي للمسائل المستحدثة...

فقد ثبت أن الحاكم الشرعي يمكنه ومن خلال مراعاة المصلحة العامة، أو من خلال تشخيص بعض المنافع الضرورية، أو لدفع بعض المفاسد الخطيرة على النظام العام أو المجتمع أو الدولة المسلمة.... إلخ، يمكنه من خلال ذلك كله أن

٤٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

يصدر حكمه في عدد من القضايا المستجدة والنوازل المعاصرة ويكون حكمه نافذا وملزما، والأمثلة كثيرة هنا، فبإمكان الحاكم أن يتدخل لتحديد أسعار البضائع التجارية إذا كان هناك خطر داهم على اقتصاد الدولة أو إجحاف بحق المواطنين قد يؤدي إلى ثورة أو فساد أو إخلال بنظام الدولة، كما يمكنه أن يفرض تعلم علم ضروري لحماية الأمة... إلخ...

هذه بشكل عام أهم الخطوات المنهجية التي يسلكها الفقيه والمجتهد الإمامي وهو في طريقه لاستنباط أو كشف أحكام المستجدات والنوازل المعاصرة...

طبعا اقتصرنا فيها على عرض العناوين دون التفصيل، ونحيل القاري للمزيد من الاطلاع على التفاصيل الكثيرة والأمثلة الشارحة، والتفريعات، وإلى الكتب والدراسات المهمة التي تناولت مناهج الإجتهاد بشكل عام وكيفية التعاطي مع المستجدات والنوازل المعاصرة في الفقه الشيعي الإمامي...

أما بالنسبة لتطبيق هذه الخطوات فستظهر لنا بوضوح وجلاء في النموذج الذي اخترناه في هذه الدراسة ويتعلق بعقد التأمين، وكيف تناوله المجتهدون الإمامية بالتخريج أو التكييف الفقهي...

مناهج البحث في المستجدات لدى مجتهدي المذاهب السنية...

أما بالنسبة لمجتهدي المذاهب الفقهية السنية أو المتخصصين في القضايا والمستجدات والنوازل المعاصرة، وكيف تعاطوا مع هذه المستجدات وما هي مناهج البحث فيها لديهم؟

فأول ما يثير انتباه الباحث هو كثرة الدراسات في هذا المجال، دراسات تتحدث بوضوح وشكل مباشر عن مناهج البحث في المستجدات والنوازل المعاصرة عدد منها جاء على شكل رسائل جامعية، رسائل ماجستير ودكتوراه) بالإضافة طبعا الى دراسات متخصصة لمهتمين بالفقه خصوصا في مجال المعاملات المالية، لذلك فأغلب هذه البحوث ركزت على التكييف الفقهي لهذه المعاملات الجديدة...

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط احكام المستجدات والنوازل

وفي أغلب هذه الدراسات التطبيقية، نجد مقدمات أو فصول وأبواب تحدثت بالتفصيل عن خطوات البحث لاستنباط الأحكام الشرعية المتعلقة بالمستجدات والنوازل المعاصرة...

كما يلاحظ بوضوح اختلاف اللغة الفقهية والأصولية المستخدمة، وكذلك منهجية العرض وترتيب الخطوات، فهناك تباين واختلاف بين الدراسات، إن من حيث اللغة أو من حيث الترتيب المنهجي لهذه الخطوات...

والسبب في رأيي أن أغلب الكتاب لهذه الدراسات هم طلبة وأساتذة جامعات ودكاترة وأكاديميون متخصصون في الفقه والأصول، وليسوا مجتهدين أو فقهاء بالمعنى القديم للاختصاص الفقهي، وهذا ظاهر في لغتهم... وفي استخدامهم للمصطلحات الفقهية والأصولية، وهروبهم من تعقيدات اللغة الفقهية والأصولية التي احترفها القدامى من أئمة الاجتهاد لدى المذاهب الفقهية السنية...

من خلال مجموعة من هذه الدراسات سأقوم بعرض مقتضب لأهم الخطوات التي يسلكها أو يجب أن يسلكها الفقيه السني المعاصر (المجتهد النوازلي) في بحثه الاجتهادي عن الحكم الشرعي للمستجدات والنوازل المعاصرة...

التكييف الفقهي وضوابط فقه النوازل...

معظم الدراسات الخاصة بفقه النوازل أو المسائل المستحدثة تحدثت عن التكييف الفقهي لهذه النوازل والمستجدات، فعرفت التكييف ثم استعرضت خطواته وضوابطه...

من التعريفات المشهورة للتكييف الفقهي في هذه الدراسات: «تحديد الحقيقة الواقعة المستجدة لالحاقها بأصل فقهي، خصصه الفقه الإسلامي بأوصاف فقهية بقصد إعطاء تلك الأوصاف للواقعة المستجدة عند التحقق من المجانسة والمشابهة

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

بين الأصل والواقعة المستجدة في الحقيقة.. (١٨)

وهذا ما يؤكده التعريف المعجمي كذلك الذي يرى أن التكييف الفقهي للمسألة يعني ( تحريرها وبيان انتمائها إلى أصل معين، وهذا التكييف هو شرط للحكم، لأنه شرط لتصور المسألة أوجزء لا يتم إلا بعد تصور المسألة...

ومن خلال هذين التعريفين يظهر أن عناصر التكييف الفقهي تتكون من الواقعة أو المسألة المستجدة، الأصل، أوصاف الأصل الفقهية، والحقيقة والإلحاق...

أما ضوابط النظر في النوازل والمسائل المستحدثة فهي حسب الكثير من

الدراسات:

1- أن يكون التكييف الفقهي مبنياً على نظر معتبر لأصول التشريع...

٢- اعتبار المآلات، أي تحقيق مناط الحكم بالنظر في الاقتضاء التبعي الذي يكون عند تنزيله، من حيث حصول مقصده والبناء على ما يستدعيه ذلك الاقتضاء (٢٠)، نحو: دفع المفسد، ومنع الإضرار، والمنع من التصرف المشروع إذا كان مفضيا إلى مفسدة.. يقول الشاطبي: النظر في مالات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعا لمصلحة فيه (۲۱۶ تستجلب، أو مفسدة تدراً (٢١).

  • - مراعاة مقاصد الشرع، وهي كما عرفها الشيخ الطاهر بن عاشور التونسي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها (۲۲). ومعرفة مقاصد الشريعة - العامة والخاصة منها - والوقوف عليها تعين الفقيه في مجال فهم النصوص الشرعية، والقواعد الكلية وتفسيرها، وغايات الشرع وأسراره، ثم العمل على تنزيل هذه الأحكام والقواعد الكلية على النوازل والمتجدات...(۳)

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

٤- مراعاة الفروق بين النوازل والمستجدات حسب خصوصيات الأفراد وتعدد الأمكنة والأزمنة، فلكل نازلة حكمها الخاص...

ه مراعاة الضروريات والحاجيات لأن مع تحقق شروطهما قد تتغير الأحكام الأصلية للمكلفين، وتتحول من الحرمة إلى الإباحة أو الوجوب، والعدول من القول الراجح إلى القول المرجوح...

  • ٦- بذل الوسع والجهد الكامل في تصور المسألة المستحدثة أو النازلة تصورا صحيحا، لأنه بناء على هذا التصور سيأتي الحكم أو الفتوى أو الإرجاع إلى أصل معتبر...

أن يتفق التكييف الفقهي للنازلة مع المقصد الشرعي لذلك الحكم.

أهلية الناظر في النوازل، أي الشروط الواجب توفرها في المجتهد أو المتصدي للبحث واستنباط أحكام المستجدات والنوازل وهي شروط تحدث عنها الفقهاء مطولا في موسوعاتهم، وهي محل إجماع أغلب الفقهاء، وأضاف بعضهم، ضرورة إلمام الفقيه أو (المجتهد النوازلي) بعلم المقاصد، إلا أن جل هذه الشروط تتعلق بالإجتهاد الفردي، أي كون المجتهد فردا، لكن ظهر في الآونة الأخيرة ما اطلق عليه الإجتهاد الجماعي) وهو ما تقوم به بعض المجاميع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.. وقد كتب الدكتور وهبة الزحيلي وهو عضو في مجمع جدة دراسة مفصلة عن الاجتهاد الجماعي وكيف تمارسه هذه المجامع الفقهية... (٢٤)

أما بخصوص مدارك الحكم على النوازل، أي الخطوات والمراحل العملية التي يسلكها الفقيه والمجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي للنازلة أو المسألة المستحدثة، فهي - حسب الدكتور أبو شاويش - وغيره من الباحثين المعاصرين، تبدأ بـن

٤٨

الفقه

المقارن - المندان (٤-٥) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤م -

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

التصور، ثم التكييف الفقهي، ثم تنتهي بالتطبيق (٢٥)

١ - التصور: يعتبر تحصيل التصور الصحيح للمسألة المستحدثة من أهم ما يجب على المجتهد بذل الجهد لتحصيله، لأنه بناء على هذا التصور سيكون الحكم، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه، بل الذكي ربما قدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها .. (٢٦).

والتصور الصحيح يتحقق بثلاثة أمور:

أ - جمع كل ما يتصل بالنازلة من أدلة وقرائن لتعرف حقيقتها وأقسامها ونشأتها والظروف المحيطة بها.

ب - سؤال أهل الاختصاص والاستعانة بهم في موضوع النازلة فإذا كانت المسألة طبية فينبغي الرجوع للأطباء والمختصين.. وهكذا.

ج - تحليل القضية المركبة إلى عناصرها الأساسية التي تتكون منها .. (٢٧).

التكييف الفقهي بالبحث عن حكم النازلة في نصوص الكتاب والسنة والإجماع، أي إلحاقها أو إرجاعها إلى أصل صحيح معتبر في هذه المصادر، أو القياس (أي إنزالها بما يشابهها من النوازل المتقدمة لتقاس عليها)، أو باقي المصادر المختلف فيها بين المذاهب مثل: الاستحسان المصالح المرسلة، سد الذرائع، قول الصحابي.. إلخ، أو إدراجها تحت القواعد الفقهية والأصولية، الكلية والعامة، أو فتاوى السابقين من أئمة الإجتهاد... أو إرجاعها إلى مقصد شرعي معتبر .. إلخ (۲۸). (VA)

التطبيق: وهي المرحلة الأخيرة، حيث يقوم المجتهد بإنزال أو تنزيل الحكم الشرعي على النازلة للوصول إلى حكمها أو الفتوى المطلوبة للمكلف والواقع...

هذه باختصار أهم الخطوات المنهجية وضوابطها في النظر الإجتهادي

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

المعاصر للمسائل المستجدة أو النوازل كما يفضل المالكية تسميتها، كما وردت في أكثر من دراسة وبحث وأطروحة...

أما مجالات التكييف الفقهي، فهي كما مر معنا، شاملة للعبادات والمعاملات المالية وغيرها، وفقه الأحوال الشخصية، ومجال السياسة الشرعية، والعقوبات والقضايا الطبية والعلمية التي لها دخالة في الحياة الإنسانية المتعلقة بالمأكل والمشرب واللباس والزينة.. إلخ.

عقد التأمين بين التخريج أو التكييف الفقهي لدى مجتهدي المذاهب الإسلامية

توطئة ضرورية

من المسائل التي ابتلي بها الفقه الإسلامي كثيرا اليوم، ظهور صيغ جديدة للعقود في باب المعاملات المالية والتجارية على وجه الخصوص، فقد تعددت هذه العقود وكثرت وأصبحت الحاجة ماسة إليها في تسيير عجلة الإقتصادات المحلية والدولية بل لتدبير الشأن المالي والإقتصادي والمعاملاتي الخاص، فلا يمكن لأي مسلم اليوم أن يدبر أمره المعيشي أو التجاري إلا بالإنخراط في معاملات تحكمها صيغ تعاقدية جديدة إما شكلا أو مضمونا، لذلك كان لا بد للفقه الإسلامي من التصدي لبيان الحكم الشرعي فيها..

وقد انقسم فقهاء المذاهب الإسلامية الى قسمين أو اتجاهين أثناء التخريج أو التكييف الفقهي لها ...

الإتجاه الأول، يرى أصحابه أن أصالة الفساد في هذه العقود هي الأصل الأولي الحاكم بعدم ترتب الأثر الشرعي على أي عقد من العقود ما لم نحكم بصحته شرعا، وأدلة تصحيح العقود بقاعدة أوفوا بالعقود منصرفة إلى العقود السابقة المعروفة كالبيع والإجارة والحوالة والمساقاة والمضاربة.. إلخ (٢٩) (۲۹)

أما العقود المستحدثة فلا بد من تحليل أو تشخيص بنيتها المعاملية، فإذا تبين للمجتهد أنها ترجع في روحها وحقيقتها لهذه العقود السابقة فيمكن أنذاك ترتيب

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

آثر الصحة عليها، أما إذا لم يتمكن المجتهد من كشف هذه الحقيقة فهذه العقود تضل مشمولة بأصالة الفساد الأولية في العقود (٣٠). (۳۰)

أما الإتجاه الثاني فيرى أصحابه أن أصالة الفساد الأولية محكومة أو مورودة القاعدة الصحة الثانوية في العقود، وقاعدة الصحة عندما نلاحظ دليلها نجده لا يختص بالعقود المعهودة السابقة.. بل ينصب على كل عقد جديد يقع بين الناس، وإنما على الفقيه المجتهد أن يتحقق من أمرين: أولا من عقدية العقد الجديد وهل يصدق عليه عنوان العقد، وثانيا: التحقق من عدم احتوائه على ما حكم الشرع بمنعه أو بالبطلان معه.. وبذلك يتم تصحيح الكثير من العقود المعاصرة وتفتح الأبواب أمام التخريج أو التكييف الفقهي لأغلب المعاملات المعاصرة...

انطلاقا من هذين الإتجاهين فإن طرق التخريج أو التكييف الفقهي لهذه العقود قد سلكت - بالإضافة الى ما ذكرناه سابقاً من خطوات أساسية - الخطوات التالية:

أولا: البحث في إمكانية إدراج العقد الجديد ضمن العقود المعروفة والمشهورة، وهذا ما وقع مع عقد التأمين الذي سنتحدث عنه بالتفصيل بعد قليل باعتباره أنموذجاً للتكييف الفقهي للمسائل المستحدثة لدى مجتهدي المذاهب الإسلامية..)

ثانيا: البحث في إمكانية إدراج العقد الجديد تحت صيغة مركبة، كما وقع في التكييف الفقهي لبطاقة الإئتمان.. فقد قام المجتهدون بتفكيك أجزاء هذا العقد واكتشفوا أن كل جزء من هذا العقد هو معاملة مستقلة من المعاملات المعروفة (٣٢).

ثالثا: إدراج العقد الجديد تحت عمومات باب المعاملات والعقود، حيث ينطلق المؤيدون لهذا الإدراج - كما قلنا سابقا مثل الإمام الخميني وغيره من الفقهاء - من كون القضايا الشرعية جاءت بنحو القضايا الحقيقية، فالحكم فيها انصب على موضوع معين، ومتى وجد الموضوع وجد حكمه، وهذه العمومات - كما يقول

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

السيد علي الموسوي - موضوعها العقد العرفي، فيجب إذن الوفاء بكل عقد عرفي ولو لم يكن معروفا في عصر الشارع ...

لكن الفقهاء أو المؤيدين لهذا التعميم أو الإدراج، لديهم الكثير من الملاحظات والنقاشات التي يمكن أن توجه هذا التخريج أو التكييف الفقهي، وتسدد خطاه باتجاه الكشف عن الحكم الشرعي القريب الى الصواب والواقع، منها التدقيق في تطابق هذا التخريج الفقهي مع العقد الخارجي، والانتباه الى شروط صحة العقود وعدم وجود موانع مثل الجهالة والغرر أو الربا.. إلخ، بالإضافة إلى البحث عن العناوين المنهي عنها في المعاملات، وملاحظة الآثار العامة لهذه العقود...

وأخيرا ضرورة تطابق التخريج الفقهي مع حقيقة العقود المستحدثة، وهذا يتطلب بدوره التحديد الدقيق والصحيح لحقيقة المعاملة المستجدة...

حكم التأمين التجاري لدى فقهاء المذاهب السنية :

يقول الدكتور محي الدين القره داغي بعد مناقشات مستفيضة صدر الحكم بتحريم (عقد التأمين التجاري) وإباحة (عقد التأمين التعاوني)، عن عدة مجاميع فقهية مشهورة منها المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي في دورته الأولى في ۱٠ شعبان ۱۳۹۸هـ بمكة المكرمة حيث قرر بالاجماع - مـا عـدا الشيخ مصطفى الزرقا - حرمة التأمين التجاري بجميع أنواعه، تأكيداً لقرار مجلس هيئة كبار العلماء بالسعودية في دورته العاشرة بالرياض في ١٣٩٧٫٤٫٤هـ قرار رقم ۵۲ ۵۱

كذلك نص مجمع الفقه الاسلامي الدولي في قراره رقم (۹) (۲٫۹) على أن: عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعاً (٣٤).

لكن هذا الحكم كان مدار مناقشات مستفيضة بين المحرمين ومن يروا الجواز أو الإباحة، ولأهميتها نعرضها كاملة كما نقلها الدكتور القره داغي (٣٥).

الفقه المقارن - العددان (٥٤) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

أما بعد..... فإن مجمع الفقه الإسلامي قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة بعد ما أطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك وبعدما اطلع أيضاً على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بمدنية الرياض بتاريخ ١٣٩٧٫٤٫٤هـ من التحريم للتأمين بأنواعه.

وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر المجلس بالأكثرية تحريم التأمين بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك من الأموال....

وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة من العلماء ومما جاء في هذا التقرير....

أما بعد: فإن المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في ١٠ شعبان ۱۳۹۸هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي نظر في موضوع التأمين بأنواعه بعدما ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك وبعد ما اطلع أيضاً على ما قرر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ ١٣٩٧٫٤٫٤هـ بقرار رقم ٥٥ من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه.

وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي بالاجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك للأدلة الآتية:

الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن لا يستطيع ان يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسطاً أو قسطين، ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن وقد لا تقع الكارثة أصلاً فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئاً وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ النسبة لكل عقد بمفرده، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الغرر.

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيه، ومن الغنم بلا مقابل غير مكافئ فإن المستأمن قد يدفع قسطاً من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قماراً ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون والآية بعدها.

الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسأ، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نسأ، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط وكلاهما محرم بالنص والاجماع.

الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة ولم يبح الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام وظهور الأعلامه بالحجة والسنان، وقدر حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف او حافر أو نصل وليس التأمين من ذلك ولا شبيهاً به فكان محرماً.

الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم.

السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعاً فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له والمؤمن لم يبذل عملاً للمستأمن فكان حراماً...

٥٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقاً أو في بعض أنواعه فالجواب عنه ما يلي:

أ - الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح، فإن المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة، وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة وهذا محل اجتهاد المجتهدين، والقسم الثالث ما شهد الشرع بالغائه، وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه الغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.

ب - الإباحة الأصلية لا تصلح دليلاً هنا لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم المناقض وقد وجد فبطل الاستدلال بها.

ج - الضرورات تبيح المحظورات، لا يصح الاستدلال به هنا، فإن ما أباحه الله من طريق كسب الطيبات أكثر أضعافاً مضاعفة مما حرمه عليهم فليس هناك ضرورة معتبرة شرعاً تلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين.

د - لا يصح الاستدلال بالعرف، فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في أيمانهم، وتداعيهم وإخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه، وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين فلا اعتبار به معها.

ه - الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة أو في معناه غير صحيح، فإن رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه، وما

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين، وإن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظاماً مبلغ التأمين ولو لم يدفع مورثهم إلا قسطاً واحداً، وقد لا يستحقون شيئاً إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته، وإن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسباً مئوية مثلاً بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة وليس للمستأمن إلا مبلغ التأمين أو مبلغ غير محدد.

و - قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به غير صحيح، فإنه قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة فالقصد الأول فيه التآخي في الإسلام، والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع.

ز - قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به لا يصح لأنه قياس مع الفارق، ومن الفروق أن الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلاً من باب المعروف المحض فكان الوفاء به واجباً، أو من مكارم الخلاق، وبخلاف عقود التأمين فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي، فلا يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر.

ح - قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب، قياس غير صحيح لأنه قياس مع الفارق أيضاً، ومن الفروق أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولاً الكسب المادي، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه، والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع ما دام تابعاً غير مقصود إليه.

الفقه المقارن - الحددان (٥٤) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

ط - قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق لا يصح فإنه قياس مع الفارق كما سبق في الدليل قبله.

ي - قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح فإنه قياس مع الفارق أيضاً لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسئولاً عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف . من خدمة الأمة، ووضع له نظاماً راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة، لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقاً التزم به من حكومات مسؤولة عن رعيتها، وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء المعروفه وتعاوناً معه جزاء تعاونه معها ببدنه وفكره وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة.

ك - قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة لا يصح، فإنه قياس مع الفارق، ومن الفروق أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ وشبه العمد ما بينهم وبين القاتل خطأ أو شبه عمد من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون واسداء المعروف ولو دون مقابل، وعقود التأمين التجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة لا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصلة.

ل - قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة غير صحيح لأنه قياس مع الفارق أيضاً، ومن الفروق أن الأمان ليس محلاً للعقد في المسألتين وإنما محله في التأمين الأقساط ومبلغ التأمين، وفي الحراسة الأجرة وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس.

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

م - قياس التأمين على الإيداع لا يصح لأنه قياس مع الفارق أيضاً، فإن الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه بخلاف التأمين فإن ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن ويعود إلى المستأمن بمنفعة إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة وشرط العوض عن الضمان لا يصح بل هو مفسد للعقد، وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جهل فيها مبلغ التأمين أو زمنه فاختلف عن عقد الإيداع بأجر.

ن - قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة لا يصح، والفرق بينهما أن المقيس عليه من التأمين التعاوني وهو تعاون محض والمقيس تأمين تجاري وهو معاوضات تجارية فلا يصح القياس)... (انتهى قرار المجمع ) (۳).

التخريج الفقهي لعقد التأمين لدى فقهاء ومجتهدي المذهب الإمامي

معظم فقهاء ومجتهدي المذهب الإمامي المعاصرين تحدثوا في كتب الإستفتاءات والمسائل عن عقد التأمين، وهناك شبه اتفاق بينهم على إباحته نذكر منهم السيد الخوئي السيد روح الله الموسوي الخميني والسيد علي الخامنئي والمرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.. وغيرهم.

في هذه الدراسة سنستعرض ما كتبه المرجع السيد محمد صادق الروحاني وهو يقوم بالتكييف أو التخريج الفقهي لعقد التأمين الأهميته:

يقول السيد الروحاني في كتابه ( فقه المسائل المستحدثة):

عقد التأمين: ذكر علماء القانون والباحثون في هذا العقد أن تاريخ ظهوره في البلاد الأوروبية يرجع إلى أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، وأما في بلادنا فلم يعرف إلا في القرن الثالث عشر الهجري بعد الاتصال التجاري بين الشرق والغرب إبان النهضة الصناعية في أوروبا، وذلك عن طريق التأمين على ما كان يستورد من تلك البلاد، والابتداء كان بالتأمين البحري. ولكن بعد ذلك شاع وذاع وتنوع وبلغ

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

من الشأن مبلغاً جعله يرافق الحياة، في معظم مسالكها ومرافقها من التجارة والصناعة والوسائل التي يستخدمها الانسان كسيارته وغيرها...

لذلك يجب بيان موقف الشريعة الإسلامية منه....

حقيقة التأمين: وقد عرف عقد التأمين في المادة (۷۱۳) من القانون المدني المصري بأنه عقد بين طرفين، أحدهما يسمى المؤمن، والثاني المؤمن له أو المستأمن يلتزم فيه المؤمن بأن يؤدي الى المؤمن له لمصلحته، مبلغا من المال، أو إيرادا مرتبا، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع حادث، أو تحقق خطر مبين في العقد وذلك في مقابل قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له الى المؤمن....

فنتيجة هذا العقد عملان، يقوم المؤمن له بعمل منهما وهو: دفع مبلغ من المال دفعيا أو تدريجيا بالشكل الذي اتفق عليه الطرفان، ويقوم المؤمن بالآخر منهما، وهو: أن الخطر المؤمن ضده - كالحريق مثلاً - إذا تحقق تكون خسارته عليه....

هذه هي حقيقة التأمين الشائع اليوم الذي نظمت له أحكام بالقوانين المدنية... وهناك قسم آخر من التأمين، يسمى التأمين التبادلي أو التأمين بالاكتتاب.....

أنواع التأمين للقسم الأول من التأمين أنواع كالتأمين على الحياة، والتأمين على النقل، والتأمين على حوادث السيارات، والتأمين على الحريق والسرقة، الى غير ذلك من الأنواع، ولعله لا يمكن حصره في أنواع معينة: لأنه طوق الصناعة والتجارة، ومعظم وجوه النشاط الاقتصادي، بل شمل كثيرا من الوسائل التي يستخدمها الانسان في توفير راحته وطمانينته في هذه الحياة، بل ويمد ظلاله الى ما بعد ممات الانسان، فيتخذ منه المؤمن في حياته تدبيرا لمصلحة أسرته بعد وفاته فهي تزداد مع مرور الزمن...

وبما أن هذه المعاملة من المعاملات المستحدثة فلا بد في الحكم بصحتها من عرضها على المعاملات المعهودة الشرعية وتطبيقها على واحدة منها. أو اثبات

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

أن الشارع الأقدس أمضى كل معاملة عقلائية وان لم تكن متحققة في تلك الأعصار.

وعلى هذا فلا بد من البحث في موضعين

الأول: في عرض التأمين على المعاملات الشرعية، والمعاملات التي قيل بانطباقها على هذه المعاملة، الضمان، والهبة المعوضة، والصلح، والكلام يقع أولا في الضمان.....

الضمان من المعلوم أن الضمان الذي هو عبارة عن إدخال المضمون في عهدة الضامن له قسمان: أحدهما، ضمان اليد، والتلف، ثانيهما: الضمان الإنشائي ومحل الكلام هو الثاني.. والضمان الإنشائي الذي لا ريب في مشروعيته في الجملة نصا وفتوى القدر المسلم منه عند الفقهاء، هو ضمان ما في الذمة، أي ضمان شخص لما هو ثابت في ذمة آخر. واما ضمان الأعيان المغصوبة، كما لو غصب شخص مال آخر فيضمن شخص آخر عين ذلك المال، وضمان الأمانة، كما لو ضمن الشخص الأمانة التي عند الشخص الآخر، قد وقع الخلاف فيهما بين الفقهاء....

وهناك قسم آخر لم يتعرض له الفقهاء وهو ضمان الأعيان التي تكون عند أصحابها، كأموال الناس في متاجرهم، وحكم هذا القسم حكم القسمين الأخيرين. ومحصل ما ذكروه في وجه بطلان الضمان في القسمين الأخيرين واختصاصه بما في الذمم - وجوه - وان اختص بعض الوجوه بالأول - وبعضها بالثاني.

الأول: إنه لا دليل على العموم، وأخبار باب الضمان كلها واردة في ضمان ما في الذمة وواردة لبيان احكام آخر وليس في شئ منها ما له اطلاق أو عموم يمكن ان يتمسك به المشروعية الضمان بقول مطلق، وما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ان الزعيم غارم ليس من الاخبار المعتمدة عندنا فلا يكون حجة. وفيه: إن أدلة الضمان الانشائي المختصة به وان كان لا اطلاق لها كي يتمسك به الا

٦٠

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

ان ما دل على نفوذ كل عقد ومعاملة عقلائية كآية - تجارة عن تراض) - (وأوفوا بالعقود ) - وغيرهما، له اطلاق يشمل هذه الاقسام من الضمان بأجمعها.

الثاني: وهو مختص بالقسم الأول: إن المضمون عنه، كالغاصب أيضاً مكلف برد العين، فلو قلنا بمشروعية هذا الضمان كان من قبيل ضم ذمة إلى أخرى، مع أن مذهبنا كون الضمان موجبا للانتقال من ذمة المضمون عنه الى ذمة الضامن. وفيه ان الضمان المصطلح في ضمان ما في الذمة، هو الانتقال، وهذا لا يوجب المنع من الضمان بالمعنى الآخر في المقام الثابت بالعمومات مع أنه لا مانع من الالتزام في المقام أيضا بالانتقال، فيكون بقاء المال بيد الغاصب أمانة، غاية الأمر يجب رده فورا الى مالكه ولو لم يقصر في الرد عليه وتلف في اثناء ذلك يكون ضمانه على الضامن دون الغاصب، ولو قصر يكون يده بقاء يد ضمان فيكون ضامنا من جديد.

وبما ذكرناه يظهر الجواب عن الثالث: وهو أن الضمان نقل الحق من ذمة الى أخرى فلا ينطبق على الضمان بمعنى كون العين في العهدة الرابع: أن ضمان الاعيان سواء كان المراد به نقلها عن عهدة ذي اليد الى عهدته أو ضمها إليها، يحتمل كونه من الاحكام الشرعية لا من الأمور التي بيد الناس وضعا ورفعا، ومع هذا الاحتمال لا وجه للتمسك بالعمومات. وفيه: أن المراجعة الى المرتكزات العقلانية تدفع هذا الاحتمال فان العهدة والذمة من باب واحد، فكما أن ما في الذمة قابل للنقل وللضم، كذلك ما في العهدة من الأعيان...

الخامس: إنه من ضمان ما لم يجب، فان الملتزم به مثلها أو قيمتها في صورة التلف، وقد اشتهر في الألسن عدم صحته، وفيه: إن الالتزام بكون العين في العهدة ليس من ضمان ما لم يجب، مع أن ضمان ما لم يجب انما يكون باطلاً إذا كان المنشأ هو اشتغال الذمة بالبدل. فعلا، وأما إذا كان المنشأ هو الاشتغال به بعد التلف فلا محذور فيه وتمام الكلام في محله.

السادس: وهو يختص بالقسم الثاني: إن من أركان الضمان المضمون عنه وهو المدين و هو مفقود في الضمان في الأمانة، بل وفي ضمان العين المغصوبة

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل.

لأنه ضمان ابتدائي، لا عن الغاصب. وفيه: إنه لا يعتبر في الضمان وجود المضمون عنه بل أركانه ثلاثة الضامن، والمضمون له، والمضمون، فالمتحصل: أن مقتضي العمومات جواز الضمان بجميع أقسامه حتى ضمان العين التي بيد صاحبها وليس هناك ما يمنع عنه، فالأظهر هو الجواز...

وهذا الضمان أي ضمان ما عند صاحبه يتصور على وجهين: أحدهما الضمان بلا عوض ثانيهما الضمان مع العوض، كأن يقول الضامن لصاحب المال اضمن لك العين سنة على أن تعطيني عوضا عن ذلك عشرة توامين عن كل شهر والأظهر صحته بكلا قسميه...

إذا عرفت هذا فاعلم أن عملية التأمين تنطبق على ضمان الأعيان غير المضمونة فان المؤمن يضمن أي يتعهد ويدخل الشئ في عهدته وحيازته في عملية التأمين سواء كان ذلك من الأعيان الخارجية، أو النفوس الحرة أو المملوكة غاية الأمر ليس ضمانا مجانيا بل بعوض معين يشترط على المؤمن له أن يدفعه دفعة أو اقساطا، ولا يهمنا البحث عن كون هذه المعاملة ايقاعا من جهة حصولها من طرف واحد وهو الضامن فإنه المقدم على تحمل المسؤولية، أو أنها عقد من جهة انها تشتمل على الايجاب من ناحية المؤمن (الشركة) بتصديره وثيقة التأمين وتوقيعها، والقبول من المؤمن له بتوقيع ورقة العقد بعد كون المختار صحة الشرط ولزوم الوفاء به، وإن كان في ضمن الايقاع، ولكن الأظهر أنها من العقود - كما تقدم. فتحصل: أن عملية التأمين من قبيل ضمان الاعيان التي عند أصحابها غاية الأمر، أنه ضمان مشروط بدفع المؤمن له مبلغا أقساطا الى مدة معينة - وقد يستشكل في صحة هذه المعاملة من جهة أمور أخر مثل كون المعاملة غررية ونحو ذلك، ونتعرض لجميع الاشكالات في آخر المبحث إن شاء الله تعالى...

الهبة المعوضة

وإن أبيت عما ذكرناه ولم يثبت لك مشروعية الضمان على غير ما في الذمم يمكن تطبيق عملية التأمين على الهبة المعوضة، بأن يهب المؤمن له في كل سنة أو

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤ ـــــــــــــ

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

شهر أو دفعة مبلغا للمؤمن (الشركة) ويملكه مجاناً، ويشترط عليه ان يملكه مبلغا يعادل قيمة المؤمن عليه، مثلا أن حدث حادث بالمال، أو كذا مقداراً من المال لو حل به موت أو تلف لعضو من اعضائه يدفعه لأسرته مثلا، أو يشترط عليه ملكيته بنحو شرط النتيجة، وهذا شرط سائغ لا مانع فيه، فيكون التأمين من مصاديق الهبة المعوضة، ويترتب عليه أحكامها. الصلح ويمكن تطبيقه على الصلح ايضا فإن حقيقة الصلح هي التراضي والتسالم على أمر من تمليك عين أو منفعة أو اسقاط دين أو حق أو غير ذلك، ولا يشترط فيه كونه مسبوقا بالنزاع، وهو جائز في كل مقام وعلى كل أمر الا إذا كان محرما لحلال أو محللا الحرام... وهو عقد مستقل بنفسه وعنوان برأسه وليس كما قيل راجعا إلى سائر العقود وإن أفاد فائدتها، وتنقيح القول في هذه الجهات موكول الى محله.

وعليه، ففي المقام يتسالم المؤمن والمؤمن له على أن يدفع المؤمن له مبلغا أقساطا أو دفعة، ويتحمل المؤمن الخسارة التي تحل بالمؤمن له، أو يدفع مقدارا من المال لو تلف بعض أعضائه أو حل به الموت لأسرته مثلا.

عقد التأمين عقد مستقل:

ولو لم يتم ما ذكرناه من تطبيق عقد التأمين على واحدة من المعاملات المعهودة، نقول انه عقد مستقل مركب من الإيجاب والقبول على ما مر تقريبه وعليه، فيشمله عمومات إمضاء المعاملات كقوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة عن تراض وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وتخصيصها بالعهود والعقود التي كانت متعارفة في زمن صدورها بلا وجه، بعد كونها متضمنة لبيان الحكم الخالد الباقي في جميع الأعصار، وكونها من قبيل القضايا الحقيقية.....

إشكالات:

بقى في المقام إشكالات تورد على تصحيح هذه المعاملة بما أنها عقد مستقل وبعضها يجري في بعض الوجوه المتقدمة، وهي أمور:

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل .

الأول: إن هذه المعاملة ليست معاوضة حقيقية بل معاوضة احتمالية: فإن أحد العوضين هو تحمل الخسارة على تقدير وقوع الخطر المؤمن منه فلا عوض على تقدير عدم وقوعه فهذه ليست مشمولة للعمومات، بل هي من أكل المال بالباطل وفيه: ان المؤمن له يدفع مبلغا اقساطا، مثلا بازاء كون ماله محفوظا، فكما انه قد يستاجر شخصاً لحفظ ماله، ويكون ذلك من طرق الحفظ كذلك التأمين من طرق الحفظ بل هو من احكامها، وهذا الأمان والحفظ يحصل للمستأمنين بمجرد العقد من دون توقف على الخطر المؤمن منه بعد ذلك فأنه بعد هذا الأمان لا يفرق عليه وقوع الخطر وعدمه: إذ لو لم يقع الخطر ظلت أمواله سليمة، وإن وقع الخطر أحياها التعويض، فهي معاملة حقيقية بتية وليست من الأكل بالباطل. وان شئت قلت: أن العوض ان كان كون المال في عهدة المؤمن، فهو فعلي، وان كان اعطاء بدله على تقدير التلف فهو بنفسه لا يكون فعليا لكن لازمه وجود الأمان الفعلي، فعلى التقديرين هذه معاملة بتية، وتجارة عن تراض، وعقد من العقود. وبهذا البيان يظهر الجواب عن الإشكال الثاني وهو ان هذه المعاملة غررية فانه يحتمل عدم وقوع الخطر المؤمن منه، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الغرر فانه مع حصول الأمان الفعلي لا غرر ولا خطر.

أضف إلى ذلك أن المتيقن النهي عن بيع الغرر، لا مطلق الغرر، وهذا ليس بيعا.

الثالث: إن عقد التأمين على الحياة ينطوي على جهالة لأن الاقساط التي يدفعها المستأمن الى حين وفاته لا يعرف كم ستبلغ والجهالة تمنع صحة العقد شرعا. وفيه: أن الجهالة مانعة عن صحة البيع وبعض العقود الآخر ولم يدل دليل على مبطليتها من حيث هي لكل عقد.

الإشكال الرابع: إن عقد التأمين فيه تحد للقدر الإلهي لا سيما في التأمين على الحياة. وفيه: أن المؤمن لا يتعهد عدم وقوع الخطر حتى يقال أنه تحد للاقدار، بل هو يتعهد ترميم آثار الاخطار إذا تحققت ووقعت كما لا يخفى...

فالمتحصل: هو تصحيح عقد التأمين من وجوه وطرق مختلفة.....

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) المسنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

عقد ضمان الجزيرة نظير للتأمين:

يمكن أن يقال إن نظير التأمين عقد ضمان الجريرة، بل هو من مصاديقه وصورته، أن يقول أحد الشخصين لآخر عاقدتك على أن تنصرني وأنصرك وتمنع عني وأمنع عنك وتعقل عني واعقل عنك وترثني وارتك، فيقول الآخر قبلت أو يقول أحدهما عاقدتك على ان تنصرني وتمنع عني وتعقل عني وترثني فيقول الآخر قبلت بل الظاهر انه لا يعتبر فيه سوى العقل والارث، وله شرائط منها أن لا يكون له وارت مناسب، ومنها غير ذلك مما هو مذكور في الكتب.

ولا خلاف نصا وفتوى في مشروعية هذا العقد وفي الجواهر بل الاجماع بقسميه عليه ويشهد به نصوص كثيرة ....

والوجه فيما ادعيناه من أنه نظير التأمين أنه يوجد فيه جميع الأركان الموجودة في التأمين، وهي: 1 - الإيجاب والقبول ۲ - المؤمن عليه - شخص وثروة وما شاكلهما - ٣ - المؤمن وهو الشركة أو الشخص - ٤ - والمؤمن له ٥ - مبلغ التأمين - وهو الذي تدفعه الشركة مثلا عند حدوث الخطر - وما يدفعه المؤمن له الى الشركة من المبلغ ٦ - الخطر المؤمن ضده - كالسرقة - وله شرائط: وهذه – موجودة في هذا العقد - لأنه عقد يعتبر فيه الإيجاب والقبول والمؤمن عليه - هو المضمون والمؤمن له - هو المضمون له في المقام - والمؤمن هو الضامن ومبلغ التأمين - وهو الدية - والإرث والخطر المؤمن ضده - وهو هنا الجناية. فالمتحصل من ذلك أن بعض مصاديق التأمين دل دليل خاص على مشروعيته.. (إنتهى) .

وأخيراً: لقد تعمدت عرض هذه النصوص الاجتهادية كاملة مع بعض الإختصار غير المخل بالمضمون، لأضع بين يدي القارىء أنموذجا لكيفية البحث الاجتهادي في القضايا المعاصرة، لدى المذاهب الإسلامية (السنية والشيعية) وبعيدا عن ترجيح أي الرأيين أقرب إلى الصواب والحقيقة، أود أن أشير إلى مجموعة من

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الملاحظات في نهاية هذه الدراسة، فمن خلال تتبع الخطوات المنهجية للتخريج أو التكييف الفقهي للمسائل المستحدثة والنوازل المعاصرة.. نجد أن:

٦٦

القضايا والمسائل والمستجدات المعاصرة فرصة مهمة لتفعيل وتنشيط العقل الاجتهادي الإسلامي، فلا مجال إذن الدعاوى إقفال باب الاجتهاد.

المسائل المستحدثة تمثل تحديا للإسلام والشريعته، فلا معنى لادعاء المسلمين بصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، إلا بالإجابة على أسئلة العصر وضمن الضوابط الشرعية...

كذلك لا معنى للدعوة لتقنين الشريعة دون فتح المجال للاجتهاد في الكثير من القضايا المستجدة...

من خلال عرض كيفية التخريج أو التكييف الفقهي لعقد التأمين، لاحظنا أن سبب اختلاف الفتوى يكمن في أمرين أساسيين: أولاهما: الإختلاف في التصور الدقيق للمسألة أو النازلة وتحرير الأصل الذي تنتمي إليه أو الذي يجب إرجاعها إليه.. ثانيهما: الإختلاف في مصادر الإستنباط المعتمدة لدى المذاهب الإسلامية، سواء المصادر الأساسية أو الثانوية.. فالمذاهب الإسلامية وإن اتفقت على الرجوع إلى الكتاب والسنة فهناك اختلاف في الرجوع إلى الإجماع والعقل وكذلك الإختلاف حول القياس، والإستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وقول الصحابي.... إلخ، وبطبيعة الحال هذا الاختلاف في مصادر الإسنتباط سينعكس اختلافاً في التكييف والتخريج الفقهي للمسائل المستحدثة ليس بين المذاهب السنية والمذهب الشيعي الإمامي، وإنما داخل المذاهب السنية نفسها، بل داخل المذهب الواحد يتعدد الاجتهاد ويختلف، ففي عقد التأمين مثلا - كما مر معنا . لاحظنا مخالفة الشيخ مصطفى الزرقا وغيره من مجتهدي المذاهب السنية لرأي فقهاء مجمع جدة الفقهي وعلماء المذهب الحنبلي في السعودية.. وهذا الاختلاف أو التعدد يثري

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م -

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

الفقه الإسلامي والإجتهاد المعاصر وهو حالة صحية، لا يجوز التفريط فيها أو مصادرتها بحجة امتلاك الحقيقة المطلقة أو ...

الملاحظة الأخيرة، وهي إن الاجتهاد لإستنباط أحكام المسائل المستحدثة والنوازل المعاصرة، يمكن أي يكون محطة للتقارب والتواصل العلمي بين علماء ومجتهدي المذاهب السنية والشيعية، وفرصة لتجاوز محطات الاختلاف القديمة والشروع في التعاون والإنفتاح على المخالف المذهبي للتعرف على ما عنده من رأي وخبرة وفهم للنصوص الدينية أو للواقع، ما دامت المسائل المستحدثة هي قضايا تشكل ابتلاء عاما لا يختص به مقلد لمذهب بل عمت البلوى جميع المسلمين في العصر الحديث....

الهوامش

(1) أنظر: الموافقات في أصول الشريعة، ط ١٩٧٠٠م، ج 4 ص ١٠٤

(٢) أنظر: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المسائل المستحدثة، مجلة فقه أهل البيت، العدد الرابع، سنة

۱۹۹۷م حس ٦٩.

(۳) أنظر: سبل الإستفادة من النوازل ( الفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، ص... أنظر الدراسة في موقعها على الإنترنت...

(٤) انظر: د. عبد الله الزبير، التخريج الفقهي: تعريفه ومراتبه موقع ملتقى أصول الفقه على الشبكة العنكبوتية

(٥) أنظر: د. عبد الله الزبير، م. س. أما بالنسبة لمكونات التخريج الفقهي وعناصره - فأول ما يجب أن يقوم به الفقيه المخرج هو استحضار القواعد الأصولية المعتمدة في المذهب وما يتفرع عليها ويندرج تحتها من القواعد التابعة والضابطة لأشباه المسائل المراد تخريجها، إذ بدون ذلك لا يكون تخريج.

ثم يبدأ باختبار تلك القواعد والأصول المذهبية وصلاحها للتفريع عليها، وقوتها من ضعفها لتحديد مدى إمكان استيعاب تلك المسائل في مدلولها، وهو شرط التخريج.

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط احكام المستجدات والنوازل

ومن بعد ذلك يجري البناء والتفريع على أقوال أئمة المذهب وفتاويهم إما بالإلحاق أو الإطباق أو نفى وجوه الافتراق بين المسألة المخرجة والقول أو الفتوى المخرج عليها.

وهذه العبارة شملت أنواع التخريج، سواء أكان التخريج للفروع على أشباهها، أو الأصول على أشباهها، أو الأصول على الفروع، أو الفروع على الأصول الفقهية أو النحوية.

وباختصار التخريج الفقهي هو: استحضار قواعد المذهب الأصولية وتفاريعها، والتبين لمآخذ تضعيفها وتصويبها، والتمرن على تحرير الأدلة وتهذيبها بالبناء على أقوال أئمة المذهب وفتاويهم... أنظر المصدر السابق باختصار.

(1) أنظر: الروائح السماوية، دار الحديث ط - ١٤٢٢هـ، ص ١٦٢ - ١٦٣ نقلا عن قواعد فقه المسائل المستحدثة: محاولة لاكتشاف المنهج للسيد علي عباس الموسوي، أنظر موقع مجلة نصوص معاصرة على الإنترنت.

(۷) أنظر معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي، ص ١٤٣

(۸) أنظر تفصيل ذلك في التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، محمد عثمان شبير،

دمشق، دار القلم، ط ١ - ١٤٢٥م.

(۹) انظر: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، المسائل المستحدثة، مجلة فقه أهل البيت، ص ۷۳.

(۱۰) أنظر المصدر السابق ص ٨٠

(۱۱) المصدر السابق.

(۱۲) المصدر نفسه.

(۱۳) انظر: الشيخ مكارم ناصر الشيرازي، م.س...

(١٤) قواعد فقه المسائل المستحدثة: محاولة لاكتشاف المنهج السيد علي عباس الموسوي أنظر موقع مجلة نصوص معاصرة على الإنترنت.

(١٥) أنظر المصدر السابق باختصار وتصرف

(١٦) أنظر المصدر السابق، السيد محمد صادق الروحاني، المسائل المستحدثة، ص ٩، والخرازي السيد محسن التلقيح، مجلة فقه أهل البيت، العدد ١٦ ص ١١٤.

(۱۷) استثنى فقهاء الإمامية من التزامهم بعدم حجية القياس قياس الأولوية، فالتزموا بحجيته وهذه الأولوية من القواعد التي تفيد في تحديد أحكام بعض الموضوعات المستجدة ومثاله: مرض الإيدز وفسخ عقد النكاح... أنظر السيد علي الموسوي، مصدر سابق.

(۱۸) أنظر: التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، محمد عثمان شبیر، دمشق: دار القلم ص ٣٠ نقلاً عن التكييف الفقهي للعقود المالية المستجدة وتطبيقاتها على نماذج التمويل الإسلامية المعاصرة، أحمد محمد نصار، أنظر موقع الدراسة على شبكة الانترنت.

(۱۹) أنظر أحمد نصار، نقلاً عن التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، ص ٣٠.

الفقه المقارن

  • العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤ م -

مناهج البحث في المسائل المستحدثة لدى المذاهب الإسلامية

(۲۰) أنظر د. ماهر ذيب أبو شاويش، مجلة الشريعة والقانون، نقلاً عن عبد الرحمن السنوسي

مالات الأفعال.

(۲۱) المصدر السابق، ص ٢٠٥، أنظر الموافقات، ج ٤ ص ١٩٤.

(۲۲) مقاصد الشريعة الإسلامية، دار البصائر للإنتاج العلمي، ط ١ - ١٤١٨هـ ص ۲۱۱، نقلا عن د. أبو ناویش، مجلة الشريعة والقانون، عدد ٥٥، يوليو ۲۰۱۳م

(۲۳) د. أبو شاويش، م.س، ص ۲۱۲

(٢٤) أنظر: سبل الاستفادة من النوازل (الفتاوى) والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، د. وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد ۱۱ ج ۲، أنظر الموقع على شبكة الإنترنت .

(٢٥) أنظر: د. أبو شاويش، ص ۲۲۸، و محمد حسين الجيزاني، فقه النوازل دار ابن الجوزي، ط1 ١٤٣٧ هـ ج اص ٤٧.

(٢٦) أنظر : د. أبو شاويش، ص ٢٣٦، نقلا عن الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي.

(۲۷) أنظر: د. عبد الحق أحمد حميش، مدخل إلى فقه النوازل، موقع الدراسة على شبكة الإنترنت....

(۲۸) أنظر تفصيل ذلك في التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، د. محمد عثمان شبیر، دمشق: دار القلم، ط ١ - ١٤٢٥هـ ومنهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة، مسفرين علي القحطاني، والتكييف الفقهي للعقود المالية المستجدة وتطبيقاتها على نماذج التمويل الإسلامية، لأحمد محمد نصار .

(۲۹) أنظر الشيخ حيدر حب الله، قاعدة الصحة في العقود الاتجاهات الفقهية بين التعميم والتخصيص، أنظر موقع الدراسة على الشبكة العنكبوتية.

(۳۰) المصدر السابق.

(۳۱) أنظر المصدر السابق.

(۳۲) أنظر: السيد علي الموسوي، قواعد فقه المسائل المستحدثة، مصدر سابق.

(۳۳) المصدر السابق، نقلا عن التأمين للسيد روح الله الموسوي، مجلة أهل البيت، عددا، ص۸

(٣٤) انظر دراسته: حكم التعامل أو العمل في شركات التأمين خارج ديار الاسلام، المجلة العلمية عددان الرابع والخامس عشر ص ٣٤٦

(٣٥) أنظر: الدكتور القره داغي، المصدر السابق.

(٣٦) أنظر: المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العددان ١٤ - ١٥، ص ٣٣٩.

(۳۷) أنظر : فقه المسائل المستحدثة السيد محمد صادق الروحاني، الطبعة الخامسة.

نهاية البحث