مسؤولية الفتوى الشرعية وضوابطها في الشريعة الإسلامية
د. أحمد عرفة أحمد يوسف(*)
الخلاصة
يتناول هذا البحث، الجانب التأصيلي في الفتوى الشرعية الإسلامية وضوابطها، حيث يعرفها ويكشف عن الفرق بينها وبين الحكم والقضاء، وبيان الشروط المتعلقة بالمفتي، وآداب المفتي والمستفتي، وذكر الضوابط الشرعية للفتوى.
وقد اعتمدت في هذا البحث على المنهج الاستقرائي التحليلي، وقد جاء البحث في: مقدمة، وثلاثة مباحث: المبحث الأول عن: حقيقة الفتوى ومكانتها في الشريعة الإسلامية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الفتوى وحقيقتها، والفرق بينها وبين ما يشبهها من المصطلحات، والمطلب الثاني: مكانة الفتوى في الشريعة الإسلامية.
وأما المبحث الثاني، فقد تناولت فيه شروط المفتي وصفاته وآدابه، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: شروط المفتي وصفاته، والمطلب الثاني: الآداب المتعلقة بالمُفتي، والمطلب الثالث: الآداب المتعلقة بالمستفتي، وجاء المبحث الثالث في بيان ضوابط الفتوى والتيسير، وفيه مطلبان: المطلب الأول: ضوابط الفتوى، والمطلب الثاني: ضوابط التيسير في الفتوى.
وفي الخاتمة، ذكرت أهم النتائج ومنها: أن الفتوى: هي الإخبار بالحكم الشرعي مع المعرفة بدليله، وتختلف الفتوى عن الحكم والقضاء، وتشترك الفتوى مع القضاء في أن كلاً منهما إخبار عن حكم الله تعالى، وتوافر شرط الاجتهاد، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة، فالفتوى إخبار عن حكم الله تعالى، لا إلزام فيه من جهة المفتي، بخلاف القضاء والحكم، فإنه إخبار معناه الإنشاء والإلزام، ومن ضوابط الفتوى اعتمادها على العلم الشرعي الصحيح، والتأني والتثبت في الفتوى، وقول لا أعلم في المسألة التي يجهلها المُفتي أو يتردد فيها، ومراعاة مقاصد الشريعة، وتقديم العواقب والمآل، ووضوح الحكم في الفتوى، ومراعاة أحوال الناس والمستفتين.
وقد أوصى البحث بالعمل على تطوير المهارات الشخصية لدى العلماء المفتين وإعدادهم، والعناية بهم، وتأهيلهم علمياً، وتدريبهم عمليّاً على الفتوى وإعمالها وطرق استنباط الأحكام، وعقد المزيد من الدورات التدريبية والمؤتمرات والندوات عن الإفتاء وضوابطه ومعالمه، لتعزيز قدرة المفتين على الفتوى، وأن يُوجد مقرر دراسي لتدريس الإفتاء وضوابطه، كمادة مستقلة بالكليات الشرعية، لا سيّما كليات الشريعة، بجانب مادة اُصول الفقه، وإنشاء المواقع الإلكترونية المتخصصة في الفتوى والتعريف بها وبضوابطها، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تدريب المتخصصين على الفتوى وتأهيلهم، من خلال البرامج الإفتائية وحلقات النقاش، التي تعمل على تطويرهم وإكسابهم ملكة الإفتاء.
الكلمات المفتاحية: الفتوى، ضوابط الفتوى، التيسير، المفتي، المستفتي، الإفتاء.
المقدمة
للفتوى في الإسلام شرفها ومنزلتها العظيمة، وقد جاء ذلك واضحاً جلياً من خلال نصوص القرآن الكريم، والسُّنة النبوية المطهرة، كما أن المتأمل في حال السلف الصالح (رضوان الله عليهم) يجد أن للفتوى مكانتها وخطرها، ولذلك كان على العلماء أن يجتهدوا في بيان منزلتها وضوابطها وآدابها التي ينبغي أن يتحلّى بها المفتي والمستفتي، ومن أجل ذلك ألّف العلماء الكتب والتصانيف العديدة في بيان فضل الفتوى ومنزلتها، والآداب المتعلقة بالإفتاء، ومعالم الفتوى وضوابطها، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم: "ومَن أفتى الناسَ بمُجرّد المنقول في الكتب ـ على اختلاف عُرْفهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وأمكنتهم، وأحوالهم، وقرائن أحوالهم ـ ، فقد ضلّ وأضلّ، وكانت جنايتُه على الدين أعظمَ مِن جناية مَن طبّب الناسَ ـ كلَّهم ـ على اختلاف بلادهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وطبائعهم ـ بما في كتابٍ مِن كُتُب الطّب ـ على أبدانهم! بل هذا الطبيبُ الجاهلُ ـ وهذا المفتي الجاهلُ ـ أضرُّ ما على أديانِ الناسِ وأبدانِهم"( ).
كما أن الفتوى هي توقيع عن ربّ العالمين في الأمر والنهي والحلال والحرام، ولما كان الأمر كذلك، حذّرنا جل وعلا من القول بغير علم، حيث قال سبحانه وتعالى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾( ).
وللمساهمة في هذا الباب العظيم من أبواب العلم كان هذا البحث الذي ساُبين فيه حقيقة الفتوى، والفرق بينها وبين الحُكم والقضاء، ومكانتها في الشريعة الإسلامية، وضوابطها، وشروط الفتوى وضوابطها.
أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى ما يلي:
التعريف بالفتوى الشرعية، وبيان الفرق بينها وبين ما يشبهها من المصطلحات الاُخرى.
ذكر الفرق بين الفتوى التشريعية، والفتوى الفقهية، والفتوى الجزئية.
ذكر الضوابط والآداب المتعلقة بالمفتي والمستفتي.
بيان الضوابط الشرعية للفتوى، ومبادئ اعتبار التيسير فيها.
خطة البحث
قسمت هذا البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: حقيقة الفتوى ومكانتها في الشريعة الإسلامية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الفتوى وحقيقتها، والفرق بينها وبين ما يشبهها من المصطلحات.
المطلب الثاني: مكانة الفتوى في الشريعة الإسلامية.
المبحث الثاني: شروط المفتي وصفاته وآدابه
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شروط المفتي وصفاته.
المطلب الثاني: الآداب المتعلقة بالمفتي.
المطلب الثالث: الآداب المتعلقة بالمستفتي.
المبحث الثالث: ضوابط الفتوى والتيسير
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضوابط الفتوى.
المطلب الثاني: ضوابط التيسير في الفتوى.
المبحث الأول: حقيقة الفتوى ومكانتها في الشريعة الإسلامية
سأتناول في هذا المبحث، بيان حقيقة الفتوى في اللغة والاصطلاح، والفرق بينها وبين ما يشبهها من المصطلحات الاُخر، ومن ذلك الفرق بين الفتوى والقضاء، والفرق بين الفتوى والاجتهاد، ثم أُبين بعد ذلك مكانة الفتوى في الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال نصوص القرآن الكريم، والسُّنة النبوية المطهرة، وما نُقل عن الصحابة والتابعين، والفقهاء والأئمة الأعلام، وذلك في مطلبين: المطلب الأول: حقيقة الفتوى، والفرق بينها وبين ما يشبهها من المصطلحات الاُخر، والمطلب الثاني: مكانة الفتوى في الشريعة الإسلامية، وبيان ذلك كما يلي:
المطلب الأول: تعريف الفتوى وحقيقتها والفرق بينها و بين ما يشبهها من المصطلحات
وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعريف الفتوى والمفتي في اللغة والاصطلاح
أولاً: تعريف الفتوى والمفتي في اللغة
الفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء، والجمع: الفتاوى والفتاوي، يقال: أفتيته فتوى وفتيا، إذا أجبته عن مسألته، والفتيا تبيين المشكل من الأحكام، وتفاتوا إلى فلان: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا، والتفاتي: التخاصم، ويقال: أفتيت فلاناً رؤيا رآها: إذا عبرتها له( ) ومنه قوله تعالى حاكياً: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾( ).
والاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً﴾( )، وقد يكون بمعنى مجرد سؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾( ) قال المفسرون: "أي سلهم يعني أهل مكة؛ مأخوذ من استفتاء المفتي"( ).
والمُفتي لغة: اسم فاعل أفتى، فمن أفتى مرة فهو مُفتٍ، ولكنه يُحمل في العرف الشرعي بمعنى أخص من ذلك.
قال الصيرفي: "هذا الاسم موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم، وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك السّنن والاستنباط، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها، فمن بلغ هذه المرتبة سمّوه بهذا الاسم، ومن استحقه أفتى فيما استفتي فيه"( ).
وقال الزركشي: "المُفتي من كان عالماً بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل، وهذا إن قلنا بعدم تجزؤ الاجتهاد"( ).
وعرف الشوكاني المفتي بأنه: "المجتهد، وهذا ما عليه علماء الاُصول، وأما المفتي المقلد فهو: من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ولكنه درس وفهم مذهباً من مذاهب الفقهاء المعروفين كمذهب أبي حنيفة، أو الشافعي، أو المالكي، أو الحنبلي، وأخذ على عاتقه تقليده معتقداً بصحته، فيجوز له الإفتاء على المذهب فقط، شريطة ألّا يكون هناك مجتهد يرجع الناس إليه( )؛ لأن العامي إذا وجد مجتهداً عدلاً فليس له أن يلجأ إلى غيره، بل أقول: إن المفتي المقلد في حقيقة الأمر ليس مفتياً، ولكنه ناقل لفتوى من يُقلد، ولهذا لا يُعد من أهل الإفتاء، لذلك قال أهل العلم: إذا أفتى برأي إمام من الأئمة المعروفين، يجب عليه أن ينسب الفتوى إلى صاحب الرأي( ).
ثانياً: تعريف الفتوى في الاصطلاح
والفتوى في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه( )، وهذا يشمل السؤال في الوقائع وغيرها.
فالفتوى: هي الإخبار بالحكم الشرعي مع المعرفة بدليله( ).
وقد تضمن هذا التعريف اُموراً ثلاثة:
الأمر الأول: قوله: "الإخبار"، يفيد أن الفتوى من باب الإخبار المحض، إذ المفتى إنما يخبر بفتواه من استفتاه، فإن شاء قبل قوله وإن شاء تركه، ولا يلزمه بالأخذ بها.
وفي هذا احتراز عن حكم الحاكم وقضاء القاضي، فإن الحاكم أو القاضي يخبر الخصوم بقوله على سبيل الإلزام. "فيشترك هو والمفتى في الإخبار عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام"( ).
قال الإمام القرافي: "وبيان ذلك بالتمثيل: أن المفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي، ينقل ما وجده عن القاضي واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك.
والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم، يُنشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مستنيبه، بل مستنيبه قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حُكمي.
فكلاهما موافق للقاضي ومطيع له وساع في تنفيذ مواده، غير أن أحدهما ينشئ والآخر ينقل نقلاً محضاً من غير اجتهاد له في الإنشاء، كذلك المفتى والحاكم، كلاهما مطيع لله تعالى قابل لحكمه، غير أن الحاكم مُنشئ والمفتي مخبر محض"( ).
الأمر الثاني: قوله: "بالحكم الشرعي" يدل على أن الفتوى تختص ببيان الحكم الشرعي، دون غيره من الأحكام.
وفي هذا احتراز عن بيان الأحكام غير الشرعية، كاللغوية والطبية والعقلية، فإن ذلك لا يدخل تحت الفتوى بمعناها الشرعي الخاص، وإن كان داخلاً تحت المعنى اللغوي العام للفتوى، وهو البيان والجواب.
الأمر الثالث: قوله: "مع المعرفة بدليله" يفيد أن الفتوى إنما تصدر عمّن يعرف الدليل، وذلك هو العالم بالشرع، وهو الفقيه المجتهد وهذا يشمل: ما أخبر به المفتي عما فهمه عن الله(عزّ وجل) ورسوله(ص) مما نص عليه الكتاب والسُّنة، أو أجمعت عليه الأمة، ولما استنبطه وفهمه باجتهاده، ويشمل أيضاً ما أخبر به عما فهمه عن إمامه الذي قلده من كتاب أو ألفاظ هذا الإمام( ).
وهذا فيه احتراز عن العامي المقلد، فإنه مجرد ناقل لقول غيره، وفيه احتراز أيضاً عن الراوي، فإنه يخبر عن الحكم الشرعي، وإنما هو ناقل للفظة فقط، مع أن كلاً من المقلد والراوي يشترك مع المفتي في بيان الحكم الشرعي( ).
الفرع الثاني: الفرق بين الفتوى وما يشبهها من المصطلحات الاُخر
هناك ألفاظ ذات صلة بالفتوى كالقضاء والاجتهاد، وبيان ذلك ضمن المحاور الثلاثة التالية:
المحور الأول ـ الفتوى والقضاء:
1. تعريف القضاء:
القضاء: هو فصل القاضي بين الخصوم، ويقال له أيضاً: الحكم، والحاكم: القاضي، والقضاء شبيه بالفتوى إلّا أن بينهما فروقاً:
منها: أن الفتوى إخبار عن الحكم الشرعي، والقضاء إنشاء للحكم بين المتخاصمين.
ومنها: أن الفتوى لا إلزام فيها للمستفتي أو غيره، بل له أن يأخذ بها إن رآها صواباً وله أن يتركها ويأخذ بفتوى مُفت آخر، أما الحكم القضائي فهو ملزم( )، وينبني عليه أن أحد الخصمين إذا دعا الآخر إلى فتاوى الفقهاء لم نجبره، وإن دعاه إلى قاض وجب عليه الإجابة، واُجبر على ذلك؛ لأن القاضي منصوب لقطع الخصومات وإنهائها( ).
ومنها: ما قاله ابن القيم: "إن حكم القاضي جزئي خاص لا يتعدّى إلى غير المحكوم عليه وله، وفتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، فالقاضي يقضي قضاء معيناً على شخص معين، والمفتي يفتي حكماً عاماً كلياً: أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا"( ).
ومنها: أن القضاء لا يكون إلّا بلفظ منطوق، وتكون الفتيا بالكتابة والفعل والإشارة( ).
2. العلاقة بين الفتوى والقضاء:
تشترك الفتوى مع القضاء في الوجوه التالية:
1. إن كلاً منهما إخبار عن حكم الله تعالى.
2. إن كلاً منهما لا بد فيه من توافر شرط الاجتهاد.
3. إن كلاً منهما يلزم المكلف من حيث الجملة( ).
أما عن وجوه الاختلاف بين الفتوى والقضاء فعلى النحو الآتي:
1. إن الفتوى إخبار عن حكم الله تعالى، لا إلزام فيه من جهة المفتي، بخلاف القضاء والحكم، فإنه إخبار معناه الإنشاء والإلزام.
ومن هذا الوجه كان القاضي أشد خطراً، وكان المفتي إلى السلامة أقرب.
2. إن الفتوى تعمُّ أحكام الدنيا والآخرة، بخلاف القضاء، فإنه يخص الأحكام الدنيوية دون الاُخروية.
وبهذا يمكن أن يقال: كل ما يتأتى فيه القضاء تتأتى فيه الفتوى، ولا عكس.
3. إن باب الفتوى أوسع وأشمل من جهة أهله، إذ تجوز الفتوى من المرأة، والقريب، بخلاف القضاء، فإنه قد لا يجوز من هؤلاء.
4. إن فتوى المفتي شريعة عامة، وحُكم كلّي، بخلاف قضاء القاضي، فإنه حكم معين على شخص معين، ومن هذا الوجه كان مقام الإفتاء أعظم خطراً من القضاء؛ لأن حكم الفتوى يتعلق بالمستفتي وبغيره( ).
المحور الثاني ـ الفتوى والاجتهاد:
1. تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد: بذل الفقيه وسعه في تحصيل الحكم الشرعي الظني.
والفرق بينه وبين الإفتاء: أن الإفتاء: يكون فيما علم قطعاً أو ظناً. أما الاجتهاد فلا يكون في القطعي( ) وأن الاجتهاد يتم بمجرد تحصيل الفقيه الحكم في نفسه، ولا يتم الإفتاء إلّا بتبليغ الحكم للسائل.
والذين قالوا: إن المفتي هو المجتهد، أرادوا بيان أن غير المجتهد لا يكون مفتياً حقيقة، وأن المفتي لا يكون إلّا مجتهداً، ولم يُريدوا التسوية بين الاجتهاد والإفتاء في المفهوم( ).
2. العلاقة بين الفتوى والاجتهاد:
الاجتهاد لغة: بذل الوسع والطاقة، ولا يستعمل إلّا فيما فيه جُهد ومشقة، يقال: اجتهد في حمل الرّحى، ولا يقال: اجتهد في حمل النّواة( ).
والاجتهاد عند الاُصوليين: بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية( ).
3. اشتراك الفتوى مع الاجتهاد في الوجوه الآتية:
1. إن كلاً من الفتوى والاجتهاد من قبيل معرفة الحكم الشرعي بدليله.
2. إن هذه المعرفة قد تبلغ درجة القطع واليقين، وقد تفيد الظن.
3. إن كلاً من المفتي والمجتهد قد يصيب الحق وقد يخطئ.
4. إن كلاً من الفتوى والاجتهاد يدخله التجزؤ والتقييد، فقد يكون المفتي والمجتهد مطلقاً، وقد يكون مفتياً ومجتهداً جزئياً في باب معين أو مسألة معينة، ومن جهة اُخرى، فقد يكون كل منهما مطلقاً، وقد يكون مقيداً منتسباً إلى مذهب إمام معين.
4. وجوه الاختلاف بين الفتوى والاجتهاد على النحو الآتي:
1. تنفرد الفتوى بأن العدالة شرط في المفتي بالإجماع، بخلاف الاجتهاد فإن العدالة ـ على الصحيح ـ ليست شرطاً في المجتهد، بل قد يكون المجتهد فاسقاً، ويكون اجتهاده لنفسه لا لغيره( ).
وبهذا النظر يتبين لنا أن الفتوى ـ من جهة أهلها ـ أعم مطلقاً من الاجتهاد، فإن كل مُفتٍ مجتهد، وليس كل مجتهد مفتياً.
2. وتنفرد الفتوى بكونها مختصة بتنزيل الحكم على مسألة معينة، إذ هي اجتهاد وزيادة، حيث إن حقيقة الفتوى تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع، فهي تطبيق الاجتهاد على أفعال الناس.
ومن المعلوم أن تنزيل الأحكام على المسائل النازلة أمر يحتاج إلى فقه دقيق ونظر عميق، وهذا هو الفرق بين الفقيه المطلق، وهو الذي يصنف ويدرس، وبين الفقيه المفتي، وهو الذي ينزل الأحكام الفقهية على أحوال الناس والواقعات، ذلك أنّ الفقيه المفتي أعلى مرتبة من الفقيه المطلق، وأنه يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأداته( ).
3. وينفرد الاجتهاد بكونه خاصاً في المسائل التي تحتاج إلى نظر وتأمل، فهو خاص فيما فيه مشقة، بخلاف الفتوى، فإنها تشمل جميع المسائل، سواء كانت المسألة منصوصاً عليها أو مستنبطة، وسواء كانت واضحة بينة أو غامضة خفية.
المحور الثالث ـ الفرق بين الفتوى التشريعية، والفتوى الفقهية، والفتوى الجزئية:
الفتوى التشريعية: هي التي صدرت من الشارع، إما بوحي مَتْلُو في القرآن الكريم، أو بوحي غير مَتْلُو في سُنة النبي(ص) في الجواب عن سؤال، أو لبيان نازلة في عهد النبي(ص)، فأصبحت شرعاً عاماً مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾( ).
والمراد بالفتوى الفقهية: ما يبُوحُ بها فقيه من الفقهاء، لا كجواب عن سؤال في حادثة مخصوصة، وإنما عند تفريعه للفروع، أو في جواب سؤال عام من غير علاقته بجزئية معينة، وهذا شأن الفقيه الذي يدوِّنُ مسائل الفقه، فيتصور جزئيات لم يسأل عنها، ولكنه يستنبط حكمها بالأدلة الشرعية، ويبيِّنه في كتاب أو رسالة، أو في جواب سؤال عام، أو سؤال نشأ عن افتراض، مثل: أن يُسأل: ما الحكم فيما لو قال لامرأته سرحتك؟ دون أن يُحال السؤال إلى واقعة معينة.
وأما الفتوى الجزئية فهي: الجواب عن السؤال في واقعة معينة بتنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي، مثل: أن يُسأل عن رجل معين ترك والديه وزوجه وابناً وبنتاً، فكيف تقسم تركته بين ورثته؟ وأكثر ما يُطلق لفظ الإفتاء على هذا النوع، وإن كان يُطلق على الفتوى الفقهية أيضاً( ).
المطلب الثاني: مكانة الفتوى في الشريعة الإسلامية
تتبين منزلة الفتوى في الشريعة من عدّة أوجه كما يلي:
أولاً: إن الله تعالى أفتى عباده، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾( ).
قال الإمام القرطبي: "نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك، فأمر الله نبيه7 أن يقول لهم: الله يفتيكم فيهن، أي يُبين لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن. روى أشهب عن مالك قال: كان النبي(ص) يُسْأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي"( ).
وقال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾( ).
ثانياً: إن النبي(ص) كان يتولّى هذا المنصب في حياته، وكان ذلك من مقتضى رسالته، وقد كلفه الله تعالى بذلك حيث قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾( ) فالمفتي خليفة النبي(ص) في أداء وظيفة البيان، وقد تولّى هذه الخلافة بعد النبي(ص) أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم.
ثالثاً: إنّ موضوع الفتوى هو بيان أحكام الله تعالى، وتطبيقها على أفعال الناس، فهي قول من الله تعالى، أنه يقول للمستفتي: حق عليك أن تفعل، أو حرام عليك أن تفعل، ولذا شبه القرافي المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى، وجعله ابن القيم بمنزلة الوزير الموقع عن الملك فقال: إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السَّنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن ربّ الأرض والسماوات( ).
قال الإمام الشاطبي: فإن المفتي قائم في الأمة مقام النبي(ص)، والدليل على ذلك اُمور:
أحدها: النقل الشرعي في الحديث: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ"( ).
وبُعث النبي(ص) نذيراً، لقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾( ).
وقال في العلماء: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾( )، وأشباه ذلك.
والثاني: أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام، لقوله: "أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ"( )، وقال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً"( )، وإذا كان كذلك، فهو معنى كونه قائماً مقام النبي(ص).
والثالث: أنّ المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة، إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلغاً، والثاني يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاءُ الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه شارع، واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق"( ).
وقال ابن القيم: "ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلّا لمن اتّصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟ فحقيق بمن اُقيم في هذا المنصب أن يعدّ له عدّته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي اُقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه"( ).
ومن الجوانب التي تُبرز أهمية الفتوى أن المسلم مطالب أن تكون أفعاله ابتداءً وفق منهج الشرع، وأن يتصرف على النحو المشروع في علاقاته مع الآخرين، فإذا جهل ذلك أو بعضه وجب عليه أن يعرفه ليكون سلوكه وفق الحدود الشرعية، ومن سُبل المعرفة قيام العلماء بتعليم الناس اُمور الدين وتبليغهم أحكامه، أو قيام العوام بسؤال العلماء عن أحكام الإسلام، كما تكمن أهميتها في أن الفتوى شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره خلافاً للحكم والقضاء، فحكم الحاكم جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله، أما المفتي فيفتي حكماً عاماً كلياً( ).
فالفتوى إذا كانت مؤصلة تأصيلاً شرعياً خالية عن التنطع، بعيدة عن الأقوال الشاذة، قوية بالأدلة، مراعیً فيها رضا الحق ومصالح الخلق تترك أثاراً طيبة منها( ):
1. إزالة الجهل وتعلم بعض الأحكام الشرعية فالفتوى نوع من المدارس العلمية التي يتعلم من خلالها السائل أحكام دينه.
2. العمل على تصحيح مسار الفرد والمجتمع، فالفتوى الصحيحة تأخذ بأيدي الناس إلى الطريق القويم وتبعدهم عن البدع الذميمة والأفكار المتطرفة.
3. توثيق صلة الأمة بعلمائها، فالفتوى السلمية توثق صلة الأمة بعلمائها وتربطهم بولاة الأمر في شؤون دينهم وما أحوج الأمة إلى ذلك التلاحم.
4. إعانة المسلمين على أداء التكاليف الشرعية على الوجه الصحيح، فكلما كانت الفتوى سديدة ومعتمدة على الأدلة الصحيحة، فإنها تكون أدعى على حمل الناس على أداء التكاليف الشرعية على الوجه الذي أراده الله ورسوله وفي ذلك إحياء للسنن وإماتة للبدع.
ومع أهمية الفتوى وعظيم منزلتها في الشريعة الإسلامية إلّا أننا نجد السلف الصالح ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ كانوا يتورعون عن الفتوى والإفتاء مع أنهم كانوا من أقدر الناس عليها وأكثرهم علماً، بخلاف واقعنا المعاصر اليوم، حيث نجد تصدّر المتعالم للفتوى في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، وما فعل السلف الصالح ذلك إلّا لعلمهم وإدراكهم لخطورة الفتوى وأنها مسؤولية كبيرة، وقد جاءت عنهم العديد من الآثار التي تبين ذلك، ومنها ما جاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: "أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله(ص)، يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول"( ).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله"( )، وقال محمد بن عجلان: "إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله"( ).
كما جاء عن الأئمة من الفقهاء والاُصوليين التحذير من الفتوى بغير علم، وبيان خطورة ذلك، ومن ذلك ما ذكره العلامة المالكي محمد بن يوسف الشهير بالمواق (ت 883هـ) حيث قال: "هذا شأن الفتيا في الزمن المتقدم، وأما اليوم فقد خرق هذا السياج وهان على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح، وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا أدري، فلا جرم آلي الحال بالناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال والمتجرئين على دين الله تعالى"( ).
وقال الإمام الشاطبي: "كثُر من يدّعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه. فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لاتّسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها.. إذ قلّ الورع والديانة من كثير ممّن ينتصب لبث العلم والفتوى. فلو فتح لهم هذا الباب لانحلّت عُرى المذهب، بل جميع المذاهب"( ).
وقال أبو عمرو بن الصلاح: " فمن انتصب في منصب الفتيا وتصدى لها وليس على صفة واحد من هذه الأصناف الخمسة فقد باء بأمر عظيم، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، ومن أراد التصدّي للفتيا ظاناً كونه من أهلها فليتهم نفسه وليتق الله ربه تبارك الله وتعالى ولا يجد عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنظر لها. ويحرم التساهل في الفتوى، ومن عُرف به حرم استفتاؤه، فمن التساهل: أن لا يتثبت، ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر"( ).
وقال الإمام ابن رجب: وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسّع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممّن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم، لكثرة بيانه ومقاله.. وهذا من أقبح الخصال وأرداها. وربما نسب من كان قبله من العلماء إلى الجهل والغفلة والسهو فيوجب له حب نفسه وحب ظهورها، إحسان ظنه بها وإساءة ظنه بمن سلف.. وما أحسن قول أبي حنيفة وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل. فقال والله ما نحن بأهل أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم( ).
ومن خلال ما تقدم: يتبين لنا كيف كان تهيّب السلف والأئمة الفتوى، وذلك لعلمهم بمكانتها وخطورتها، وأن الواحد منهم ربما عُرضت عليه الفتوى، فودّ لو غيره كفاه ذلك، فيجدر بنا أن نقتدي بهم، وأن نحذر من القول على الله تعالى ورسوله(ص) بغير علم.
المبحث الثاني: شروط المفتي وصفاته وآدابه
سأتناول في هذا المبحث شروط المفتي وصفاته وآدابه، وقد قسمت هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: المطلب الأول: شروطه المفتي وصفاته، والمطلب الثاني: الآداب المتعلقة بالمفتي، والمطلب الثالث: الآداب المتعلقة بالمستفتي، وبيان ذلك كما يلي:
المطلب الأول: شروط المفتي وصفاته
عندما نطالع كتب الفتوى والإفتاء نجد أن العلماء قد وضعوا العديد من الشروط لمن يتصدّى للفتوى، ويمكن تقسيم الشروط الواجب توافرها في المفتي إلى قسمين: القسم الأول: شروط تتعلق بشخصية المفتي، والقسم الثاني: شروط تتعلق بالإمكانيات العلمية للمفتي( )، وبيان ذلك في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: الشروط المتعلقة بشخصية المفتي
وهي خمسة شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة، وفقه النفس، وبيان ذلك كما يلي:
الشرط الأول: الإسلام
فلا يقبل خبر الكافر ولا المرتد؛ لأمره تعالى بالتوقف في قبول خبر الفاسق ففي الكافر أولى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ( )، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾( )، وأولو الأمر يدخل فيهم الأمراء والعلماء وكما رجحه كثير من العلماء، وقوله(منكم) أي من المسلمين، فالكافر ليس من المسلمين، فلا طاعة له ولا يُقبل خبره.
الشرط الثاني: العقل
لأنه شرط التكليف، ولكن المطلوب في المفتي ليس مجرد أن لا يكون مجنوناً أو معتوهاً، بل المطلوب فيه أمر أعلى من هذا، وهو رجحان العقل الذي وصفه ابن الصلاح بقوله: "ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، مستيقظاً"( ).
الشرط الثالث: البلوغ
لأن الصبي لا حكم له كما ذكر الخطيب البغدادي لقوله(ص): "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ"( ).
الشرط الرابع: العدالة
فلا تصح فتيا الفاسق عند جمهور العلماء؛ لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق نفسه فإنه يعلم صدق نفسه( )، وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق يصلح مفتياً، لأنه يجتهد لئلّا ينسب إلى الخطأ( ).
وقال ابن القيم: تصحّ فتيا الفاسق، إلّا أن يكون معلناً بفسقه وداعياً إلى بدعته، وذلك إذا عمّ الفسوق وغلب، لئلّا تتعطّل الأحكام، والواجب اعتبار الأصلح فالأصلح( ).
الشرط الخامس: فقه النفس وجودة القريحة
ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، فلا تصلح فتيا الغبي، ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق الحكم، وقد تقدم في كلام الشافعي: أن تكون له قريحة، قال النووي: شرط المفتي كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط( ).
وهذا يصحح فتياه من جهتين: الاُولى: صحة أخذه للحكم من أدلته.
والثانية: صحة تطبيقه للحكم على الواقعة المسؤول عنها، فلا يغفل عن أي من الأوصاف المؤثرة في الحكم، ولا يعتقد تأثير ما لا أثر له.
قال الخطيب البغدادي ـ : "وينبغي أن يكون: قوي الاستنباط جيد الملاحظة، رصين الفكر، صحيح الاعتبار، صاحب أناة وتؤدة، وأخا استثبات، وترك عجلة، بصيراً بما فيه المصلحة، مستوقفاً بالمشاورة، حافظاً لدينه، مشفقاً على أهل ملته، مواظباً على مروءته، حريصاً على استطابة مأكله، فإن ذلك أول أسباب التوفيق، متورعاً عن الشبهات، صادفاً عن فاسد التأويلات، صليباً في الحق، دائم الاشتغال بمعادن الفتوى، وطرق الاجتهاد، ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة، واعتوره دوام السهر، ولا موصوفاً بقلة الضبط، منعوتاً بنقص الفهم، معروفاً بالاختلال، يجيب بما لا يسنح له، ويفتي بما يخفى عليه"( ).
الفرع الثاني: الشروط المتعلقة بالإمكانيات العلمية للمفتي
الشرط الأول: الاجتهاد
وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾( ).
قال الإمام الشافعي: "لا يحلّ لأحد يفتي في دين الله إلّا رجلاً عارفاً بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما اُريد به، وفيما اُنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله(ص)، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلّة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا، فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا، فله أن يتكلم في العلم ولا يُفتي"( ).
وهذا معنى الاجتهاد، ونقل ابن القيم قريباً من هذا عن الإمام أحمد( )، ومفهوم هذا الشرط: أن فتيا العامي والمقلد الذي يفتي بقول غيره لا تصح.
قال ابن القيم: "وفي فتيا المقلد ثلاثة أقوال: الأول: ما تقدم، وهو أنه لا تجوز الفتيا بالتقليد، لأنه ليس بعلم، ولأن المقلد ليس بعالم والفتوى بغير علم حرام، قال: وهذا قول جمهور الشافعية وأكثر الحنابلة، والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا، والثالث: أنه يجوز عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، قال: وهو أصح الأقوال، وعليه العمل( ).
الشرط الثاني: الفطانة والتيقظ
يشترط في المفتي أن يكون متيقظاً( ).
قال ابن عابدين: شرط بعضهم تيقظ المفتي، قال: وهذا شرط في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإنّ لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضرر كبير في هذا الزمان( ).
وقال ابن القيم: ينبغي للمفتي أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، فإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، فالغِرّ يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، وذو البصيرة يخرج زيفها كما يخرج الناقد زغل النقود، وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه في صورة حق، بل هذا أغلب أحوال الناس، فإن لم يكن المفتي فقيهاً في معرفة أحوال الناس تصور له المظلوم في صورة الظالم وعكسه( )، ومما يتعلق بهذا ما نبه إليه بعض العلماء من أنه يشترط في المفتي أن يكون على علم بالأعراف اللفظية للمستفتي، لئلّا يفهم كلامه على غير وجهه، وهذا إن كان إفتاؤه فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار ونحوها( ).
وقد جمع ابن الصلاح شروط المفتي بقوله: "وشرطه أن يكون قيّماً بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، وما التحق بها على التفصيل، وقد فُصّلت في كتب الفقه وغيرها، فتيسرت والحمد لله، عالماً بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وذلك يستفاد من علم اُصول الفقه، عارفاً من علم القرآن، وعلم الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلمي النحو واللغة، واختلاف العلماء، واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن به من الوفاء بشروط الأدلة، والاقتباس منها، ذا دُربة وارتياض في استعمال ذلك عالماً بالفقه، ضابطاً لاُمهات مسائله وتفاريعه المفروغ من تمهيدها، فمن جمع هذه الفضائل فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية، ولن يكون مجتهداً مستقلاً، والمجتهد المستقل هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد وتقيد بمذهب أحد"( ).
وواقعنا المعاصر يؤيد رؤية فقهاء الأمة السابقين في مسألة حذر المفتي وحيطته، وربما كان هذا الحذر في عصرنا ألزم وأولى، ولا سيما وقد تنوعت وسائل الإعلام بين إعلام مطبوع ومسموع ومرئي، وكثيراً ما نرى ونسمع معارك فكرية بناء على خطأ في نقل حكم، أو فتوى، أو تصور لمسألة ما لم يقصد صاحبها، أو له فيها رأي واجتهاد، ولكن نقل بعض رأيه تدليساً، وحرِّف بعضه خدمةً لقضية، أو أمر ما( ).
الشرط الثالث: علم الواقع (معرفة الناس وأعرافهم)
من الشروط التي لا بد من توافرها في المفتي والفقيه الذي يتعرض للإفتاء، ولا سيما في النوازل والمستجدات الفقهية أن يكون على علم ودراية بالواقع، وتغير أعراف الناس وعاداتهم؛ لأنه إذا لم يكن مطلعاً على وقائع الناس وأعرافهم؛ لكان ما يُفسد أكثر مما يصلح، وفي بيان المعرفة بالواقع للمفتي يقول ابن القيم في بيان المعرفة في علم الواقع: " فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهاً فيه فقيهاً في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلّا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيهاً في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعُرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهاً في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله"( ).
وقد يقال إنه يصعب على الفقيه، أو المفتي أن يلم بعلوم العصر المختلفة التي تكون ضرورية في كثير من الأحيان للإفتاء، مثل: القضايا الطبية والمعاملات المالية المستحدثة، وهذا تخوف في محله، ويمكن تلافيه بطريقتين( ):
الاُولى: الحرص على التخصص: بمعنى أن يتفرع الإفتاء إلى تخصصات يقوم على كل منها من يجيد هذا الفرع، فهذا يبحث في القضايا الطبية، وآخر في الاُمور المالية والتجارية المستحدثة، ويصبح هؤلاء حجة في تخصصهم، وهذا أفضل الطرق في ظني.
الثانية: الاستعانة والاستئناس بذوي الاختصاص من العلماء: بمعنى أن يشارك طبيب حاذق المفتي في القضايا الطبية، وأن يشارك الاقتصاديون والتجاريون ممّن لهم علاقة بالفكر الإسلامي المفتي في القضايا التجارية والمعاملات المالية.
وتأسيساً على ما سبق نقول: إنه يجب أن تتضمن مناهج الفقه في كلياتنا الشرعية، ومعاهدنا العلمية التي تعني بإعداد المفتي أو الفقيه، مادة فقه الواقع من حيث اُصوله وضوابطه، وتاريخه وموقعه من الفقه الإسلامي من أول عصر النبوة وفي الأعصر المتلاحقة وحتى عصرنا( ).
المطلب الثاني: الآداب المتعلقة بالمُفتي
هناك عدة آداب ينبغي على المفتي ومن يتصدر للفتوى أن يتحلى بها، ومن ذلك أن يكون حسن السيرة، وكذلك أن يكون حسن المظهر من الطهارة والنظافة، وأن يصلح سريرته ويستحضر عند الإفتاء النية الصالحة، وأن يكون عاملاً بما يفتي به من الخير، وأن لا يفتي حال انشغال قلبه، وأن يشاور من يثق بعلمه، ومراعاة أحوال المستفتي، وبيان ذلك كما يلي:
أولاً: أن يحسن زيه، مع التقيد بالأحكام الشرعية في ذلك، فيراعي الطهارة والنظافة، واجتناب الحرير والذهب والثياب التي فيها شيء من شعارات الكفار، ولو لبس من الثياب العالية لكان أدعى لقبول قوله؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾( )، ولأن تأثير المظهر في عامة الناس لا يُنكر، وهو في هذا الحكم كالقاضي( ).
ثانياً: أن يُحسن سيرته، بتحري موافقة الشريعة في أفعاله وأقواله؛ لأنه قدوة للناس فيما يقول ويفعل، فيحصل بفعله قدر عظيم من البيان؛ لأن الأنظار إليه مصروفة، والنفوس على الاقتداء بهديه موقوفة( ).
ثالثاً: أن يصلح سريرته ويستحضر عند الإفتاء النية الصالحة من قصد الخلافة عن النبي(ص) في بيان الشرع، وإحياء العمل بالكتاب والسّنة، وإصلاح أحوال الناس بذلك، ويستعين بالله على ذلك، ويسأله التوفيق والتسديد، وعليه مدافعة النيات الخبيثة من قصد العلو في الأرض والإعجاب بما يقول، وخاصة حيث يخطئ غيره ويصيب هو، وقد ورد عن سحنون: فتنة الجواب بالصواب، أعظم من فتنة المال( ).
رابعاً: أن يكون عاملاً بما يُفتي به من الخير، منتهياً عما ينهى عنه من المحرمات والمكروهات، ليتطابق قوله وفعله، فيكون فعله مصدقاً لقوله مؤيداً له، فإن كان بضد ذلك كان فعله مكذباً لقوله، وصاداً للمستفتي عن قبوله والامتثال له، لما في الطبائع البشرية من التأثر بالأفعال، ولا يعني ذلك أنه ليس له الإفتاء في تلك الحال، إذ ما من أحد إلّا وله زلة، كما هو مقرر عند العلماء أنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مؤتمراً منتهياً، وهذا ما لم تكن مخالفته مسقطة لعدالته، فلا تصح فتياه حينئذٍ( ).
خامساً: أن لا يفتي حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو تغير خلق، أو كان في حال نعاس، أو مرض شديد، أو حرّ مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة الأخبثين ونحو ذلك من الحاجات التي تمنع صحة الفكر واستقامة الحكم( )؛ لقول النبي(ص): « لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بين اثْنَيْنِ وهو غَضْبَانُ»( ).
فإن حصل له شيء من ذلك وجب عليه أن يتوقف عن الإفتاء حتى يزول ما به ويرجع إلى حال الاعتدال. فإن أفتى في حال انشغال القلب بشيء من ذلك في بعض الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب صحّت فتياه وإن كان مخاطراً( ) لكن قيّده المالكية بكون ذلك لم يخرجه عن أصل الفكر، فإن أخرجه الدهش عن أصل الفكر لم تصح فتياه قطعاً وإن وافقت الصواب( ).
سادساً: أن يُشاور من يثق بعلمه، ولا يستقل بالجواب تسامياً بنفسه عن المشاورة، لقول الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾( )، وعلى هذا كان الخلفاء الراشدون، وخاصة عمر رضي الله عنه، فالمنقول من مشاورته لسائر الصحابة أكثر من أن يحصر، ويرجى بالمشاورة أن يظهر له ما قد يخفى عليه، وهذا ما لم تكن المشاورة من قبيل إفشاء السر( ).
سابعاً: أن يعلم المفتي أنه كالطبيب، يطلع من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيره، وقد يضر بهم إفشاؤها أو يعرضهم للأذى، فعليه كتمان أسرار المستفتين، ولئلّا يحول إفشاؤه لها بين المستفتي وبين البوح بصوره الواقعة إذا عرف أن سره ليس في مأمن( ).
ثامناً: مراعاة أحوال المستفتي، فعلى المفتي أن يراعي أحوال المستفتي، ولذلك وجوه، منها:
1. إذا كان المستفتي بطيء الفهم، فعلى المفتي الترفق به والصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه( ).
2. إذا كان بحاجة إلى تفهيمه اُمورا شرعية لم يتطرق إليها في سؤاله، فينبغي للمفتي بيانها له زيادة على جواب سؤاله، نصحاً وإرشاداً، وقد أخذ العلماء ذلك من حديث أن بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به فقال رسول الله(ص): «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»( ).
وللمفتي أن يعدل عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾( ). فقد سأل الناس النبي(ص) عن المُنفَق، فأجابهم بذكر المصرف، إذ هو أهم مما سألوا عنه( ).
3. أن يسأله المستفتي عما هو بحاجة إليه فيفتيه بالمنع، فينبغي أن يدله على ما هو عوض منه، كالطبيب الحاذق إذا منع المريض من أغذية تضره يدله على أغذية تنفعه( ).
4. أن يسأل عما لم يقع، وتكون المسألة اجتهادية، فيترك الجواب إشعاراً للمستفتي بأنه ينبغي له السؤال عما يعنيه ممّا له فيه نفع ووراءه عمل، لحديث: « إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثاً: ... قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»( )، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كانوا يسألون إلّا عما ينفعهم، وقال: ابن عباس لعكرمة: من سألك عما لا يعنيه فلا تُفته( ).
5. أن يكون عقل السائل لا يحتمل الجواب، فيترك إجابته وجوباً، قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتِحبُّون أن يكذب الله ورسوله"( ).
وعن أبي الطفيل، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: أيها الناس أتريدون أن يكذّب الله ورسوله، حدّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما يُنكرون"( ).
"والمراد بقوله: "بما يعرفون" أي: يفهمون... وفيه دليل على أن المُتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة"( ).
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْماً حَدِيثاً لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً"( ).
6. ترْك الجواب إذا خاف المفتي غائلة الفتيا( ) أي هلاكاً أو فساداً أو فتنة يدبرها المستفتي أو غيره، والأصل وجوب البيان، وتحريم الكتمان إن كان الحكم جلياً( ) فلا يترك المفتي بيانه لرغبة ولا رهبة لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾( ).
لكن إن خاف الغائلة فله ترك الجواب، وكذا له أن يترك الفتيا إن خاف أن يستغلها الظلمة أو أهل الفجور لمآربهم"( ).
المطلب الثالث: الآداب المُتعلقة بالمستفتي
أولاً: حُسن الأدب مع المفتي
حيث ينبغي للمستفتي حفظ الأدب مع المفتي، وأن يجله ويعظمه لعلمه ولأنه مرشد له( )، ولا ينبغي أن يسأله عند همِّ أو ضجر أو نحو ذلك مما يشغل القلب( ).
قال ابن الصلاح: "ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي، ويُبجِّلَه في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ أو ما مذهب إمامك الشافعي في كذا وكذا؟ ولا يقول إذا أجابه: هكذا قلتُ أنا، وكذا وقع لي، ولا يقل له: أفتاني فلان أو أفتاني غيركُ كذا وكذا...ولا يسأله وهو قائم أو مستوفِزُ، أو على حالة ضجر، أو همّ به، أو غير ذلك ممَّا يشغلُ القلب"( ).
ثانياً: ألّا يسأل إلّا من عَرَف عِلمه وعدالته، وكونه أهلاً للإفتاء، سواء علم ذلك بنفسه، أو بإخبار ثقةٍ عارفٍ أو باستفاضة، بأنَّ علماء ذلك الوقت يثقون بفتواه.
ويجب عليه أن يسأل قبل الاستفتاء أن يبحث عنه بالقدر المستطاع، فلو خفيت عدالته اكتفى بالعدالة الظاهرة( ).
ثالثاً: ألّا يُطالب المستفتي المفتي بالدليل والحجة، وقد اختلف الفقهاء هل للمستفتي أن يطالب المفتي بالحجة والدليل؟
فقال ابن السمعاني: له ذلك لأجل احتياطه لنفسه، ويلزم العالم أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعاً به، لإشرافه على العلم بصحته، ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعاً بصحته، لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه فهم العامي.
وقال الشافعية وشارح المنتهى من الحنابلة: ينبغي للعامي أن لا يطالب المفتي بالدليل، قال الخطيب: فإنّ أحبّ أن تسكن نفسه لسماع الحجة طلبها في مجلس آخر، أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتيا مجردة( ).
رابعاً: ألا يُكثر من السؤال عما لا ينفع في الدين، ومن أدب المستفتي أيضاً ألّا يسأل عما لا ينفع في الدين، والسؤال عما لم يقع، وأن يسأل عن صعاب المسائل، وعن الحكمة في المسائل التعبُّدية، ويُكره أن يبلغ بالسؤال حدّ التعمق والتكلف، وأن يسأل على سبيل التعنُّت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام( )، لما في حديث عائشة ـ رضى الله عنها ـ عن النبي(ص) قال: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ»( ).
خامساً: إذا لم تطمئن نفسه إلى فتوى المُفتي سأل غيره، قال ابن نجيم: "إنْ لم تطمئن نفسه إلى جواب المفتي، استُحبّ سؤال غيره، ولا يجب"( ).
وقال ابن الصلاح: "والذي تقتضيه القواعد أن نُفصل فنقول: إذا أفتاه المفتي، نُظر: فإن لم يوجد مُفتٍ آخر لزمه الأخذ بفتياه، ولا يتوقف ذلك على التزامه، لا بالأخذ في العمل به، ولا بغيره، ولا يتوقف أيضاً على سكون نفسه إلى صحته في نفس الأمر... وإن وجد مفتٍ آخر، فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق، لزمه ما أفتاه به، بناء على الأصح في تعيُّنه كما سبق، وإن لم يستبن ذلك، لم يلزمه ما أفتاه لمجرد إفتائه، إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده، ولا يعلم اتفاقهما في الفتوى، فإن وجد الاتفاق وحكم به عليه حاكم، لزمه حينئذٍ"( ).
المجامع الفقهية والإفتاء
وقد تناولت المجامع الفقهية ما يتعلق بالإفتاء وضوابطه وآدابه في العديد من الدورات المجمعية، ومن ذلك مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، وفيما يلي نورد ذكر قرار مجمع الفقه الإسلامي الرقم: 153 (17/2)؛ لعموم فائدته في هذا الباب، بشأن الإفتاء.. شروطه وآدابه، حيث جاء فيه:
إنّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته السابعة عشرة بعمان (المملكة الأردنية الهاشمية) من 28 جمادى الاُولى إلى 2 جمادى الآخرة 1427هـ، الموافق 24 ـ 28 حزيران (يونيو) 2006م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الإفتاء: شروطه وآدابه، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يأتي:
أولاً: تعريف الإفتاء والمفتي وأهمية الإفتاء: الإفتاء: بيان الحكم الشرعي عند السؤال عنه، وقد يكون بغير سؤال ببيان حكم النازلة لتصحيح أوضاع الناس وتصرفاتهم.
والمُفتي: هو العالِم بالأحكام الشرعية وبالقضايا والحوادث، والذي رُزق من العلم والقدرة ما يستطيع به استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وتنزيلها على الوقائع والقضايا الحادثة.
والفتوى أمر عظيم؛ لأنها بيان لشرع رب العالمين، والمُفتي يوقّع عن الله تعالى في حُكمه، ويقتدي برسول الله(ص) في بيان أحكام الشريعة.
ثانياً: شروط المُفتي: لا يجوز أن يلي أمر الإفتاء إلّا من تتحقق فيه الشروط المقررة في مواطنها، وأهمها:
(أ) العلم بكتاب الله تعالى وسُنة رسوله(ص)، وما يتعلق بهما من علوم.
(ب) العلم بمواطن الإجماع والخلاف والمذاهب والآراء الفقهية.
(ج) المعرفة التامة باُصول الفقه ومبادئه وقواعده ومقاصد الشريعة، والعلوم المساعدة مثل: النحو والصرف والبلاغة واللغة والمنطق وغيرها.
(د) المعرفة بأحوال الناس وأعرافهم، وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيرها، فيما بُني على العرف المعتبر الذي لا يصادم النص.
(هـ) القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص.
(و) الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصصات المختلفة لتصور المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها.
ثالثاً: الفتوى الجماعية: بما أنّ كثيراً من القضايا المعاصرة هي معقدة ومركبة، فإنّ الوصول إلى معرفتها وإدراك حكمها يقتضي أن تكون الفتوى جماعية، ولا يتحقق ذلك إلّا بالرجوع إلى هيئات الفتوى ومجالسها والمجامع الفقهية.
رابعاً: الالتزام والإلزام بالفتوى: الأصل في الفتوى أنها غير ملزمة قضاء، إلّا أنها ملزمة ديانة فلا يسع المسلم مخالفتها إذا قامت الأدلة الواضحة على صحتها، ويجب على المؤسسات المالية الإسلامية التقيّد بفتاوى هيئاتها الشرعية في إطار قرارات المجامع الفقهية.
خامساً: مَن لا تؤخذ عنه الفتوى:
(1) لا تُؤخذ الفتوى من غير المتخصصين المستوفين للشروط المذكورة آنفاً.
(2) الفتوى التي تُنشر في وسائل الإعلام المختلفة كثيراً ما لا تصلح لغير السائل عنها، إلّا إذا كان حال المطلّع عليها كحال المستفتي، وظرفه كظرفه.
(3) لا عبرة بالفتاوى الشاذة المخالفة للنصوص القطعية، وما وقع الإجماع عليه من الفتاوى.
سادساً: مِن آداب الإفتاء:
على المفتي أن يكون مخلصاً لله تعالى في فتواه، ذا وقار، وسكينة، عارفاً بما حوله من أوضاع، متعففاً ورعاً في نفسه، ملتزماً بما يفتي به من فعل وترك، بعيداً عن مواطن الريب، متأنياً في جوابه عند المتشابهات والمسائل المشكلة، مشاوراً غيره من أهل العلم، مداوماً على القراءة والاطلاع، أميناً على أسرار الناس، داعياً الله سبحانه أن يوفقه في فتواه، متوقفاً فيما لا يعلم، أو فيما يحتاج للمراجعة والتثبت.
التوصيات:
(1) يوصي المجمع بدوام التواصل والتنسيق بين هيئات الفتوى في العالم الإسلامي للاطلاع على مستجدات المسائل، وحادثات النوازل.
(2) أن يكون الإفتاء علماً قائماً بنفسه، يُدرس في الكليات والمعاهد الشرعية، ومعاهد إعداد القضاة والأئمة والخطباء.
(3) أن تُقام ندوات بين الحين والآخر للتعريف بأهمية الفتوى وحاجة الناس إليها؛ لمعالجة مستجداتها.
(4) يوصي المجمع بالاستفادة من قرار المجمع رقم 104 (11/7) الخاص بسُبل الاستفادة من الفتاوى، وبخاصة ما اشتمل عليه من التوصيات التالية:
(أ) الحذر من الفتاوى التي لا تستند إلى أصل شرعي ولا تعتمد على أدلة معتبرة شرعاً، وإنما تستند إلى مصلحة موهومة ملغاة شرعاً نابعة من الأهواء والتأثر بالظروف والأحوال والأعراف المخالفة لمبادئ وأحكام الشريعة ومقاصدها.
(ب) دعوة القائمين بالإفتاء من علماء وهيئات ولجان إلى أخذ قرارات وتوصيات المجامع الفقهية بعين الاعتبار، سعياً إلى ضبط الفتاوى وتنسيقها وتوحيدها في العالم الإسلامي.
المبحث الثالث: ضوابط الفتوى والتيسير
سأتناول في هذا المبحث الضوابط الخاصة بالفتوى، والتي ينبغي على من يتصدر للفتوى أن يكون على دراية تامة بها، كما ساُبين أيضاً جزئية مهمة متعلقة بهذا الباب، وهي ضوابط التيسير في الفتوى، وذلك حتى يعلم المفتي والمستفتي أن التيسير في الفتوى مطلب شرعي، ولكن لا بد أن يكون هذا التيسير منضبطاً بالضوابط الشرعية التي وضعها العلماء في هذا الباب، حتى لا ينقلب التيسير إلى تسيب وانفلات في الفتوى، وخروج بها على غير وجهها الصحيح، وقد قسمت هذا المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول: الضوابط العامة في الفتوى، والمطلب الثاني: ضوابط التيسير في الفتوى، وبيان ذلك كما يلي:
المطلب الأول: ضوابط الفتوى
مما لا شك فيه أنه ينبغي لمن تصدى للفتيا أن يراعي الضوابط الشرعية التي نص عليها العلماء في كتبهم، ومن هذه الضوابط ما يلي:
الضابط الأول: اعتماد الفتوى على العلم الشرعي الصحيح
إن أول ما يجب توافره في الفتوى لتكون محلاً للاعتبار اعتمادها على الأدلة الشرعية المعتبرة لدى أهل العلم، وأول هذه الأدلة: كتاب الله تعالى، وثانيها: سنة رسول الله(ص)، فلا يجوز للمفتي أن يتعداهما إلى غيرهما قبل النظر فيهما، ثم الاعتماد عليهما، كما لا يجوز مخالفتهما اعتماداً على غيرهما، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾( ) وقال تعالى أيضاً: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾( )، وعنه(ص) أنه قال: "مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ"( ).
والعلم المُراد هنا مبني على قاعدتين الاُولى: العلم الشرعي المبني على دليل من كتاب الله ـ عزّ وجل ـ ، وما صحّ عن رسول الله(ص)، بفهم سليم على مقتضى فهم السلف الصالح، والثانية: التصور الصحيح للمسألة، وكما قال العلماء: الحكم على الشيء، فرع عن تصوره( ).
وفي ذلك يقول الإمام الشافعي في الرسالة في بيان استناد الفتوى إلى الدليل الشرعي: "يحكم بالكتاب والسّنة المجتمع عليها التي لا اختلاف فيها فنقول: لهذا حكمنا بالحق في الظاهر والباطن. ويحكم بالسُّنة قد رويت من طريق الانفراد لا يجتمع الناس عليها فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر، لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث. ونحكم بالإجماع، ثم القياس وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة، لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز"( ).
الضابط الثاني: التأني والتثبت في الفتوى
ولذلك امتاز عصر الصحابة بالتأني والتثبت في الفتوى، حيث كانوا يكرهون التسرّع في الفتوى كما نصّ ابن القيم وغيره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كان العلماء يخافون في الفتوى بالاجتهاد كثيراً ويخشون الله؛ لأنّ مقدار المشقة التي يعذرون معها، ومقدار الاستدلال الذي يبيح لهم القول، قد لا ينضبط، فلو أصاب الحكم بلا دليل راجح فقد أصاب الحكم وأخطأ الحق المعيّن، فقد أحسن وخطؤه مغفور له. وهذا عندنا وعند الجمهور لا يجوز إلّا إذا كان ـ ثمّ دليل آخر على الحق هو الراجح، لكن يعجز عن دركه، وإلّا للزم ألّا يكون الله نصب على الحق دليلاً، وفي الحقيقة فالدليل الذي نصبه الله حقيقة على الحكم لا يجوز أن يُخلف كما يجوز خطأ الشاهد لكن يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين ويظهر له غيره( ).
الضابط الثالث: قول "لا أعلم" في المسألة التي يجهلها المفتي أو يتردد فيها
قول المفتي: لا أعلم، أو لا أدري، فيما لا يحسنه، ولا يعرف جوابه فهي فتوى منه للسائل بعد معرفته الجواب فيما لا يعرفه، وهي دليل على شدة تثبت المفتي وتحريه فيما يفتي به، وأنه لا يفتي عن جهل، فالفتوى أنه لا يعلم، وأنه يوجهه ليسأل غيره ممن يعلم، قال عمر بن عبد العزيز: من قال: " لا أدري فقد أحرز نصف العلم؛ لأن الذي له على نفسه هذه القوة، قد دلنا على جودة التثبت، وكثرة الطلب، وقوة المنّة( ).
الضابط الرابع: مراعاة مقاصد الشريعة
إنّ مراعاة الشريعة وما تحتويه على الأسرار والغايات التي وضعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح لأحوال العباد في الدارين.. معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس، فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام وفهم النصوص، وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع( ).
ولذلك كان الناظر في النوازل في أمس الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، فعليه أن يكون مُلمّاً بالمعاني والحكم والمصالح الشرعية المعتبرة والتيسير ودفع المشقة، والحفاظ على الكليات الخمس المعروفة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ويؤيد على ذلك ابن القيم، وهو من المعتنين بذلك بقوله: " القرآن وسُنة رسول الله(ص) مملوآن من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسُّنة في نحو مئة موضع أو مئتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"( ).
الضابط الخامس: تقديم العواقب والمآل
على المفتي النظر في مآلات أقواله وأفعاله، ويشهد لذلك نصوص كثيرة، منها ما كان يفعله بعض المنافقين على عهد النبي(ص)، وتجاوزوا في أفعالهم، وهم يعيشون في جنبات المدينة النبوية، رغم ما كان يصدر عنهم من مواقف الخيانة العظمى، إلى الحدّ الذي جعل الصحابة يضيقون ذرعاً بأولئك الأفراد، ويطالبون النبي (صلى الله عليه وسلم) بقتلهم في أكثر من مرّة، ودلّ على ذلك أحاديث كثيرة، منها ما جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث جابر رضي الله عنه أنه(ص) عندما قال عبد الله بن أبي سلول: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغ النبي(ص) فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي(ص): " دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ"( ).
فقد امتنع(ص) عن قتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
الضابط السادس: وُضوح الحكم في الفتوى
وسلامة الفتوى من الغموض من أهم ضوابطها: لما كانت الفتوى بيانا لحكم شرعي، وتحمل في طياتها تبليغه للسائل، وجب تقديمها باُسلوب مبين، وكلام واضح قويم، فقد أمر الله ـ تعالى ـ نبيه الكريم بالبلاغ المبين، فقال ـ سبحانه ـ : ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾( ) لذا كان من وضوح الفتوى: خلوُّها من المصطلحات التي يتعذّر على المستفتي فهمها، وسلامتها من التردد في حسم القضية المسؤول عنها، فعلى المفتي أن ينص على الحكم بوضوح وأن يحرص على وضوح العبارة في الفتوى قدر الإمكان، لكي يستوعبها المستفتي( ).
الضابط السابع: مراعاة أحوال الناس والمستفتين
على المفتي مراعاة الحال، والزمان، والمكان: فإن من ضوابط الفتوى مراعاتها للحال، والزمان، والمكان، إذ قد تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان إذا كان الحكم مبنياً على عُرف بلد، ثم تغيّر هذا العُرف إلى عُرف جديد، ليس مخالفاً لنص شرعي، وكذلك تحمل سماع مشكلاتهم ومسائلهم، وعدم الإفتاء في حالة الغضب أو انشغال الذهن ونحوه( ).
قال الإمام القرافي: " فمهما تجدّد من العُرف، اعتبِرْه، ومهما سقط، أسقِطْه، ولا تجمُد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك، لا تُجرِه على عرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده، وأجْرِه عليه، وافْته به دون عُرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين"( ).
ومن خلال النص السابق الذي ذكره القرافي، يتبين لنا أهمية ضبط الفتوى من خلال مراعاة أحوال الناس وتغير أعرافهم وعوائدهم، وأن على المفتي والفقيه ألا يجمد على النصوص المنقولة دون مراعاة لمقاصدها وعللها، ولا سيما في النوازل والقضايا المستجدة في المعاملات المالية المعاصرة.
وفي الحقيقة، إنّ تنزيل الفتيا على واقع القضايا المستفتى عنها يتطلب جهداً كبيراً من المفتي، وحُسن تصور حال المستفتي، مع الملكة الفقهية والمعرفة والخبرة بالواقع الذي تختلف وجوهه، وتتعدد إشكالاته، وهذا يقتضي إصدار الحكم بطريقة متوازنة تحقق جلب المصالح ودفع المفاسد في العاجل والآجل، وعلى مستوى الفرد والجماعة، وإذا كانت الفتيا في الزمن الماضي تتخذ شكلاً مبسطاً، حيث كان المفتي يُقابل المستفتي وجهاً لوجه في دائرة ضيقة، فيسهل ملاحظته والإحاطة بظروفه، فإنّ هذا الزمن الذي تتسارع فيه الأحداث ووسائل الاتصالات، نجد أن وسائل الفتيا ـ في الغالب ـ قضت على هذه الخصوصية تقريباً، فكانت الحاجة داعية إلى توخِّي أعلى درجات الحذر، واليقظة والحرص على الدفع بالفتيا إلى طريق الرشد والصلاح( ).
الضابط الثامن: جماعية الفتوى
يقصد بجماعية الفتوى أن تصدر الفتوى بعد تشاور أهل العلم وتدارسهم للواقعة المعروضة وحكمها، لتكون الفتوى بذلك معبرة عما ينتهون إليه من رأي قائم على تدبر وفهم للكتاب والسُّنة وقواعد الشريعة، وفهم تامٍّ واستيعاب كامل لطبيعة المسألة التي يفتون فيها، وتتأكد ضرورة الفتوى الجماعية في القضايا المستجدة، وخصوصاً التي لها طابع العموم، وتهم جمهور الناس( ).
وتتكون جماعة المفتين من العلماء المتخصصين في القُطر الواحد إن كانت القضية قُطرية، أو من علماء يمثلون كل البلاد الإسلامية، إن كانت القضية عالمية، وذلك بحسب الفرص والظروف المتاحة، وتكون الفتوى جماعية إذا وافق عليها جميع أعضاء المجموعة ـ المكونة لمجلس الإفتاء ـ أو أغلبهم.
ويمكن تحقيق جماعية الفتوى من خلال إنشاء المؤسسات أو المجالس أو الهيئات أو المجامع التي تنظم العلماء ومواصلتهم لأعمالهم في الاجتهاد والفتوى، وقد دعا كثير من العلماء في هذا العصر إلى إنشاء المجامع الفقهية ليتحقق من خلالها جماعية الفتوى والاجتهاد، وقد تمّ إنجاز الكثير من تلك المجامع( ).
المطلب الثاني: ضوابط التيسير في الفتوى
إنّ التيسير من الاُسس العظيمة التي قام عليها التشريع الإسلامي، ومن مجالات التيسير في الشريعة الإسلامية الغراء التيسير في الفتوى، وفي هذا المطلب ساُبين ضوابط التيسير التي ينبغي على المفتي والفقيه أن يضعها في اعتباره عند القيام بالفتوى واعتبار مبدأ التيسير، وقد قسمت هذا المطلب إلى ثلاثة فروع: الفرع الأول: مفهوم التيسير في الفتوى، والفرع الثاني: ضوابط التيسير في الفتوى، والفرع الثالث: مبادئ لها أثرها في التيسير، وذلك كما يلي:
الفرع الأول: مفهوم التيسير في الفتوى
إنّ التيسير الذي دعت إليه الشريعة، ودلّت عليه النصوص هو السماحة، والسهولة، ورفع الحرج عن المكلف بما لا يصادم نصاً شرعياً، مراعاة للظرف، والزمان، والمكان، والوضع الاجتماعي، والسياسي الذي حصلت فيه الواقعة ما دام أنّ هناك مخرجاً شرعياً يسنده دليل شرعي، فعلى المفتي مراعاة ذلك، فليس الحكم للقوي مثل الضعيف، ولا للآمن مثل الخائف، ولا من كان في حال السعة كمن كان في حال الاضطرار أو الحاجة، ومن تتبع الهدي النبوي وجد ذلك جلياً.
وليس معنى التيسير أن يلجأ إلى التيسير مطلقاً، متجاهلاً مدلولات النصوص ومراميها، فلا يجوز أن يخلّ التيسير بمقصد من مقاصد الشريعة، أو يتعارض مع مقتضيات النصوص الشرعية.
وليس معنى التيسير أن يجنح المفتى بالفتوى حسب رغبة المستفتي، فيفتيه من الأقوال ـ إن كانت خلافية ـ بما يناسب رغبته، وإن كانت حجته داحضة تيسيراً عليه، فإنّ التيسير في الشريعة لا يعني الجري وراء رغبات الناس وأهوائهم أيّاً كانت، بل أُنزلت الشريعة لتجمع هذه الرغبات وتصبها في قالبها الشرعي وتصبغها بصبغتها.
وليس التيسير أن تستحل محرمات أو تفلسف وتلصق بالشريعة على أنها مشروعة باسم التيسير. لقد أدّت سيطرة روح التيسير ورفع الحرج على عقول كثير، إلى الإفتاء بالضرورة في غير مكانها، ظانين أنهم بذلك يقربون الناس إلى دائرة الدين، ولكن الواقع يثبت يوماً بعد يوم أن الناس لا يدخلون الدين من هذا الباب إلّا ليخرجوا من باب آخر، لتكون الخسارة بذلك مضاعفة نتيجة لمثل هذا التيسير غير المنضبط( ).
وكما أن للتيسير فوائد، فللتشديد والإلزام فوائد أيضاً، ولا شك أن مفهوم التيسير يخاطب التدين عند الشخص غالباً، أي إنه مفهوم يحقق الطمأنينة للشخص من حيث عدم تصرفه مخالفاً لمرضاة الله سبحانه حتى في الحالات التي يواجهها خلال قيامه بواجب العبودية لله تعالى، ولذا يجب تقويم هذه الحالات بحسب ظروف كل مكلف وبحسب درجة تأثير المشقة، وكذا بحسب التوازن بين المشقة التي تسببها حالة العذر وبين مدى أهمية حكم العزيمة الذي سيترك لوجود ذلك العذر، وتقدير ذلك للمفتي والمكلف ويكون في ضوء المبادئ العامة لرفع الحرج.
ومن التيسير أن يعرض الاضطرار للأمة، أو طائفة عظيمة منها يستدعي الإقدام على الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي من سلامة الأمة أو بقاء قوتها أو نحو ذلك، ولا شك أنّ اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة.
وخلاصة القول( ): إنّ المرجع في التيسير يكون دائماً بالنظر إلى ما فيه مصلحة المسلمين المعتبرة شرعاً، والتي لا تخالف مقصداً شرعياً ثابتاً، حسب قاعدة: (إذا ضاق الأمر اتسع)( )، وإضافة إلى اعتبار حياة الناس وأعرافهم وما عمّت به البلوى في محيطهم دون هتك للاُصول، وعندئذٍ نلوذ بما يسر الله وما خفف عنا مما تشمله قاعدة: (ما عمّت بليته، خفّت قضيته)( ).
الفرع الثاني: ضوابط التيسير في الفتوى
لا بدّ من توافر جملة من الضوابط والاُصول والشروط التي تضبط الفتيا من الانحراف عن تطبيق مبدأ التيسير، بحيث تكون حافظة للفتيا من التلاعب والفوضى، وبيانها كالتالي:
الضابط الأول( ): وجود ما يدعو إلى التيسير
فلا بدّ أن يُوجد ما يدعو إلى التيسير، من ضرورة أو حاجة تتنزل منزلة الضرورة أو مشقة تستوجب التيسير، والتحقق من حصول المشقة التي تستدعي ذلك، فإن التيسير ينبغي ألّا يكون متخذاً للبعث في الدين أو مجاراة أهواء الناس أو التشهي وموافقة أغراض الناس قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾( )، وليس كل مشقة تعرض للإنسان تستدعي التيسير، فإنّ المشقة لا ينفك عنها عمل من الأعمال غالباً حتى طلب الرزق.
وقد بيّن العز بن عبد السلام في كتابه " قواعد الأحكام" أنواع المشقات وما يستدعي منها التيسير وما لا يستحقه، فقال: المشاق ضربان: أحدهما: مشقة لا تنفك عنها العبادة، كمشقة الوضوء والغسل في شدّة السبرات وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولا سيما صلاة الفجر، وكمشقة الصيام في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج... فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها...الثاني: مشقة تنفك عنها العبادات غالباً، وهي علی مراتب يأتي بيانها في الفرع الثالث ( ).
فإذا وجدت مشقة حقيقية غير معتادة أو ضرورة يترتب على مخالفتها خطر، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة ـ عامة أو خاصة ـ ويترتب على مخالفتها عسر وصعوبة وعنت، فعندئذٍ يتوجه الأخذ بالأيسر، ويصحّ للمفتي أن يعمل بمبدأ التيسير، لأنّ القاعدة أنّ: (الضرورات تبيح المحظورات)( )، وأن (الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة أو خاصة)( )، وأنه: (لا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة)( )، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾( )، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾( )، أما إذا لم يوجد ما يدعو إلى التيسير، فإنّ التيسير عندئذٍ يكون اتباعاً للهوى وتحكيماً للشهوة، وهو حرام إجماعاً، قال ابن القيم: " لا يجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإنّ تتبع ذلك فسق، وحرام استفتاؤه"( ).
الضابط الثاني( ): أن يغلب على الظن حصول المقصود من التيسير
فإذا كان الإفتاء بالأيسر لن يرفع الحرج ولن يزيل المشقة، ولن يُحقق المقصود منه في حصول التيسير على المستفتي، فليس له فائدة ويكون العمل عبثاً، وشرع الله تعالى منزه عن العبث واللغو.
فعلى سبيل المثال: لو غلب على الظن أن الحجيج إن قيل لهم بصحّة الرمي قبل الزوال سيزدحمون قبل الزوال كازدحامهم اليوم بعد الزوال، فعندئذٍ لا يصح ولا يجوز إفتاؤهم بالأيسر، ولا العمل بمبدأ التيسير؛ لأنه لا فائدة، ولا ثمرة منه( ).
الضابط الثالث( ): ألّا يترتّب على الأخذ بالأيسر مصادمة الشريعة
فيشترط للتيسير عليه ألّا يترتب معارضة مصادر الشريعة القطعية أو اُصولها ومبادئها العامة، كأن يكون الأخذ بالأيسر مخالفاً للإجماع أو مصادماً لنصٍّ صريح، أو لقواعد مقررة ثابتة بنصوص الكتاب والسّنة، فإن القول ـ مثلاً ـ بجواز الربا القليل على جهة التيسير مصادمة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾( ).
قال الإمام القرافي: " كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى، فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، وما لا نقره شرعاً بعد تقرره بحكم الحاكم أولى ألّا نُقره شرعاً إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعاً، والفتيا بغير شرع حرام، فالفتيا بهذا الحكم حرام"( ).
الضابط الرابع: استناد التيسير إلى دليل
فالقول بالتيسير لا بدّ له من دليل شرعي يسنده ويؤيده، أما أن يفتي المفتي بالتيسير دون ضابط من دليل كتاب أو سنة أو اجتهاد فهذا ما لا يقره الشرع( ).
وهذا الضابط هو من أهم الضوابط الخاصة بالتيسير في الفتوى وأخطرها، فالعمل بالتيسير لا بدّ له من دليل يسنده ويؤيده، أما أن يعمل بالتيسير دون ضابط من دليل قرآني أو سنة نبوية، أو اجتهاد، فهذا لا يقره الشرع، وهذا هو الذي يقع فيه كثير من المفتين، أو بالأحرى نقلة الفتوى في عصرنا.
ومثال التيسير الذي يسانده الدليل، زكاة الفطر هل نخرجها حبوباً أم نخرجها بالقيمة، وفيها رأيان، ولكن دليله ووجهة نظر، فعلى المفتي هنا أن يراعي الأيسر على الناس، وأن يراعي أيضاً الأنفع ما دام في المسألة رأيان، لكل رأي دليله المعتبر شرعاً( ).
الضابط الخامس( ): ترك الرخص والزّلات
فعلى المفتي إذا أراد التيسير أن يطلبه من الوجه الصحيح الذي وصفه الشارع؛ لأن في ذلك حصول المصلحة والتخفيف على وجه الكمال، وهذا يتطلب من المفتي أن يكون عالماً بأوجه ومجالات التيسير في الشريعة ليتحراها، ولا يصح أن يسلك الطرق غير الصحيحة كتتبع الرخص، والبحث عن شواذ الأقوال، والحيل الفاسدة، وغيرها ممّا ليس مشروعاً، إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، وقد تقدم أنه ليس للمفتي تتبع رخص المذاهب، بأن يبحث في كل ما يستفتى فيه عن الأسهل من القولين أو الوجهين ويفتي به، ذلك أنّ الراجح في نظر المفتي هو في ظنه حكم الله تعالى فتركه والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة استهانة بالدين، ولأنّ المفتي لو أفتى الناس بالرخص في كل شيء وفي كل حال ولكل شخص، لذاب الدين بين الناس، وأصبح الأصل هو الترخُّص لا العزيمة( ).
يقول الإمام يحيى القطان: " لو أن رجلاً عمل بكل رخصة، يعمل بمذهب أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، لكان فاسقاً( ).
وقد حذّر ابن القيم، المفتي من تتبع رخص وزلات العلماء في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله: "لا يجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمام أو وجهاً ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال، حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبه الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة"( ).
فمن خلال ما تقدم: يتبين لنا أنه لا يجوز للمفتي أن يتتبع رخص وزلات العلماء ويأخذ منها ما شاء دون نظر وتأمل في هذه الأقوال، وبيان القوي منها، والضعيف، والراجح من المرجوح، كما هي قواعد التعارض والترجيح التي وضع العلماء في الترجيح بين الأقوال الفقهية في المسائل المختلف فيها، كما أن عليه أن يحذر أن يكون هذا الترجيح أو الاختيار من الأقوال الفقهية لغرض شخصي أو هوى في نفسه، فهذا حرام باتفاق علماء الأمة كما سبق بيانه.
الضابط السادس: عدم ترتب مفسدة على التيسير عاجلاً أو آجلاَ
فيجب على المفتي أن يراعي في التيسير قاعدة المال وقاعدة سد الذرائع، وأن يلاحظ ما يترتب على فتواه، ولا يسوغ له أبداً أن يفتي ـ ولو على سبيل التيسير ـ بما يكون سبباً لنشر فتنة أو وقوع ضرر عام، ولو كان رأيه رأياً شرعياً، فمثلاً لا يصح أن يفتي المفتي بقاعدة الظفر بالحق، إذا علا ظنه أن العلم بها سيؤدي إلی فتن وشرور( ).
يقول ابن تيمية: "على المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضر بالمسلمين ويُثير الفتن بينهم، وله أن يمتنع عن الفتيا إن كان قصد المستفتي ـ كائناً من كان ـ نصرة هواه بالفتوى، وليس قصده معرفة الحق واتّباعه"( ).
الضابط السابع: مُراعاة حال المستفتي
علی المفتي أن يكون على إدراك بأحوال المستفتي ليعطيه ما يناسبه من الأحكام، وليضع الرخصة موضعها، ويجب أيضاً أن يكون عالماً بمسالك المستفتين ومآربهم، فمن الناس من يتخذ التيسير وسيلة إلى الإقدام على المحرمات، ولا يزيده الإفتاء بالأيسر إلّا إصراراً على المعصية واغتراراً بحاله.
والناس متفاوتون في درجة تمسكهم بدينهم واستقامتهم عليه، فمنهم الحريص على أحكام الدين الذي يحمل نفسه على العزيمة وعلى مقتضى الورع، ومنهم المتساهل الباحث عن المخارج اللاهث وراء الحيل، المائل إلى التفلت من الأحكام، والمفتي يجب أن يكون يقظاً منتبهاً لهذه الفروق وهذا التفاوت بين الناس( ).
الفرع الثالث: مبادئ لها أثرها في التيسير في الفتوى
ذكر الفقهاء أسباباً كثيرة لها أثرها القوي في التحول من التشدد إلى التيسير، ومن العزيمة إلى الرخصة، كالسفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، كما أن هناك مبادئ اُصولية استخلصها العلماء والاُصوليون لها أثرها في ذلك، وهي على النحو الآتي:
1. المشقة: فإن المشقة توجب التيسير وتجلبه، والأمر إذا ضاق اتسع، وقد ضبط الإمام السيوطي ; المشقة التي تجلب التيسير فقال: المشاق على قسمين( ):
مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً: كمشقة الوضوء في البرد، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، والرجم في الزنا، وقتل الجناة، فلا أثر لهذا في إسقاط العبادات في كل الأوقات، والمشقة التي لا تنفك عنها العبادات غالباً هي على مراتب:
المرتبة الاُولى: مشقة عظيمة وفادحة، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعاً.
المرتبة الثانية: مشقة خفيفة لا وقع لها كأدنى وجع في إصبع اليد والرجل، وأدنى صداع في الرأس، أو سوء مزاج خفيف. فهذا لا أثر له في التيسير في الأحكام.
المرتبة الثالثة: مشقة متوسطة بين هاتين المرتبتين: فما دنا وقرب من المرتبة الاُولى أوجب التخفيف، أو من الثانية لم يوجب التخفيف، ولا ضابط لهذه المراتب إلّا بالتقريب( ).
2. ارتكاب أخف الضررين: فإذا ما كان هناك خياران أمام المكلف، أحدهما فيه ضرر والآخر أشد ضرراً كان ذلك موجباً لارتكاب أخف الضررين، كالحاكم المسلم الذي يتحالف مع عدو لدفع خطر عدو أشد خطراً وضرراً منه، فهو يرتكب أخف الضررين، ويدفع أعظم الشرين.
3. تغير الفتوى بمقتضياتها: من تغير للزمان والمكان والأشخاص والأحوال والنيات والعوائد، وهذا ما قرره ابن القيم وغيره، ومشهور ما فعله الإمام الشافعي من تغير في مذهبه بعد مجيئه إلى مصر، وصار له مذهبان مذهب قديم وآخر جديد، وتغير هذه المتغيرات يقتضي الإفتاء بما يوائمها، بما لا يتناقض مع الاُصول الكلية والمبادئ الكبرى في الإسلام، وفي ذلك يقول ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين عن ربّ العالمين" حيث عقد فصلاً بعنوان: "فصلٌ: في تغيّر الفتوى، واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"( ).
ثم قال: "هذا فصلٌ عظيمُ النفع جداً، وقع بسبب الجهلِ به غَلَطٌ عظيم على الشريعة، أوْجَبَ من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رُتَب المصالح لا تأتي به.
فإنَّ الشريعة مَبْنَاها وأساسَهَا على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها، وحكمةٌ كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عَدْل اللَّه بين عبادة، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله(ص) أتَمَّ دلالةٍ وأصدقَهَا، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُدَاه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقُه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل؛ فهي قرّة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكلُّ خيرٍ في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسومٌ قد بقيت لخَرِبت الدنيا وطُوِيَ العالم، وهي العصمة للنَّاس وقوام العالم، وبها يمسك اللَّه السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد اللَّه سبحانه وتعالى خرابَ الدنيا وطَيَّ العالم رَفَع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث اللَّه بها رسولَه هي عمود العالم، وقطب رحى الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة"( ).
4. مآل الفتوى: بمعنى أن ينظر المفتي في مآل فتواه وعواقبها، فإن أيقن أن مآلها ضرر وتعسير، وتحقيق لمصالح غير شرعية امتنع عن هذه الفتوى، وبذلك يكون قد يسر على الناس، ومن ذلك امتناع الرسول(ص) عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، مخافة أن تقع فتنة أكبر جراء حداثة القوم بالإسلام، وهذا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله(ص): (لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ)( ).
فهذه كلها مبادئ لها أثرها في التيسير على الناس في مجال الفتوى، بما استخلصه فقهاؤنا من قواعد وضوابط تؤثر بقوة في عملية التيسير( ).
هذا وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي الدولي بعض ظواهر الفتوى وما يتعين فعله في الإفتاء، وذلك في دورته الحادية عشرة في مملكة البحرين، وقد جاء ذلك في القرار رقم: 104 (11/7) بشأن سبل الاستفادة من النوازل (الفتاوى)، حيث أصدر قراراً تضمن التوصيات التالية:
1. الحذر من الفتاوى التي لا تستند إلى أصل شرعي ولا تعتمد على أدلة معتبرة شرعاً، وإنما تستند على مصلحة موهومة ملغاة شرعاً نابعة من الأهواء والتأثر بالظروف والأحوال والأعراف المخالفة لمبادئ وأحكام الشريعة ومقاصدها.
2. دعوة القائمين بالإفتاء من علماء وهيئات ولجان إلى أخذ قرارات وتوصيات المجامع الفقهية بعين الاعتبار، سعياً إلى ضبط الفتاوى وتنسيقها وتوحيدها في العالم الإسلامي.
3. الاقتصار في الاستفتاء على المتصفين بالعلم والورع ومراقبة الله عزّ وجل.
4. مراعاة المتصدرين للفتيا لضوابط الإفتاء التي بينها العلماء، وبخاصة ما يلي:
أ. الالتزام بالأدلة الشرعية من الكتاب والسّنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة الشرعية، والتزام قواعد الاستدلال والاستنباط.
ب. الاهتمام بترتيب الأولويات في جلب المصالح ودرء المفاسد.
ج. مراعاة فقه الواقع والأعراف ومتغيرات البيئات والظروف الزمانية التي لا تصادم أصلاً شرعيّاً.
د. مواكبة أحوال التطور الحضاري الذي يجمع بين المصلحة المعتبرة والالتزام بالأحكام الشرعية.
الخاتمة
وفيها أهم النتائج والتوصيات:
أولاً: النتائج
من خلال هذا البحث توصلت إلى عدة نتائج من أهمها:
1. للفتوى أهمية كبيرة وخطر عظيم، فهي توقيع عن رب العالمين، ونيابة عن رسوله الأمين في تبيين أحكام الدين.
2. الفتوى: هي الإخبار بالحكم الشرعي مع المعرفة بدليله، وتختلف الفتوى عن الحكم والقضاء.
3. تشترك الفتوى مع القضاء، في أنّ كلاً منهما إخبار عن حكم الله تعالى، وتوافر شرط الاجتهاد، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة، فالفتوى إخبار عن حكم الله تعالى، لا إلزام فيه من جهة المفتي، بخلاف القضاء والحكم، فإنه إخبار معناه الإنشاء والإلزام.
4. الفتوى تعمّ أحكام الدنيا والآخرة، بخلاف القضاء، فإنه يخص الأحكام الدنيوية دون الاُخروية، وتشترك الفتوى مع الاجتهاد في أن كلاً من الفتوى والاجتهاد من قبيل معرفة الحكم الشرعي بدليله، وأنها قد تبلغ درجة القطع واليقين، وقد تفيد الظن.
5. الفتوى التشريعية: هي التي صدرت من الشارع، إما بوحي متلو في القرآن الكريم، أو بوحي غير متلو في سنة النبي(ص) في الجواب عن سؤال، أو لبيان نازلة في عهد النبي(ص)، فأصبحت شرعاً عاماً.
6. الفتوى الفقهية: ما يبُوحُ بها فقيه من الفقهاء، لا كجواب عن سؤال في حادثة مخصوصة، وإنما عند تفريعه للفروع، أو في جواب سؤال عام من غير علاقته بجزئية معينة، وأما الفتوى الجزئية فهي: الجواب عن السؤال في واقعة معينة بتنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي.
7. تنقسم الشروط الواجب توافرها في المفتي إلى قسمين: شروط تتعلق بشخصية المفتي، وشروط تتعلق بالإمكانيات العلمية للمفتي، أما الشروط المتعلقة بشخصية المفتي فهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة، وفقه النفس، وأما الشروط المتعلقة بالإمكانية العلمية فهي: الاجتهاد، والفطانة والتيقظ، وعلم الواقع ومعرفة الناس وأعرافهم.
8. من ضوابط الفتوى اعتمادها على العلم الشرعي الصحيح، والتأني والتثبت في الفتوى، وقول لا أعلم في المسألة التي يجهلها المفتي أو يتردد فيها، ومراعاة مقاصد الشريعة، وتقديم العواقب والمآل، ووضوح الحكم في الفتوى، ومراعاة أحوال الناس والمستفتين.
9. من ضوابط التيسير في الفتوى وجود ما يدعو إلى التيسير، وأن يغلب على الظن حصول المقصود منه، وألّا يترتب على الأخذ بالأيسر مصادمة الشريعة، واستناد التيسير إلى دليل، وترك الرخص والزلات، وعدم ترتب مفسدة على التيسير عاجلاً أو آجلاَ، ومراعاة حال المستفتي.
ثانياً: التوصيات
1. العمل على تطوير المهارات الشخصية لدى العلماء المفتين وإعدادهم، والعناية بهم، وتأهيلهم علمياً، وتدريبهم عملياً على الفتوى وأعمالها وطرق استنباط الأحكام.
2. عقد المزيد من الدورات التدريبية والمؤتمرات والندوات عن الإفتاء وضوابطه ومعالمه لتعزيز قدرة المفتين على الفتوى.
3. أن يكون مقرر دراسي لتدريس الإفتاء وضوابطه كمادة مستقلة بالكليات الشرعية لا سيما كليات الشريعة بجانب مادة اُصول الفقه.
4. إنشاء المواقع الإلكترونية المتخصصة في الفتوى والتعريف بها وبيان ضوابطها، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تدريب المتخصصين على الفتوى وتأهيلهم من خلال البرامج الإفتائية وحلقات النقاش التي تعمل علی تطويرهم وإكسابهم ملكة الإفتاء.
5. سنّ قانون حاكم للفتوى ومعاقبة غير المتخصص والمؤهل للفتوى من الإفتاء، والقضاء على فوضى الإفتاء التي انتشرت في كل المواقع من كل مَن هب ودب؛ للحفاظ على هيبة الفتوى، والحذر من القول على الله تعالى ورسوله(ص) بغير علم.
الهوامش:
( ) انظر: الإمام ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين، 78:3.
( ) انظر: الإفتاء وتحقيق السلم المجتمعي، د. عباس شومان.
( ) محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، مادة (فتا)، 145:15؛ محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، باب الفاء، 206:1؛ أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، مادة (فتي)، 474:4.
( ) سورة يوسف: الآية: 43.
( ) سورة الكهف: الآية: 22.
( ) سورة الصافات: الآية: 11.
( ) القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد ، تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، 68:15؛ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير، 7:7.
( ) بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، البحر المحيط في اُصول الفقه، 585:4.
( ) المصدر السابق، 586:4.
( )محمد بن علي بن محمد الشوكاني، إرشاد الفحول إلی تحقيق الحق من علم الاُصول، 240:2 وما بعدها.
( ) الشيخ علي حسب الله، اُصول التشريع الإسلامي، 113.
( ) الإمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، 4.
( ) ابن حمدان، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، 4؛ إعلام الموقعين، 196:4.
( ) إعلام الموقعين، 36:1.
( ) الفروق،120:4 ـ 122.
( ) إعلام الموقعين، 36:1، 174:4، 196.
( ) د. محمد بن حسين الجيزاني، الفتوى في الشريعة الإسلامية، 171 وما بعدها.
( ) إعلام الموقعين، 36:1، 38،264:4؛ أحمد بن إدريس المصري القرافي المالكي، الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام، 20.
( ) البحر المحيط: للزركشي، 315:6.
( ) إعلام الموقعين، 38:1.
( ) الفروق، للقرافي، 48:4، 54.
( ) د. محمد بن حسين الجيزاني، الفتوى في الشريعة الإسلامية، 174 وما بعدها.
( ) د، محمد بن حسين الجيزاني، الفتوى في الشريعة الإسلامية، 176 وما بعدها.
( ) القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام، 195.
( ) إرشاد الفحول: للشوكاني، 248:2؛ صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان، 13.
( ) أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي،112:1، ط. المكتبة العلمية ـ بيروت، مذكرة الشنقيطي في اُصول الفقه، 311.
( ) عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد، روضة الناظر وجنة المناظر، 352:1؛ تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار، شرح الكوكب المنير، 458:4.
( ) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوي أبو عمرو ابن الصلاح، أدب المفتي والمستفتي، 21؛ ابن حمدان، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، 13؛ أبو زكريا يحيی بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، 41:1.
( ) الحافظ جلال الدين السيوطي، الرد على من أخلد إلى الأرض، 179.
( ) سورة البقرة: الآية: 219.
( ) سورة البقرة: الآية: 189.
( ) د. محمد تقي العثماني، اُصول الإفتاء وآدابه، 11 ـ 13.
( ) سورة النساء: الآية: 127.
( ) تفسير القرطبي: 5/ 402.
( ) سورة النساء: الآية: 176.
( ) سورة النحل: الآية: 44.
( ) إعلام الموقعين، 10:1.
( ) السجستاني، سنن أبي داود، 354:3.
( ) سورة هود: الآية: 12.
( ) سورة التوبة: الآية: 122.
( ) محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، أخرجه في صحيحه، كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم (105)، 52:1.
( ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (3274)، 1275:3.
( ) ينظر: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، الموافقات، 255:5 وما بعدها.
( ) إعلام الموقعين، 11:1.
( ) ينظر: د. عبد الكريم زيدان، اُصول الدعوة، 139.
( ) د. نجلاء عبد الجواد صهوان، الفتاوى الشاذة وأثرها على الأمن الفكري، 29.
( ) البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى ـ باب التوقي عن الفتيا والتثبت فيها، رقم (801)، 433.
( ) المرجع السابق ، رقم (813)، 436؛ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، باب ما جاء في الإحجام عن الجواب إذا خفي على المسؤول، رقم (1107)، 56:2.
( ) البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، باب التوقي عن الفتيا والتثبت فيها، رقم (812)، 436؛ الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، باب ما جاء في الإحجام عن الجواب إذا خفي على المسؤول، رقم (1108)، 56:2.
( ) مواهب الجليل، 40:7.
( ) الموافقات، 146:3.
( ) يحيى بن شرف النووي الشافعي، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي،37.
( ) زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، فضل علم السلف على علم الخلف، 32.
( ) د. محمد يسري، الفتوى المعاصرة ما لها وما عليها، 16.
( ) سورة الحجرات: الآية: 6.
( ) سورة النساء: الآية: 59.
( ) ينظر: أدب المفتي والمستفتي، 107.
( )أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً، حديث رقم (4405) 245:4؛ الترمذي، سنن الترمذي، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد حديث رقم (1423)32:4.
( ) ابن حمدان، صفة الفتوى، 29؛ المجموع شرح المهذب، 41:1.
( ) مجمع الأنهر، 145:2.
( ) إعلام الموقعين، 220:4؛ شرح المنتهى، 475:3؛ حاشية ابن عابدين، 301:4.
( ) المجموع، شرح المهذب، 41:1.
( ) الفقيه والمتفقه، 35:2.
( ) سورة الأعراف: الآية: 33.
( ) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، باب ذكر شروط من يصلح للفتوى، رقم (1044)، 34:2.
( ) إعلام الموقعين، 46:1.
( ) المرجع السابق.
( ) المجموع شرح المهذب، 41:1.
( ) حاشية ابن عابدين، 301:4.
( ) إعلام الموقعين،299:4 وما بعدها.
( ) المجموع، شرح المهذب، 46:1.
( ) ابن الصلاح، أدب المفتى والمستفتي، 86 ـ 87؛ النووي، آداب الفتوى والمفتى والمستفتي، 23 وما بعدها.
( ) د. معتمد علي أحمد سليمان، أدبيات الإفتاء في الفقه الإسلامي الواقع والمأمول، 84 وما بعدها.
( ) إعلام الموقعين، 254:4 وما بعدها.
( ) أدبيات الإفتاء في الفقه الإسلامي الواقع والمأمول، 98 وما بعدها.
( ) المرجع السابق، 99.
( ) سورة الأعراف: الآية: 32.
( ) القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام، 271.
( )ابن فرحون، تبصرة الحكام، 21.
( ) ابن حمدان، صفة الفتوى، 11، وإعلام الموقعين، 172:4.
( ) الموافقات،252:4 ـ 258.
( ) إعلام الموقعين، 227:4؛ ابن حمدان، صفة الفتوى، 34.
( ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، حديث رقم (6739) 2616:6.
( ) إعلام الموقعين، 277:4؛ ابن حمدان، صفة الفتوى، 34.
( ) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي، 140:4.
( ) سورة آل عمران: الآية: 159.
( ) إعلام الموقعين، 256:4، المجموع شرح المهذب، 48:1.
( ) ابن فرحون، تبصرة الحكام، 220؛ إعلام الموقعين، 257:4.
( ) المجموع شرح المهذب، 48:1.
( ) الإمام مالك بن أنس، الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء، حديث رقم (60) 29:2.
( ) سورة البقرة: الآية: 215.
( ) إعلام الموقعين، 4: 158.
( ) المرجع السابق، 4: 159.
( ) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: لا يسألون الناس إلحافاً، حديث رقم (1407) 537:2؛ مسلم، صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، حديث رقم (4582) 131:5.
( ) إعلام الموقعين، 221:4، الموافقات، 286:4 ـ 290.
( ) البخاري، صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم، رقم (127) 59:1.
( ) البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى ، باب لا تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، رقم (610)، 362.
( ) فتح الباري، 203:1.
( ) أخرجه مسلم في صحيحه، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، حديث رقم (5)10:1.
( ) شرح المنتهى، 458:3.
( ) إعلام الموقعين، 175:4.
( ) سورة آل عمران: الآية: 187.
( ) حاشية ابن عابدين، 264:3؛ الموسوعة الفقهية الكويتية، 38:32 وما بعدها.
( ) شرح المنتهى، 457:3، المجموع شرح المهذب،57:1.
( ) شرح المنتهى، 457:3.
( ) أدب المفتي والمستفتي، 91.
( ) د. محمد تقي العثماني، اُصول الإفتاء وآدابه، ص 383.
( ) المجموع شرح المهذب، 57:1؛ شرح المنتهى، 457:3.
( ) الموافقات، 319:4 ـ 321.
( ) البخاري، صحيح البخاري، باب المظالم والغصب، باب قول الله تعالى: وهو ألد الخصام، حديث رقم (2335) 867:2؛ مسلم، صحيح مسلم، كتاب العلم، باب في الألد الخصم، حديث رقم (2668) 2054:2.
( ) البحر الرائق، 449:6.
( ) ابن الصلاح، أدب المفتي والمستفتي، 90.
( ) سورة الإسراء: الآية: 36.
( ) سورة الأعراف: الآية: 33.
( )أبو داود، سنن أبي داود ، كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا، حديث رقم (3659)359:3؛ ابن ماجه، سنن ابن ماجه،20:1؛ حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم (3657).
( ) ينظر: د. صالح بن غانم السدلان، ضوابط الفتوى، 13.
( ) إمام محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، 559.
( ) شيخ الإسلام ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، 307:3.
( ) أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين،285:1.
( ) ضوابط الفتوى، د. صالح السدلان، ص 15.
( ) مفتاح دار السعادة،22:2.
( ) البخاري، صحيح البخاري،كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب قوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، حديث رقم (4622) 1861:4.
( ) سورة النور: الآية: 54.
( ) ينظر: د. صالح السدلان، ضوابط الفتوى، 17.
( ) ينظر: المرجع السابق، 17.
( ) الفروق، 177:1، الفرق الثامن والعشرون.
( ) د. محمد بن عبد العزيز المبارك، مراعاة حال المستفتي،491.
( ) د. عبد المجيد محمد السوسوة، ضوابط الفتوى في القضايا المعاصرة، 283 وما بعدها.
( ) المرجع السابق، 284.
( ) عبد الرزاق الكندي، التيسير في الفتوى أسبابه وضوابطه، 85.
( ) المرجع السابق، 85 وما بعدها.
( ) إمام محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، المنثور في القواعد، 120:1، 83؛ أحمد بن محمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، 163.
( ) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، 84؛ عبد الرزاق الكندي، التيسير في الفتوى أسبابه وضوابطه، 85 وما بعدها.
( ) د. وهبة الزحيلي، الرخص الشرعية أحكامها وضوابطها، 95؛ د. محمد سعد اليوبي، ضوابط تيسير الفتوى، 31؛ د. محمد يسري، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 428.
( ) سورة المؤمنون: 71.
( ) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 7:2 وما بعدها.
( ) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، 85؛ أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، 185.
( ) ابن نجيم، الأشباه والنظائر،91؛ السيوطي، الأشباه والنظائر، 88؛ الزرقا، شرح القواعد الفقهية، 209.
( ) إعلام الموقعين، 41:2.
( ) سورة المائدة: الآية: 3.
( ) سورة البقرة: الآية: 185.
( ) إعلام الموقعين، 222:4.
( ) د. محمد سعد اليوبي، ضوابط تيسير الفتوى، 38؛ د. محمد يسري، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 430.
( ) د. محمد يسري، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 430.
( ) د. وهبة الزحيلي، الرخص الشرعية أحكامها وضوابطها، 43.
( ) سورة البقرة: الآية: 278.
( ) الفروق، 109:2.
( ) د.محمد يسري إبراهيم، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 432.
( ) د. محمد أحمد علي أبو الشيخ، بحث منشور بحولية مركز البحوث والدراسات الإسلامية، مسؤولية الفتوى وآدابها وأحكامها في ضوء الفقه الإسلامي، 366 وما بعدها.
( ) د. وهبة الزحيلي، الرخص الشرعية أحكامها وضوابطها، 92؛ د. محمد سعد اليوبي، ضوابط تيسير الفتوى، 39؛ د. محمد يسري إبراهيم، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 432.
( ) د. محمد يسري، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 433.
( ) أبو بكر بن الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب ذكر الغناء وإنكاره، حديث: 171.
( ) إعلام الموقعين، 211:4.
( ) د. محمد يسري، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 433.
( ) مجموع الفتاوى، 198:28.
( ) د. محمد يسري، الفتوى أهميتها، ضوابطها، آثارها، 433 وما بعدها؛ وينظر: د. أحمد الزمزمي، ضوابط تيسير الفتوى، 561 وما بعدها.
( ) السيوطي، الأشباه والنظائر،80 وما بعدها؛ ابن نجيم، الأشباه والنظائر، 82 وما بعدها.
( ) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، 82:1 وما بعدها؛ السيوطي، الأشباه والنظائر، 80 وما بعدها.
( ) إعلام الموقعين، 3:3.
( ) المرجع السابق، 3:3 وما بعدها.
( ) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، حديث رقم (1506) 2/573.
( ) د. عبد الكريم عبد الحميد الخلف، قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها، 297 وما بعدها.
المصادر و المراجع:
1. الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام و تصدق القاضي و الإمام، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس المصري القرافي المالكي (٦٢٦ ـ ٦٨٤ هـ(. ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت ـ لبنان، ط:2، ١٤١٦هـ ـ ١٩٩٥م، تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
2. آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي (ت 676هـ)، دار الفكر، دمشق، ط1، 1408هـ، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي.
3. أدب المفتي والمستفتي، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوي أبو عمرو ابن الصلاح، ط: مكتبة العلوم والحكم، عالم الكتب ـ بيروت، ط1، 1407هـ، تحقيق: د: موفق عبد الله عبد القادر.
4. إرشاد الفحول إلی تحقيق الحق من علم الاُصول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1419هـ ـ 1999م.
5. الأشباه والنظائر، للإمام عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت. شرح القواعد الفقهية، أحمد بن محمد الزرقا (ت 1357هـ)، دار القلم، دمشق، سورية، 1409هـ ـ 1989م، تحقيق: مصطفى أحمد الزرقا.
6. اُصول الإفتاء وآدابه، د. محمد تقي العثماني، ط: دار القلم، دمشق، ط3، 1443هـ ـ 2022م.
7. اُصول التشريع الإسلامي، شيخ علي حسب الله ط: دار المعارف، القاهرة، ط5، 1396هـ ـ 1976م.
8. اُصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1423هـ ـ 2002م.
9. إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين، الإمام محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الجيل، بيروت، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد.
10. الإفتاء وتحقيق السلم المجتمعي، د. عباس شومان، مؤتمر دور وهيئات الإفتاء في العالم بعنوان: "دور الفتوى في استقرار المجتمعات"، القاهرة، 2017م.
11. البحر المحيط في اُصول الفقه، بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي (ت 794هـ)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421هـ ـ 2000م.
12. البيان والتبيين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7، 1418هـ، 1988م، تحقيق: عبد السلام هارون.
13. تفسير القرطبي، (الجامع لأحكام القرآن)، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (ت 671هـ)، دار عالم الكتب، الرياض، السعودية، 1423 هـ، 2003م.
14. التيسير في الفتوى أسبابه وضوابطه، عبد الرزاق عبد الله صالح بن غالب الكندي، ط: مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1429هـ ـ 2008م.
15. الرسالة، إمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، (د.ت).
16. روضة الناظر وجنة المناظر، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت620هـ)، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1399هـ، تحقيق: د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد.
17. سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت 275هـ)، ط: دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
18. سنن أبي داود، السجستاني، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.
19. سنن الترمذي، أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 279هـ)، ط: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
20. شرح الكوكب المنير، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المعروف بابن النجار (ت 972هـ)، ط: مكتبة العبيكان، ط2، 1418هـ ـ 1997م، تحقيق: د. محمد الزحيلي، ود.نزيه حماد.
21. صحيح البخاري، البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي (ت 256هـ)، دار ابن كثير، اليمامة ـ بيروت، ط3، 1407هـ ـ 1987م، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا.
22. صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، الإمام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط:4 ، 1404هـ.
23. ضوابط الفتوى في القضايا المعاصرة، د. عبد المجيد محمد السوسوة، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت، العدد (62)، السنة (20)، شعبان 1426هـ ـ سبتمبر 2005م.
24. ضوابط الفتوى، د. صالح بن غانم السدلان، بحث أُلقى في مؤتمر الفتوى وضوابطها، الرياض، السعودية، 1429هـ.
25. ضوابط تيسير الفتوى، د. أحمد الزمزمي، بحث منشور بمجلة مركز البحوث والدراسات الإسلامية، جامعة القاهرة، العدد (20)، 1432هـ ـ 2011م.
26. الفتاوى الشاذة وأثرها على الأمن الفكري، د. نجلاء عبد الجواد صهوان، بحث منشور في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بدمنهور، جامعة الأزهر، العدد الثالث، الجزء الثاني 2018م.
27. الفتوى المعاصرة ما لها وما عليها، د. محمد يسري، دار اليسر، القاهرة، ط1، 1429هـ ـ 2008م.
28. الفتوى المعاصرة ما لها وما عليها، د. محمد يسري،ط: دار اليسر، القاهرة، ط1، 1429هـ.
29. الفتوى في الشريعة الإسلامية، د. محمد بن حسين الجيزاني، بحث منشور في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة بالرياض، السنة العشرون، العدد (77)، فبراير 2008م.
30. الفروق، (أنوار البروق في أنواء الفروق)، أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي (ت: 684هـ)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، 1418هـ ـ 1998م.
31. فضل علم السلف على علم الخلف، زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ ـ ٧٩٥هـ)، ط: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط1، ١٤٢٥ هـ ـ ٢٠٠٤م، دراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني.
32. الفقيه والمتفقه، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي(392 ـ 463هـ)، ط: دار ابن الجوزي بالسعودية، 1417هـ، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي.
33. قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها، د. عبد الكريم عبد الحميد الخلف، بحث منشور بمجلة البحوث الفقهية المعاصرة بالرياض، العدد (72)، السنة (18)، رجب، شعبان، رمضان 1427هـ ـ أكتوبر، نوفمبر 2006م.
34. المجموع شرح المهذب، أبو زكريا يحيی بن شرف النووي، ط: دار الفكر، بيروت 1997م.
35. المدخل إلى السنن الكبرى، البيهقي، ـ باب التوقي عن الفتيا والتثبت فيها، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، 1404هـ.
36. المدخل إلى السنن الكبرى، للبيهقي أبوبكر أحمد بن الحسين (ت458هـ)، ط: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، 1404هـ، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي.
37. مراعاة حال المستفتي، د. محمد بن عبد العزيز المبارك، بحث منشور في حولية مركز البحوث والدراسات الإسلامية، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، السنة السابعة، العدد التاسع عشر، 1432هـ ـ 2011م.
38. مسؤولية الفتوى وآدابها وأحكامها في ضوء الفقه الإسلامي، د. محمد أحمد علي أبو الشيخ، بحث منشور في حولية مركز البحوث والدراسات الإسلامية، جامعة القاهرة، العدد (43)، 1434هـ ـ 2013م.
39. المنثور في القواعد، إمام محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله (ت 794هـ)، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط2، 1405هـ، تحقيق: د. تيسير فائق أحمد محمود.
40. الموافقات، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت790هـ)، ط: دار ابن عفان، ط1، 1417هـ 1997م، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان.
41. الموطأ، الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ)، ط: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، ط1، 1425هـ ـ 2004.