فقه الاختلاف المذهبي
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
الشيخ د. جواد رياض )
التكفير ظاهرة قد تجلت في هذا العصر، ونتج عنها ما نشاهده من قتل وإباحة للدماء بصورة لم تعهدها في تاريخنا.
والتكفير ظاهرة بعيدة كل البعد عن الإسلام ووسطيته، ففي دراستنا لمصادر الإسلام القرآن والسنة بفهم أئمتنا من آل البيت - سلام عليهم ورضوان - وفهم الصحابة الكرام وفهم علمائنا الذين برزوا في تراثنا، نجد أن تكفير المخالف في المذهب بعيد عن أصول هذا الدين الحنيف الذي قال فيه رسولنا : "بعثت بحنيفية سمحة".
ولذلك كان التسامح هو القيمة الإسلامية الراقية والسامية التي لا تجعل هناك فرصة لكيد الشيطان أن يتدخل في تحفيز المسلمين على التكفير، ومن ثم على إباحة الدماء، قدم المسلم معصوم بل دم الإنسان عموماً معصوم، قال تعالى: ولا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنَّ الله يحب المقسطين * إِنَّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة ٨ ٩]
التسامح هو القيمة السامية التي تجعلنا نعيش في حياة هادئة مطمئنة رغدة متعاضد أعضاؤها، متكاتف أبناؤها، كأنهم على قلب رجل واحد ضد أعدائهم ممن يكيدون لهم، ويقتحمون مقدساتهم، وليس ضد أنفسهم.
فالمسلمون إذا قاتل بعضهم بعضاً كان ذلك نجاحاً وسعادة وفرحاً لأعدائهم، فهم يريدون هلاكهم وضعفهم، وما أروع أن يكون هذا الهلاك على أيديهم، دون أن يتدخل أحد.
(*) من علماء الأزهر - مصر.
فقه الاختلاف المذهبي .
ولا شك أن التسامح قيمة تسعدنا في الآخرة أيضاً، فالأجر في الآخرة للمتسامحين أكبر من أن يتصوره الإنسان.
وهذا البحث يدور - في الجزء الأول منه - حول الاختلاف المذهبي الذي حصل في عهد الصحابة وأئمة البيت - سلام عليهم ورضوان - ومن بعدهم، وكيف أن هذا الاختلاف لم يجرهم إلى التكفير.
لكنني بدأت بالكلام عن أهمية وحدة الأمة، وعناصر هذه الوحدة، ثم تكلمت عن التكفير وخطورته وأقوال العلماء فيه، ثم تحدثت بعد ذلك عن الاختلاف وتعدد المذاهب. وفي الجزء الثاني أتناول قيمة التسامح التي أسسها ورسخها إسلامنا الحنيف، فأبدأ بمقدمة عن معنى التسامح، ثم أتناول التسامح والعفو في القرآن الكريم ومعناهما، وكيف أن الله تعالى أمرنا بهذا العفو وحثنا عليه وندب إليه، ثم أتناول التسامح في السنة النبوية المطهرة، وكيف أوصى رسول الله الي بالتسامح والتيسير، ومواقف الرسول العملية التي تدل على تسامحه ، مما يكون ذلك قدوة وأسوة لنا ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً الأحزاب (۲۱)، ثم أتناول مواقف الصحابة في التسامح مع المسلمين ومع غير المسلمين وكذلك آل البيت - سلام عليهم ورضوان - في تسامحهم مع غيرهم، فهؤلاء هم القدوة
التي نلتمس فيها أثر نبينا ، فتناولت بعض الأمثلة لأئمة آل البيت كالإمام جعفر الصادق، والإمام علي زين العابدين ..... وغيرهم
ثم تناولت في النهاية دور المؤسسات الدينية والمؤسسات التعليمية والإعلامية في
ترسيخ مفهوم التسامح.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
مقدمة
الله عز وجل واحد أحد أمرنا أن نقر له بالوحدانية، فهو المعبود بحق، وهو الذي شهد لنفسه بالوحدانية، وشهدت الملائكة بذلك، كما شهد الأنبياء والعلماء بالوحدانية الله عز وجل. شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هو العزيز الحكيم ) [آل عمران ۱۸].
وكما أمرنا الله عز وجل بالإقرار بالتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، أمرنا كذلك بالوحدة فيما بيننا نحن المسلمين إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران ۱۹] فالدین إيمان بالله وتوحيد، ووحدة بين المسلمين وقوة.
إن الدين الإسلامي يسعى ويدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة، يقول الله تعالى:
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [آل عمران ۱۰۳] أي تمسكوا بدينه ولا
تتفرقوا بعد الإسلام، فالإسلام يوحد صفوفكم. ويقول سبحانه أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا
دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء [الأنعام ١٥٩]، فهؤلاء الذين أخذوا بعض
الدين وتركوا بعضه وأصبحوا فرقاً وتركوا الدين الذي أمروا به، كاليهود والنصارى،
فهؤلاء أنت بريء منهم، وينبغي على أمتك أن تبرأ من هذا، وسوف يكون حسابهم يوم
القيامة، فأمرهم إلى الله عز وجل. ويقول تعالى أيضاً: إن هذه أمتكم أُمَّةً واحدةً وأنا
ربُّكُمْ فَاعبدون ) [ الأنبياء ۹۲) فيجب أن تكونوا أمة واحدة، كما أنكم تعبدون ربا واحداً،
ويقول عز وجل: إنَّما المؤمنون إخوة [الحجرات ١٠] أي إخوة في الدين.
فهذه الآيات جميعها تحث على الترابط والتماسك والوحدة، وتذم الفرقة والتشرذم. وقد حث رسول الله ال على الوحدة فقال: " عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد، ومع الاثنين أبعد..... " فحث في هذا الحديث على التمسك بالجماعة والبعد عن التفرق، والبعد عن الخلاف الذي يؤدي إلى هذا التفرق، فالشيطان لا يكون مع الجماعة المعتصمة بحبل الله عز وجل. ويقول أيضاً: "عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من القاصية " فبين رسول الله ا في هذا الحديث أن الارتباط
فقه الاختلاف المذهبي .
بالجماعة يجعل المسلمين في عصمة من أن ينالهم ماكر يريد بالأمة شراً.
ويقول الا أيضاً: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " " فهذا الحديث فيه إشارات إلى الترابط الحقيقي بين المسلمين، فكأنهم جسد واحد يتألم من أي عضو فيه، ويهتم به، لأن خراب عضو فيه هو خراب للجسد كله.
وعندما تتدبر آيات القرآن الكريم تجد أن الله عز وجل وجهنا أن نطلب منه تعالى في دعائنا وفى عبادتنا وفى ندائنا له سبحانه وتعالى وتضرعنا إليه أن يكون ذلك بصيغة الجماعة، وكأن الآيات تشير إلى أنه لا ينبغي على المسلمين أن يكونوا وحداناً وإنما ينبغي عليهم أن يكونوا جماعة في كل شيء، في الطلب وفي الدعاء وفي العمل وفي الجهاد... الخ.
والأمثلة على ذلك من القرآن كثيرة، وأول هذه الأمثلة عندما نقرأ في فاتحة الكتاب: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة ١٥ ، نتجه إلى الله عز وجل بالعبادة جماعة، ونتجه إليه فنستعين به كذلك ونحن قوة مترابطة وجماعة متماسكة.
وعندما نقول في التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. إشارة إلى هذا التماسك والترابط الذي شمل عباد الله الصالحين في كل مكان، فالمسلم أخو المسلم في كل مكان، وفي كل أرض.
عناصر الوحدة والشروط العقائدية لها :
من خلال الاستقراء، تجد أن عناصر وحدة المسلمين تدور حول وحدة العقيدة والإيمان، والاتباع، والعمل، والهدف، والدعوة، والصف.
وهذه العناصر إذا تحققت، وقد أمر بها القرآن الكريم في آياته وأمر بها سيدنا رسول الله في أحاديثه، فإن استقرار الأمة يتحقق، وإن قوة الإسلام تعلو فوق كل قوة، وكلمة الله هي العليا [التوبة ٤٠].
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
وسوف ندور في حديثنا حول وحدة العقيدة والإيمان والبعد عن تكفير المخالف في المذهب:
العقيدة والإيمان
الإيمان معناه في اللغة: التصديق، ضده التكذيب، والإيمان ضد الكفر. فالإيمان هو التصديق، والكفر هو التكذيب، ولذلك عندما قبل الرسول الله : أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: " لا ".
وقال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف مخاطبين أباهم: وما أنت بمؤمن لنا يوسف ١٧)، أي وما أنت بمصدق لنا. هذا هو التعريف اللغوي.
أما تعريف الإيمان في الشرع عند علماء الكلام) فهو تصديق القلب على طريق الجزم والقطع واليقين بكل ما جاء به سيدنا ا مما علم من الدين بالضرورة.
وقد اكتفى العلماء في تعريف الإيمان بذلك، ولم يشترطوا أن يعرف المسلم الأدلة، وإنما قالوا: إذا جزم قلبه بصدق بكل ما جاء عن سيدنا رسول الله الله فهو مؤمن وإن كان مقلداً.
فإذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه، فهذا مؤمن موحد، لا يطلب منه معرفة أدلة علم الكلام، وعلى هذا جمهور العلماء.
والتصديق يكون بالقلب بعد العلم بالعقل.
والعقيدة في اللغة من عقده يعقده عقداً وتعاقداً وعقده، والعقد نقيض الحل، واعتقده كعقده، وقد انعقد وتعقد. واعتقد الشيء صلب واشتد، وتعقد الشيء : استحكم".
والعقيدة في الشرع هي متعلق الإيمان والاعتقاد، فالتصديق بوجود الله اعتقاد، ووجود الله عقيدة، والتصديق بوحدانية الله اعتقاد، ووحدانية الله عقيدة.
فالعقائد هي وجود الله ووحدانيته... وما يجب اعتقاده.
وهذه العقائد جاء أكثرها في قوله تعالى: وآمن الرسول بما أُنزِلَ إِلَيْهِ من ربه والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا
فقه الاختلاف المذهبي .
سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [ البقرة ٢٨٥]، وقوله الله عندما سأله جبريل اللا عن الإيمان، فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر وفي بعض الروايات قال: "وبالقدر خيره وشره".
والاعتقاد بوجود الله يثبت بالنظر والفكر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، أي يثبت بالدليل العقلي لا الدليل النقلي، حتى لا يترتب عليه الدور، وهو توقف الشيء على ما يتوقف على هذ الشيء، وهو محظور في عرف المناطقة، لأن الدليل النقلي من الكتاب والسنة فرع الإيمان بالله وبالكتب التي أنزلها على رسله، أما العقائد الأخرى فتثبت بالدليل القطعي في ثبوته وفي دلالته، وذلك من القرآن والسنة.
والقرآن قطعي الثبوت، وكذلك قطعي الدلالة في العقائد، أما السنة النبوية فهي قطعية الثبوت في المتواتر منها، وفى الأحاديث القوية التي لم يبلغ رواتها مبلغ التواتر، على خلاف بين العلماء في ذلك، والدلالة في أغلبها ظنية.
والحديث المتواتر، كل خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغاً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، يقول علماء الأصول: إن الخبر من حيث هو خبر محتمل للصدق والكذب مطلقاً، لكن قد يقطع بصدقه أو كذبه الأمور خارجة، وقالوا: إن الخبر الذي يقطع بصدقه أقسام جعلوا منها خبر الله تعالى، لأن الصدق صفة كمال فيه، وخبر الرسول في دعواه الصدق في كل الأمور وظهور المعجزة عقب هذه الدعوى، وخبر كل الأمة، والخبر المتواتر.
وقالوا: لا تثبت العقيدة بأي حديث منسوب إلى النبي ، لأن بعض ما نسب إليه مكذوب، سيكذب علي ، ولأن منه ما لا يقبل التأويل، فيمتنع صدوره عنه، وذلك بسبب نسيان الراوي أو غلطه أو افتراء الملاحدة، والذي يظن صدقه هو خبر الواحد العدل، أي الذي لم يبلغ حد التواتر ولا حد الشهرة على رأي الحنفية، وهو يترجح احتمال صدقه، ويجب العمل به عند الجمهور.
والعقيدة لها أثرها في النفس، فهي قوة تدفع إلى العمل، ورقيب يساعد على الإتقان
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
والإجادة، ودليل يهدي من الضلالة ويقي من الزلل قال تعالى: ومن يؤمن بالله يهد قلبه ﴾ [التغابن ۱۱] وقال النبي : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "
ولها أثرها أيضاً في الحكم على سلوك الإنسان ومعاملة الناس له كما أن لها أثرها في الآخرة في دخول الجنة وعدم الخلود في النار.
القرآن والسنة توجب الوحدة والتعاضد والتآلف والتماسك :
فلا ينفى الإيمان عن هؤلاء الذين أقروا بهذه العقائد إلا إذا أنكروا أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، كفرضية الصلاة أو الحج أو الزكاة، أو أحلوا شيئاً مجمعاً على تحريمه كالخمر والربا والزنا والسرقة... إلخ، أو حرموا شيئاً مجمعاً على حله كالبيع والشراء..... إلخ.
والمصيبة التي نعيشها الآن والتي تؤدي إلى الفرقة، وإلى التفتيت بين مسلمي الأمة هي أن البعض يطلق كلمات التكفير على أناس بسبب اعتقاد أمور لا تدخل أصلاً في صلب وعناصر الإيمان، بل هي أمور فرعية مختلف فيها.
إذاً فلا مجال للتكفير هنا، وإن كان هذا أمر من أمور العقيدة، إلا أنه من فروعها وليس من أصولها، فالأصل أن يعتقد المسلم ما اتفقت عليه الأمة، ولكن ما اختلفوا فيه ولم يكن فيه أدلة قاطعة في الدلالة على أحد الرأيين، فإنه لا ينبغي التكفير في مثل هذه الأمور، وإن ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك.
كذلك نجد في عصرنا من يطلق كلمات الكفر على أناس لمجرد أنهم رأوهم يعملون أعمالاً جاء في بعض النصوص أنها من الكفر، ولكن هؤلاء لم يفهموا هذه النصوص أو حملوها على غير معناها، فقد يطلق الكفر في بعض النصوص على المعنى المجازي، أو لتعظيم ذنب من الذنوب، أو يطلق على الذين أنكروا التكليف.
فمثلا عندما يقول رسول الله : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " يحمل هذا المعنى عند هؤلاء على الكفر حقيقة، بينما جمهور العلماء حملوا الكفر
فقه الاختلاف المذهبي .
هنا على من ترك الصلاة جحوداً وإنكاراً، أما من تركها كسلاً، فهو قد أتى أكبر الكبائر ولكن لم يكن كفراً يخرجه من الملة، لأنه يشهد بالتوحيد.
ولذلك روى ابن قدامة في كتابه المغني، وهو حنبلي المذهب، أنه سئل الخرقي عندما قال بأن تارك الصلاة كافر أيفرق بينه وبين زوجته؟ قال: لا. قيل له: أيدفن في مقابر المسلمين؟ قال: نعم. قيل له: أيرثه أقاربه المسلمون إن مات أو يرث هو أقاربه المسلمين إن ماتوا أم لا؟ قال: بل يرثهم ويرثونه.
قالوا له : فكيف ذلك ؟ قال: كفر دون كفر.
أي انه لم يقصد الكفر الذي يخرج الإنسان عن الملة، ولكن يقصد تعظيم الذنب ويلتزم بالنص الذي ورد دون خروج عن ظاهره.
كذلك جاء في قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) [آل عمران ۹۷] فهل من ترك الحج تكاسلاً يعد كافراً، كما نص ظاهر الآية؟
هذا أيضاً يفسر على من ترك الحج منكراً له ولفرضيته وجاحداً، أما من ترك الحج كسلاً منه، فإنه لا يكون كافراً، بل يكون عاصياً، ويجب على ورثته أن يحجوا عنه من ماله إن كان غنياً ومستطيعاً.
كذلك ورد في حديث رسول الله ﷺ : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " . وقد اتفق العلماء على أن المقصود تعظيم الذنب عند الله سبحانه وتعالى.
وإذا كان المسلمون يسعون إلى الوحدة ينبغي عليهم أن يتخذوا من الشهادتين ومن العقيدة عضداً للوحدة بينهم، فنحن نتوحد على كلمة التوحيد، على العقيدة والإيمان، ولا تخرج من الإسلام من قال: لا إله إلا الله.
فقد شهد رسول الله ل بذلك، فقال : " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه . وفي رواية أخرى من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
ولعلي أذكر لك شيئاً مما قاله علماؤنا - كما ورد في كتاب الفتاوى الهندية وكتاب القنية - قالوا: إن المسلم إذا قال لرجل معاهد أو ذمي يا كافر، وكان يتأذى بذلك يأثم.
فقد منع علماؤنا، بل حرموا، أن يقول المسلم لذمي أو معاهد: يا كافر، وكان ذلك مما يتأذى به، وإن كان في الحقيقة يعتقد بكفره، إلا أنه يتأذى من ذلك.
فما بالك بالمسلم الذي يقال له ذلك؛ وهو مؤمن في الحقيقة.
لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا التكفير للمسلم، فقد ورد عنه أنه قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك " . (۳)
من كلام علماء الإسلام في التكفير :
لا شك أن علماء الإسلام رفضوا التكفير بهذه الصورة التي يعهدها زماننا، ولا شك أيضاً أنهم وضعوا ضوابط كبيرة - كما سبق القول - في هذا الأمر، حتى لا يقع المسلمون في هذه المصيبة التي ينتج عنها التفريق بين أعضاء هذه الأمة، بل ينتج عنها القتل، الذي يمقته الله عز وجل ويمقت فاعله، بل يلعن هذا الفاعل ويغضب عليه، بل يخلده في النار كما قال في قرآنه الكريم: ومن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً [النساء ٩٣] وقد بين علماء الإسلام هذا في كلامهم.
يقول الإمام النووي - الشافعي المذهب - :
اعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع. وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه، ويعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة ". (14)
فقه الاختلاف المذهبي .
وهذه الجملة الأولى من الفقرة السابقة قالها أيضاً الطحاوي - صاحب كتاب العقيدة الطحاوية - الحنفي المذهب، قال: " ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب".
الإمام النووي يبين أن مذهبنا نحن أهل السنة أننا لا نكفر أحداً ممن اتجه إلى قبلتنا، إلى الكعبة المشرفة، وأيضاً لا نكفر حتى أهل البدع ومن كان على طريقتهم ما داموا قد التزموا بأصول هذا الدين، ولم يخرجوا عن دائرته، وإنما كانت لهم تأويلات في هذا الطريق.
فالكافر هو من جحد معلوماً من الدين بالضرورة، فاستحل شيئاً متفقاً على تحريمه كالزنا والخمر والقتل... إلى غير ذلك، أو أنكر فريضة اتفقوا عليها كالصلاة والزكاة والحج.... إلى غير ذلك.
بل إن الإمام النووي يقرر في عبارته أن من فعل ذلك بسبب كونه قريب عهد بالإسلام، فإنه أيضاً لا يحكم بكفره، لأنه لم تصله معرفة هذه الأمور والتشريعات والأحكام على الوجه الصحيح.
ويقول أبو حامد الغزالي - الشافعي المذهب -:
" لا تكفير في الفروع أصلاً إلا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلاً دينياً علم من الرسول بالتواتر " . (10)
فالفروع لا تكفير فيها فهي تخضع للاجتهاد، والأحكام الفرعية مبنية على الاجتهاد الذي هو في أغلبه مبني على الظن، سواء من ناحية السند، كأحاديث الآحاد، أو من حيث المتن، فقد يكون النص قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة. فآيات الأحكام قطعية الثبوت، لكن في أحكام فرعية كثيرة منها ظنية الدلالة. فالكافر هو من ينكر أصلاً قطعي الثبوت، وهذا هو معنى التواتر، وقطعي الدلالة، أي متفق بين العلماء جميعاً على معناه ودلالته.
ويقول الغزالي أيضاً:
لا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعاً في كل مقال، بل التكفير
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
حكم شرعي، يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدم، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك بيقين، وتارة بظن غالب، وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالوقوف فيه عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل .
فمن أهم ما يشير إليه الغزالي في هذه العبارة أن التكفير يترتب عليه إباحة الدم وإباحة المال، ويترتب عليه أيضاً الحكم بخلود الكافر في النار، فينبغي أن يكون هذا عن يقين، وإذا لم يستطع الإنسان أن يصل إلى هذا اليقين، فالأولى البعد عن التكفير، لأن الذين يسارعون في هذا هم أقرب إلى الجهل منهم إلى العلم.
فالكفر والإيمان محلهما القلب، ولذلك فإنه من الصعب الحكم بالكفر إلا إذا كانت هناك قرائن واضحة يقينية تدل على الكفر، فإذا كانت هذه القرائن ظنية فإنه يمتنع ويحظر على الإنسان أن يحكم بالكفر على غيره من خلال هذه القرائن الظنية.
ولذلك فإن رسول الله ل لم يقبل الاعتذار الذي اعتذر به أسامة عن قتله لرجل قال كلمة التوحيد وقال له : " هلا شققت عن قلبه ..
ويقول الغزالي أيضاً:
الأصل المقطوع به أن كل من كذب محمداً فهو كافر ".
وهنا يقطع الإمام الغزالي بأنه لا يطلق الكفر إلا على من كذب بهذا الرسول الخاتم محمد ، أو كذب بشيء جاء به متواتراً عنه.
ويقول القرافي:
وأصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية، إما بالجهل بوجود الصانع، أو صفاته العلية، أو جحد ما علم من الدين بالضرورة ".
وهنا يبين القرافي أن الكفر هو إنكار وجود الله، وإنكار وجود الصانع تعالى، أو إنكار صفاته تعالى، كمن أنكر أن الله تعالى سميع، بصير، إلخ.
فقه الاختلاف المذهبي .
كما أن الكافر هو من جحد ما علم من الدين بالضرورة - كما أشرنا إلى ذلك في الكلمات السابقة -
ويقول الأبياري:
وضابط ما يكفر به ثلاثة أمور: أحدهما ما يكون نفس اعتقاده كفراً، كإنكار الصانع وصفاته التي لا يكون صانعاً إلا بها. وجحد النبوة. الثاني: صدور ما لا يقع إلا من كافر. الثالث: إنكار ما علم من الدين ضرورة، لأنه مائل إلى تكذيب الشارع. وهذا الضابط ذكره العز بن عبد السلام في قواعده وغيره من العلماء . (9)
وفي عبارة الإبياري يتضح جلياً أن الكفر يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول هو إنكار الصانع، وإنكار وجود الله تعالى، أو إنكار نبوة محمد ا ، أو إنكار نبوة نبي من الأنبياء الذين جاء ذكرهم في القرآن الحكيم.
أما الأمر الثاني فهو أن يصدر منه شيء لا يصدر إلا من كافر، كمن سجد لصنم، أو ذبح له، مع التيقن من ذلك. لأنه ربما سجد في اتجاه صنم وهو لم يسجد له. أو ذبح في مكان ظن الناس أنه ذبح لغير الله ....
أما الأمر الثالث فهو أن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، كإنكار فرضية الصلاة، أو الزكاة، أو أنكر تحريم الخمر، أو الزنا.... إلخ.
ويقول ابن عبد البر:
القرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه... فالواجب في النظر أن لا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة ٢٠.
فيوضح ابن عبد البر في كلامه أن مصادر تشريعاتنا القرآن والسنة) ينهيان الإنسان عن تكفير المسلم أو عن تفسيقه، وقد ورد ذلك في أدلة كثيرة، فلا ينبغي على المسلم أن يكفر مسلماً إلا إذا كان تكفيره متفق عليه من أقوال جميع العلماء، وذلك الاتفاق لا
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
يكون إلا بدليل من قرآن أو سنة نبوية مشرفة. وهذا ما يسمى الدلالة القطعية.
ويقول ابن حجر الهيتمي:
"ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه؛ لعظم خطره وغلبة عدم قصده، سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديما وحديثا " .
وهنا يحذر ابن حجر من التكفير خاصة إذا كان ذلك على لسان عالم أو مفت حيث أن هذا خطير جداً، قد يدفع بعض المتطرفين أو الجاهلين إلى ارتكاب سفك دم بحق هذا الإنسان، فما أعظم هذا الخطر، فالعوام لا يدركون فهم هذه الأمور. ثم يقرر في آخر كلامه أن هذا هو ما كان عليه أئمتنا من السلف والخلف.
ويقول الشوكاني
اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار .
الشوكاني هو في الأصل عالم زيدي المذهب - وإن كان قد اعتبره البعض مجتهداً مستقلاً - يقرر في هذه السطور القليلة السابقة أن الحكم بالكفر على مسلم وخروجه من الإيمان والإسلام أمر جلل وخطير، ويحتاج إلى برهان واضح كالشمس. ولا ينبغي أن يقدم على هذا التكفير إلا من امتلك هذا البرهان بهذا الوضوح.
لابد أن نعلم حقيقة تجلت في هذه الأيام - خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت - وهي أن من يطلقون التكفير ويقومون به بعيدين كل البعد عن منهج هؤلاء الأئمة والعلماء من أهل السنة، فكما ذكرت من أقوال أهل السنة السالفة، فإننا نستطيع أن نقرر هذا. نستطيع أن تقرر أن من يطلق كلمات التكفير على المسلمين أو المخالفين له في المذهب -
سواء كان المذهب فقهياً أم كلامياً أم سياسياً - هم أولئك المتشددون الذين ظهروا منذ سنين تعد قليلة في تاريخ الفكر الإسلامي، وإن ادعوا أنهم أهل السنة.
فأهل السنة هم أولئك الذين ذكرنا كلام بعضهم، وأهل السنة هم أئمة المذاهب
فقه الاختلاف المذهبي .
الأربعة، وأهل السنة هم أولئك الذين نحتفظ لهم بموسوعات فقهية وكلامية كبيرة وشروح كثيرة.
لقد نجح الوهابية - أو السلفية المعاصرة - أن يطلقوا على أنفسهم أهل السنة، واستطاعوا أن يجعلوا الناس تلتف حولهم، وأن يقنعوا الناس أنهم المقصودون بأهل السنة، أما من يخالفهم فهم المبتدعون والضلال والكافرون
لقد اعتبر هؤلاء أن الأشاعرة فرقة من الفرق الضالة، بل إن بعضهم كفر الأشاعرة.
بينما اجتمع الفقهاء واجتمعت كلمتهم على مر العصور أن مذهب الأشاعرة هو مذهب أهل السنة.
وبذلك استطاع هؤلاء الوهابية أن يشككوا الناس في الأزهر ومؤسسة الدين الرسمية، التي تشكل مذهب الأشاعرة ومذهب أهل السنة الحقيقي في العالم كله.
إننا في هذه الأيام نعيش مأساة حقيقية لنجاح هؤلاء المتشددين الذين لا يمثلون سوى واحد في المئة من المسلمين، إلا أنهم يعملون بجد لإقناع الناس بمذهبهم وقد نجحوا إلى درجة كبيرة في هذا.
نعم لقد عرفهم بعض العقلاء وعرف طريقهم وتيارهم - ولا أقول مذهبهم - من خلال الأزمات التي تعرض لها المسلمون في العالم العربي في هذه الأيام. لكن ما زال بعض الناس يتبع طريقهم ويقنع بما يرونه.
الاختلاف وتعدد المذاهب لا يدعو إلى التكفير :
الاختلاف في الأمور الفقهية أو الفروع نشأ في عصر الصحابة بعد أن لحق الرسول بالرفيق الأعلى، ولم يثمر هذا الاختلاف فرقة بين الصحابة أو آل بيت رسول الله ا ، وقد قرر الصحابة آراء اختلفوا فيها.
فالشريعة الإسلامية تميزت بالتنوع بالآراء، نتيجة لأمور كثيرة، أوضحناها في بعض بحوثنا عن الخلاف الفقهي.
وقد وقعت وقائع جديدة لم تكن أيام الرسول ولم يتعرض لها القرآن
٦٢
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
تفصيلاً، وكذلك السنة النبوية، لأن نصوص القرآن في جملتها نصوص عامة، وكذلك السنة في بعضها، وظهرت بعض الأمور التي تحتاج إلى رأى الدين ورأى الشريعة فيها، فاجتهد فقهاء الصحابة وآل البيت - سلام عليهم ورضوان - وعلماؤهم في استنباط الأحكام من القرآن والسنة، ليظهروا حكم الله تعالى في هذه الأمور، ومن الصحابة وآل البيت من اشتهر بالرواية ومنهم من اشتهر بالرأي، أي القياس، فقد كان آل البيت والصحابة بعد وفاة النبي أمام حوادث كثيرة لا تحصى.
فمن نماذج اختلافهم
اختلافهم في المفقود، فقد قال علي - سلام عليه ورضوان - بأنه لا تتزوج امرأته - وهو ما أخذ به الأحناف - بينما قال عمر - رضي الله عنه - تتربص امرأته أربع سنين - وهو ما أخذ به مالك -
ومن نماذج اختلافهم اختلافهم في ترك التسمية في الذبح، فقال علي - سلام عليه ورضوان - وابن عباس رضي الله عنهما : إذا كان ذلك عمداً لا تحل الذبيحة، وإن كان نسياناً تحل - وهو ما أخذ به الأحناف - وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن ترك التسمية ناسياً يحرم عليه أكل الذبيحة - وهو ما أخذ به مالك -
ومن نماذج اختلافهم اختلافهم في الحامل إذا توفى عنها زوجها، فقال ابن مسعود وأبو هريرة - رضي الله عنهما : إن عدتها وضع الحمل، وهو ما أخذ به الجمهور، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وعلي - سلام عليه ورضوان : إن عدتها أبعد الأجلين.
ومن نماذج اختلافهم اختلافهم في حجب الجد للاخوة كالأب، فقال بالحجب الصديق وعائشة والحسن البصري، وهو ما أخذ به أبو حنيفة، وقال بالمقاسمة بينه وبين الإخوة الأشقاء أو لأب عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ٢ أجمعين وهو ما أخذ به الشافعي وأبو يوسف ومحمد.
ومن نماذج اختلافهم اختلافهم في تفسير المراد بالإحصار في قوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى)، فقال كثير منهم الإحصار من كل حابس حبس الحاج
فقه الاختلاف المذهبي .
من عدو وغير ذلك، وقال ابن عباس: لا حصر إلا بالعدو.
واختلفوا أيضاً في أيام النحر، كم هي؟ فقيل : ثلاثة يوم النحر ويومان بعده، وهذا ما روي عن أبي هريرة وأنس بن مالك، وقد أخذ به مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد.
وقيل: أربعة يوم النحر وثلاثة بعده، وهو ما روي عن علي وابن عباس وابن عمر، وأخذ بذلك الشافعي والأوزاعي ".
وهكذا اختلف الصحابة وآل البيت، ولكن هذا الاختلاف في الفروع لم يجعلهم متفرقين يسب بعضهم بعضاً، ويرمى بعضهم بعضاً بالكفر أو الفسق، وإنما كانوا متحدين ضد أعداء الإسلام. ولا يعنى هذا أنهم كانوا دائماً مختلفين في الأمور الفقهية، بل كان هناك أمور ظهر فيها إجماعهم.
ونصوص القرآن الكريم قد نصت على الاجتهاد لمن كان له أهليته للوصول إلى الحكم الشرعي الذي يوافق الكتاب والسنة، فيقول الله عز وجل ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان إلا قليلاً [النساء ۸۳] وهذا في الخلاف في الفروع، أما الأصول فالخلاف فيها مذموم والمسلمون ليس بينهم خلاف في الأصول، كالشهادتين، والإيمان بالرسل، والكتب المنزلة، والقدر، والملائكة، والاتجاه إلى القبلة، والحج إلى البيت..... إلى نهاية هذه الأمور.
ولو اختلف البعض في هذه الأصول التي علمت من الدين بالضرورة، خرج عن دائرة الإسلام. إذاً فالذين يدخلون دائرة الإسلام لا خلاف بينهم في هذه الأمور، لأن الإيمان بها جميعاً واجب.
لكن ظهر في عصور متأخرة من يعظم من شأن الخلاف بين المسلمين، فيجعل من السنة فرضاً، ومن المستحب واجباً، ويجبر غيره على رأيه، وإلا كان خارجاً عن الملة أو على الأقل يصفونه بالفسوق والابتداع.
هؤلاء يعملون، دون أن يشعروا للهدف الذي يعمل من أجله أعداء الإسلام وأعداء
٦٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
الأمة. فهذا الخلاف لن يتوقف وبالتالي موجات التكفير والتبديع والتفسيق لن تتوقف، وبالتالي فإن الضغينة والكراهية بين المسلمين ستظل موجودة، وهذا ما يريده أعداؤنا.
إن الحل الحقيقي لهذه المشكلة هو العلم والفهم والتعمق والتفقه والتعقل، وإدراك الرؤى المختلفة، وترك التعصب والتحلي بالمنهج العلمي القائم على طرح المشكلة والسعي في الوصول إلى حل لها.
إن الاطلاع على آراء العلماء السابقين وأدلتهم ورؤاهم ليعطي للدارس والباحث نوعاً من المرونة في الفكر وترك التعصب.
قد يميل الباحث إلى رأى معين ويدلل عليه ويعتنقه، ولكن لا يصف غيره بالخطأ والغلط.
فاستنباط الأحكام قائم على غلبة الظن في أغلب أحوالها، وليس قائما على اليقين، إلا فيما اتفق عليه من فرضية الصلاة، والزكاة، والحج .... الخ. وتحريم الخمر والزنا والكذب والسرقة ... الخ هذه الأمور.
وإذا كانت هذه الأحكام في معظمها قائمة على الظن، فكيف يقطع واحد من الباحثين أو الدعاة بأن رأيه هو الصواب
إن هذا نوع من الكبر والتصلب والتشدد، الذي لا يرضى عنه الله سبحانه وتعالى، ولم يكن هذا سلوك النبيين ولا سلوك الصالحين ولا سلوك العلماء المجتهدين المحققين.
إن رجلاً رعت غنمه ليلاً في أرض رجل آخر فتحاكما إلى داود عليه السلام. فرأى داود أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب، قال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا : قضى بالغنم لصاحب الحرث.
فقال : لعل الحكم غير هذا، انصرفا معي، فأتى أباه داود، فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: ما هو ؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم في السنة المقبلة رد كل واحد منهما ما له إلى صاحبه.
فقه الاختلاف المذهبي .
فقال داود وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سلیمان.
قال تعالى: وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ عنمَ الْقَوْمِ وَكُنَّا لحكمهم شاهدين * فَفَهَّمْنَاهَا سَلَيْمَانَ وكُلًّا أَتَيْنَا حَكْماً وَعَلْماً ﴾ [الأنبياء ۷۸، ۷۹] فداود لم يخطئ، وإنما أوتي الحكم والعلم، كما نصت الآية وكلا آتَيْنَا حكماً وعلماً، ولكن سليمان اجتهد وحكم بما هو أصلح للمتخاصمين، وبما هو أرجح، ولذلك عبر القرآن عن هذا الاجتهاد بقوله: «فَفَهمناها سليمان ..
ولذلك فإن جمهور أهل السنة قالوا: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب.
ولابد أن نبين هنا أن ديننا الإسلامي دين واحد، يدعو إلى إله واحد، ويستقبل أفراده قبلة واحدة، ويقر أفراده بنبي خاتم واحد، وبقرآن نزل من عند الله، يتعبدون كلهم بتلاوته ويعملون بما فيه من أوامر ونواه.
كما ينبغي أن نعرف الأسباب التي أدت إلى اختلاف علماء الأمة في الفروع، وأن نبينها للناس، فقد كان هذا الاختلاف بسبب اجتهاد فقهاء الأمة. وقد نشأ هذا الاختلاف في الرأي نتيجة لاختلافهم في مناهج البحث وطرقه، فقد يعتمد بعضهم من السنة ما لا يعتمده الآخر، وقد يعتمد بعضهم من أقوال الصحابة ما لا يعتمده الآخر، وقد يكون هذا الاختلاف نتيجة للأخذ بالقياس والإجماع، وقد يكون نتيجة لاختلافهم حول دلالات الألفاظ والأساليب الواردة في القرآن والسنة، فهناك العام والخاص والمطلق والمقيد من الألفاظ، كما أن هناك الألفاظ المشتركة.
ثم إن هذا الاختلاف لم يكن بين الأئمة الأعلام فحسب، وإنما كان أيضاً - وقبل ذلك - بين الصحابة أنفسهم، فقد اختلفوا في بعض الأحكام بعد أن لحق الرسول بالرفيق الأعلى، وهناك مواطن كثيرة تبين اختلافهم، أشرنا إليها من قبل، ولكن قلوبهم كانت واحدة.
ولا ينبغي تكفير المخالف أو تفسيقه أو تبديعه، لأن ذلك يؤدى إلى أن يجنح العوام
77
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
إلى العصبية، وأن يتمسك العوام بمذاهبهم بتعصب، وقد نهى رسول الله ﷺ عن تكفير المسلم فقال " من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه ".
كما ينبغي ترك التعصب لمذهب معين، فكل المذاهب الإسلامية تجتهد وتحاول أن تصل إلى مراد الله ومراد رسول الله ، والمجتهد مأجور، وعلى العوام أن يتبعوا أحد المجتهدين دون تعصب، ودون أن يدعي كل واحد منهم أن مذهبه هو الحق، وأن غيره غلط، وخارج عن نطاق العمل والمشكلة تنشأ من تعصب العوام والمتبعين للمذهب.
كما ينبغي أن نعرف فضل الفقهاء الأولين الذين أسسوا الفقه وسجلوا المسائل والاجتهادات، وأسسوا العلوم الشرعية، ولم يتركوا لمن بعدهم إلا قليلاً من التنقيح والتحقيق والترتيب والتنسيق والتعليق والشرح وقليل من الاجتهاد.
فهؤلاء العلماء اتفق الناس في كل عصر على اتباعهم، وعلى الاقتداء بهم، وعلى أنهم مجتهدو الأمة بإطلاق، ولا تجتمع أمة المسلمين على ضلالة.
واتفقوا على أنه لم يكن فقيه من لم يطلع على كتبهم، ويتلمذ على علمهم.
وأولهم أبو حنيفة الإمام الأعظم، الذي أخذ عن زيد بن علي (إمام الزيدية)، وأخذ أيضاً - كما ورد في بعض الروايات - عن الإمام جعفر الصادق - وقد أخذ عن أبي حنيفة بواسطة تلاميذه الإمام الشافعي، وأخذ عنهم وعن الشافعي الإمام أحمد.
وكذلك الإمام مالك الذي أخذ عنه الشافعي.
وكذلك أصحاب أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن، الذين شهد لهم العلماء في كل عصر بالتفوق والاجتهاد.
فإنه من الجحود أن ننكر أعمالهم، وأن ننكر اجتهاداتهم، وأن نمشي مع الذين يدعون أنه من الممكن أن نبدأ العلم بعدهم، فلا بداية بغير أساس، وهم أساس العلم والفقه.
وينبغي أن نبين للناس أن الخلافات المذهبية لابد منها، لأن أدلة الأحكام ليست
فقه الاختلاف المذهبي .
في درجة واحدة من ناحية الثبوت، فهناك أدلة قطعية الثبوت، كآيات القرآن الكريم جميعها، والأحاديث المتواترة، وهناك أدلة ظنية الثبوت، كأحاديث الآحاد.
وأدلة الأحكام أيضا ليست في درجة واحدة من ناحية الدلالة، فهناك أدلة قطعية الدلالة (أي ليس لها سوى معنى واحد كآيات القرآن الكريم التي تتعرض للعقائد والتوحيد وفرضية الفرائض، وهناك أدلة ظنية الدلالة (أي ليس لها معنى واحد متفق عليه، وإنما لها أكثر من معنى ووجه وذلك كثير في القرآن الكريم والسنة فيما يتعلق بمجال الفقه والشريعة والأمور العملية، وإنه يكفى في العمل الظن، ولا يكفي في الاعتقاد إلا اليقين، ولذلك فإن مسائل العقيدة مبينة على القطع واليقين، ولا يقبل فيها دليل ظني، بل لابد من الأدلة القطعية اليقينية.
أما المسائل العملية (وهي المسائل الفقهية فإنه يكفي فيها الظن لوجوب العمل ولذلك أوجبت شريعتنا العمل بخبر الواحد، وهو ظني. إذن، فالاجتهاد في الأحكام الشرعية يكون ظنياً في أكثر المسائل، لأن الأدلة أكثرها ظني من ناحية الثبوت، ومن ناحية الدلالة، وهذا ما جعل للفقه الإسلامي مرونة ليست في غيره من الشرائع.
ولابد ان نبين للناس أن الخلاف في الأحكام الفرعية لا ضرر فيه مطلقاً.
ومن أجل الوحدة فإننا ننادي بأن يكون الأزهر الشريف مؤسسة عالمية مستقلة - كما كانت قديما -
فالأزهر الشريف لا يخص بلدة بعينها وإنما هو ملك لجميع المسلمين يأتون إليه من كافة الدول الإسلامية والعربية ليتعلموا فيه أصول الدين والشريعة واللغة العربية وعلوم القرآن ليكونوا هداة للناس في كل مكان. وكذلك يأتون اليه مستفتين.
وقد حرص الأزهر في الآونة الأخيرة على أن يتشكل أعضاء مجمع البحوث الإسلامية (هيئة كبار العلماء من جميع الدول الإسلامية (ثلاثون من مصر وعشرون من البلاد الإسلامية الأخرى، ونود أن لا يتقيد عدد الأعضاء في المجمع بعدد، إذ إن المجتهدين في العصور المختلفة قد يكثر عددهم وقد يقل، ولو أن المجمع حرص على أن يضم جميع المجتهدين بقدر الإمكان لكان ذلك خيراً للأمة، إذ إن الأمة تحتاج إلى
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
بيان الرأي فيما يجد من أمور.
ولماذا الأزهر ؟ حتى تكون هناك مرجعية حقيقية تمثل الإسلام الوسطي - الحقيقي - الذي نادى به رسول الله اه و نادی به آل بيته وصحابته.
فالأزهر مؤسسة لا تجنح إلى التكفير، ولا تجنح إلى رفض المخالف، بل تجنح إلى الانفتاح على المذاهب الإسلامية المتعددة وإلى دراستها والاستفادة منها ومن علمائها، في إطار من المحبة والود والالتقاء على الكلمة الواحدة.
ومن أجل الوحدة أيضاً فإننا ندعو إلى أن تكون مسؤولية التدريس والدعوة والإفتاء والخطابة بالحرم المكي والمدني مسؤولية عالمية، يقوم بهذه المهام علماء من كافة البلاد الإسلامية يمثلون المذاهب المختلفة، وينتخب الأئمة [ أئمة الحرم المكي وأئمة الحرم المدني على مستوى العالم الإسلامي كله - كما كان من قبل -
فالحرمان الشريفان هما مسؤولية المسلمين في كل العالم الإسلامي وليس في مكان
بعينه. ولذلك ينبغي أن يكون الرأي في توسعة أحد الحرمين، أو في عدد الحجاج إلى بيت الله الحرام، أو في كيفية التنسيق بين المناسك، ينبغي أن يكون الرأي لأئمة المسلمين في العالم الإسلامي ليروا ما هو مناسب وشرعي لعامة الناس، كما كان في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وهذا لا يستطاع القيام به إلا عن طريق مجمع فقهي، كمجمع البحوث الإسلامية، يضم المجتهدين في العالم الإسلامي كله، ومن خلال الإجماع أو رأي الأغلبية يكون الرأي وتكون المشورة.
لقد اقترح الأزهر حلولاً كثيرة من أجل القضاء على ازدحام بعض المناسك في فريضة الحج، ولكن لم تصل هذه الحلول إلى حيز التنفيذ، أو حتى الدراسة.
إن هذا هو واجب العلماء كافة حتى تتوحد الكلمة ويتوحد الصف ويتوحد المسلمون، وتكون للأمة الإسلامية العزة والمنعة والقوة.
فقه الاختلاف المذهبي .
التسامح في شريعتنا
مقدمة:
التسامح قيمة من القيم التي رسخها إسلامنا المجيد، ورسختها شريعتنا الغالية.
وبالتسامح تتعاضد الأمة وتتكاتف وتتكامل وتتوحد.
وبالتسامح تشق طريقها بين الامم ويعلى قدرها.
التسامح والتساهل والتيسير والوسطية قيم حث عليها الاسلام، فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي ترسخ هذه القيم، والسنة النبوية الشريفة مليئة بالأحاديث التي تقعد هذه القيم، وهي مليئة أيضا بالمواقف التي تبين كيف كان رسول الله ﷺ متسامحاً مع أهله
ومع جيرانه ومع أصحابه، بل مع أعدائه.
وهي مليئة ايضاً بالمواقف التي كانت لصحابة رسول الله التي تدل على أنهم بلغوا أعلى درجات التأسي برسول الله الله في هذه القيم.
والتاريخ مليء بنظريات التسامح بين علماء أمتنا وأئمتهم العظام الذين ضربوا المثل والقدوة في تطبيق قيم الاسلام وترسيخ معانيها بين الناس قولاً وفعلاً.
ومن خلال هذه الدراسة نتعرف على هذه المعاني الجليلة التي هي سبيل إلى وحدة الأمة
ونسأل الله عز وجل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
في اللغة : السماح والسماحة الجود.
ورجل سمح وامرأة سمحة.
وسمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء.
وسمح لي فلان أي أعطاني، وسمح لي بذلك: وافقني على المطلوب.
والمسامحة المساهلة، وتسامحوا تساهلوا.
وسمح وتسمح: فعل شيئاً فسهل فيه.
وقولهم الحنيفية السمحة ليس فيها ضيق ولا شدة.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
القرآن والتسامح
يقول الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير [ الحجرات ٫ ١٣]
فقد أخبر الله تعالى في هذه الآية " أنه خلق الناس جميعاً من نفس واحدة وهي آدم، وجعل من هذه النفس زوجها حواء، ثم جعل الله شعوباً - وهي بطون الأعاجم - وقبائل - وهي بطون العرب - فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله تعالى ومتابعة الرسول الخاتم . وقد خلق الله الناس على هذه الصفة ليحصل التعارف بينهم، وجعل الله التفاضل عنده سبحانه وتعالى بالتقوى لا بالأحساب، لذلك قال : خياركم في الجاهلية خياركم
في الإسلام إذا فقهوا ")
وقال أيضاً: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " . "
وقال أيضاً: "كلكم بنو آدم و آدم من تراب ... .
ويقول الله تعالى: ولو شاء ربك لجعل النَّاسِ أُمَّةً واحدةً ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك [ هود ٫ ۱۱۸، ۱۱۹]
فلو شاء الله تعالى لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمة واحدة أي ملة واحدة، وهي ملة الإسلام، ولكنه سبحانه وتعالى مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق، واختار بعضهم الباطل، فاختلفوا لذلك، إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق .
ويقول الله تعالى: لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة ٫ ٢٥٦]
فالله عز وجل لم يجعل الإيمان إلا قائماً على الاختيار، فقد أمر الله عز وجل إلا يكره أحد على الدخول في الاسلام، وقد قال العلماء: إنها نزلت في قوم من الأنصار، إلا أن حكمها عام.
فقه الاختلاف المذهبي .
فهذه آية عظيمة في سماحة الاسلام، إذ لا يدخله أحد إلا باختياره ولا يجبر أحد على اعتناق الدين، وهذا يدل على أن الاسلام دين يتعايش مع الآخرين، ومع غير المسلمين، ويدل على أن المسلمين مطالبون بأن يعيشوا مع غيرهم في سماحة، ودون أن تكون العقيدة عائقاً للمعاملات والتصرفات بينهم وبين بعضهم.
وقال تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهُمْ وتَقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يحب المقسطين ﴾ [الممتحنة ۱.
فقد أمرنا الله عز وجل أن نبر بهؤلاء الذين يخالفوننا في العقيدة، ورخص لنا في أن نصل من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين أو بإخراجهم من الديار.
وقد قيل في مناسبة هذه الآية أن أسماء بنت أبي بكر قدمت أمها قتيلة بنت عبد العزى عليها، وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها، ولم تأذن لها في الدخول، فنزلت هذه الآية، فأمرها رسول الله لا أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها ".
ويقول الله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان .... [المائدة ٫ ٥]
فقد أحل الله عز وجل ذبائح أهل الكتاب - وهذا أمر مجمع عليه - وكذلك أحل الله عز وجل الزواج من الحرائر والعفائف من أهل الكتاب.
وهذا يدل على أن القرآن الكريم أحل التعامل مع الغير حتى في أدق الامور وأخصها، فأباح الطعام، ويدل هذا على الاختلاط بينهم، لأن الطعام لا يكون إلا في البيوت عادة، كما أباح الزواج، وهذا يدل على الاختلاط بأدق معانيه، والبر في أحسن صوره.
ويقول الله تعالى:
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم [ الانعام ٫ ١٠٨] فبالرغم من أن سب آلهة المشركين في ذاتها تعتبر طاعة، إلا أن القرآن نهى عن
۷۲
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
ذلك واعتبر ذلك معصية، لأنها تكون مفسدة في هذه الصورة، وذلك كالنهي عن المنكر فإنه طاعة، بل من أجل الطاعات، إلا أنه اذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب معصية
ووجب النهي عنه (٣)
ويقول الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السلام لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة [ النساء ٫ ٩٤] وقد ورد عن ابن عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك هذه الآية، قال ابن عباس: عرض الدنيا
تلك الغنيمة .
فقد أمرنا الله عز وجل أن نسلم من ألقى علينا السلام، ولا نعتدي عليه، فقد جعل الله تحية الإسلام السلام، فلا ينبغي علينا أن نغض الطرف عن هذه التحية، ونعادي من يلقيها علينا. ويقول الله تعالى: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما
بما كانوا يكسبون [الجاثية ٫ ١٤]
فانظر إلى سماحة القرآن الكريم التي تتسع للمعادي للدين الإسلامي فشملت الذين لا يرجون لقاء الله ولا يرجون الآخرة، فهؤلاء طلب منا القرآن الكريم أن تسامحهم وأن نغفر لهم، وأن نعفو عنهم، ثم يكون الجزاء والحساب في الآخرة.
آيات العفو
ذكرت مادة " العفو " في القرآن الكريم في حوالي خمسة وثلاثين موضعاً.
والعفو صفة من صفات الله عز وجل، فهو العفو الغفور
قال الله تعالى ولقد عفا الله عنهم [آل عمران ٫ ١٥٥]
وقال الله تعالى عفا الله عما سلف [المائدة ٫ ٩٥]
وقال تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات [الشورى ٫ ٢٥]
فقه الاختلاف المذهبي .
وقد أمرنا الله عز وجل أن نحتذي هذه الصفة، وأن يكون العفو سلوك المؤمن الصالح.
. فأمرنا أن نعفو وإن كنا نملك الجزاء.
قال تعالى: وجزاء سيِّئَة سَيِّئَةً مثلها فَمَنْ عفا وأصلح فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ [الشورى ٫٤٠] فمن عفا عن من ظلمه وأصلح ما بينه وبين من عفا عنه فإن الله عز وجل يكافئه بالأجر.
وجعل العفو أقرب شيء من التقوى، وذلك في مجال الزواج والطلاق، قال تعالى إلا أن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة ٫ ٢٣٧]
فقد ذكر الله عز وجل في بداية الآية وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فيجب للمرأة إذا طلقت قبل المسيس أو الدخول النصف، ويرجع النصف الآخر للمطلق، ثم قال سبحانه وتعالى إلا أن يعفون أي لكن أن يتم العفو من الزوجات فيتركن للأزواج هذا النصف أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الزوج فيترك كل المهر، ثم قرر أن العفو أقرب للتقوى. فندب إلى العفو من الجانبين الزوج والزوجة. هنا يجعل الله العفو والتسامح أساساً في معاملة كل واحد مع الآخر وإن كان بينهما ما بينهما من شقاق.
وحثنا على العفو عن السوء وندب اليه:
فقال تعالى وإن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإنَّ الله كان عفوا قديراً [النساء ٫ ١٤٩]
وهنا يتحدث القرآن الكريم عن إظهار الخير أو إخفائه - بأن يعمل سرا - أو العفو عن الظلم كل ذلك سبب لعفو الله ومغفرته.
وندب أيضاً إلى العفو:
فقال تعالى وإن تعفوا وتصفحوا وتغفرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِي [ التغابن ٫ ١٤]
وقال تعالى وليعفوا وليصفحوا أَلا تَحِبُّونَ أَن يغفر الله لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم
[النور ٫ ٢٢]
ففي الآية الأولى يطلب منا الله عز وجل أن نعفو عن الأزواج والأولاد في تثبيطهم
٧٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ حريف - شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
إيانا عن الجهاد والهجرة في سبيل الله معتلين بمشقة الفراق.
والآية الثانية نزلت في أبي بكر فقد حلف إلا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً لما خاض في الإفك وناس من الصحابة أقسموا إلا يتصدقوا على من تكلم بشيء من الإفك، فأمرهم الله بالعفو حتى يكون ذلك سبباً للغفران.
وحث على العفو بكظم الغيظ، فقال تعالى الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران ٫ ١٣٤]
فيتحدث القرآن عن الذين ينفقون في طاعة الله في اليسر والعسر، ويكظمون غيظهم مع قدرتهم، ويعفون عن من ظلمهم ويتركون عقوبتهم، فإن هذه الأفعال سبب للإثابة والمغفرة، ويكون الإحسان بهذه الأفعال.
وقد أوصى القرآن الكريم بأن ندفع ونرد ونجازي السيئة بالحسنة، ووعد الله عز وجل بأن من فعل ذلك كان له عاقبة محمودة.
فقال تعالى والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار [الرعد ٫ ٢٢)
وقال تعالى وادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ﴾ [المؤمنون ٫ ٩٦]
وقال تعالى: وعباد الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هُونًا وَإِذَا خاطبهم الْجَاهِلُونَ قالوا سلاما [الفرقان ٫ ٦٣]
فأمرنا أن تسالم السفهاء والطائشين.
وينه . وقال تعالى: وادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فصلت ٫ ٣٤].
فبين لنا الله سبحانه وتعالى أن دفع السيئة بالحسنة بلا قسوة ولا غلظة، يجعل بينك وبين من كانت عداوته ظاهرة، كأنه صديق قريب مهتم بأمرك وشؤونك.
وقد أمرنا القرآن الكريم بالإحسان في عدة آيات:
فقه الاختلاف المذهبي
فقال تعالى: وقولوا للناس حسنًا ﴾ [البقرة ٫ ۸۳]؛ أي قولوا للناس قولاً حسناً.
وقال تعالى وبلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة ٫ ١١٢].
فبين سبحانه وتعالى أن الإحسان بعد إخلاص النفس الله تعالى وحده بالعبادة له الأجر الذي لا يخشى بعده خوف ولا حزن.
وقال تعالى: وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلَكَةِ وَأَحْسَنُوا إِنَّ الله يحب المحسنين [البقرة ٫ ١٩٥].
فأمر تعالى بعد الإنفاق في سبيل الله، والبعد عما يؤدي إلى الإهلاك، وهو ترك الجهاد وطلب بعد ذلك الاحسان.
وقال تعالى: فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين [المائدة ٫٨٥].
فجعل الله جزاء هؤلاء المحسنين الجنة بأنهارها وخلودها.
وقال تعالى : ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [النجم ٫ ٣١] .
وقال تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن ٫ ٦].
وقال تعالى: وإن رحمت الله قريب من المحسنين [الاعراف ٫ ٥٦] .
فقرر سبحانه وتعالى أن الرحمة قريبة من هؤلاء الذين أحسنوا في حياتهم.
وقرر القرآن أن المحسنين لا يضيع أجرهم أبداً.
فقال تعالى: وَاصْبرْ فَإِنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين [ هود ٫ ١١٥].
وقال تعالى ﴿إِنَّا لا تضيع أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف ٫ ٣٠] .
ووعد الله المحسنين بالبشرى، فقال تعالى: وبشر المحسنين [ الحج ٫ ٣٧].
وقرر القرآن معية الله للمحسنين، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)
[العنكبوت ٫ ٦٩].
٧٦
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
وقد أمرنا القرآن الكريم أن تجادل الذين يخالفوننا في العقيدة بالتي هي أحسن، فقال تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن» | العنكبوت ٫ ٤٦].
فما بالك بمجادلة من يوافقوننا في العقيدة والتوحيد والأصول.
السنة والتسامح
في الكتب الصحيحة أحاديث الرسول الله لا تأمر بالتسامح والتساهل في أمور الحياة كلها، كما أن في سيرته مواقف عظيمة لهذا التسامح مع غيره.
أما الأحاديث:
فعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : اسمح
يسمح لك .
قال الأصمعي: معناه سهل يسهل لك وعليك.
فهو أمر عام بالسماحة والتسامح والتساهل في كافة الأمور، فإذا سهل الإنسان في تصرفاته ومعاملاته سهل الله عليه وسهل الله له حياته وطريقه في الدنيا والآخرة، فما أعظم أن يقف الإنسان بجوار أخيه لفك كربته أو لمساعدته أو لتسهيل أمر من الأمور عليه، فإن ذلك مدعاة لتسهيل الله عز وجل له في الدنيا ومجازاة الله له على هذا العمل في الآخرة.
هكذا التسامح في الاسلام.
وعن أبي أمامة الباهلي قال قال النبي ﷺ : " إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة ٣٤١.
وعن ابن عباس قال: قيل لرسول الله: أي الأديان أحب إلى الله. قال: "الحنيفية السمحة ١٣٥.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة ٣.
وقال أيضاً : " أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ".
فقه الاختلاف المذهبي .
وفي هذه الأحاديث كلها يصف رسول الله الدين الإسلامي بأنه دين الحنيفية السمحة، دين السماحة، دين التساهل دين اليسر، دين الوسطية، دين الفسحة التي لا توجد في غيره من الأديان.
فأحب الدين إلى الله هذا الدين الذي هو مبني على السماحة والتسامح.
وكأن رسول الله الله يلخص الدين كله في هذه الكلمة "السماحة".
وكأنه يقول: إن كل ما في هذا الدين قائم على التسامح والتساهل.
وكأنه الله يقول: إن عصب هذا الدين هو السماحة.
وكأنه يقول : إن أوامر هذا الدين سمحة.
فالحديث الذي روته عائشة، والذي فيه قوله ل " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة كانت مناسبته أنه كانت جاريتان تلعبان وتضربان وتغنيان في بيت رسول الله في يوم عيد، فدخل أبو بكر - وكان رسول الله ﷺ مسجى بثوبه - وقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله ؟! - قالها ثلاثاً - فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا " ثم قال : " ليعلم يهود أن في ديننا فسحة.......
وفي حديث طويل عن الشفاعة، عن أبي بكر الصديق أن رسول الله ﷺ قال: ........ ثم يقول الله عز وجل : انظروا في النار هل تلقون من أحد عمل خيراً قط. قال: فيجدون في النار رجلاً، فيقول له هل عملت خيراً قط ؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع والشراء، فيقول الله عز وجل: أسمحوا لعبدي
كإسماحه إلى عبيدي وأكثر............
وهذا الحديث يبين الشفاعة، وكيف أن من عمل خيراً، فإنه ينال من هذه الشفاعة، وهذا الرجل الذي خرج من النار لم يعمل خيراً قط في الدنيا إلا أنه كان متصفا بصفة عظيمة وهي السماحة، كان يسامح الناس بيعاً وشراء، كان يسامح الناس في تعامله معهم، فكان ذلك سبباً في خروجه من النار ودخوله الجنة، ونيله الشفاعة.
فقد يسر الله عليه وسهل عليه، لأنه يسر وسهل مع عبيد الله، وتيسير الله أعظم وأجل،
VA
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
فهو سبحانه وتعالى يكافئ بالأحسن.
وهذا ينقلنا إلى حديث آخر يوضح فيه رسول الله السماحة في المعاملات.
فعن جابر قال: قال رسول الله : رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى ٣٩.
وهنا يدعو رسول الله إلى السماحة في البيع وإلى السماحة في الشراء وإلى السماحة في القضاء والاقتضاء، ففي كل المعاملات يدعو الرسول إلى السماحة التي هي صراط إلى الجنة، كما ظهر في الحديث السابق عن الشفاعة.
فرحمة الله تنال هؤلاء المسامحين المتساهلين، وغفران الله ينال هؤلاء المؤمنين الذين اتصفوا بالتساهل واليسر والجود.
وهذا ينقلنا إلى حديث آخر عن الزهري، قال: مر النبي الله على أعرابي يبيع شيئاً فقال : " عليك بأول سوم - أو أول السوم - فإن الأرباح مع السماح ".
فأمره أن يتسامح وان يبيع مع أول من يطلب منه الشراء، ويبين له أن ذلك هو السماح، لأن من يؤخر وينتظر السوم الثاني والثالث والعاشر، فإنه غير مسامح.
إنما ينتظر الأعلى ثمناً والأكثر ربحا في نظره، فيبين له أن الربح الحقيقي مع الأول، وليس هذا - فيما أظن - قاصراً على الربح في الدنيا، وإن كان يشمله ولكن الربح في الآخرة، وما أجدر أن يسعى الإنسان في معاملاته إلى السماحة لينال الربح الحقيقي المؤجل الذي يسعى إليه كل راشد.
وحديث رسول الله الله الذي يوصى به الأمة بالقبط.
فعن عبد الرحمن بن شماسة المهدي قال سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ال: "إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً ......
وروي أيضاً عن كعب بن مالك أن رسول الله قال: "إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيراً فإن لهم ذمة ورحماً .
فقه الاختلاف المذهبي .
وهذا يدل دلالة لا ريب فيها على سماحة رسول الله الله وعلى أمره بالتسامح مع غير المسلم، فقد طلب رسول الله أن يطلب المسلمون الوصية من أنفسهم بإتيان أهلها خيراً، وأن نقبل وصية رسول الله فيهم إذا دخلنا مصر وأن نحسن إليهم ونقابلهم بالعفو.
ويخاطب رسول الله الله هنا الولاة والحكام بهذه السماحة، فهم على رأس من يفتح البلاد.
وقد تعددت مواقف الرسول في التسامح وكثرت، وقد ضرب للمسلمين بهذه المواقف الاسوة والقدوة التي تحتذى في هذه الحياة الدنيا.
فقد استقبل رسول الله وقد نصارى نجران في المسجد واستضافهم، وهكذا كان الرسول متسامحاً ومتساهلاً في عرض الاسلام على غيره، وترحيبه بالناس أيما ترحيب.
وقبل رسول الله الهدية غير المسلم، فقبل هدية المقوقس له.
وعن جابر أن راهباً أهدى لرسول الله ﷺ جبة، فقبل رسول الله الجبة .
وقد كان من مواقفه التي تدل على تسامحه وتيسيره، معاملته للأعرابي الذي بال في المسجد وهم الناس أن يقعوا به ويثوروا عليه، فقد ورد عن أبي هريرة أن أعرابيا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله : "دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء - أو سجلاً من ماء - فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين .
وفي بعض الروايات: "لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله.
فانظر كيف كان تسامح الرسول مع هذا الأعرابي الذي بال في مكان العبادة، فلوته ونجسه، وانظر إلى نهي الرسول الناس أن يقطعوا عليه بوله ونهيه أن يثوروا عليه، أو أن يقعوا به، ثم قام رسول الله بعلاج ما حصل بأن أمر بتطهير المكان بالماء.
وانظر إلى قول رسول الله اللهم فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " فأمرهم بالتيسير والتسامح والعفو وخاطبهم بقوله " بعثتم " مع أنهم لم يبعثوا، وإنما أراد أن
A.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
يعلمهم التيسير في التبليغ عنه .
وقد كان رسول الله الله غلام يهودي يخدمه، وعندما مرض قام رسول الله يعوده.
فعن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ال فمرض فأتاه النبي ال يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له " أسلم .. فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم.
فأسلم، فخرج النبي الله وهو يقول " الحمد الله الذي أنقذه من النار .
لقد كان الرسول البسماحته حريصاً على أن يعود المريض ويزوره، حتى لو كان المريض يخالفه في العقيدة، وقد كان الرسول حريصاً على أن ينقذ الناس لا من شرور وآلام الدنيا فحسب، وإنما من نار الآخرة، فما أعظم هذا النبي .
وقد تعددت مواقف صحابة رسول الله الله في التسامح وكثرت، اقتداء بخاتم المرسلين محمد وامتثالاً لأوامر هذا الدين الذي يمثل الوسطية والاعتدال.
فعن محرز بن قيس بن السائب أن عبد الله بن عمرو أمر بشاة فذبحت فقال لقيمه: هل أهديت لجارنا اليهودي شيئاً؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " 10.
هكذا فهم الصحابي أوامر رسول الله ﷺ وانتسى بسلوكه، فكان تسامحه حتى مع اليهودي الذي يعيش في دار الاسلام، فكانت العلاقة الطيبة القائمة على البر والتسامح.
ومن مواقف الصحابة التي تدل على التسامح أنه مر أمير المؤمنين عمر بشيخ كبير من أهل الذمة يقف على الأبواب يسأل الناس، فقال له: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك المال في شبيبتك وضيعناك في شيبك، ثم أجرى عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه.
فهو موقف عظيم يدل على أن الاسلام يراعى مصالح الناس جميعاً، لا مصالح المسلمين فحسب، فهو دين أصحابه يقفون بجوار من يحتاج، بغض النظر عن عقيدته.
ومن المواقف أيضاً انه اشتكت امرأة قبطية عمر رضي الله عنه من عمرو بن
فقه الاختلاف المذهبي .
العاص رضي الله عنه، والذي ضم بيتها إلى المسجد، فأرسل إليه عمر، وسأله عن ذلك، فقال: إن المسجد ضاق بالمسلمين، ولم أجد بداً من ضم بعض البيوت والدور المحيطة بالمسجد، وعرضت على هذه المرأة ثمناً باهظاً لأسترضيها وأشتري منها بيتها، فأبت أن تأخذه، فادخرته لها في بيت المال، وانتزعت ملكيتها مراعاة للمصلحة، فأمر عمر أن يهدم هذا الجزء من المسجد، وأن يعاد بناء البيت كما كان لصاحبته..
هكذا يكون العدل بين المسلمين وبين غيرهم، وهكذا يطبق الصحابة هذا المنهج ويصححون الأوضاع لما هو أفضل وأحق، فالعدل هو الغاية، والتسامح وسيلة إلى هذا العدل.
ومن مواقف التسامح الصحابة رسول الله لأنهم لما فتحوا البلاد وأقاموا حكم الاسلام، وأقاموا العدل في هذه البلاد لم يهدموا الكنائس التي كانت في هذه البلاد، وإنما تركوها مراعاة لحرية العقيدة.
فعندما دخل عمرو بن العاص مصر فاتحاً، ودافع عن أهل مصر من ظلم الرومان الذين قتلوا وسفكوا دماء القبط وظلموهم، فإن عمرو لم يأمر بهدم الكنائس، وإنما تركها حرية العقيدة أصحابها، فلا إكراه في الدين، والدليل على ذلك هذه الكنائس القديمة التي ما زالت موجودة حتى الآن.
ومن مواقف الصحابة أيضاً قصة الرجل الذي سابق نجل عمرو بن العاص، فلما سبقه غضب ولطمه أو جلده، وقال له: أنا ابن الأكرمين، فلما اشتكى هذا الشاب إلى عمر بن الخطاب استدعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الرجل وابن عمرو بن العاص وعمرو بن العاص واستمع إلى كل، ولما عرف الحق أمر الرجل أن يضرب ابن عمرو بن العاص كما ضربه، وبذلك تحقق العدل. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
ومن المواقف العظيمة لصحابة رسول الله الله في التسامح هو أنه رغم اختلافهم " في الفروع والامور الفقهية، بعد أن لحق الرسول بالرفيق الأعلى، إلا أن هذا الاختلاف لم يفرق وحدتهم، ولم يحملهم هذا الاختلاف على البغض والكره
AY
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
وإنما كانوا متحابين أمة واحدة، بل كانوا إذا سئل أحدهم عن أمر أحال الإجابة والفتوى إلى غيره.
وقد كان أصحاب رسول الله في حروبهم لا يقتلون شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا وليداً، ولا راهباً، ولا يقطعون شجرة .....
فعن صالح بن كيسان قال: لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على ربع من الأرباع خرج أبو بكر معه يوصيه ويزيد راكب وأبو بكر يمشي فقال يزيد: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. يا يزيد إنكم ستقدمون بلاداً تؤتون فيها بأصناف من الطعام فسموا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وإنكم ستجدون أقواماً قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع فاتركوهم وما حبسوا على أنفسهم، وستجدون أقواماً قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد فاضربوا تلك الاعناق، ولا تقتلوا كبيراً هرماً ولا امرأة ولا وليداً، ولا تخربوا عمراناً ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تغدر ولا تمثل ولا تجبن ولا تغلل، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز، أستودعك الله وأقرئك السلام، ثم انصرف .
وقد تعددت مواقف العلماء في التسامح وكثرت أيضاً، اقتداء بمورثهم رسول الله ال ، فالعلماء ورثة الأنبياء، واقتداء بصحابة رسول الله الله ، فهم المصابيح التي يقتدى بها في الطريق إلى الجنة.
هؤلاء العلماء والأئمة بالرغم من اختلافهم في الاحكام الشرعية والقضايا الفقهية نتيجة لاختلافهم في مناهج البحث وطرقه، أو نتيجة للأخذ بالقياس والاجماع، أو نتيجة لاختلافهم حول دلالات الالفاظ والاساليب الواردة في القرآن والسنة، من العام والخاص، والمطلق والمقيد، والالفاظ المشتركة، أو نتيجة للنظر إلى أدلة الاحكام فهي ليست في درجة واحدة من ناحية الثبوت، فهناك القطعي والظني، ومن ناحية الدلالة، فهناك القطعي والظني أيضاً.. أو غير ذلك.
فقه الاختلاف المذهبي .
فبالرغم من اختلافهم هذا، إلا أنهم كانوا يحترمون بعضهم، ويوقرون بعضهم، وكل منهم يقر الحق لأهله، بل يمدح بعضهم بعضاً في أحيان كثيرة.
فالإمام أبو حنيفة كان يقول: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق.
وقد جاء في المناقب للموفق المكي أن أبا جعفر المنصور قال: " يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأ له أربعين مسألة، وإن أبا حنيفة يقول عندما دخل على أبي جعفر وهو بالحيرة: أتيته فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور - أي أمير المؤمنين - فسلمت عليه وأوماً فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت ألق عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا، وربما تابعتم، وربما خالفنا، حتى أتيت على الاربعين مسألة، ثم قال أبو حنيفة: إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.
وقال أبو حنيفة في زيد: شاهدت زيد بن على كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه، ولا أعلم ولا أسرع جواباً، ولا أبين قولاً، لقد كان منقطع القرين.
وكان مالك يقول في جعفر الصادق: " ما رأيت جعفر بن محمد إلا صائماً أو مصلياً أو تالياً للقرآن ".
وقال الشافعي في أبي حنيفة الناس كلهم عيال على أبي حنيفة في الفقه.
وقال في مقاتل الناس كلهم عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير " ومقاتل بن سليمان شيعي زيدي.
وقال أحمد ابن حنبل في الشافعي الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء، في اللغة واختلاف الناس والمعاني والفقه.
وكان هؤلاء العلماء يقرون بأن رأيهم هو أقصى ما وصلوا إليه من صواب، وقد يكون الصواب في جانب غيرهم، ومن السهولة أن يرجع عن رأيه إذا وجد دليل المخالف
٨٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
واضحاً لديه وجلياً، فلم يكن غرضهم الهوى، وإنما الوصول إلى الحق.
لم يكن في سلوكهم هذا التكفير للغير والتبديع الذي نجده في أيامنا هذه، والذي هو دليل على قلة العلم والأدب، فالكفر شيء عظيم لا ينبغي أن يبادر الانسان إلى إطلاقه على المؤمن أو المسلم، إلا إذا فعل أو قال ما يوجب ردته وتكفيره، أما إذا تكلم بكلام يحتمل غير ذلك، فلا ينبغي أن يطلق عليه الكفر، حتى ولو كان هذا الاحتمال في غاية البعد.
فإنه لا يخرج الرجل من الايمان إلا جحد ما أدخله فيه، وهذه الأمور لابد فيها من اليقين، ومناط الكفر هو التكذيب أو الاستخفاف بالدين، والمراد بالتكذيب أن يكذب ما كان معلوماً من الدين بالضرورة.
فهؤلاء العلماء والائمة ضربوا المثل في التسامح.
وقد روي عن علي زين العابدين، وعن رحمته وسماحته أن جارية كانت تحمل الابريق، وتسكب منه الماء ليتوضأ، فوقع على وجهه وشجه، فرفع رأسه إليها لائماً، فقالت الجارية له: إن الله تعالى يقول: والكاظمين الغيظ ، فقال: كظمت غيظي، فقالت: والعافين عن الناس، فقال: عفا الله عنك، فقالت: والله يحب المحسنين،
قال: أنت حرة لوجه الله تعالى.
هكذا كان التسامح مع الغير في سلوك هؤلاء الأئمة الاعلام، وآل بيت الله الكرام.
حكي أن أبا يوسف - رحمه الله - صاحب أبي حنيفة. وكان قاضياً، قال في مناجاته عند موته: اللهم إن كنت تعلم أني ما تركت العدل بين الخصمين إلا في حادثة واحدة فاغفرها لي، قيل له ما تلك الحادثة؟ قال: ادعى نصراني على أمير المؤمنين دعوى فلم يمكنني أن آمر الخليفة بالقيام من مجلسه والمحاباة مع خصمه، ولكني رفعت النصراني إلى جانب البساط بقدر ما أمكنني، ثم سمعت الخصومة قبل أن أسوي بينهما في المجلس، فهذا كان جوري.
فانظر كيف كان هذا الامام العالم العامل يعتبر أنه جار في الحكم وظلم وتعدى حقوق الله لأنه سمع مقالة الخصمين قبل أن يسوي بينهما أمامه.
فقه الاختلاف المذهبي .
فالقاضي مأمور بأن يسوي بين الخصمين في المعاملة والمجلس معاً مهما كانت منزلة أحدهما، فقد كان أحدهما الخليفة وهو أكبر سلطة على وجه الارض آنذاك، وأما الآخر فكان رجلاً من عامة الناس، وبالإضافة إلى ذلك لم يمنعه اختلاف عقيدته عن عقيدة القاضي أن يحاول التسوية بينهما في الحكم، وبالرغم من أنه سوى بينهما بقدر استطاعته، فرفع النصراني إلى جانب البساط بقدر ما أمكنه إلا أنه كان يعتبر ذلك ظلماً وجوراً لأنه لم يرفعه إلى سرير عرش الخليفة، أو ينزل الخليفة عن مكانه إلى بلاط الخلافة، فكان حقاً عليه إلا يسمع الخصومة إلا بعد أن يفعل ذلك.
إن هذا القاضي نموذج يحتذى في العدل ومعاملة أهل الكتاب.
إن التسامح سلوك حث عليه ديننا وحثت عليه شرعيتنا، وأجدر بنا أن نتأسى بهذا السلوك.
المؤسسات ودورها في ترسيخ مفهوم التسامح
أما المؤسسات الدينية والمساجد والعلماء فإن لهم دوراً عظيماً وكبيراً في بث روح التسامح في المجتمع الإسلامي، فالمسلمون عادة ما يستجيبون للعلماء والدعاة، ويتأثرون بمن يدعون إلى الله عز وجل ويوقرونهم.
ولذلك كان العبء كبيراً وصعباً على هؤلاء العلماء والدعاة في المساجد، وفي الأزهر كمؤسسة تعليمية، وفي كل مكان في الارض.
عليهم أن يبثوا روح التسامح نظرياً - بأن يعلموا الناس الدين الصحيح الوسطى المبني على هذه القيم وأوامره وتاريخه - وتطبيقياً - بأن يسلكوا قيم التسامح في معاملاتهم، حتى لا يكون قولهم مناقضا لفعلهم -
عليهم أن يبينوا للناس ويعلموهم هذه القيم التي تدعو إلى الترابط والتلاحم والوحدة، لا إلى التفريق والتفتت، فعدونا يتربص لنا.
عليهم أن يبثوا في الناس روح احترام الرأي الآخر، ومناقشته، لا روح التكفير والتبديع والتفسيق لمن يخالفهم في الرأي والاجتهاد.
٨٦
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
وأما الإعلام: فإنه بكل وسائله مؤثر في الناس بدرجة قد تكون أكبر من أي مؤسسة أخرى.
ولو وظف الاعلام في نشر الفضائل والقيم وتعليم الناس لوصل إلى نتائج غير متوقعة، فقد أصبح التلفاز في كل بيت وفي القرى والحضر.
ونحن في حاجة إلى الإعلام ليبث قيم التسامح بين الناس في برامجه وفي مسلسلاته، لا قيم التناحر والتشاجر والتذبذب، فالإعلام قادر على أن يصل بالناس في وقت قصير إلى نتائج لو بذلتها مؤسسات أخرى لكان تأثيرها ضئيلاً.
وقد نجح اليهود في أن يغيروا الحقائق بالإعلام، وأصبح الناس في العالم يبكون على الهيكل وعلى انتهاك حقوق اليهود أكثر مما يبكون على الفلسطينيين والمسلمين والاقصى. فقد صور الاعلام اليهودي في العالم اليهود على أنهم مظلومون.
ونجح الامريكان في أن يسخروا الاعلام لإقناع الناس بأن الاسلام دين الارهاب.
فهل ننجح نحن في أن نقدم صور القيم الاسلامية المتنوعة للعالم، أم أننا سنكون مقلدين فنعمل مثل عملهم؟
وأما المؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس والجامعات فإن لها دوراً كبيراً في نشر قيم الاسلام عامة وقيم التسامح خاصة.
فالتلميذ يتعلم من معلمه ويتأثر به، ويعلم أن هذه المؤسسة - المدرسة أو الجامعة -
هي التي تقدم له المفاهيم الصحيحة البعيدة عن الغلو والتطرف والبعيدة عن الخيال والبعيدة عن الجهل.
التلميذ يعلم أن هذه المؤسسة هي التي تقول الكلمة النهائية والفكر الوسطي، لأنه منهج قد وضع من قبل مفكري الأمة وعلمائها، فهو يطمئن إلى انه بين يدي فكر صحيح ورؤية ناضجة، ولذلك كان لهذه المؤسسات دور عظيم في ترسيخ هذه القيم، سواء في مناهجهم، أو في السلوك، فالتربية لها نفس الاهمية التي للتعليم، بل إن التربية أهميتها أكبر وأجل.
وبالتعليم والتربية والاهتمام بالمدارس والجامعة وصلت أوربا وألمانيا واليابان وأمريكا
فقه الاختلاف المذهبي .
إلى أعلى درجات التقدم العلمي، فالبداية كانت من المدرسة ليكون لهم هذا الشأن.
وقد كانت الأمة الاسلامية في وقت من الاوقات من أفضل الامم في هذه العلوم، بل هي أفضل الامم حينئذ، ولكنا تراجعنا ولم نعط لهذه المؤسسات التعليمية اهتماماً، ولم تلق لهذه الأمور بالاً، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه.
إن الرجوع إلى الاهتمام بمؤسساتنا التعليمية هو الغرض الذي ننشده والذي ينشده كل من يحمل في قلبه أملاً لهذه الأمة.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
الاختلاف المذهبي بين التكفير والتسامح
الهوامش:
(1) الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر.
(۲) الحديث أخرجه النسائي عن أبي الدرداء.
(۳) الحديث أخرجه مسلم عن النعمان بن بشير.
(٤) لسان العرب ابن منظور، مادة أمن.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم.
(٦) لسان العرب ابن منظور، مادة عقد.
(۷) الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة.
(۸) أخرجه البخاري ومسلم.
(۹) بيان للناس: الأزهر، مطبعة المصحف الشريف، ج ۱، ص ۱۱۸ - ۱۲۰
(١٠) الحديث أخرجه النسائي والترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.
(۱۱) الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود.
(۱۲) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(۱۳) الحديث أخرجه البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه.
(١٤) صحيح مسلم بشرح النووي شرف الدين النووي، جـ 1 ٫ ص ١٥٠ ، طبعة دار إحياء التراث العربي.
(١٥) رسالة فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص ٢٦٥.
(١٦) السابق، ص ٢٦٦.
(۱۷) الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، ص ١٣٤.
(۱۸) أنوار البروق في أنواع الفروق، طبعة عالم الكتب، جـ ٤ ٫ ص ١١٥
(۱۹) المعيار المعرب طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، جـ ١٢ ٫ ص ٧٤.
(٢٠) التمهيد ابن عبد البر، الجزء ١٧ ٫ ص ۲۲
(۲۱) تحفة المحتاج: الجزء ٤ ٫ ص ٨٤
(۲۲) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني، ص ۹۷۸.
(۲۳) تفسير القرطبي، ج ۱۲، ص ۳۷
(٢٤) لسان العرب لابن منظور: مادة سمح.
(٢٥) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، جـ ٤، ص ٣٣٣ - ٣٣٥
(٢٦) أخرجه البخاري عن أبي هريرة.
(۲۷) أخرجه البزار في مسنده عن حذيفة.
(۲۸) أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
فقه الاختلاف المذهبي .
(۲۹) الكشاف للزمخشري: جـ ٢، ص ٢٦٨.
(٣٠) السابق: جـ ٤، ص ٩٢
(۳۱) السابق: جـ ٢، ص ٤٣.
(۳۲) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ج ۱، ص ۸۱۷
(۳۳) أخرجه أحمد.
(٣٤) أخرجه أحمد.
(٣٥) أخرجه أحمد.
(٣٦) أخرجه أحمد.
(۳۷) أخرجه البخاري.
(۳۸) أخرجه أحمد.
(۳۹) أخرجه ابن ماجه.
(٤٠) أخرجه البيهقي.
(٤١) أخرجه البيهقي.
(٤٢) أخرجه أحمد.
(٤٣) أخرجه البخاري.
( ٤٤) أخرجه البخاري.
(٤٥) مسند الحميدي.
(٤٦) اختلف الصحابة في أمور كثيرة وأحكام متعددة، منها اختلافهم في المفقود ماذا تفعل امرأته؟ ومنها اختلافهم في حجب الجد للإخوة كالأب، ومنها اختلافهم في وقوع طلاق السكران.... إلى غير ذلك ارجع إلى الخلاف المذهبي ونشأته: جواد رياض )
(٤٧) أخرجه البيهقي.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م