2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 4-5قراءة البحث

الوصیة: عقد أو إيقاع؟ دراسة تحليلية

العدد 4-5
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 4-5
بحث منهجي

الوصیة: عقد أو إيقاع؟ دراسة تحليلية

أحمد مبلغي

عنوان المقال: الوصيّة عقدٌ أو إيقاع؟ دراسة تحليلية مقارنة

الكاتب: الشيخ أحمد مبلغي

هيكل المقال: يتكوّن البحث من مقدّمة وخمسة محاور رئيسية:

تعريف الوصيّة واتجاهات فقهية في بيان حقيقتها

أقسام الوصيّة وتقسيماتها المتنوعة

تحليل لمفهوم الوصية التمليكية وتمييزها عن الوصية العهدية

دراسة اتجاهين رئيسيين حول دور القبول:  أ. الاتجاه القائل بدور القبول وجعله عنصراً مكوناً أو شرطاً  ب. الاتجاه القائل بعدم اعتبار القبول

بحث مانعية الرد وبيان الموقف من ذلك فقهاً ودليلاً

أهم محاور المقال:

الاتجاهات في تعريف الوصيّة:  • اتجاه تقليدي يركّز على المضمون العام للوصيّة (كطلب ما بعد الموت).  • اتجاه فني يبيّن حقيقة الوصية قانونياً ويقسم إلى تعاريف لمحتواها أو لعملها أو كليهما.

تقسيمات الوصيّة:  • من حيث الموضوع: تمليكية، عهدية، تحريرية، إبرائية، ولائية  • من حيث الحكم الشرعي: واجبة، مندوبة، مباحة، مكروهة، محرّمة  • من حيث الإلزام القانوني: وصيّة اختيارية، وصيّة واجبة (بحسب بعض قوانين الأحوال الشخصية)

هل الوصية عقد أم إيقاع؟  • طرحت خمسة أقوال حول دور القبول؛ أُرجعت إلى اتجاهين رئيسيين:   - من يعتبر القبول عنصراً في الوصيّة (مشهور الإمامية وجمهور السنة)   - من لا يرى للقبول دوراً في أصل نفوذ الوصية (اختاره الشيخ مبلغي ووافقه المحقق اليزدي)

أدلة الاتجاه القائل بعدم اعتبار القبول:  • إطلاق النصوص الشرعية  • الروايات كحديث محمد بن قيس  • بناء العقلاء ومرتكزهم في الوصية  • المقارنة مع الإرث  • عدم وجود دليل معتبر على شرطية القبول

مانعية الرد:  • الرد لا يُعتد به قبل موت الموصي  • الرد بعد الموت يُعد مانعاً من تمام الملكية إذا لم يُقبل المال أو تُقبض الوصية  • تعارض إطلاقات الآية مع قاعدة "الناس مسلطون على أموالهم" يُرجّح فيه المرتكز العقلائي

النتائج والتوصيات: • الوصية التمليكية ليست عقداً، بل هي من الإيقاعات، ولا يُشترط فيها القبول • الرد معتبر فقط بعد الموت وقبل حصول الاستقرار في الملكية • تقترح الدراسة اعتماد تصنيف ثنائي بين "وصية الفعل" و"وصية النتيجة" • ينبغي إعادة النظر في المشهور الفقهي المتوارث حول اشتراط القبول

الكلمات المفتاحية: الوصيّة، الإيقاع، العقد، القبول، الرد، الوصية التمليكية، الفقه المقارن، الشريعة الإسلامية، الشيخ أحمد مبلغي، الوصية الواجبة

الوصية عقد أو إيقاع

دراسة تحليلية مقارنة

أ. الشيخ أحمد المبلغي

هذه المقالة تهدف إلى تحليل ماهية الوصية من حيث كونها عقداً أو إيقاعاً، وترى أنها إيقاع. وتمهيداً لذلك تتناول تقديم البحث عن تعريف الوصية وأقسام الوصية.

تعريف الوصية:

هناك اتجاهان برزا في تعريف الوصية:

الاتجاه الأول: التعاريف التي تعكس النظرة العمومية للوصية:

لا شك أنه عند ما تطلق كلمة الوصية، فإن أول شيء يلفت نظر العموم هو أن هناك أمراً عظيماً وهو الموت سيحصل لشخص ما، وأن هذا الشخص قبل أن يحصل هذا الأمر العظيم له، يطلب تحقيق بعض الأمور بعد موته، من تبرع أو غيره، وقد تبلورت وانعكست هذه النظرة العمومية الغالبة في تعاريف جملة من أوائل الفقهاء، وفيما يلي ذكر لهذه التعاريف:

تعريف الكرخي الحنفي (1) ما أوجبه الموصى في ماله تطوعاً بعد موته أو في مرضه الذي مات فيه ).

كلام الشيخ الطوسي : " وإبن إدريس ) معناه أنه يصل تصرفه بما يكون بعد الموت ما قبل الموت (ه).

تعريف الكاشاني الحنفي : " إسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد موته .

دراسات مقارنة

(۹) تعريف إبن حمزة الطوسي: صلة ما بعد الموت بخير إلى ما قبله (9)

الاتجاه الثاني: التعاريف التي تحاول بيان حقيقة الوصية بصورة فنية وحقوقية:

وهي على أقسام:

القسم الأول: ما ركز على تبيين وتعيين محتوى الوصية

تعريف المحقق الحلي (١٠) والفاضل الآبي : (١١)

الوصية تمليك عين أو

منفعة، أو تسليط على تصرف بعد الوفاة (١٢).

تعريف بعض الحنفية: الوصية تمليك مضاف لما بعد الموت (١٣).

تعريف إبن رشد المالكي: هبة الرجل لشخص آخر أو لأشخاص بعد موته (١٤).

تعريف بعض الحنابلة: التبرع بالمال بعد الموت (١٥)

هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ، بطريق التبرع (١٦).

القسم الثاني: ما ركز على تبيين حقيقة عمل الوصية

تعريف إبن العرفة من المالكية: عقد يوجب حقاً في ثلث عاقده يلزم (۱۷) بموته، أو نيابة عنه بعده .

الأمر بالتصرف بعد الموت (۱۸)

تعريف بعض المالكية: الوصايا حقيقتها تصرف المالك في جزء من حقوقه موقوف على موته على وجه يكون له الرجوع فيه (١٩).

تعريف القانون السوري: الوصية تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت .

. الوصية إنشاء الشخص ما يتعلق بأمور لما بعد مماته (٢١).

القسم الثالث: ما جمع بين تبيين حقيقة عمل الوصية وتعيين محتوى الوصية

ما ورد في جملة من الكتب القانونية: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت مقتضاه التمليك بلا عوض (۲۲)

الفقه المقارن - العددان (٥٠٤) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤

٣٠٦

الوصية عقد أو إيقاع ؟

نقد التعاريف

يبدو أن الاتجاه الثاني هو الاتجاه العلمي والمعقول، أما الاتجاه الأول فهو لا يحمل على عاتقه مهمة إنجاز بحث يتوقع من دراسة فقهية وحقوقية، فإن الذي نتوقعه من البحث الفقهي هو القيام بتحليل فقهي وحقوقي حول ماهية الوصية ومتعلقها حتى نتمكن في ضوئه من تحقيق فهم صحيح عند استنباط أحكام الوصية من النصوص الواردة فيها.

وهذا الاتجاه الثاني - كما مر - تندرج تحت تغطيته ثلاثة أقسام، ويبدو أن القسم الثالث - والذي جمع بين تبيين ماهية عمل الوصية وتعيين محتوى ومتعلق الوصية هو أكثر علمية من القسمين الأولين.

أقسام الوصية:

تقسم الوصية من عدة زوايا وحيثيات

الأولى: تقسيمها على أساس متعلقها:

وتقسم بحسب ذلك إلى قسمين: الوصية التمليكية، والوصية العهدية، وإليك

تعريفهما:

أ - الوصية التمليكية

ب - وهي: التي تتضمن تمليك الموصي شخصاً أو جهة شيئاً من أمواله أو من الحقوق التي له.

الوصية العهدية

وقد عرفها بحر العلوم في البلغة: "أن يعهد الموصى إلى شخص أو أكثر بعد موته بتنفيذ ما يريد تنفيذه في شؤون نفسه أو في شؤون ما يتعلق به من القاصرين (۳۳).

وعليه فإن العهدية، عهد يتم من قبل الموصي لما بعد موته، محتواه هو تحقق أحد أمرين: إما هو ثبوت الولاية لشخص معين على أطفاله القاصرين؛ أو هو قيام شخص معين أو غير معين بمعنى أنه قد يعينه وقد لا يعينه بعمل خاص أو

٣٠٧

دراسات مقارنة

أعمال خاصة في مجال خاص، يكون هذا العمل أو هذه الأعمال تصرفا فيما يتعلق بالموصي، سواء أن كان هذا الذي يتعلق به بدنه أو ماله، مثل الإيصاء بتجهيز بدنه بشكل خاص، أو صرف شيء من ماله في جهة خيرية أو في قضاء ما فات منه من صلاة أو صيام أو حج (أي: استيجار الصلاة أو الصوم أو الحج له)، أو أن يملك بعده شيء من ماله لشخص أو مجموعة، أو أن تتم معاملة خاصة كالبيع أو المضاربة ......

وسيمر عليك مناقشة هذا التعريف للعهدية من جهة شمولها للوصية المتضمنة لإعطاء الولاية.

وكما هو معلوم فإن الفرق بين التمليك الذي في التمليكية والتمليك في العهدية (أي: ما إذا كانت الوصية العهدية بالتمليك هو أن الذي في التمليكية يكون إنشاء التمليك فيها قبل الموت، بينما الذي في العهدية يكون إنشاءه فيها مسبوقاً بالموت، وعليه فإن المنشئ للتمليك في التمليكية هو الموصي بينما في الوصية العهدية غيره الذي يقوم بعده بتنفيذ وصيته.

التفرقة بين الوصيتين: التمليكية والعهدية

وقد أفاد السيد المحقق الخوئي في التفرقة بين العهدية والتمليكية بما حاصله: إن متعلق العهدية هو العمل نفسه، بينما متعلق التمليكية هو نتيجة العمل ذلك أن الموصي يوصي في العهدية بصدور عمل من جانب الوصي أو شخص آخر، وعليه فهو عهد إلى الغير بتوليه بعد موته إنجاز عمل، سواء كان هذا العمل فعلاً خارجياً كالتجهيز ونحوه، أو فعلاً اعتبارياً من تمليك أو وقف أو نحوهما، في حين أن الموصي في الوصية التمليكية، لا يوصي بعمل، بل بما هو نتيجة العمل وهو ملكية الموصى له من بعد موته عيناً أو منفعة والذي هو نتيجة فعل التمليك)، وعليه فإن متعلق الوصية التمليكية إنما هو دائماً أمر من الأمور الاعتبارية (٢٤).

وهذه التفرقة جيدة، غير أن موارد ثلاثة من الإيصاء، وهي: أ) الإيصاء إلى شخص بالولاية على أطفاله؛ (ب) الإيصاء إلى شخص بالولاية عنه في التصرفات

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

المالية بعد الموت؛ (ج) الوصية بإبراء المدين، تعد من الوصية العهدية، مع أن المتعلق المباشر للوصية فيها - كما هو معلوم - ليس عملاً، بل هو نتيجة العمل وهي الولاية في الأولين ( وإن كان يستتبع هذا المتعلق عملاً أو أعمالاً، من جهة أن هذا الذي أعطى إليه الولاية، يتصرف ويفعل أعمالاً)، وهي براءة ذمة المدين في الثالث.

هناك ثلاثة طرق للخروج عن هذا الإشكال المتوجه إليه، وهي:

1. أن نرفع اليد عن الذي قاله حول العهدية، وأن نقول: إن متعلق الوصية العهدية، إما هو التصرف نفسه وذلك يشكل أكثرية مواردها أو الولاية على التصرف، غير أن هذا الطريق يحل مشكلة الموردين الأولين فقط.

أن نرفع اليد عن التقسيم الثنائي، ونعتبر أن التقسيم هو خماسي، وهو: تقسيمه إلى التمليكية والعهدية والتحريرية والإبرائية والولائية، بضميمة القول بأن هذه الثلاثة ملحقة بالتمليكة، وهذا الإلحاق إنما يصار إليه بلحاظ أنها تشبه التمليكية من حيث إن الموصي نفسه يقوم بعمل إنشاء التحرير أو الإبراء أو التولية (لا أنه يوصي بإنجاز شخص القيام بها بعده)، وتتحقق نتيجة إنشائه، وهي التحريرية أو البرائة أو الولاية بعد موته على غرار ما كان في التمليكية، من ظهور النتيجة بعده بسبب فعل قام به الموصي وهو إنشاء التمليك.

أما تعريف التمليكية والعهدية فتعريفهما ما قاله، وأما تعريف التحريرية والإيرائية والولائية فهي ما يلي:

تعريف الوصية التحريرية

وهي: التي يتم فيها إنشاء فك ملك كتحرير قطعة من الأرض للمسجدية (۲۵) مثلاً. وهذا القسم كما سمي بالوصية التحريرية، (٢٥) سمى بالوصية الفكية (٢٦) أيضاً.

٣٠٩

دراسات مقارنة

تعریف الوصية الإبرائية

وهي الوصية التي يتم فيها إنشاء إبراء المدين. وكما هو معهود عند الفقهاء تعد الوصية بالإبراء داخلة في الوصية العهدية، وعليه فلا مجال ولا معقولية في جعلها قسماً خاصاً، غير أننا حسب تبنينا للمنطق الذي جاء به السيد الخوئي في مقام التفرقة بين العهدية والتملكية، لا يمكننا أن نعتبره من العهدية، ذلك أنه في العهدية لا يقوم الموصي نفسه بعمل، بل يطلب إنجاز غيره العمل، والموصي هنا هو يقوم نفسه بعمل إبراء المدين، فليس هو من العهدية التي تقوم على العهد إلى الغير بإنجاز عمل، وعليه فلا بد لنا إما أن نجعله قسماً خاصاً ملحقاً بالتمليكية، أو نعمل حسب الطريق الثالث الذي سيأتي.

تعريف الوصية الولائية

وهي الوصية التي يتم فيها إنشاء إعطاء الولاية على الأطفال أو الأموال إلى شخص. (۳) أن نرفع اليد عن التركيز على التقسيم الثنائي المعروف، ونبدله بتقسيم ثنائي آخر، وهو تقسيمه بالصورة التالية:

  • وصية الفعل وهي الوصية يطلب الموصي فيها إنجاز غيره بعد موته فعلاً، إنشائياً كان هذا الفعل أم غير إنشائي. وهذا القسم على أقسام: وهي: الوصية العهدية الخيرية والوصية العهدية البدنية والوصية الاستيجارية ( للصوم والصلاة والحج والوصية المعاوضية.

وصية النتيجة: وهي التي حقيقتها إنشاء ما تتبعه نتيجة تحصل بعد الموت، وهذا القسم ينقسم إلى أربعة أقسام التمليكية والتحريرية والإبراثية والولائية، ففي الأول تحصل الملكية للموصى له بعد الموت وفي الثاني تحصل التحريرية بعد موته، وفي الثالث تحصل براءة ذمة المديون بعد موته، وفي الرابعة تحصل الولاية بعد موته.

٣١٠

الثانية: تقسيمها على أساس حكمها الشرعي

تقسم الوصية على هذا الأساس إلى أقسام خمسة: المباحة وذلك كالوصية

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

لغني، المندوبة وذلك كالوصية لذوي الأرحام، المكروهة وذلك كالوصية لفقير أجنبي مع وجود قريب فقير، المحرمة. وذلك كالوصية بأمر حرم من قبل الشارع، الواجبة.

ويمكن تقسيم هذه الأخيرة إلى قسمين:

القسم الأول: الواجبة بالوجوب الغيري، وهي الوصية التي تتلعق بأمور يجب على الموصى الإتيان بها في حياته، غير أنه لم يوفق لأدائها، فإذا حضره الموت تجب الوصية بها مثلما كان على ذمته حق من حقوق الله تعالى كالزكوات والأخماس والكفارات والنذور، أو ما كان على ذمته من حقوق الناس كالديون مثلاً. وكما هو معلوم أن الوجوب في الأصل إنما هو لهذه الموارد، فأصبحت

الوصية بها واجبة من باب الوجوب الغيري.

القسم الثاني: الواجبة بالوجوب النفسي، وهذا القسم نفسه ينقسم إلى قسمين:

أ - ما ادعاه بعض فقهاء أهل السنة كحكم شرعي، وتوضيحه: أن فقهاء منهم ذهبوا إلى وجوب أصل الوصية نفسياً، مثل الزهري وداود وعطاء والشافعي في مذهبه القديم، وقالوا: إن الوصية واجبة ابتداء لجزء من المال فيما إذا كان الشخص قد ترك مالاً.

وهذا الرأي لا يقبله فقهاء الشيعة تماماً، كما لا يقبله الأكثر من علماء السنة وسيأتي البحث في دليلهم (٢٧).

ب - ما هو صناعة قانونية جاء بها قانون بعض الدول العربية، مثل مصر وسوريا في الأحوال الشخصية وسميت بالوصية الواجبة، وسنبحث عن هذا القسم في التقسيم الثاني، لارتباطه بذلك التقسيم أكثر.

الثالث: تقسيم الوصية على أساس تدخل التشريع القانوني

وقد قسمت من هذا الحيث إلى:

الوصية الاختيارية

الوصية الواجبة

۳۱۱

دراسات مقارنة

أما الوصية الاختيارية فهي: الوصية التي يحررها الموصي باختياره داخل الإطار المعتبر من قبل الشارع الأقدس. وسيتضح المقصود منها عند توضيح الوصية الواجبة.

تعريف الوصية الواجبة

إن تخصيص فصل للبحث عنه بشكل مستقل إنما هو أنها طرحت وذكرت في الأدبيات القانونية (٢٨)، فنقول هناك تعريفات وردت حولها، وهي ما يلي:

تلك الوصية التي تجب لأهل الطبقة الأولى من أولاد ابن الميت فيما إذا كان هذا الإبن قد مات قبل الشخص المورث أو بشكل مقارن لموته.

جزء من التركة يستحقه أبناء الإبن الذي مات قبل أبيه أو مقارنا مع موته.

نصيب من التركة يستحقه ويأخذه أولاد ولد الميت الذي مات قبل والده، ضمن ضوابط معينة.

وقد جاء في القانون السوري والأردني للأحوال الشخصية: : "من توفي وله أولاد ابن وقد مات ذلك الابن قبله أو معه وجب الأحفاده هؤلاء في ثلث تركته وصية (٢٩). (۲۹)

كما ورد في قانون الوصية المصرية: "إذا لم يوص الميت لفرع ولده الذي مات في حياته أو مات معه ولو حكماً بمثل ما كان يستحقه هذا الولد ميراثاً في

تركته لو كان حياً عند موته وجبت للفرع وصية بقدر هذا النصيب في حدود الثلث... وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة الأولى من أولاد البنات ولأولاد الأبناء من أولاد الظهور وإن نزلوا . (٣٠). (۳۰)

واختلاف القانون المصري مع غيره من القوانين التي تبنت الوصية الواجبة هو أنه اعتبرتها لأولاد البنات أيضاً بخلاف سائر القوانين، حيث اعتبرتها لأولاد الإبن فقط.

وعلى أي حال فإن إيجاب هذه الوصية عند من يعتقد بها مشروط بشروط: أولاً: عدم زيادته عن الثلث فإن زاد عنه فلهم - أي الأحفاد - الثلث فقط. ثانياً: عدم كون الحفيد وارثاً.

ثالثاً: عدم إعطاهم مقدار الوصية الواجبة في زمن حياته.

وإن هذه الوصية تمتلك شأناً بين الميراث والوصية، فهي ليست ميراثاً خاصاً،

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

۳۱۲

الوصية عقد أو إيقاع ؟

ولا وصية خالصة، بل هي تشترك مع الميراث من جهات، وتختلف عنها من جهات أخرى، كما تشترك مع الوصية من جهات، وتختلف عنها من جهات أخرى.

وإليك التفاصيل:

أ - وجوه اشتراكها مع الميراث:

۱ - مانعية القتل الحاصل عن عمد وعدوان بالنسبة إلى كليهما؛ فكما يمنع عن الميراث يمنع عن الوصية الواجبة.

تقسم الوصية الواجبة بقسمة الميراث عند التعدد.

٣ - إجبارية كل منهما.

ب - وجوه الاختلاف بينها وبين الميراث

۱ - يتم ثبوت الوصية الواجبة للفرع من باب التعويض عما فاته بموت أصله، بخلاف الميراث، حيث كان ثبوته من الابتداء ولا من باب التعويض.

٢ - إن الوصية الواجبة تنتفي فيما إذا أعطاه مقدارها الجد بدون عوض بخلاف الميراث.

  • إن الأصل في الميراث بحجب الفرع مطلقاً، أي: فرعه وفرع غيره بخلاف الأصل في الوصية الواجبة، حيث يحجب فرعه فقط دون فرع غيره.

ج - وجوه اشتراكها مع الوصية الاختيارية:

1 - عدم ثبوت وعدم نفوذ كل منهما إلا في حدود الثلث.

  • تقدم كل منهما على الميراث عند تقسيم التركة.

د - وجوه الاختلاف بنيها وبين الوصية الاختيارية

1 - إن الوصية الواجبة تتم بكل من إرادة الموصي عند إرادته، بخلاف الوصية الاختيارية، حيث لا تتم إلا بإرادته.

٢ - لا تثبت الوصية الواجبة إلا لقسم من الأقربين، في حين تثبت الوصية الاختيارية للأقربين وللأباعد.

۳۱۳

دراسات مقارنة

٣ - تنشأ الوصية الواجبة بعد الموت بحكم القانون فيما إذا مات الجد ولم يوص، بخلاف الوصية الاختيارية، حيث كان إنشاؤها في زمان حياة الموصى ومن جانبه.

ولا يخفى أن هذا القسم لا يقول به الكثير من الفقهاء من المذاهب ومنها فقهاء المذهب الإمامي وللبحث في ذلك مجال آخر.

هل الوصية عقد أو إيقاع ؟

ويتوجب قبل كل شيء الإشارة إلى أن محل البحث هنا ليس تمام أقسام الوصية، بل الوصية التمليكية فقط، فقد جرى هل أنها من العقود أو الإيقاعات؟

طرحت في الإجابة على هذا السؤال فروض، يوجد لأكثرها قائل بين الفقهاء،

وهي ما يلي:

إن قبول الموصى له يعد كجزء من الوصية؛ إما كجزء كاشف أو كجزء ناقل.

إن قبول الموصى له يعد كشرط لانتقال الملكية إلى الموصى له، إما بطريقة الشرط المتأخر الكاشف، أو بطريقة الشرط المتأخر الناقل.

إن قبول الموصى له يعد كجزء من السبب المملك والذي كان الجزء الآخر منه الوصية.

إن الدور لرد القبول، لا للقبول.

ليس للقبول ولا للرد أي دور، بل الملكية تحصل بشكل قاطع للموصى له.

يمكن إرجاع هذه الفروض أو الأقوال الخمسة إلى اتجاهين رئيسيين، هما:

الاتجاه القائل بثبوت الدور للقبول في الوصية.

الاتجاه القائل بعدم ثبوت أي دور للقبول.

الاتجاه القائل باعتبار القبول

وهذا القول لجمهور فقهاء أهل السنة، قال في المغني: "ولا يملك الموصى له

٣١٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

الوصية عقد أو إيقاع ؟

الوصية إلا بالقبول في قول جمهور الفقهاء...... كما هو قول مشهور فقهاء الإمامية.

(۳۲) قال في العروة: "وأما التمليكية فالمشهور على أنه يعتبر فيها القبول ... (٣٢ بل قد يدعى أن عليه اتفاق فقهاء الإمامية (٣٣)

وتندرج تحت هذا الاتجاه أقوال ثلاثة: القول بكون القبول كجزء من الوصية، والقول بكون القبول كشرط لانتقال الملكية، والقول يكون القبول كجزء من السبب المملك.

قبل دراسة الأقوال، ينبغي تناول الوجوه القابلة للذكر على أصل صحة الاتجاه أو نفيه، وبعد أن حصلنا على صحة الاتجاه، نبحث عن القول الصحيح المندرج تحته.

وجوه اعتبار القبول: لقد استدل لإثبات هذا الاتجاه (أي: القائل بلزوم حصول القبول من جانب الموصي له)، بوجوه، وهي ما يلي:

الوجه الأول: لو لم نحسب لقبوله اعتباراً فنقع في محذور الاعتراف بما لا يمكن قبوله، وهو صحة الملكية القهرية.

ويجاب عن ذلك بأن عدم صحة الملكية القهرية هل يقال به بلحاظ وجود مشكلة ثبوتية فيها، أم يقال به بلحاظ مواجهتها لمشكلة إثباتية؟ فلو ادعى وجود مشكلة ثبوتية فيها فجوابه: أن المشكلة الثبوتية - والتي تعني عدم إمكانية حصولها -

منتفية هنا، حيث نجد أن العقل لا يرى أي منع في حصولها، فلو كان في حصولها منع لما كانت تتحقق وتتمثل في الإرث، فإن وقوعها فيه دليل على إمكانية تحققها. ولو ادعي أن عدم صحة الملكية القهرية إنما بلحاظ مشكلة تتوفر في مرحلة إثباتها رغم إمكانيتها ثبوتاً، فنسأل ما هي هذه المشكلة؟ قد يقال: هناك وجهان يدلان على عدم مشروعية الملكية القهرية، وهما:

أولاً: الآية الكريمة وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (٣٤)

وتقريب الاستدلال بها: حصول الملكية القهرية لشخص ما يعني حصول شيء له من دون وقوع سعي منه في تحصيله، وهذا خلاف الآية.

٣١٥

دراسات مقارنة

وممن استدل بهذه الآية لإثبات المدعى الفقيه الحنفي أبو بكر الكاشاني في البدائع، قال: ولنا قوله تبارك وتعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فظاهره أن لا يكون للإنسان شي بدون سعيه فلو ثبت الملك للموصى له من غير قبول الثبت (۳۵) من غير سعيه وهذا منفي.

ويمكن أن يجاب عنه بجوابين:

أولاً: إن الآية في مقام وصف ما يواجهه الإنسان في دنياه وآخرته من أنه رهين عمله، لا تشريع أن الإنسان لا يمكنه أن يتملك كل ما لم يقع منه سعي لتحصيله، حتى نعتبر حصول الملكية القهرية في مثل الإرث من باب التخصيص للآية.

ثانياً: الوصية معتبرة فيما إذا تعلقت بالتصرفات المباحة للإنسان طيلة حياته.

فإن الوصية التمليكية يكون نفوذها مشروطاً بأن لا تكون خارجة عن التصرفات المتاحة للإنسان طيلة حياته، وبما أن إعطاء الملكية القهرية إلى إنسان آخر خارج عن تلك التصرفات فليس له أن يوصي بتمليك يتم بشكل قهري الموصى له ، لأنه طيلة حياته لم يكن له ذلك، فعليه، إن حصول الملكية للموصى له بحاجة إلى قبوله، حتى لا تكون من الملكية قهرية.

ويرده: أننا نسأل هل أن خروج الملكية القهرية عن التصرفات المتاحة للإنسان يدعى بلحاظ وجود مشكلة ثبوتية فيها، أو بلحاظ مشكلة إثباتية لها؟ فلو قيل: إن المشكلة في جانب الثبوت، كان جوابه: أن العقل كما أشرنا سابقاً لا يرى أي منع لا في تحقق الملكية القهرية ولا في التمليك بالملكية القهرية، وقد وقع كلاهما في الشرع، فالأول كالإرث؛ حيث إنه يتضمن الملكية القهرية بحكم من الشارع - والذي هو في الواقع تنفيذ للحكم العقلاني - والثاني في الوقت على مجموعة كالفقراء مثلاً، حيث إنه يتضمن التمليك بالملكية القهرية من جانب المالك، ولوكان كل منهما غير ممكن لما وقع في الشرع.

أما لو كان المقصود أن عدم صحة القول بالوصية التمليكية المجردة عن قبول

٣١٦

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

الموصي له إنما بلحاظ مشكلة اثباتية فيها بمعنى أن الوقف دل عليها الدليل في الشرع، وليس بأيدينا دليل على هذه، نقول في الجواب: أنها أيضاً يدل على اعتبارها دليل، وهو عموم أدلة نفوذ الوصية.

فالنتيجة: إن الملكية القهرية ليس فيها مشكلة ثبوتية ولا مشكلة إثباتية.

ولقد أجاد المحقق اليزدي حيث قال:

ودعوى أن حصول الملك قهرا ومن دون القبول لا وجه له، لا وجه لها، لعدم المانع له، كما في الوقف بالنسبة الى الطبقات المتأخرة ، وكما في الوصية للنوع ، ودعوى عدم كونها من التمليكية كما ترى (٣٦)

الوجه الثاني: لا مجال لنفي اعتبار القبول، لأن هذا النفي إنما يتم على أساس الرجوع إلى الأصل الذي هو عدم انتقال المال إلى الموصى له قبل القبول، ومعلوم أن هذا الأصل يصار إليه فيما إذا كان لأدلة الوصية إطلاق ينفى به اعتبار القبول (بمعنى أنه بعد نفي اعتباره نشك في انتقال المال فيقال بأن الأصل عدم انتقاله) مع أن هذا الإطلاق غير ثابت.

والجواب هو أنه سيأتي توضيح حول أن لأدلة الوصية إطلاق، ومعه لا يبقى مجال للتمسك بالأصل، فانتظر!

الوجه الثالث: ما قاله أبو بكر الكاشاني أيضاً من أن القول بثبوت الملك له من غیر قبوله يؤدى إلى الاضرار به من وجهين: أحدهما: أنه يلحقه ضرر المنة ولهذا توقف ثبوت الملك للموهوب له على قبوله، دفعا لضرر المنة، والثاني: أن الموصى به

قد يكون شيئا يتضرر به الموصى له.... فلو لزمه الملك من غير قبوله للحقه الضرر من غير التزامه والزام من له ولاية الالزام إذ ليس للموصى ولاية الزام الضرر فلا يلزمه بخلاف ملك الوارث لان اللزوم هناك بالزام من ولاية الالزام وهو الله تبارك وتعالى فلم يقف على القبول كسائر الأحكام التي تلزم بالزام الشرع ابتداء» (۳).

والجواب عن ذلك أنه لو كان لأدلة الوصية إطلاق، فهو دليل على تشريع

۳۱۷

دراسات مقارنة

الشارع لهذا الحكم، ومعه ترتفع المشكلة، ولا يخفي أنه في الأعم الأغلب ليس هناك أي إضرار به يحصل من هذا الحكم، بل فيه نفع له، ومتى حصل ينفى بحكم آخر من الشارع وهو لا ضرر.

دلائل عدم اعتبار القبول إلى هنا ثبت أن الوجوه التي ذكرت لإثبات اعتبار القبول، محل نقاش ورد، وفيما يلي دلائل على عدم اعتباره وهي خمسة أدلة:

الدليل الأول: أن القرآن عندما يطرح الوصية، لا يطرحها بصورة أمر مضطرب ومتزلزل، بل يطرحها بحيث ينعكس في ذهن الإنسان كأمر حاسم ومستقر؛ ويبيان آخر يتحدث عن الوصية بما يجعلها تتجلى كأمر له قوام واستقرار، وذلك في الآية الشريفة من بعد وصية يوصي بها أو دين ولو أردنا أن نصوغ ذلك في قالب أصولي، بإمكاننا القول: إن الآية تظهر في أن الإيصاء هو الذي

له الدور الوحيد في تكوين الوصية، من دون الإبتناء على القبول.

وقد حاول العلامة دفع ذلك عبر القول بما حاصله أن هذه الاستقرارية المستفادة لها من القرآن، إنما هي صفة وصية هي مقبولة شرعاً، وليست هي إلا الوصية التي لوحظ فيها قبول الموصى له.

ولقد أجاد في الجواب عنه صاحب الحدائق، حيث قال: «وجواب العلامة بحمل الآية على معنى وصية مقبولة، والوصية بدون القبول ليس كذلك، لا يخرج عن المصادرة، مضافاً إلى أن ما ذكره خلاف الظاهر، وارتكاب التقدير والتأويل فرع وجود الدليل على القبول (۳).

الدليل الثاني: إطلاق أدلة نفوذ الوصية وهذه الأدلة - سواء الآية التي سبق ذكرها أم الأخبار الواردة في الوصية - تدل على أن الوصية نافذة وأن المال ينتقل إلى الموصى له بشكل مطلق حصل القبول أم لم يحصل.

والذي يجعل هذا الإطلاق يتقوى في ذهن الفقيه، أن مثل الوصية ليس أمراً يتحقق بصورة نادرة وفي هامش حياة الإنسان، بل هي أمر يتكرر الابتلاء به بصورة عادية، ومع شدة هذا الابتلاء، نجد النصوص قد تركت الاستفصال عند القول

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

۳۱۸

الوصية عقد أو إيقاع ؟

بنفوذها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن لهذه الأدلة إطلاقاً بارزاً يستفاد منه عدم اعتبار القبول.

ولا يخفى عليك أن الدليل الثاني غير الأول، فلا تتصورهما واحداً.

لعل قائلاً يقول: لا شك أن الوصية يكون اعتبارها معلقاً على الموت، وعليه ان هذا الذي ذكر من كون الوصية يتكون كيانها يتحقق الإيصاء حسب ظاهر الآية مما لا يمكن قبوله، فكيف يستند به لنفي القبول ؟!

والجواب واضح عندما تلتفت إلى أن الآية في مقام النظر إلى الإرث والإرث، كما هو معلوم أمر لما بعد الموت، وهو نفسه قرينة على أن الوصية عندما تتصور كأمر يتكون كيانه وقوامه بالإيصاء، فإنه ليس ذلك يعني أنه يحصل فور الإيصاء، بل بعد الموت.

وعليه فنقول: كيف ينفى ثبوت الإطلاق الأدلة الوصية ؟! مع أنه ترك الاستفصال فيها رغم كون المسألة من المسائل الابتلائية المتكررة في حياة الناس ومع ثبوته لا تصل النوبة إلى الإصل.

وهذه الأدلة التي تعتبر لها الإطلاق هي - كما هو معلوم - عبارة عن آية الوصية كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين إلخ... وروايات متعددة وردت في الوصية.

وقد يقال: إننا نقبل أن الإطلاق موجود للروايات الواردة في الوصية، غير أن ثبوت هذا الإطلاق للآية الشريفة محل منع، وذلك لأن موردها خصوص الوصية إلى الوالدين والأقربين، إلا أنه يجاب عن ذلك - كما عن السيد المحقق الخوئي -

بأن هناك أمرين إثنين يمكن الاعتماد عليهما لإثبات عدم اختصاص هذه الآية بموردها، وهما: الاستثناء الوارد في الآية فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه [البقرة: ۱۸۲]، ذلك أن هذا الجنف الذي تتحدث الآية عنه، لا مجال له إطلاقاً بالنسبة إلى الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف

۳۱۹

دراسات مقارنة .

وعليه فإن الآية الكريمة غير مختصة بموردها. والآخر هو استدلال الأئمة (ع) بهذه الآية على نفوذ وصية الموصي في غير مورد الآية.

الدليل الثالث: بالالتفات إلى نقطتين يتبين عدم اعتبار القبول، وهي:

الأولى: أن الوصية ليست مما أسسه الشارع، بل كانت هي موجودة منذ القديم، كما عليه شواهد ودلائل متظافرة تاريخية.

الثانية: كل مقولة لم تكن تأسيسية للشارع، وكان للعقلاء فيها مرتكز، فانه يحمل كلام الشارع الوارد في تلك المقولة عليه، فيما إذا لم يكن كلامه هذا لا صريحاً في خلافه ولا معه قرينة تدل على كون نظره على خلافه، وتوضيح ذلك أن الشارع عندما يخاطب الناس في مقولات تتضمن مرتكزات عقلائية، بكلام عار عن قرينة تدل على كون نظره غير منطبق مع الذي للعقلاء، فيما أن الناس يواجهون هذا الكلام من منطلق مرتكزهم - الذي يوجد لهم في هذه المقولة - فلو كان للشارع نظر على خلاف هذا المرتكز، فعليه أن يفهمهم من طريق صريح أو قرينة مفهمة، وإذا لم يستفد من مثل هذا الطريق، فيعلم أنه لم يكن له نظر على خلاف المرتكز، فمثلاً لو قال الشارع الماء مطهر، فان كلامه هذا ورد في مقولة للعقلاء فيها ارتكاز وهو أن المطهرية إنما هي للمياه المطلقة لا لمثل الماء المأخوذ من الفواكه، فلو كان نظر الشارع مثلاً أن المياه المأخوذه من الفواكه مطهرة، لا يمكنه لإبداء نظره هذا، الاعتماد على الإطلاق بمعنى أن يحتج على الناس بأن كلامه الماء المطهر) كان مطلقاً يشمل حتى ماء الفاكهة، حيث إن الناس يواجهون كلامه في إطار مرتكزاتهم، والشارع الذي يعلم ذلك، عليه أن يعتمد على قرينة يدفع الناس عن استقرار مثل هذا الفهم، وإذا لم يعتمد عليه، فيعلم أن نظره نفس ما للناس من مرتكز.

إذا قبلنا ذلك، فنقول: إننا إما نرى أن هناك ارتكازاً على عدم اعتبار القبول كما لا يبعد ذلك - فهو، وإما أن نرى على الأقل أنه ليس للعقلاء مرتكز في أن الوصية المتضمنة لتمليك مال لشخص لا تستقر إلا بقبول ذلك الشخص - على غرار ارتكازهم في عدم استقرار التمليك الواقع من قبل البائع في البيع إلا بقبول

٣٢٠

الفقه المقارن - العددان (٥٤) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤م

الوصية عقد أو إيقاع ؟

المشتري - وإلا لكان لظهر في القوانين البشرية المتعلقة بالوصية، ولم يظهر ذلك، وعليه فيثبت المدعى الذي هو عدم ابتناء استقرار الوصية على القبول، حيث إن اعتباره لا بد إما أن يثبت على أساس وجود ارتكاز للعقلاء على الاعتبار، حتى تحمل نصوص الشارع الواردة في الوصية عليه، وهو حسب الفرض مفقود، وإما أن ورد نص من الشارع نفسه يدل على اعتباره، وهو مفقود - كما هو معلوم - فمن أين نثبت اعتباره ؟! بل الأمر أكثر من ذلك، حيث إنه ليس الأمر فقط عدم وجود نص من الشارع عليه، بل هناك اطلاق النصوصه تقتضي عدم اعتباره كما مر

الدليل الرابع: أنه بالرجوع إلى القرآن نجد أن آية الوصية جائت في سياق آيات الإرث (٤٠)، وهذا السياق يدل على أن الوصية محكومة بما كان سائداً كحالة على الإرث، وهي حالة الاستقرارية، حيث إن الإرث أمر مستقر وحاسم يحصل بمجرد الموت، وببيان آخر فان الوصية والإرث قد تما في هذه الآيات في سياق واحد، وهذا السياق الواحد هو التعلق بالتركة، فكما يتمتع الإرث بحصول الملكية القهرية به فكذلك الوصية حسب هذا السياق.

ولو أبيت عن قبول ذلك، فلا محيص عن قبوله كقرينة تدل على المدعى.

قال صاحب الحدائق في المسألة:

أنت خبير بأن المسألة غير منصوصة، ولهذا صارت محل الاشكال ومطرحاً للقيل والقال...... مع أنهم لم يوردوا له دليلا شرعيا، ولا نصا مرعيا، وإنما عللوه بعلل اعتبارية، وقد تتبعت ما حضرني من النصوص فلم أقف فيها على ما يدل على هذا الشرط، وأنه لا تصح الوصية إلا به، وربما ظهر من اطلاق كثير منها عدمه.... إذ لا إشارة في شيء منها إلى اشتراط القبول من الموصى له كما ادعوه، وأطلاقها كما ترى شامل لما لو كان ثمة قبول أو لم يكن، وعدم الاستفصال دليل العموم في المقال (٤١).

الدليل الخامس: رواية محمد بن قيس وهي ما رواه عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أوصي لآخر والموصى له

۳۲۱

دراسات مقارنة

غائب، فتوفي الذي أوصى له قبل الموصي، قال: الوصية لوارث الذي أوصى له، قال ومن أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا، فتوفي الموصي له قبل الموصي، فالوصية لوارث الذي أوصي له إلا أن يرجع في وصيته قبل موته» (٢).

وتقريب الاستدلال بها هو أن الرواية وإن كان موردها ما إذا مات الموصى له في حياة الموصي، غير أنها مع ذلك تدل على أنه يحصل الانتقال إلى الموصى له بمجرد الوصية، انتقالاً متزلزلاً لا ينتهي هذا التزلزل إلا بموت الموصي، وعليه فالذي يورث حسب هذا الحديث، هو الوصية، فلو كان القبول دخيلاً، لما استقام هذا الحكم، فالحديث يستفاد منه عدم اعتبار القبول.

هذا ولكن بعض الفقهاء فسروا هذا الحديث بصورة أخرى، قالوا إن الذي يدل على انتقال هذا الحديث ليس هو الوصية، بل هو حق القبول، ذلك انطلاقاً من تقدير مضاف في كلام الإمام، وهذا المضاف هو كلمة قبول، وعليه فكلام الإمام (فالوصية لوارث الذي أوصي له تقديره هكذا فقبول الوصية لوارث الخ) ألا أن هذا التقدير خلاف الظاهر، نعم لو كان هناك تدل رواية اخرى على اعتبار القبول، أمكن الجمع بينها وبين هذه الرواية باعتبار تقدير هكذا، ولكن المشكلة عدم وجود هكذا رواية فليس من المعقول استفادة اعتبار القبول من هذا الحديث عبر اعتبار تقدير له!

أي قول صحيح على فرض قبول اعتبار القبول؟

قد وصلنا إلى عدم اعتبار القبول، والسؤال أنه لو تنزلنا وسلمنا باعتباره فأي قول من الأقوال المندرجة تحت هذا الاتجاه صحيح؟ وفيما يلي ذكر لكل منها مع وجوهه

الأول: القول بكونه جزء من العقد

وقد نسب هذا القول إلى المشهور من الإمامية (٤٣). أما جمهور أهل السنة، فهم لم يدخلوا - كما يظهر من كتبهم - في هذا البحث، نعم هناك رأي غير المشهور للإمام الشافعي وهو "أن الوصية تملك بالموت ويحكم بذلك قبل القبول (٤٤) وهذا القول يتلائم مع عدم كون القبول جزء كما يتلائم مع كونه جزء كاشفاً:

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

۳۲۲

والقائلون بهذا القول ينقسمون إلى طائفتين

من ذهب إلى كونه جزءاً ناقلاً.

من ذهب إلى كونه جزء كاشفاً.

الوصية عقد أو إيقاع ؟

ولا يخفى كما قبل ويقال: إن ذهاب المشهور إلى اعتبار القبول كجزء من الوصية قد تم بالنسبة إلى أحد قسمي الوصية التمليكية، وهو تلك الوصية التي كان الإيصاء فيها متوجها إلى التمليك للشخص كزيد مثلاً لا إلى النوع كالفقراء، ولازم ذلك أن الوصية في نظرهم تعد من العقود في قسم، وهو ما إذا توجه الإيصاء بالتمليك إلى الشخص ومن الإيقاعات في قسم آخر، وهو ما إذا توجه إلى النوع.

مناقشة هذا القول: وقد ناقش السيد المحقق الخوئي هذا القول بما حاصله مع تغيير منا في الصياغة: أن هذا القول يواجه مشكلة ثبوتية وإثباتية، أما مشكلته الثبوتية فهي أننا لو قبلنا أن العقد عبارة عن وجود التزامين يضم ويربط أحدهما بالآخر، فإن هذا الضم والربط غير ممكن في الوصية، حيث إن الضم والربط فرع كون الالتزامين مقرونين زماناً، ومعلوم أن التزام الموصى لا يبقى بعد موته حتى يحصل الاقتران بينه وبين التزام الموصى له المتجسد في قبوله) من حيث الزمن حتى يضم إليه ويُربط به وعليه فاعتبار الوصية عقداً غير ممكن ثبوتاً.

وهذه المشكلة الثبوتية يواجهها كل من شقي هذا القول (أي: اعتباره كجزء ناقل، واعتباره كجزء كاشف، وأما مشكلته الإثباتية فلكل من الشقين مشكلة إثباتية خاصة به، وفيما يلي ذكر لمشكلة كل من الشقين:

أما المشكلة الإثباتية التي يواجهها القول بكونه جزء ناقلاً، فهي عدم شمول أدلة الوفاء بالعقد له، ذلك أن الذي يجب أن يحصل في مقام الإثبات، هو أن يتعلق ويتوجه دليل الوفاء إلى نفس ما قصده الموصي، مع أنه ليس كذلك، بل الذي نشاهده هو تغاير قد حصل بين الذي هو المنشأ للموصي ( وهو الملكية بعد الموت) وبين الذي هو المدعى أنه الممضى من قبل الشارع (وهو الملكية بعد

دراسات مقارنة

القبول وبتعبير آخر هناك مقدمتان يتجلى بالالتفات إليهما أن المقام مبتلى بمشكلة إثباتية، أما المقدمة الأولى فهى أن مشروعية كل عقد متوقفة على أن يكون المنشأ فيه متحداً مع الممضى، وأما المقدمة الثانية فهي أن هذا العنصر ، أي: اتحاد المنشأ والممضى، غير متوفر في مفروض المقام.

إن قيل: إن المقدمة الأولى لزوم اتحاد الممضى والمنشأ) مما لا يمكن قبوله، بدليل انه لو تبنينا لزوم هذا الاتحاد، لما لبست أي معاملة لباس المشروعية، وذلك لوصفين لا تخلو أي معاملة عن الاتصاف بهما، وهما: أولاً: وجود فاصل زماني بين الإيجاب والقبول، وإن كان هذا الفاصل في غير الوصية قليلاً ، وهو فيها طائل، وثانياً: أنه انطلاقاً من وجود الوصف الأول (أي: وجود الفاصل الزماني بين الإيجاب والقبول لا توجد أي معاملة إلا أن المنشأ فيها هو الملكية في زمان الإنشاء، ومعه يلزم عدم اتحاد المنشأ مع الممضى، حيث إن الممضى هو الملكية بعد القبول، وعليه فلا بد من القول بعدم مشروعية كل المعاملات

يقال في الجواب: إن مشكلة عدم الاتحاد بين المنشأ والممضى في الوصية لا تنشأ من وجود الفاصل الزماني حتى يقال: إنه موجود في كل معاملة، بل المشكلة تنشأ من لحاظ زمان خاص في الوصية تكون الملكية المنشأة مقيدة به، وهو زمان الموت فهناك أزمان ثلاثة زمان الإنشاء (الإيجاب)، وهو ما كان في حياة الموصي، وزمان القبول، وهو ما يتأخر عن الموت، وبين هذين الزمانين يقع الحين الذي يقع فيه الموت والموصي يلاحظ هذا الزمان كما هو معلوم، ولا يلاحظه إلا كقيد المنشئه، ومنشأه هو الملكية، وبتعبير آخر تنشأ الملكية للموصى له من حين الموت، وإذا كان المنشأ هذا، يختلف عنه الممضى الذي هو وقوع الملكية بعد القبول، وهذا بخلاف ما يحصل في البيع مثلاً، فإن المنشأ فيه ليس هو ملكية مقيدة بالزمان، بل هي على تقدير القبول انطلاقاً من أنه مبادلة مال بمال، والتي هي حقيقة كونه معاملة تقع بينهما عن تراض.

أما المشكلة الإثباتية التي يواجهها القول بكاشفية القبول كجزء من العقد (والتي تكون بمعنى كشف القبول عن حصول الملكية من حين الموت) فهي أولاً:

٣٢٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) المسنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

الإشكالية التي في إمكانه وصدق العقد عليه، وثانياً: إشكالية خروج ذلك عن المعهود العقلائي، بمعنى أن كون دور جزء العقد هو الكشف عن حصول الأثر في مرحلة ما قبل تحقق هذا الجزء، خروج عن الذي هو المعهود المرتكز في الأذهان حول العقود من أن الأثر يحصل بعد القبول، لا قبله (٤٥)

مناقشة كلام السيد الخوئي

إن ما قاله يتضمن ثلاث نقاط، إثنتان منها محل نقاش، والثالثة منها مقبولة.

أما النقطة المقبولة في كلامه فهي ما طرحه من المشكلة الإثباتية في القول بكونه جزء ناقلاً.

وأما النقطة المخدوشة الأولى، فهي ما قاله من وجود مشكلة ثبوتية في القول بجزئية القبول، والدليل على عدم صحة ما قاله، هو أننا إذا قبلنا أن العقد أمر اعتباري، وقبلنا أن الأمر الاعتباري لا تحكمه القوانين المتعلقة بالأمور المادية الحقيقية، فلا بد أن نقبل أنه لا معنى للذهاب إلى عدم إمكانية عملية الضم والربط بين أمرين اعتباريين بدليل عدم التقارن الزمني، فان الذي يتسبب عن عدم التقارن الزمني هو عملية الربط والضم بين الأمرين الماديين، لا إقامة هذه العملية بين اعتباريين، فالقول بجزئية القبول لا يواجه مشكلة في مرحلة الثبوت التي يركز فيها على الإمكانية وعدم الإمكانية.

وأما النقطة المخدوشة الثانية: فهي ما قاله من وجود إشكالين في القول بكاشفية القبول كجزء من العقد عن حصول الملكية من حين الموت، أما إشكاله الأول فيرد عليه أنه ليس إشكالاً إثباتياً، كما يظهر منه، بل هو إشكال ثبوتي متوجه إلى نفي إمكانية وقوعه كعقد له معنى خاص في العرف العقلائي، وأما إشكاله الثاني فهو نفس الإشكال الأول كما هو معلوم، حيث إن نفي صدق العقد عليه إنما يكون بلحاظ كونه بهذا المعنى خارجاً عن الذي هو المعهود المرتكز في الأذهان حول العقود من حصول الأثر بعد القبول، لا قبله. هذا ولكن أصل إشكاله - والذي جعله إشكالين - في محله.

٣٢٥

دراسات مقارنة

القول الثاني: أن قبول الموصى له يعد كشرط لانتقال الملكية إلى الموصى له، إما بطريقة الشرط المتأخر الكاشف (٤٦) أو بطريقة الشرط المتأخر الناقل (٤٧). ولازم ذلك أن الوصية تسبب حصول ملكية متزلزلة يبقى هذا التزلزل إلى الحين الذي يحصل فيه الشرط وهو القبول، فإذا صدر منه القبول تستقر الملكية.

وكما هو معلوم يستلزم هذا القول القول بكون الوصية من الإيقاعات.

وقد ناقش السيد الخوئي الشق القائل بكونه ناقلاً بأنه مضافا إلى عدم الدليل عليه، أن أنه مخالف لأدلة الوفاء بالعقد، حيث إن المنشأ والممضى فيه غير متحد، أي نفس ذلك الإشكال الذي طرحه على اعتبار كونه جزء ناقلاً.

كما ناقش الشق القائل بكونه كاشفاً بأنه وإن كان ممكنا ولم يكن ينافيه دليل الامضاء فإن الانشاء متعلق بالملكية بعد الموت وبالقبول يحكم بها فيكون من الشرط المتأخر لا محالة ، إلا أنه يحتاج إلى الدليل في مقام الاثبات.

مناقشة كلام السيد الخوئي

إن ما قاله ( من أن ذلك مخالف لأدلة الوفاء بالعقد مخدوش كما هو واضح فانه حسب القول بشرطيته لا يكون عقداً حتى نستشكل عليه بأنه مخالف لدليل العقد! وأما ما قاله من عدم الدليل على كونه شرطاً ناقلاً أو كاشفاً فهو صحيح وفي محله.

القول الثالث: أن قبول الموصي له يعد كجزء من السبب المملك والذي كان الجزء الآخر منه الوصية، وهذا قول الإمام الخميني (٤٨)

والفرق بينه وبين القول الثاني أن الملكية حسب القول الثاني تحصل بصورة متزلزلة بمجرد موت الموصي، بخلاف هذا القول الثالث، فإنه يقتضي حصول وضعين إثنين، أحدهما بات والآخر أمر لا يكتمل إلا بالقبول، أما الأول، فهو تلك الأحكام التي شرعها الإسلام للوصية مثل الحكم بحرمة التبديل، فإنها بمجرد الوصية يتحقق موضوعها، وأما الثاني: فهو تملك الموصى له للمال، فإنه متوقف على قبوله، قال الإمام

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

٣٢٦

الوصية عقد أو إيقاع ؟

الخميني والذي هو القائل بهذا القول: «الظاهر أن تحقق الوصية وترتب الأحكام عليها من حرمة التبديل وغيرها لا يتوقف على القبول لكن تملك الموصى له متوقف عليه، فلا يتملك قهرا فالوصية من الإيقاعات لكنها جزء سبب الحصول الملك للموصى له (٤٩).

وعلى أي حال فإن الأمر الثاني، أي الملكية لا تحصل بموت الموصى ولو بصورة متزلزلة: انطلاقاً من أن الوصية تمثل أحد جزئي السبب فحسب، فلابد من حصول الجزء الآخر منه - أي: القبول - حتى يكتمل السبب بكلا جزئية، فتحصل الملكية به.

وكما هو معلوم يتبنى هذا القول أن الوصية من الإيقاعات.

وكما ترى إن هذا القول جمع بين الدليلين وهما: دليل نفوذ الوصية الذي له الدلالة على كون الوصية وأحكامها من حرمة تبديلها و..... تتحقق من دون توقفها على القبول، والدليل القائل بعدم تحقق الملكية القهرية.

مناقشة هذا القول

إن الشرع عند ما أعطى حكمه البات للوصية من تحققها، فما ذا يعني هذا التحقق هل التحقق غير المتوقف على القبول له معنى غير ما يفهمه العرف من لزوم حصول الملكية للموصى له من دون قبوله؟ فلو كان الشارع يريد معنى غير ذلك فعليه أن يبرزه بطريق يعلم منه أنه كان قد قصده، ومن جهة أخرى إن تبني عدم الملكية القهرية، لو كان بمعنى أنه لا يمكن ذلك أصلاً ، فجوابه أنها قد وقعت في الشرع في مثل الإرث، ولو كان المقصود أنه يمكن أن تقع ولكن وقوعها منوط بوجود دليل عليها، فنقول إن إطلاقات الشرع في نفوذ الوصية بل الأدبيات الباتة التي استخدمها في مجال تحقق الوصية خير دليل على ذلك.

إلى هنا ثبت أنه لا اعتبار للاتجاه الأول، رغم أنه هو رأي الأكثرية من الفقهاء. ولقد أجاد المحقق اليزدي في قوله: والانصاف أن كون الوصية مطلقاً من

۳۲۷

دراسات مقارنة .

الايقاعات أوفق بالقواعد ، وإن كان مخالفاً للمشهور بل الاتفاق، إلا أن مثل هذا

الاتفاق لا يثمر شيئا.....

الاتجاه الثاني: الاتجاه القائل بعدم اعتبار القبول:

وهذا الاتجاه يذهب إلى أنه ليس للقبول أي دور من الأساس لا كجزء من الوصية ولا كجزء من السبب المملك ولا كشرط لانتقال الملكية. ويندرج تحته قولان القول بمانعية الرد، والقول بعدم مانعيته. ويبدو أن هذا الاتجاه هو الصحيح بعد أن أبطلنا الاتجاه الأول، إلى هنا لا غبار عليه، غير أن هناك بحثاً حول مانعية الرد في نفس الوقت الذي نعتقد بعدم اعتبار القبول والمقصود من المانعية هي مبطلية الرد للوصية على

فرض حصوله، أي: الرد (٥٠).

والفرق بين هذا القول والأقوال السابقة المندرجة تحت الاتجاه الأول أنه حسب هذا القول تحصل الملكية للموصى له بصورة غير متزلزلة أو على الأقل بصورة متزلزلة كانت درجة التزلزل فيها خفيفة وخافية جداً، بخلاف الأقوال السابقة، حيث إن الملكية حسب القولين منها - وهما الأول والثالث لا تحصل أصلاً إلا بعد أن يصدر القبول من قبل الموصى له، إما كجزء من الوصية (وهو في القول الأول أو كجزء من السبب المملك (وهو في القول الثالث)، في حين أن المكلية حسب القول الثاني تحصل بصورة متزلزلة هي بارزة وظاهرة جداً من حيث درجتها.

مناقشة القول بمانعية الرد

هناك مجالان قابلان للطرح

أولاً: ما هو الملاك في إتيان الرد كأمر مبطل للوصية؟ فنقول في ذلك: أن الرد يأتي حسب هذا المبنى كمانع، والمانع يأتي دائماً بعد حصول المقتضي وعليه فإنه لا مجال للرد قبل موت الموصي؛ لأنه لم يتحقق المقتضي للملكية، حيث إن الموت هو الذي يجعل إنشاء الوصية مقتضياً للملكية.

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

۳۲۸

الوصية عقد أو إيقاع ؟

إذا فإذا كان الرد قد وقع في هذه الحالة فله المانعية، أما الرد الذي يحصل في زمن حياة الموصي فليس من المعقول إعطاء اعتبار له بعنوان المانعية، فإنه يمنع عن أي شيء.

ومن هنا يبدو الفرق بين مكانه الرد قبل حصول الموت حسب المبنى الأول القائل بالعقدية، ومكانتها حسب المبنى الثاني القائل بعدم العقدية، فإنه يكون قاطعاً لاتصال القبول بالإيجاب حسب الأول، بينما أنه حسب المبنى الثاني لا يتصور له مثل هذا الأمر، حيث لم تعتبرها عقداً حتى يكون هناك إيجاب، فيلعب الرد دور العامل الذي يقطع بينهما، بل هنا لا بد أن يلعب دور المانع الذي يقطع بينها، كما أن المقتضي لم يحصل بعد.

لا يقال: إن المقتضي هنا تكون من جزئين، هما إنشاء الوصية، وموت الموصي.. والمانع كما يمكنه أن يحصل بعد اكتمال الجزئين فيمنع عن تأثيره، فكذلك يمكنه أن يجعل بعد حصول الجزء الأول فيمنع عن تأثيره كجزء من الجزئين، ونتيجة منه هذا أن الجزء الثاني إذا حصل لا يملك أي تأثير، حيث إن تأثيره إنما هو من خلال صيرورته ضميمة للجزء الأول، وذلك من جهة أن المفروض كون المقتضي متكوناً من جزئين يضم أحدهما للآخر. والفرق بين المانع الذي يحصل بعد حصول تمام المقتضي مع المانع الحاصل بعد حصول جزء من الجزئين المكونين للمقتضي: أن الأول يمنع عن تأثير المقتضي بينما الثاني يمنع عن حصوله، فلا حصل حتى يؤثره ففي الأول يحصل المقتضي، ولكن لا يؤثر؛ لوجود المانع، وفي الثاني لا يحصل إلى وقوعه في مرحلة التأثير؛ لعدم حصوله بعد، ومثله أقوى من المانع عن التأثير.

فإنه يقال: هذا صحيح ومضبوط فيما إذا تصور المقتضي والمانع في الأمور التكونية، ولكنهما لو صوراً من قضية اعتبارية مثل الذي نحن فيه فلا بد من النظر إلى الاعتبار وما ينعكس وينطبع فيه لدى المعتبرين العقلاء.

وبالإمكان أن يقال: إن العقلاء لا يرون للرد دوراً في المنع إلا فيما إذا حصل

۳۲۹

دراسات مقارنة

الموت، فواجه الموصى له لملكية متوجهة إليه كانت على مستوى الملكية الاقتضائية، أما قبل موت الموصي فلا يرون المقام مقام الرد أو القبول، فليست هناك ملكية حتى على مستوى الاقتضاء لكي يأتي الرد ويلعب دوره في تأثير المقتضي النهائي. وعليه فليس هناك مقتض لدى العقلاء قبل حصول الموت.

وبما أن العقلاء لا يحللون ولا يفككون المقتضي إلى مرحلتين: مرحلة حصول جزء منه وهو الإنشاء، ومرحلة حصول تمام المقتضي وهو ما يقع بعد الموت، فلا يبقى مجال للبحث عن تأثير الرد في المنع عن حصول المقتضي فيما إذا حصل هذا الرد قبل الموت.

وعلى أي حال، فمقام الاعتبار يختلف عن مقام التكوين، فإن التكوين تسوده قوانين لا يمكن ولا يصح القول بمجيئها لقضايا اعتبارية.. فمثلاً : إذا اكتمل المقتضي في الأمور التكوينية فجاء المانع فإنه وإن كان يمنعه عن التأثير غير أن المقتضي لا يزال باقياً على كونه مقتضياً، فلا يزول تكويناً، في حين أر الذي نشاهده هنا أن الرد والذي نراه ونعتبره مانعاً - إذا حصل بعد موت الموصي فإنه يؤثر لا فقط في منع الوصية في إيجاد الملكية للموصى له بل في إبطال الوصية من أصلها، وليس هذا إلا لما للعقلاء أو الشرع من وجود هذا الاعتبار، أي: اعتبار بطلان الوصية.

ولو كان القانون السائد على التكوين سائداً هنا أيضاً لكان من اللازم أن تبقى الوصية باقية على اعتبارها كمقتضي، بمعنى أنه لو رد ابتداء ثم قام بالقبول بعد الرد لكان من الواجب أن تنفذ الوصية، فتحصل الملكية للموصى له انطلاقاً من حصول قاعدة (وجود المقتضي وفقدان المانع).

إن قيل: إن قضية تطبيق قاعدة الحكم بتأثير المقتضي فيما إذا كان المنع مفقوداً مما توجد ملامحة في الفقه والأصول على مستوى بارزة، وقد بلغ ذلك إلى حد دخلت هذه القضية في الأدبيات الفقهية القوية، فكيف ينكر هنا المشي على أساسها ؟! ومما يدل على أن المشي كان وفقاً لهذه القاعدة ذهابهم إلى تأسيس قاعد أخرى الموارد الشك في وجود المانع، فقالوا: إنه لو أحرز وجود المقتضي وشك

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

في وجود المانع عن تأثيره يحكم بتأثيره وعدم الاعتناء بالشك في وجوده، كما إذا علمنا ملاقاة النجاسة مع الماء - والتي هي تقتضي نجاسة ذلك الماء - ولم يمنع مانع عن تأثير هذا المقتضي، ولكننا شككنا في المانع - وهو كون الماء كراً - فيحكم بعدم المانع، فيعتبر الماء نجساً (٥١).

فإنه يقال في الجواب: إن القواعد والقوانين المطبقة على الأمور الكونية والتكوينية قد تم المشي على أساسها في الأمور الاعتبارية ولكن نوضح ذلك نقول: هناك بحث لدى الأصوليين والفقهاء حول إعمال هذه القوانين في الفقه والأصول، فظهر اتجاهان کبیران

الاتجاه الأول: نفي أي إعمال لهذه القواعد والقوانين. وأصحاب هذا الاتجاه كثيرون، وقد انتشر هذا الاتجاه في كلماتهم في الفقه والأصول عندما واجهوا إعمالها من قبل البعض، فقالوا: هذه قواعد عقلية لا سبيل لها إلى الأمور الاعتبارية.

الاتجاه الثاني: قبول إعمالها في الفقه والأصول، وقد نجد الكثير منهم يكثرون من إعمالها، سيما في علم الأصول، وقد بلغ هذا الأمر بهم إلى حد حاولوا فيه معالجة الكثير من القضايا عن طريق إعمال الدقة العقلية واللجوء إلى القواعد الفلسفية.

فما هي الحقيقة إزاء هذه المقولة، وأي اتجاه من الاتجاهين هو المختار؟

الذي يجعل هذه القضية أشد تعقيداً هو أن الكثير ممن تعودوا استخدام الأدبيات الفلسفية بل وإعمال القواعد العقلية قد يتخذون مواقف حاسمة ضد ظاهرة اللجوء إلى الفلسفة.

ولعل هذا التشويش ينشأ من التشويش الموجود حول أصل قضية إعمال القواعد العقلية في الفقه والأصول، بمعنى أنه لم يتم بحث دقيق في هذه المسألة. ويمكن حل هذه القضية بالذهاب إلى التفصيل بين مجالين، وهما:

أن ما يكون مصباً للاعتبار، فليس للقواعد العقلية في مثله مجال أصلاً، بل زمام أمره بيد ما يعتبره المعبر، ومن أراد في مثل هذا المجال معالجة وتحليل القضايا والأمور في اللجوء والرجوع إلى القواعد العقلية فإنه بالقدر

دراسات مقارنة

الذي يعمل تلك القواعد يبعتد عن الواقع الذي هو ما اعتبره المعتر، أي: الشارع.

ب ما يكون كمقدمات تنتهي إلى حصول الاعتبار، وهذا المجال يمكن بل يتوجب علينا فيه أن نستخدم ونعمل القواعد العقلية، وليس ذلك إلا لأن هذه المقدمات هي أمور كونية وتكوينية؛ لأننا لا نتكلم في هذا المجال عن الذي اعتبره المعتبر أو عن حدود وقيود اعتباره، بل نتكلم عن أصل حصول الاعتبار، وهو كما هو واضح أمر تكويني، ففرق بين أصل حصوله ومحتواه. فعندما يقوم شخص باعتبار فهذا الذي يحصل منه نفسه أمر تكويني؛ لأنه قبل أن يقوم بهذا الاعتبار لا وجود له من عالم الكون والواقع، فإذا قام به لبس لباس الوجود، في حين أن الذي يشكل محتوى لاعتباره هذا هو أمر غير تكويني.

ومثال هذه المقدمات التي يمكن للأصول أن يتحرك في إطار القواعد الفلسفية لحلها ومعالجتها والكشف عنها قضية الإرادة والكراهة، فإنه بالإمكان أن نعمل حول هذه القضية قاعدة اجتماع الضدين، فننطلق من هذه القاعدة إلى استحالة اعتبار حكمي الوجوب والحرمة معاً من ناحية شخص واحد، فالوجوب والحرمة وإن كانا أمرين اعتباريين، غير أن اعتبارهما معاً لابد وأن يحصل لشخص فيما إذا حصل لديه المبدأن المضادان، وهما الكراهة والإرادة، فالأصولي كي يركز على أصل حصول الاعتبار كأمر تكويني عليه أن يتخذ موقفاً على أساس قاعدة عقلية.

ويمكن أن نمثل لاستخدام بعض التحليلات العقلية في تعيين وحسم الحكم الشرعي الذ هو من الاعتباريات محاولة البعض لإثبات وجوب دفع المنكر من خلال إثبات أن حقيقة النهي عن المنكر هي الدفع لا الرفع (٥٢).

فمثلاً: إنه لو بدأ شخص ما بشرب الخمر فالجرعة الأولى التي شربها لا معنى الزجره عنها، فإن ما تم عمله كيف يزجر الشخص عنه ؟! فالنهي عن المنكر إنما يعقل بالنسبة إلى ما لم يشربه بعد، ومعلوم أن الزجر عما لم يشربه بعد هو ليس إلا

۳۳۲

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

الوصية عقد أو إيقاع ؟

الدفع لا الرفع. وإذا كانت حقيقة النهي عن المنكر هي الدفع فيستفاد من أدلته وجوب دفع الأشخاص عن المنكرات قبل بدئهم بها.

غير أن بعضهم ناقشوا في مثل هذه المحاولة بأن حقيقة النهي - والذي أصبح موضوعاً لدليل النهي عن المنكر - ليست إلا ما يتم ويتحدد في إطار عرفي، وعليه فإنه يعني ما بدأ بمعصيته ما لا بد على الكل كواجب كفائي زجره عن هذه المعصية التي بدأ بها، فإن هذا الرجر وإن كان يرجع في تحليل عقلي إلى دفعه عما بقي من المعصية، غير أنه ليس من المعقول والصحيح أن نقول: لما كان مرجع هذا الزجر إلى الدفع، فنستفيد من ذلك أن موضوع دليل النهي عن المنكر هو الدفع فندعي انطلاقاً من ذلك أن علينا دفع كل من لم يبدأ بالمعصية عنها بأن نجيره على ذلك، وهذا من موارد استخدام التحليل العقلي في تعيين متعلق الاعتبار الشرعي.

إن قيل: لو كان الأمر كذلك فلماذا يركز كثيراً في الفقه والأصول على العقل والعقلاء، فإنه من خلال هذا التركيز يتحدد ويتعين متعلق الاعتبار الشرعي ؟

قلنا:

أولاً: هناك فرق بين العقل والعقلاء، فإن العقلاء تكون أحكامهم في الكثير من الأحيان من سنخ وجنس الأمور الاعتبارية، حيث إنهم ينطلقون من الواقع المعاش في الحياة الفردية والاجتماعية، فيقولون بأحكام في هذا الإطار، فربما يوجد في أحكامهم ومرتكزاتهم شيء من التسامح، وهذا يعني أنهم يراعون مقام الاعتبار وقواعده وقوانينه، وبذلك يتبعدون هم عن التدقيقات العقلية، وأما العقل فهو لا يستخدم حكمه في تعيين المتعلّق الشرعي إلا في باب واحد، وهو ما إذا كان مجالاً لقاعدة الملازمة العقلية، وهذه ملازمة بين واقعين خارجيين، وهما: ما حكم نفسه به، وما حكم به الشارع.. فالعقل حينئذ لا يعين متعلق الاعتبار الشرعي بل يقول بأنه في هذا المجال أو ذاك المجال أجد ملازمة بين حكمي وحكم الشارع، وهذا غير ما ذكرناه سابقاً من أن القاعدة العقلية لا يمكن استخدامها في تعيين متعلق الاعتبار الشرعي، فإن تلك تعين أنه لو كان متعلق الحكم العقلي ما

دراسات مقارنة.

يرتبط بأمر تكويني فإنه ليس من الصحيح أن نجر ذاك الحكم العقلي إلى عالم الاعتبار لمعالجة قضاياه، مع أنه في المقام نجد العقل جعل متعلق حكمه الصلة بين ما أصدره من حكم وما أصدره الشارع من حكم، فحكم بالملازمة.

و ببیان آخر: إن العقل هنا عندما يحكم بالملازمة يصدر حكمه هذا من منطلق علمه وتوجهه والتفاته إلى اقتضاءات عالم الاعتبار، فيحكم بأن معتر الشارع يتعين في كذا، فمتعلق حكمه في الواقع هو أن حكم الشارع متعين في كذا، بخلاف غير ذلك من الموارد، فإننا هناك نريد بصدور الحكم من العقل أن نقوم بعملية تعيين حكم الشارع على أساس ما للعقل من حكم، فليس هناك متعلق حكمه كون حكم الشارع متعيّناً في كذا، بل نحن وراء حكم العقل، نريد الاعتبار، يعني أن العقل يعرف أنه بالإمكان أن يتم حكم الشارع كذا أو كذا بمعنى أن يعلم أن هناك بدائل في عالم الاعتبار، ويعلم أنه لو كان له حكم هو أو هذه البدائل فليس من المتعين أن يكون هذا الحكم هو ما اختاره الشارع أيضاً، بل يحتمل على أساس المرونة المتوفرة في عالم الاعتبار أن يكون حكم الشارع أمراً غير ما حكم به، ولكنه عندما يحكم الملازمة يحكم في الحقيقة بأنه ليس أمام الشارع خيارات وبدائل، بل يتعين عليه اختيار حكم، وهو الذي قد حكم به أيضاً.

فثبت إلى الآن حسب هذا البيان أن الرد للوصية لا اعتبار به لو كان قد حصل قبل حصول الملكية، والذي هو موقوف مع موت الموصي، بل الرد يؤثر في إبطال الوصية فيما إذا حصل بعد الموت الموصي.

والسؤال الذي نواجهه هو: إن الفرصة الأخيرة التي يمكن القيام بالرد فيها ما هي؟ وببيان آخر : السؤال هو : أن الرد المؤثر يمكن القيام به إلى متى؟

والذي أسلفناه هو التحدث عن مرحلة البدء بالرد المؤثر، وقلنا هناك: إنه ما دام لم تحصل الملكية لا يكون الرد مؤثراً. ونقول هنا إزاء هذا السؤال: إنه لو حصلت الملكية واستقرت - بمعنى أن المال أصبح جزءاً من أمواله - فلا مجال لرد الوصية، وإلا لكان من الممكن إلى آخر عمره أن يردها، وفيه ما ترى، وبين

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الله

الوصية عقد أو إيقاع ؟

المرحلتين - أي: مرحلة عدم حصول الملكية ومرحلة استقرارها - مرحلة تحصل فيها الملكية، غير أنها غير مستقرة، وهذه المرحلة تبدأ من حين موت الموصي وتنتهي بحصول أي فعل أو موقف يجعل الملكية مستقرة، أما الفعل هو القبض وأما الموقف فهو أن يقوم بقبول الوصية وقبل أن يتم هذا العامل المسبب لاستقرار الملكية يمكنه الرد.

ومن هنا نحصل على الإجابة السؤال آخر نواجهه في المقام، وهو: أنه هل

يمكن الإقدام على الرد فيما إذا تم منه القبول أو لا؟

والجواب هو: إن القبول حسب المبنى الذي كان بحثنا الآن على أساسه وإن لم تكن له شرطية أو ركنية، غير أنه مع ذلك لو وقع منه فهو يعني عملية زوال المجال الذي يقع فيه الرد. فإن الرد يأتي فيما إذا كان هناك ترديد في البين، بمعنى أن له حقاً في أن يرده، وهذا يحدث ترديداً، والذي يقضي على هذه الترديد شيئان:

أولاً: عدم إبراز الرد، فعدم الرد لو طال زمنه العرفي فلا يبقى له مجال.

ثانياً: القبول، فلو قبل يزول كل ترديد. فالقبول إذا حصل يجعل الملكية مستقرة بشكل قطعي، فلا يبقى مجال لرد بعده.

وعليه، فإن استقرار الملكية يحصل بأحد الطريقين

الأول: أن لا يقوم بالرد وقبض المال.

الثاني: أن يقبل الوصية وإن لم يقبض المال، فالقبض إنما يعتنى به فيما إذا كانت له إمكانية الرد، فإذا قبض في هذه الحالة بدل أن يرد تستقر الملكية به، أما القبض فيما إذا قام بالقبول والذي يزول به الترديد، أي: يثبت أنه لا فقط لا يريد أن يرد، بل إنه لا ترديد له من جهة القبول أو الرد، فهو يحسم له) فلا دور له في جعل الملكية مستقرة، حيث إن الاستقرار قد حصل قبل القبض.

والذي القبض إنما هو مختص بالمجالات التي هي من العقود، أي: التي يكون القبول شرطاً أو ركناً، فيقال بالقبض لحسم العقد وخروجه من الجواز

٣٣٥

دراسات مقارنة

وانتقاله إلى مرحلة اللزوم، أما مسألتنا هذه فلا تنسى أن بحثنا فيها الآن يحصل على أساس المبنى القائل بعدم كون الوصية عقداً، بل الشيء الوحيد الذي هو موجود كأمر معتبر في البين هو مانعية الرد.

إلى هنا قد بحثنا بحثاً ثبوتياً حول ما نعيته، والآن ننتقل إلى ما يوجد في مقام الإثبات من الأدلة في ذلك، فنقول:

هناك أدلة ثلاثة لابد من بيانها والانتهاء إلى نتيجة في البحث عنها، وهي:

1 - عدم الخلاف في مانعية الرد فيما إذا حصل بعد الموت.

۲ - قاعدة الناس مسلطون على أموالهم).

  • إطلاق الآية الشريفة الواردة في الوصية: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المتقين (٥٣)

فلو استندنا إلى الثالث فمقتضى إطلاق هذه الآية رفع مانعية الرد، بمعنى أنه كما يتمسك بهذا الإطلاق وترفض ركنية أو شرطية القبول، فكذلك يستند إليه الرفض مانعية الرد، في حين أن مقتضى الدليلين الأولين هو ثبوت المانعية للرد.

ربما يقال: بأن تلك القاعدة العقلائية لا مجال لها ما دام إلى جانبها هذه الآية حيث إن السيرة أو المرتكز العقلائي يؤخذ بهما ما دام لم يمنع الشارع عنه.. هذا بالإضافة إلى أن تلك القاعدة حتى لو استقرت وحصلت كقاعدة مسلمة من جهة أن الفقهاء قد أصطادوها من هنا وهناك للفقه ومظان الروايات، فإنها لا تعدو أن لا تكون قاعدة لها الشمولية والعمومية، غير أن هذا الإطلاق دليل خاص يخصص تلك العمومية والشمولية، فيبقى في البين إطلاق هذه الآية وعدم الخلاف.

إلا أن هذا محل مناقشة من ناحيتين:

الأولى: إنه لا مجال لجعل إطلاق الآية مخصصاً لقاعدة الناس مسلطون على أموالهم الأمر الذي لو حصل لكانت نتيجته عدم مانعية الرد.. ذلك لأنه ـ كما

٢٣٦

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

حقق في محله - إذا تعارض مطلق وعام فالترجيح للعام ، وحيث إن دلالة العام على العموم على أساس الوضع، فهو ظهور تنجزي قطعي، في حين دلالة المطلق على الإطلاق إنما تتمم من خلال إطار تمامية مقدمات الحكمة، والتي منها عدم وجود ما يمكن أن يكون قرينة على التقييد، وبما أن العموم ما يصلح لهذه القريبية فلا ينعقد الإطلاق عندما يكون في البين عموم يصلح أن يقيد هذا الإطلاق.. وعليه فإن القاعدة والآية وإن حصل بينهما التعارض في مادة الاجتماع قام الموصى له بالرد بعد الموت، إلا لأننا نرفع اليد عن إطلاق للآية وترجح جانب القاعدة، فتبرز هذه النتيجة التي هي مانعية الرد بعد موت الموصي.

بيد أن هذه المناقشة يمكن ردها بأن يقال: إنه صحيح أن التعارض إذا حصل بين العموم والإطلاق فإنه يرجح جانب العموم، ولكن المقام ليس من صغريات هذه القاعدة؛ لأن القاعدة الناس مسلطون على أموالهم وإن كان لها عموم، إلا أن هذه العمومية قد حصلت في جانب الناس، حيث دخلت اللام على كلمة (الناس) فكل الناس إذا لهم التسلط على أنفسهم، ولكن لا تنفعنا هذه العمومية فيما نحن بصدده هنا، فإن الذي نريده هنا العمومية في ناحية التسلط، بمعنى أن أنحاء من قبل الموصى له هي التي نريد عمومها.

ومن المعلوم أن القاعدة لا تتضمن أداة من أدوات العمومية من هذه الجهة، فلو كانت هناك شمولية في هذه الجهة فإنما هي بإطلاق، فلا يكون هناك تعارض العموم والإطلاق بينهما.

الثانية: صحيح أنه قد يخصص إطلاق المطلق الشمول الحاصل في جانب الدليل المقابل له، ولكن هذا صحيح فيما إذا لم يكن ذاك الدليل المقابل للمطلق ذا جذور في المرتكز العقلائي، فإذا كان الأمر كذلك فلا مجال لجعل المطلق مخصصاً لذاك الدليل.

والحقيقة أن تسلط الناس على أنفسهم أمر متجذر في المرتكز العقلائي وعليه فلا يثبت إطلاق في المقام للآية من هذه الناحية، فإن الرد مانع حسب الرؤية

۳۳۷

دراسات مقارنة.

العقلائية، فلا يبقى مجال الانعقاد الإطلاق، والذي يتم ثبوته في إطار الفهم العرفي فإن العرف لو كانت لهم تلك الرؤية القائلة بمانعية الرد حسب المرتكز العقلائي لهم فكيف يفهمون إطلاقاً للآية من جهة عدم مانعية الرد؟

وقضية تحدد الأدلة بإطار المرتكزات العقلائية يبلغ إلى حد يمكن القول: إنه لا يتم حتى العمومية فيما إذا حصل في البين مرتكز عقلائي على خلافه، فضلاً عن الإطلاق. نعم، لو صرح الشارع بما هو خلاف للمرتكز العقلائي يؤخذ به، أما الشمولية - سواء حصلت على أساس ألفاظ العموم أم على أساس الإطلاق - فهي لا تحصل ما دام في البين مرتكز عقلاني. ودليل ذلك أن الشمولية إنما تثبت بلحاظ قاعدة أصالة الظهور، والظهور منف فيما إذا كان هناك مرتكز على خلافه، فالنتيجة: أن القاعدة تثبت في المقام المانعية للرد الحاصل بعد الموت.

هذا بالإضافة إلى أن ما حصل بين الفقهاء من إجماع أو على الأقل عدم خلاف في مانعية الرد الحاصل بعد الموت يقوي هذا الموقف، أي: مانعية الرد بعد الموت. هذا في مقام الإثبات كنتيجة نهائية نحصل عليها.

ولو لم تقبل رفع اليد عن إطلاق الآية الشريفة في مادة الاجتماع بينها وبين إطلاق القاعدة، بل قلنا: إن هذين الإطلاقين حكم تعارضهما يتعين على أساس القاعدة القائلة بأن (المطلقين يتساقطان في مادة الاجتماع) (٥٥)، فماذا تكون النتيجة؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال ينبغي أن نطرح قضية تساقط الإطلاقين في مادة الاجتماع، فنقول:

هذه القاعدة في محلها، وليس الأمر مختصاً بتعارض العمومين فقط، بل المطلقان كذلك أيضاً.

إلا أن هناك شيئاً لابد من الالتفات إليه في قضية تساقط المطلقين، وهو أن المطلقين لا يتساقطان في مورد، وهو ما إذا كان تقديم أحد المطلقين موجباً لأن تهمل وتغلى الخصوصة الكامنة للطرف المقابل من الرأس والأساس فإنه يقدم ذاك الطرف الذي يمتلك هذه الخصوصية، ولا يحكم بتساقط الطرفين.

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

وكمثال على ذلك تعارض ما يدل على أن بول وخرء الطائر طاهر، وما يدل على أن بول وخرء غير مأكول اللحم نجس. وكما هو معلوم فإن هذين الدليلين يتعارضان في مادة اجتماعهما، وهو ما إذا كان هناك طير غير مأكول اللحم، والذي له خصوصية في المقام هو الدليل الأول الذي يدل على طهارة بول وخرء الطائر، وهذه الخصوصية يكشف عنها من خلال عملية تقديم الطرف المقابل له، أي ما يدل على نجاسة بول وخرء غير مأكول اللحم؛ وذلك لأن تقديم هذا الطرف ينتهي إلى أن تهمل وتلغى خصوصية دخالة الطير في الطهارة، فإن الطير إما أن يكون مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، وبما أن مأكول اللحم طاهر ملطقاً (أي: سواء كان طيراً أم غير طير)، فلو حكمنا هنا بنجاسة بول وخرء غير مأكول اللحم فهذا يعني أن دخالة الطير في الطهارة قد ألغيت كأنها لم تكن شيئاً، مع أن الدليل ظاهر في دخالة الطير في الطهارة، وهو دليل له قوة أكثر من الظهور الإطلاقي. وعليه فنحن لا نقدم الطرف المقابل، بل تقدم جانب الدليل الدال على طهارة بول وخرء الطير.

في حين أنه لو قدم هذا الطرف وحكم بسقوط إطلاق الطرف المقابل - أي: ما دل على نجاسة بول وخرء غير مأكول اللحم - فلا تحصل هذه المشكلة، حيث إن غير مأكول اللحم ليس مورده الطير فقط بل هناك حيوانات أخرى غير الطير وهي مما هو غير مأكول اللحم، فيبقى الدليل نافذاً وقابلاً للتطبيق في غير هذا المورد الذي هو مادة الاجتماع.

والسؤال الذي نواجهه هنا هو : هل يكون أحد الإطلاقين ذا هكذا خصوصية حتى يرجح على غيره أو لا؟

والحقيقة أنهما ليسا كذلك، فإن إلغاء العمل بإطلاق الآية في المقام - والذي يعني اعتبار المانعية للرد - لا ينتهي إلى إلغاء مضمون الآية من الرأس؛ لأن نفوذ الوصية - وهو مقتضى الآية - لا يتمثل فقط في قضية رفض المانعية للرد حتى أنه ألغي هذا الرفض لبطل النفوذ من الأساس، وكذلك إطلاق القاعدة؛ لأنه لو لم يعمل بها في المقام - أي: لم نعتبر المانعية للرد - فإنه لا يبطل مضمون هذه القاعدة من

دراسات مقارنة

الأساس؛ حيث إن السلطنة على النفس ليس لها فقط هذا المصداق، بل هناك موارد أخرى هي كثيرة لا يمكن عدها، وعليه ليس هناك ترجيح لأحد الإطلاقين على الآخر من هذه الجهة.

ويمكن ذكر مرجح في المقام يترجح به الإطلاق الكامن في جانب القاعدة وهو كون إطلاقه متجذر في المرتكز العقلائي، بخلاف اطلاق الآية، فإنه لا يملك هذه الخصوصية، بل قد حصل على خلاف ما للعرف من المرتكز، وهذه الخصوصية - والتي هي لإطلاق القاعدة - تجعله راجحاً على إطلاق الآية.

وهذا الكلام صحيح لو لم نقل - وذلك كما ذكرنا سابقاً - بأن الإطلاق لم ينعقد ما يكون على خلافه مرتكز عقلائي، فإننا لو ننطلق من ذلك لكانت النتيجة عدم التسليم بانعقاد الإطلاق للآية في قضية الرد، فإن الرد حق للموصى له حسب المرتكز العقلائي، فلا يمكن للشارع أن يبطل هذه المانعية للرد بالاعتماد على الإطلاق، حيث إنه لا ينعقد مع وجود ذلك المرتكز. نعم، يمكنه أن يرفضه بالاعتماد على قول صريح، وعليه لا يبقى إطلاق للآية. نعم، لو لم تسلم بهذا المنطلق وقلنا بأن الإطلاق يمكنه أن ينعقد في نفس الوقت الذي يوجد على خلافه مرتكز فإذن ينعقد للآية إطلاق، فيقابله إطلاق القاعدة.. غير أننا في هذا الحين يمكننا أن نرجح إطلاق القاعدة من جهة أنه متجذر في مرتكز عقلاني، حيث إنه من البديهي كون مثل هذا الإطلاق أقوى. ولا يخفى عليك أن جعل المرتكز عاملاً مرجحاً للإطلاق هو غير جعله عاملاً يمنع عن إطلاق ما، وبين الأمرين فرق واضح كما يبدو.

وعلى أي حال، يعمل بإطلاق الآية لو سلمنا بإطلاق لها. وحتى لو جئتم وحكمتم بعد ترجيح إطلاق القاعدة، بل قلتم بتساقط الإطلاقين، فهنا لا محيص عن القول بمانعية الرد؛ حيث إننا نواجه في المقام إجماعاً للفقهاء على ما نعيته بعد الموت، فإطلاق الآية لا يواجه القاعدة فحسب حتى يقال بالتساقط وما يقتضيه، بل يواجه هذا الإجماع، ومع وجود هذا الإجماع فلا مجال للتمسك بإطلاق الآية.

٣٤٠

الفقه المقارن - العددان ( ٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

الوصية عقد أو إيقاع ؟

إن قيل: إن القاعدة لا إطلاق لها، حيث إنها قاعدة عقلائية، والقواعد العقلائية تعتبر من الأدلة اللبية، والذي يتصور في مثلها هو القدر المتيقن، فيؤخذ به الإطلاق، وبتعبير آخر: أنه لو طرأ شك في اندراج حالة تحت شمول الدليل فالمرجع هو قاعدة الأخذ بالمتيقن في الأدلة اللبية لا الإطلاق، فإنه المرجع في الأدلة اللفظية، وعليه كيف لوحظ للقاعدة إطلاق؟

قلنا: إن قاعدة (سلطنة الناس على أموالهم وإن لم ترد في نص (آية أو رواية)، غير أنها تستفاد من رواية نبوية كمفهوم الموافقة لها، ومفهوم الموافقة يتصور له الإطلاق.

وبيانه: هناك رواية نبوية مرسلة، وهي الناس مسلطون على أموالهم .

وهذه الرواية مشهورة بين السنة والشيعة، وقد عمل الفقهاء بهذه الرواية منذ البداية إلى الآن، فضعف سندها مجبور بعمل الفقهاء على أساسها. وهذه الرواية تدل من باب الأولوية على سلطنة الناس على أنفسهم، حيث إن السلطنة على المال ليست أعلى مرتبة من السلطنة على النفس، بل وحتى لا تكون مساوية لها بل مرتبتها أضعف من مرتبة السلطنة على النفس، بل يمكن القول بأنها راجعة إليها، حيث إنه ما دام لم تكن هناك للشخص سلطنة على نفسه فكيف تتحقق له سلطنة على ماله ؟! فمن منطلق كونه مسلّطاً على نفسه يكون مسلّطاً على ماله، فإنه مسلط على ماله من جهة أن هذا المال مال تلك النفس.

وعليه فإذا دل الدليل اللفظي على ثبوت السلطنة للشخص على ماله فهو يدل بصورة أولى على سلطنة الشخص على نفسه القاعدة القائلة سلطنة الشخص على نفسه تعد مدلولاً للرواية النبوية، فإذا كان كذلك أمكن تصور الإطلاق لها، حيث إن الإطلاق - كا حقق في محله - ينعقد لما يدل عليه اللفظ أياً كانت هذه الدلالة، فالمدلول الالتزامي للدليل هو أيضاً يمكن أن يكون مصباً للإطلاق، فإذا سكت المتكلم ولم يقيده بقيد وتوفرت باقي الشروط انعقد له الإطلاق.

٣٤١

دراسات مقارنة

الهوامش :

(۱) توفي في القرن الرابع، سنة ٣٤٠.

(۲) أنظر: بدائع الصنائع، أبو بكر الكاشاني، ج ۷، ص ۳۳۳؛ نقلاً عنه.

(۳) توفي في القرن الخامس، سنة ٤٦٠.

(٤) توفي في القرن الخامس، سنة ٥٩٨.

(٥) المبسوط، ج 4، ص ۳؛ السرائر، ج ۳، ص ۱۸۳.

(٦) توفي في القرن السادس، سنه ٥٨٧.

(۷) بدائع الصنائع، أبو بكر الكاشاني، ج ۷، ص ۳۳۳.

(۸) توفي في القرن السادس، سنة ٥٦٠.

(۹) الوسيلة، ابن حمزة الطوسي، ص ۳۷۲

(۱۰) توفي في القرن السابع، سنه ٦٧٦.

(۱۱) توفي في القرن السابع، سنة ٦٩٠.

(۱۲) المختصر النافع: ص ١٦٣؛ كشف الرموز، ج ۲، ص ٦٦.

(۱۳) تكملة البحر الرائق القادري الحنفي، ج ۳، ص ۲۱۱

(١٤) بداية المجتهد، ج ۲، ص ٢٧٤.

(١٥) المغني، ج 1، ص ٧٥

(١٦) أنظر فقه السنة، السيد السابق، ج ۳، ص ٥٨٣.

(۱۷) مواهب الجليل، ج 1، ص ٣٦٤.

(۱۸) لاحظ: المغني، ج 1، ص ٤١٤؛ كشاف القناع، ج 4، ص ٣٣٥.

(۱۹) انظر: مواهب الجليل، الحطاب الرعيني، ج ۸، ص ٥١٣.

(۲۰) وذلك في المادة الأولى من قانون الوصية المصري رقم ٧١ لسنة ١٩٤٦م، وفي المادة ٢٠٧ من

قانون الأحوال الشخصية السوري.

(۲۱) مصطلحات الفقه المشكيني، ص ٥٥٥

(۲۲) شرح قانون الأحوال الشخصية لخروفه، ج ۲، ص ٣٠٦.

(۲۳) بلغة الفقيه، ج 4، ص ٥٣.

(٢٤) كتاب الوصايا، تقرير بحث السيد الخوئي، للشيخ المفيد، ص ٢٥٥.

(٢٥) لاحظ مصطلحات الفقه، ص ٥٥٦ تفصيل الشريعة ٣ كتاب الوصية)، ص ١٣٥.

(٢٦) تحرير الوسيلة، ج ۲، ص ۹۳

(۲۷) نسب ذلك أيضاً إلأى سيعد بن المسيب والحسن البصري وطاوس وابن حنبل وداود والطبري وإسعاق بن راهوي وابن حزم في شرح قانون الوصية، ص ١٩٤.

(۲۸) انظر مجموعة الأحوال الشخصية في ضوء الفقه والقضاء، ص ٦٧٩.

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

٣٤٢

الوصية عقد أو إيقاع ؟

(۲۹) قانون الأحوال الشخصية السوري مادة ٢٥٧ ٫ ١، قانون الأحوال الشخصية الأردني في المادة ١٨٢.

(۳۰) قانون الوصية المصري رقم ٧١ لعام ١٩٤٦.

(٣١) المغني ٦ : ٤٤٠ .

(٣٢) العروة ٥: ٦٤٣.

(۳۳) سؤال وجواب السيد اليزدي: ۳۹۱

(٣٤) النجم: ٣٩

(۳۵) بدائع الصنائع، أبو بكر الكاشاني، ج ۷، ص ۳۳۲.

(٣٦) سؤال وجواب السيد اليزدي: ۳۹۱

(۳۷) بدائع الصنائع.

(۳۸) النساء: ۱۱

(۳۹) الحدائق الناضرة، ج ۲۲، ص ۳۸۸

(٤٠) والآيات الشريفة الواردة في الإرث التي تتضمن آية الوصية:

للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً * وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً * وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خانوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديدا * إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً * يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية يوصين بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم * تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين نساء: ۸ - ۱۵

(٤١) الحدائق الناضرة، ج ۲۲، ص ٣٨٦

(٤٢) وسائل الشيعة ١٣: ٤٠٩

(٤٣) نسب إلى المشهور في العروة الوثقى، ج ۵، ص ٦٥٢.

( ٤٤) المغنى : ٤٤٠

(٤٥) كتاب النكاح، ج ۲، ص ٣٦٢

(٤٦) نسب إلى الأكثر في المسالك، ج ۱، ص ۱۱۸؛ وإلى المشهور في الجواهر، ج ۲۸، ص ٢٥١.

(٤٧) نسب إلى المحقق الحلي وجماعة في كتاب الوصايا والمواريث للأنصاري، ص ٣٢.

٣٤٣

دراسات مقارنة

(٤٨) انظر العروة الوثقى، ج 5، ص ٦٤٣.

(٤٩) العروة الوثقى، ج ٥، ص ٦٤٣.

(٥٠) قواه الشيخ الطوسي في موضع من المبسوط، ج ٤، ص ٣٤ غير أنه ضعفه في موضع آخر من نفس المبسوط، ج 4، ص ٢٨.

(٥١) انظر: فرائد الأصول ۳ ۲۳۵، تحريرات في الأصول ٤٠٦٨ - ٤٠٧ أجود التقريرات ١: ٤٦١ - ٤٦٢، مصباح الأصول ٣ ٢٤١.

(٥٢) راجع المسألة في مصباح الفقاهة ١ ٢٩٤، فقه الصادق ١٤: ١٨٠ و ١٨٥.

(۵۳) سورة البقرة ٢ ۱۸۰

(٥٤) المعجم الأصولي ١: ٥٣٩ - ٥٤١

(٥٥) لاحظ: نهاية الدراية ۳ ۳۹۸ و ٤۲۰، منتهى الأصول ٢ ٥٨٨ و ٦١٦، شرح العروة الوثقى للشهيد

الصدر ۱: ۲۰۷

(٥٦) عوالي اللتالي :۱: ۲۲۲ و ۳: ۲۰۸، بحار الأنوار ۳ ۲۷۲ وانظرها كقاعدة في العوائد: ۵۸، تسهيل المسالك: 9 تحرير المجلة ١: ٢٥٥.

٣٤٤

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

نهاية البحث