الإباضية والفقه المُقارن
د. إسماعيل بن صالح الأغبري(*)
الخلاصة
في هذه الدراسة، محاولة للكشف عن موقف المذهب الإباضي من المنهج المقارن، وكيف اهتم فقهاء وعلماء الإباضية به، وأهميته في التعارف والتقارب بين المذاهب الفقهية الإسلامية..
وقد قُسِّمت هذه الدراسة إلى قسمين : القسم الأول، تمّ تخصيصه للحديث عن المنهج المقارن وأهميته ودوره في التعارف والتعرف العلمي بين المذاهب الفقهية الإسلامية، وإيجابياته في تخفيف حدّة التعصب المذهبي، وبالتالي، مساهمته في التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية، والتشجيع على البحث العلمي طلباً للحقيقة ..أما القسم الثاني، فقد خُصّص للحديث عن موقف المذهب الإباضي من المنهج المقارن، حيث أكدت الدراسة الاهتمام المبكر لعلماء الإباضية بهذا المنهج كما هو ظاهر في كثرة مؤلفاتهم في هذا المجال، الأمر الذي ساعدهم على الاطلاع على آراء المذاهب الفقهية الأخرى، كما كان وسيلة لهم لتعريف باقي المذاهب بآرائهم الفقهية، وما استندوا إليه من أدلة نقلية وعقلية في اختياراتهم الفقهية ..
كما أشارت الدراسة في الأخير، إلى الاهتمام المعاصر بهذا المنهج في الجامعات والكليات الشرعية في سلطنة عمان، حيث ينتشر المذهب الإباضي.
الكلمات المفتاحية: الإباضية، الفقه، المقارن، المذاهب الفقهية.
المقدمة
يسود العالم الإسلامي اليوم سبعة مذاهب فقهية حيّة، تنتشر فيه بنسب عددية متفاوتة، لأسباب سياسية ومذهبية، وهي متفقة في العقيدة على أركان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، مع اختلاف في التفاصيل ودقائق الاُمور، ومجمعة على أركان في الإسلام لا بدّ من التسليم بها، وهي شهادة التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج، فلا مُنكر لأحد منها مع تباين في تفاصيلها وشرائطها إجمالاً.
والمذاهب الفقهية الإسلامية السبعة اليوم هي: الإباضية والزيدية والجعفرية (الإمامية/ الاثناعشرية) والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
الإباضية مذهب إسلامي، وهو من حيث النشأة متقدم على غيره، فهو نسبة إلى المتحدث الرسمي، والناطق باسم الإباضية الإمام عبد الله بن إباض التميمي البصري، المتوفی في عهد حُكم عبد الملك بن مروان عام 86هـ، أما المؤسس الحقيقي للمذهب الإباضي، فهو الإمام جابر بن زيد الأزدي المتوفى عام 93هـ.
أهمية الفقه المقارن
بَسْطُ الآراء في المسألة الواحدة، وعَرْضُ المختلف فيها لمناقشته، مع بيان ما استند إليه كل فريق في ما ذهب إليه، وما هو المَنْزَع الذي نَزَعَ إليه، وما الدليل النقلي أو العقلي أو كليهما الذي ركن إليه، من غير تحيُّز أو تعريض أو تسفيه أو تحقير للرأي المغاير، فذلك هو الفقه المقارن، وهو ليس من باب الترف الفكري أو الكماليات، بل بات ضرورة.. وتكمن أهمية الفقه المقارن في التالي:
أ. جمع الأدلة النقلية والعقلية التي ارتضاها كل فريق من العلماء في ما ذهب إليه، فقد يكون المستند الذي استند إليه علماء مذهب معين، أو بعضهم خافيّاً على غيرهم، إلّا أن الفقه المقارن كشف عنه، وأزال غبش التصورات أو ما علق في الأذهان من سوء ظن بالفريق الآخر.
ب. تلطيف الأجواء بين أتباع المذاهب الإسلامية، فمجرد معرفة الأصل الذي صار إليه علماء المذهب الآخر، يمكن تفهم تلك الأقوال وعدم الهجوم على المخالف بالسِّباب والشتائم.
ت. تعويد المشتغل به، على حيادية النتيجة واتباع الدليل العلمي، عند عرض أدلة القوم المختلفين، فقد يكون العالِم قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وهذا النوع من الفقهاء يجوز له الترجيح واتباع ما اطمأنت إليه نفسه، بناء على ما تيسّر لديه من الأدلة، خلال ممارسته المقارنات الفقهية.
ث. قد يكون الفقه المقارن سبيلاً للتقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية، بشرط أن تكون المقارنات بدافع البحث العلمي وحسن النوايا، وليست منطلقة من باب ما يُسمّى كشف عوار المخالف أو بيان تخبطه أو تسجيل نقاط عليه، فإن كانت المقارنة بهذه النية، فإن المُقَارِن إذا حكم مسبقاً على قول مخالفه بالبطلان، وأعلن حربه الفكرية على أدلة مخالفه من قبل أن يطلع عليها، ـ وللأسف ـ فإنّ هذه الطريقة يسلكها قسم من العلماء الذين يحتكرون الحق في طريقتهم دون سواها، كما أنّ عدداً من الجامعات والكليات والمعاهد الدينية في العالم الإسلامي، يُوجد بها أقسام وأساتذة للفقه المقارن، إلّا أنها تحصر المقارنات في آراء علماء المذاهب الفقهية الأربعة، وهذا لا يحقق المرجو من الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية كافة، الإباضية والشيعة والسُنة.
ج. يُساعد الفقه المقارن الحقيقي على تحقيق نظرية المعرفة، ثمّ التعارف فالاعتراف، وهذه الثلاثية قد شدّد عليها المؤرخ الإباضي علي يحيى معمر في كتابه: (الإباضية بين الفرق الإسلامية)، فهو يؤكد أن غبار العلاقات بين المدارس الإسلامية لن ينقشع، والضبابية لن تزول، إلّا إذا عرف كل فريق ما لدى الآخر، ومن خلال المعرفة والتعارف الجمعي، سيتم الوصول إلى حتمية الاعتراف بهذه المدارس الإسلامية السبعة السائدة في العالم الإسلامي، بل والمذاهب المندثرة أيضاً.
لقد كان علي يحيى معمر أول الماضين في تطبيق هذه الثلاثية، قرأ عن جميع المذاهب الفقهية الإسلامية الحية والمندثرة، فكان منه المعرفة ثم الاعتراف، ولذا فقد سجل بيراعه أنه لولا الإباضية لما توسّط المسلمون في مسألة خلافة المسلمين، ولأحسَّ القسم الأكبر من المسلمين بالتمييز العنصري ضدهم من إخوانهم المسلمين القائلين بحصر الخلافة في قريش دون بقية المسلمين. ولولا الشيعة لضاع حق آل البيت، ولولا المذاهب الأربعة، لما ذاع الإسلام وانتشر، ولولا الصوفية لما رسخت أقدام المسلمين في إفريقيا، ولولا المعتزلة لغزا الإلحاد عالم الإسلام(81).
لم يكتف معمر بما وصل إليه من هذه النتيجة من المعرفة والتعارف ثم الاعتراف، وإنما عندما كتب كتابه: (الإباضية في موكب التاريخ)، فإنه في الحلقة الاُولى من كتابه، شدّد بأن حديث الفرقة الناجية، وهلاك الجميع إلّا واحدة، لا يدل على هلاك هذه الملايين من الناس من المخالفين، فأكثر المسلمين لا علم له بمباحث فقهاء الإسلام المختلف عليها( ).
الإباضية والفقه المقارن
الفقه المقارن لدى الإباضية ليس وليد اليوم، أو كان بسبب التداخل المعاصر بينهم وبين غيرهم من مذاهب المسلمين، وإنما عرفوه منذ قرون مبكرة، فمدونة أبي غانم الخراساني (القرن 2هـ)، حافلة بآراء العلماء غير الإباضية، وفي القرن الرابع الهجري فإن ابن بركة ـ وهو أول من كتب في اُصول الفقه عند الإباضية ـ ضم كتابه الجامع، آراء الإباضية الفقهية مع آراء فقهية لغير الإباضية كأبي حنيفة ومالك والشافعي.
أما أبو سعيد الكدمي (القرن4هـ)، والذي أطلق عليه الإمام نور الدين السالمي إمام المذهب، لرسوخه في العلم وتحقيقاته لكثير من مسائله، فإنه عكف على كتاب الإشراف على مذاهب أهل العلم للنيسابوري الشافعي ـ وهو كتاب يضم الآراء الفقهية المقارنة بين المذاهب الإسلامية الأربعة ـ فإنه بعد استيعابه إياه، أضاف إليه ما ترجّح لديه أو ما هو المعمول به عند الإباضية، وبذلك خرج الكتاب فقهاً مقارناً على المذاهب الفقهية الخمسة، وليس الأربعة فقط.
وقد أثمر هذا المنهج، زوال الغرابة عندهم من آراء مخالفيهم، وقبول مخالفيهم على ما هم عليه من رأي، لاطلاعهم على ما استندوا إليه من دليل نقلي أو عقلي، بغض النظر عن رأيهم في الدليل الذي ركن إليه المخالفون من حيث القوة أو الضعف.
أشكال الفقه المقارن عند الإباضية
يتخذ الفقه المقارن لدى الإباضية أنماطا مختلفة، فتارة تكون المقارنة بذكر رأي الإباضية أو رأي بعض علمائهم مع رأي علماء غيرهم، ولو لم يكن من مؤسسي المدارس الفقهية المعروفة، وأحياناً تكون المقارنة بين رأي الإباضية ورأي عالم من علماء المذاهب الإسلامية، وتارة تكون المقارنة إجمالية كقولهم: ذهب أصحابنا أو قال المسلمون بكذا في المسألة الفلانية( )، بينما ذهب مخالفونا إلى كذا وتارة بقولهم: قال أصحابنا في المسألة الفلانية كذا، أما قومنا فقد قالوا بكذا( ).
من الملاحظ أيضا أن الإباضية كان فقههم المقارن أكثر ما يكون مع فقه المذاهب الفقهية الأربعة، وربما يعود ذلك إلى الاختلاط والتداخل الجغرافي خاصة في شمال إفريقيا إذ يعيش الإباضية والمالكية في الجزائر وتونس وليبيا في مناطق متداخلة، وربما يعود ذلك للهيمنة العددية للمذاهب الأربعة في العالم الإسلامي وانتشار كتبهم ومؤلفاتهم.
ولا يعني هذا خلو كتب الفقه الإباضي من آراء أئمة الشيعة الزيدية والجعفرية (الإمامية)، خاصة أقوال الإمام جعفر الصادق( ) ومن قبله كانت روايات وفقه الإمام علي بن أبي طالب مبثوثة في كتب الحديث والفقه الإباضي( )، إلّا أن ذلك أقل بكثير عن ما سلكوه مع المذاهب الفقهية الأربعة، ولعل ذلك ناتج عن الصورة السلبية التي رسمها عدد من كُتاب الفرق والمقالات عن الشيعة بغية التنفير منهم أو عزلهم أو التقليل من شأن علمائهم أو الاستخفاف بمصادرهم ومؤلفاتهم، على أن الإباضية أنفسهم تعرضوا لعدم الاعتداد بهم في أكثر كتب أتباع المذاهب الأربعة طوال قرون متعاقبة، وهذا يؤدي قطعاً إلى تعميق القطيعة بين الإباضية والشيعة والسُنة، كما يُسبب إيغار الصدور وترسيخ الصورة السلبية القاتمة عن بقية المسلمين، إضافة إلى أن هذا الهجران لكتب المخالف، يورث تناقضاً عجيباً، إذ يتقبّل البعض قراءة كتب غير المسلمين، ولا ينهى الناشئة عنها، رغم الخلاف في الدين، بينما يرفض البتة قراءة كتب مخالفيه في المذهب، وقد يحرض عليها بالنهي عن قراءتها؟!
نماذج من الفقه المقارن عند الإباضية
هناك طريقتان من الفقه المقارن لدى فقهاء الإباضية، ولكل طريقة أسبابها وسماتها، ومن ذلك:
الاُولی الفقه المقارن التفصيلي
تمتاز كتب الفقه الإباضي للعلماء المغاربة بالفقه المقارن التفصيلي أكثر ممّا عليه كتب الفقه الإباضي لعلماء عُمَان والمشارقة بصفة عامة، وربما يعود ذلك لأسباب منها: مجاورة الإباضية واختلاطهم بإخوانهم من أتباع المذهب المالكي، ذلك أن مناطق السكنى متداخلة كما يمثل المالكية غالبية سكان المغرب الإسلامي، ونتيجة هذا الاحتكاك والتداخل، ساد الفقه المقارن التفصيلي في كتب الإباضية المغاربة بخلاف الإباضية في عُمان، فإنه لا منافس لهم عبر قرون متعاقبة، ولا مجاور لهم.
والأمر الآخر الذي جعل إباضية المغرب الإسلامي يقارنون المقارنة التفصيلية، هو السعي إلى إبراز آرائهم مقارنة بآراء غيرهم مع ذكر الأدلة التي ركنوا إليها، وذلك لبيان أنهم في ما ذهبوا إليه، يركنون إلى أدلة من كتاب الله أو ما صح عن رسول الله(ص)، أو القياس أو الاستصحاب أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع أو العُرف، وهذا من باب التأكيد أنهم لا يخبطون خبط عشواء، أما الإباضية في عُمان، فإنهم لا يحتاجون إلى تفصيل الأدلة في كثير من مؤلفاتهم؛ لأنهم لا يجاورهم عبر قرون متعاقبة مذهب آخر.
ومن الأمثلة على الفقه المقارن التفصيلي في كتب الإباضية المغاربة:
1. تناول العلامة ابن خلفون (القرن6هـ) مسألة أقصى مدة للحمل، حيث أخذ يستعرض آراء الفقهاء في ذلك (اختلفوا في أقصى مدة الحمل... ولم يجدوا لها حدّاً في الكتاب والسُّنة إلّا الاجتهاد وما عُرف من عادة النساء، قال أهل العراق مدته سنتان، رُوي ذلك عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وبه قال سفيان الثوري وأهل الرأي، ورُوي ذلك عن عائشة أم المؤمنين، وذكروا عن الضحاك بن مزاحم وهرم بن حيان أنهما وُلدا على سنتين، وقال داوود الظاهري مدته تسعة أشهر في الغالب من عادة النساء، واختلف أهل الحجاز في ما بينهم قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أقصى مدة الحمل سنة لا أكثر، وقال أكثرهم مدته أربع سنين، قاله مالك والشافعي، وروي عن مالك خمس سنين... وقال الزهري إن المرأة تحمل ست سنين وسبع سنين...)( ).
2. زواج الزاني بمن زنى بها
يرى الإباضية أن من زنى بامرأة يحرم عليه الزواج بها حرمة أبدية، ويسوقون لذلك الأدلة النقلية والعقلية، وقد تناول ابن خلفون هذه المسالة فسرد آراء فقهاء المذاهب الإسلامية المختلفة (.... الجواب في ذلك عند أصحابنا (الإباضية) المنع من نكاحها على كل حال، وروي ذلك عن جابر بن زيد وأبي عبيدة وصالح الدهان والربيع ووائل ومحبوب ومحمد بن محبوب وموسى بن علي وعبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرج وعدد كثير، وهو المذهب الذي لا يختلفون فيه، وسلفهم في ذلك من الصحابة ابن مسعود وعائشة أم المؤمنين والبراء بن عازب وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وجابر بن عبد الله، وبه قال الحسن البصري وابن سيرين، واباحت طائفة نكاحها مع التوبة والصلاح، واباحت طائفة نكاحها من غير شرط، ورووا ذلك عن عبد الله بن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب، وزعموا ذلك عن جابر بن زيد، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي...)( ).
3. هل الحرام يحرم الحلال؟
هذه المسألة تناولها ابن خلفون في أجوبته، فذكر أن عمران بن الحصين وابن مسعود وجابر بن زيد والحسن البصري والشعبي وطاووس وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار... وهو مذهب أبي عبيدة مسلم بن ابي كريمة والربيع بن حبيب وأبي المؤرج وابن عبد العزيز ووائل وابن محبوب، ولا أعلم أصحابنا يختلفون في ذلك، وبذلك قال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وعليه أهل العراق، وأكثر أهل الحجاز...)( ).
وهكذا نرى أن ابن خلفون توسّع في الفقه المقارن، فكان تفصيلياً لا إجمالياً، ولعله لم يسبق إليه أحد من فقهاء الإباضية ما جلب عليه استنكارا شديداً من معاصريه، بل وبسبب مطالعاته الكثيرة لكتب المخالفين اتُّهِم بالتهاون في التمسك بالمذهب الإباضي، إلّا أنه بعد حين، اتضح لمعارضيه أنه قائم على المذهب( )، وإنما ساقه إلى التعمق في قراءة كتب المخالفين غريزة العلم بالشيء، والتقريب بين المسلمين أجمعين.
ومن إباضية المغرب المعاصرين محمد بن يوسف أطفيش الملقب بالقطب، فإنه في كتاب شرح النيل وشفاء العليل، يقارن مقارنات تفصيلية بين آراء الإباضية وغيرهم من مذاهب المسلمين، أما في كتابه الموسوم بـ(الذهب الخالص)، فإنه التزم بالمقارنة التفصيلية أيضاً، ووضع رموزا لتلك المقارنات، فرمز الميم يعني قول مالك، ورمز الشين يعني الشافعي، ورمز الحاء يعني أبا حنيفة، ورمز الباء يعني قولنا معاشر الإباضية( ).
على أن كتب الفقه الإباضي المشرقي، لم تخل من الفقه المقارن مقارنة تفصيلية، ومن الأمثلة على المقارنات التفصيلية عند أبي سعيد الكدمي (القرن4هـ) في كتابه زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف للنيسابوري الشافعي ما جاء من اختلاف الفقهاء في حكم بيع السمن المائع الذي وقعت فيه فأرة، فالنيسابوري يورد آراء أبو موسى الأشعري والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه في الترخيص في بيعه، أما مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، فإنهم على منع بيعه، وأما الإمام علي بن أبي طالب وأبو هريرة والنخعي على كراهة بيعه، ثم يُضيف رأيا آخر عند الإباضية فيقول: (قال أبو سعيد: يخرج معي في معاني قول أصحابنا نحو هذا من الاختلاف في بيع المستنجس من الطهارات ما لم يغلب عليه حكم النجاسة...). ومن المقارنات الفقهية التفصيلية المعاصرة في كتب الإباضية المشارقة ما ورد عند الشيخ القاضي أبو سرور الجامعي (ت 2014م) عند تناوله اختلاف الفقهاء في الأُذنين والأقوال في حكمهما عند الوضوء
ومسح الأذنين عن أبي حنيفة فرض
وقد عُزي أيضا إلى الحنابلة
ومالك قد قال فرض مستقل
وصحبنا والشافعي عَبَّروا
وقوم أيدوا تصنيفه
فرض من الرأس بلا مجادله
كذلك المُغني بهذا يستهل
بأنه لِسُنة تعتبروا( )
وعندما ناقش مسألة قصر الصلاة، فإنه عرض أقوال أئمة المذاهب الإسلامية، مع انتصاره لرأي المذهب الإباضي القاضي بوجوب القصر، ولو إلى عشرين عاماً، ما دام لم ينو التوطين.
وأربعين يوما في حنين
ومالك والشافعي حدّدا
وبعد ذا يلزمه الإتمام
ودون خمسة وعـشرة عزى
وعندنا يقـصر ما لم يقصد
وذا به قد قالت الأحناف
قــــــد قصـر الــــــصـــلاة دون مــيـن
أربعة الأيام قولا وردا
وقـصره من بعد ذا حرام
ســابق للـــــنعمان قــصرا برزا
أن يأخذنَّ موطنا فاستفد
ومعنا من غيرهم أسلاف( )
الطريقة الثانية: الفقه المقارن الإجمالي
الفقه المقارن الإجمالي، أكثر ما يكون في كتب الإباضية المشارقة، إذ يكتفي الفقيه في أحيان كثيرة بقوله: قال أصحابنا أي الإباضية أو يقول: وذهب بعض أصحابنا دون تفصيل أو سرد لأسماء العلماء الذين قالوا بهذا القول أو ذاك.
وإذا ما أورد رأياً فقهياً لغير الإباضية، فإن المؤلف يكتفي في أحيان كثيرة بقوله: وقال المخالفون أو وذهب بعض مخالفينا أو وقال قومنا وأحياناً يقول: وقال أهل الصلاة أو أهل القبلة، ولا شك أن العبارة الأخيرة، تدل دلالة واضحة على رفض الإباضية تكفير من شهد شهادة التوحيد.
وهذا النوع من المقارنات، لا تخلو منه كتب فقهاء إباضية المغرب، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده العلامة عامر الشماخي خلال حديثه عن حكم تقبيل الرجل امرأته وهو صائم، فبعد أن نصّ على أن الإباضية متفقون على أنه (من أصبح جنباً أصبح مُفطراً)( )، انتقل إلى مسألة تقبيل الرجل امرأته وهو صائم، فقال: قال بعضهم أفطر، وقال آخرون لم يُفطر... وقد روى في ذلك بعض مخالفينا حديثاً...والنظر يوجب عندي أنها مكروهة؛ لأنها من دواعي الجماع( ). كما ناقش وقت النية لصيام شهر رمضان (وأما وقت النية فعند أصحابنا الإباضية) أن الوقت في ذلك قبل طلوع الفجر،.... وقال بعض مخالفينا تجزي النية بعد الفجر في النافلة، ولا تجزي في الفرض، وهذا القول مذكور عن الشافعي... وقال أبو حنيفة تجزئ النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان...ولا تجزي في الواجب في الذمة... والقول الأول عندي أصح وهو قول أصحابنا (الإباضية) لعموم قوله7 (لا صوم لمن لم يُبيِّت الصيام من الليل)( ).
وخلاصة القول، فإنّ أُمهات كتب الفقه الإباضي حافلة بالمقارنات الفقهية ومنذ القرن الهجري الثاني وحتى القرن الخامس عشر الهجري، ففي بيان الشرع المكون من أكثر من سبعين جزءاً للعلامة محمد بن إبراهيم الكندي و260 أثراً لأبي حنيفة و700 أثراً لمالك بن أنس و770 أثراً للشافعي و500 أثراً لأحمد بن حنبل و350 أثراً لسفيان الثوري و80 أثراً لليث بن سعد و20 أثراً لداود الظاهري( ).
وختاماً، فإن الفقه المقارن عند الإباضية ضروري، وهو ما سارت عليه ندوة تطور العلوم الفقهية التي استمرت ما يقرب من خمسة عشر عاماً، والتي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، فكلمات الافتتاح تبدأ بكلمة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان، ثم سماحة الشيخ أحمد مبلغي، ثم فضيلة الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي، وكل من هؤلاء ينتمي إلى مدرسة إسلامية أصيلة.
أما المشاركون في الندوة، فهم أيضاً من مختلف الأقطار: سلطنة عُمان ودول الخليج واليمن ومصر والسودان وشمال إفريقيا وغربها وشرقها وبلاد الشام وتركيا وغيرها من الأقطار، وتضم الندوة فقهاء الإباضية والشيعة بقسميها الزيدي والجعفري، والمذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ولكل من هؤلاء تقديم بحثه دون فرض رأي عليه أو إملاء، مع فقه مقارن.
أما ما تعلق بالفقه المقارن الحقيقي في كلية العلوم الشرعية بسلطنة عُمان، فإنها قائمة عليه، إذ من لوازم التدريس الفقه المقارن الحقيقي على المذاهب السبعة، ومكتبة الكلية حافلة بكتب المذاهب الإسلامية السبعة، وما ذلك إلّا ليخرج منها جيل همّه وحدة الأمة الإسلامية ورصِّ صفوفها.
الخاتمة
بعد هذا العرض الموجز عن الفقه المقارن لدى الإباضية، قد يكون من المناسب إيراد التوصيات الآتية:
بث روح التسامح والتعايش بين المسلمين أجمعين عن طريق الفقه المقارن.
اعتماد الجامعات والكليات والمعاهد الشرعية، الفقه المقارن الحقيقي على المذاهب السبعة، وليس مقتصراً فقط على المذاهب الأربعة.
أن يكون الهدف من الفقه المقارن، إذابة الحزازات وإزالة اللبس الواقع بين المذاهب الإسلامية، وليس مقارنات القصد منها كشف ما يُسمى عوار المخالف، وبيان ضلاله، ونشر مساوئه.
عقد لقاء بين نخب من علماء المذاهب الإسلامية السبعة للاتفاق على تأليف موسوعة مُحْكَمَة، فيما يتعلق بالفقه المقارن الحقيقي، مع بيان أهميته وآثاره في التقريب بين المسلمين.
عدم الاستخفاف بمصادر المخالفين.
الهوامش:
( ) علي يحيى معمر، «الإباضية في موكب التاريخ»، 43.
( ) قولهم قال المسلمون أو أجمع المسلمون أو ذهب أصحابنا إلى القول بكذا يعنون به الإباضية، أما قال المخالفون أو قومنا فيقصدون بذلك غير الإباضية، وتسمية أنفسهم بالمسلمين لا تعني حصر الإسلام فيهم دون سواهم، وإنما ذلك كان مسماهم، ولم يرغبوا عن تلك التسمية التي سمى الله بها من اتبع الإسلام، ثم تقبلوا التسمية المشهورة وهي الإباضية لما رأوا أن أتباع كل مذهب تسمى بتسمية تدل عليه.
( ) سلمة بن مسلم العوتبي، «الضياء»، 169:6، 171، 174، 183، 273.
( ) أبو غانم الخراساني، «المدونة الكبرى»، 4:1.
( ) الربيع بن حبيب، «الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب»،29، 32، 52، 55، 84، 91، 116.
( ) ابن خلفون، «أجوبة ابن خلفون» 25 ـ 26.
( ) ن. م، 35 ـ 36.
( ) ن.م، 45 ـ 46.
( ) ن.م، ص 12.
( ) إسماعيل الأغبري، «الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا»، 106.
( ) حميد بن عبد الله الجامعي، «بغية الطلاب»، 43.
( ) ن.م ، 105 ـ 106.
( ) روى الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أصبح جنباً أصبح مفطراً).
( ) عامر الشماخي، «كتاب الإيضاح»، 164:2.
( ) ن.م، 169:2ـ 170.
( ) وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، «التأليف الموسوعي والفقه المقارن»، 66.
المصادر والمراجع
1. الإباضية بين الفرق الإسلامية، علي يحيى معمر، مكتبة دار الحكمة، لندن، ط5، 1427هـ ـ 2006م.
2. الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا، إسماعيل بن صالح الأغبري، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1434هـ ت 2013م.
3. الإباضية في موكب التاريخ، علي يحيى معمر، مكتبة الاستقامة، مسقط، ط2، 1410هـ ـ 1989م.
4. أجوبة ابن خلفون، ابن خلفون، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1394هـ ـ 1974م.
5. بُغية الطلاب، حميد بن عبد الله الجامعي، ط2، 1418هـ ـ 1997.
التأليف الموسوعي والفقه المقارن، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، ط3، 1433هـ ـ 2012م
6. زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري، أبو سعيد الكدمي، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1432هـ ـ 2012م.
7. كتاب الإيضاح، عامر الشماخي، ط4، 1420هـ ـ 1999م.
8. كتاب الجامع، ابن بركة، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان.
9. كتاب الضياء، سلمة بن مسلم العوتبي، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1436هـ ـ 2015م.