فقه الاختلاف
المذهبي
فكرة الحوار من منظور قرآني
المقدمة
أ. الشيخ احمد مبلغي (1)
قد أولى القرآن الحوار أهمية بالغة إلى حد لم ينظر إليه كوضع مقبول وشأن مطلوب فحسب، بل ذهب إلى أبعد وأعمق من ذلك، واعتبر أن الحوار وسيلة قوية لاستحضار العقل ومنطلق داعم للحركية الاجتهادية في الفكر الإنساني وأرضية مشتركة للحركة الإجتماعية والفكرية في المسائل الاختلافية ومجال شامل لإيجاد العلاقات والأواصر الإجتماعية. وبتعبير آخر خرج الحوار في القرآن عن حدود كونه ذا وضع مطلوب ليبلغ مستوى خصلة إنسانية لا يمكن تفكيكها عن الحياة الدينية ولا المادية.
القرآن هو كتاب حوار، يأتي بقصص الحوار ويحكي حوار القصص، يعطي فكرة الحوار ويروي حوار الفكر، دعوته إلى الحوار وحواره للدعوة، هدفه الحوار وحواره للهدف، يبني الديانة والحضارة على الحوار ويدعو إلى حوار الديانات و الحضارات. يريد هذا الكتاب الحواري إنشاء مجتمع حواري لكي يفكر بكل حرية ويختار بكل إرادة، ويبني من الحوار آلية اجتماعية في سبيل تقوية أفكاره وإنسانيته وإلهيته، ويجد أن الحركة القائمة على الحوار يتوافق مع عمق فطرته التي فطره الله عليها، تلك الفطرة التي تكمن فيها فكرة الله وتتأصل فيها الرغبة إلى الله.
تسعى هذه المقالة إلى التعرف على مكانة الحوار من وجهة نظر القرآن. وقد توزعت
(*) رئيس التحرير . مواضيع المقال في محاور ثلاثة:
- تعريف الحوار وفرقه مع الجدال
- مكانة الحوار حسب الرؤية القرآنية
- ثقافة الحوار حسب الرؤية القرآنية
المحور الأول: تعريف الحوار وفرقه مع الجدال:
أ. تعريف كل من الحوار والجدال: أما الحوار فهو من المحاورة؛ وهي المراجعة في الكلام قال الزبيدي في تاج العروس: (الحوار أي المحاورة ( و ) المحاورة المجاوبة و ) مراجعة النطق ) والكلام في المخاطبة وقد حاوره وتحاوروا تراجعوا الكلام بينهم ) وهم يتراوحون ويتحاورون.)) وقال الطبرسي والتحاور التراجع، وهي المحاورة، يقال: حاوره محاورة أي: راجعه الكلام، وتحاورا) (۲) وقال العلامة الطباطبائي: المحاورة المخاطبة والمراجعه في الكلام (٣)
وأما الجدال، فقال الراغب الاصفهاني في تعريفه :
(الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله ومنه الجديل، وجدلت البناء : أحكمته، ودرع مجدولة، والأجدل: الصقر المحكم البنية. والمجدل القصر المحكم البناء، ومنه الجدال، فكأن المتجادلين يقتل كل واحد الآخر عن رأيه. وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة. قال الله تعالى:
وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل٫ ١٢٥]، والذين يجادلون في آيات الله [غافر ٫ ٣٥]، وإن جادلوك فقل الله أعلم [الحج: ٦٨] ، قد جادلتنا فأكثرت جدالنا هود (۳۲) ، وقرئ: (جدلنا) ما ضربوه لك إلا جدلًا ﴾ [الزخرف ٫ ٥٨)، وكان الإنسان أَكثر شَيْء جدلًا ﴾ [الكهف ٫ ٥٤]، وقال تعالى : وهم يجادلون في الله ﴾ [الرعد٫ ١٣]، يجادلنا في قوم لوط [هود ٫ ٧٤]، وجادلوا بالباطل [غافر ٫ ١٥، ومن الناس من يجادل في الله ﴾ [الحج ٫ ٣)، ولا جدال في الحج [البقرة٫ ۱۹۷)، «يا نوح قد
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ حريف - شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
جادلتنا ﴾ [هود٫ ٣٢)).(4)
وقال القرطبي: (والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة ... ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير.) (٥)
وقال الطباطبائي : وهو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصر عليه وينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلمه هو والناس أو يتسلمه هو وحده في قوله أو حجته) (٢)
ب الفرق بين الحوار والجدال يتم البحث عن وجود الفرق بينهما أو عدمه من زاويتين
الزاوية الأولى: الفرق بينهما من حيث الاحتواء أو عدم الإحتواء للمعنى السلبي: وقد برز من هذا الحيث اتجاهان
الاتجاه الأول: أن للجدل معنى سلبياً بخلاف الحوار؛ والدليل الذي قد يطرح لإثبات ذلك أن القرآن يركز في مواقع كثيرة على الحوار، بينما نرى أن القرآن يذكر الجدال في المواضع غير المرضي عنها وكأنه يستنكر الجدال. يقول في الدر المنثور: (أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله وكان الانسان أكثر شئ جدلا قال الجدل الخصومة خصومة القوم لانبيائهم وردهم عليهم ما جاوا به وكل شئ في القرآن من ذكر الجدل فهو من ذلك الوجه فيما يخاصمونهم من دينهم يردون عليهم ما جاؤا به والله أعلم) (۷)
الاتجاه الثاني: أنه ليس للجدل أيضاً معني سلبي كما في الحوار؛ وهذا الاتجاه للكثير من مفسري الشيعة والسنة
منهم العلامة الطباطبائي، فإنه بعد أن اعتبر أن الجدال الوارد في القرآن نفس الجدل المنطقي قال: (أنه سبحانه قيد.... الجدال بالتي هي أحسن ففيه دلالة على أن من الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن ..... والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ثم الحسنة إلى التي هي احسن وقال أيضاً: (والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها ولم يجز من المجادلة إلا التي هي احسن.
فقه الاختلاف المذهبي .
وذهب إلى أبعد وأكثر من ذلك في موضع آخر من كلامه واعتبر أن المجادلة يمكن أن تكون من أقسام الدعوة وأساليبها وقال في ذلك: ذكر البعض إن المجادلة بالتي هي احسن ليست من الدعوة في شئ بل الغرض منها شئ آخر مغاير لها وهو الالزام والافحام قال ولذلك لم يعطف الجدال في الآية على ما تقدمه بل غير السياق وقيل وجادلهم بالتي هي احسن. وفيه غفلة عن حقيقة القياس الجدلي فالافحام وان كان غاية للقياس الجدلي لكنه ليس غاية دائمية فكثيرا ما يتألف قياس من مقدمات مقبولة أو مسلمة وخاصة في الأمور العملية والعلوم غير اليقينية كالفقه والاصول والاخلاق و الفنون الأدبية ولا يراد به الالزام والافحام على ان في الالزام والافحام دعوة كما ان في الموعظة دعوة وان اختلفت صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة والمغالبة.))
ومنهم القرطبي حيث قال: (والجدل في الدين محمود، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر. وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه) (۹)
يمكن في التحليل النهائي أن يقال: إن هناك نقطتين يجب الالتفات إليهما:
النقطة الأولى: أنه بلحاظ كثرة اقتران الوضع النوعي للانسان في الجدل مع شؤون سلبية، ظهرت وتكونت نظرة سلبية إلى الجدل، بحيث يرى أن للجدل مكانة سلبية أو على الأقل أنه أمر لا تترتب عليه فائدة مهمة، والواقع أن هذه النظرة ليست دقيقة، وما قد نظنه من أنه لا يبدو معنى ولا مصداق لتركيب الجدل الإيجابي"، نظرة خاطئة، ففي القرآن موارد معتد بها من استخدام معنى هذا التركيب، فالجدل ليس أمراً سلبياً بحد ذاته بل ما رافقه من أوضاع - من قبيل التعصب والجهل - هو الذي منحه طابعاً سلبياً.
النقطة الثانية: أن الجدل له جذور في الفطرة، فهو نوع من رد الفعل الطبيعي الذي غرس الله حالته وإمكانيته في الإنسان وفطرته كى يستطيع عبر هذه الإمكانية أن يخلق مساحات للعمل وحتى للحوار في نشاطاته وتفاعلاته، فليس من الصحيح مكافحته، بل يجب محاولة استغلاله بشكل أفضل وأحسن ) كما يرشدنا إلى ذلك القرآن للتخلص
٩٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
من سلبياته من ناحية، وبناء نقاط إيجابية مبنية عليه من ناحية أخرى.
الزاوية الثانية: تعيين النسبة بينهما
ونواجه من هذا الحيث فروضاً وهي ما يلي:
الفرض الأول: هما اصطلاحان لمعنى واحد
حسب هذا الفرض، يمتلك هذان الاصطلاحان معني واحداً ، وهو عبارة عن المناقشة بين طرفين أو أطراف، يكون المقصود بها في بعض الموارد إظهار حجة لإثبات حق، أو دفع شبهة، وفي موارد أخرى تصحيح كلام، أو رد قول فاسد.
الفرض الثاني: هما اصطلاحان المعنيين مختلفين
حسب هذا الفرض، يمتلك كل من الاصطلاحين معني خاصاً يختلف عن المعنى الذي للآخر.
والذين قبلوا هذا الفرض يمكن تقسيمهم على اتجاهين:
الاتجاه الأول: يرى أن الحوار والجدل وإن التقيا في كونهما بمعنى حديث أو مناقشة
بين طرفين غير أنهما يفترقان في أن الحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين بحيث ينتقل الحديث من الأول إلى الثاني، ثم يعود إلى الأول.. وهكذا دون أن يلحظ مستمع أو مراقب أن بين الطرفين ما يدل على وجود خصومة. أما الجدل فهو التخاصم بالكلام، والنقاش المحتد المفعم بالعناد والتمسك بالرأي والتعصب.
الاتجاه الثاني: يرى هذا الاتجاه أن الحوار له أصول لو لم تراع تلك الأصول حال الحوار، فإنه ينقلب ذلك إلى مفهوم آخر مختلف عنه تماما اسمه الجدل.
الفرض الثالث: هما اصطلاحان لمعنيين بينهما العموم والخصوص
وهذا الاتجاه لمن ذهب إلى أن الحوار ينقسم إلى قسمين : الحوار البناء والحوار غير
البناء، وغير البناء هو الجدل.
المحور الثاني: مكانة الحوار حسب الرؤية القرآنية
تأتي المطالب في توضيح ذلك تحت العناوين التالية:
فقه الاختلاف المذهبي .
حقائق كونية تقوم عليها إمكانية ومعقولية الحوار
نظرة القرآن إلى دور الحوار في الحياة الإنسانية
انعكاس مكانة الحوار في القرآن من خلال رواياته للحوارات
۱ - حقائق كونية تقوم عليها إمكانية ومعقولية الحوار:
هناك حقائق كونية حول الإنسان طرحها القرآن الكريم، تمثل هي إطاراً فطرياً وكونياً تتشكل وتتكون على أساسه مصداقية وإمكانية الحوار للإنسان أو معقوليته له ونقول في توضيح ذلك: إنه يختلف الوضع الفطري بين البشر والملائكة في المجالات التالية: الف) الإعتقاد بالحق؛ إن الانسان خلافاً للملائكة - والذين هم مفطورون على اعتقاد الحق (١٠) - لم يفطر على امتلاك الايمان والاعتقاد بالحق منذ الأول، بل كان مفطوراً على استعدادات نفسية وإمكانيات عقلية، تتهيأ بها الارضية لأن يسعى لأدراك الحق والإيمان به.
ب الإنقياد للحق؛ إن الانسان خلافاً للملائكة - والذين كانوا مفطورين على الإطاعة الدائمية الله سبحانه - قد فطر على الاختيار، فالإطاعة ليست حالة دائمية له، بل تتم عبر إرادته وإختياره فإن شاء يعبد وإن شاء يكفر يقول عز من قائل: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (۱۱) ويقول سبحانه فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (۱۲) ويقول سبحانه في آية أخرى إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً (١٣).
(ج) اختلاف البعض مع البعض؛ إن الإنسان خلافاً للملائكة - وهم المفطورون على عدم الاختلاف و التشعب (١٤) - قد خلقوا مختلفين، وقد نبه القرآن على ذلك في الآية الكريمة: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إِلَّا مَنْ رحم ربك ولذلك خلقهم (١٥)
وهذا الإختلاف يعد من السنن الإلهية التي لا تبديل لها ولا تحويل ؛ يقول سبحانه ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ في ذلك لآيات للعالمين (١٦)
97
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
وفي التعرض للاختلاف في اللغة تنبيه إلى وجود اختلافات طبيعية أخرى لدى الناس؛ حيث إن الاختلاف في اللغة متأثر من عدة عوامل من أهمها اختلاف الناس في العقول والصفات والطباع والمعنويات، كما أن الاختلاف في اللغة كان بدوره من العوامل المؤثرة في نشوء التعددية في الآراء والمدركات والتوجهات والاتجاهات بين الناس.
وغير خفي أن اعتبار الاختلاف في الخلقة كأساس فلسفي للحوار يتم انطلاقاً من أن الحوار لا يمكن أن يكون ممكناً ومعقولاً إلا فيما إذا كان هناك اختلاف، وبتعبير آخر إن الواقعية التي تبتني عليها إمكانية - بل ومعقولية الحوار - هي وجود الاختلاف الفكري لدى الناس.
د. الجدال؛ يرى القرآن الرغبة والسعي لأجل الحوار من ضمن خصال البشر الذاتية، خلافاً للملائكة. وهذا ما يستفاد من هاتين الآيتين التاليتين:
يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم
لا يظلمون وفقاً لهذه الآية فإن الجدال من خصائص الإنسان يوم القيامة، فهو يجادل
حتى في لحظات الحساب يوم يجازي الإنسان على أعماله، ومع الأخذ بنظر الاعتبار
زوال صفات الانسان العرضية يوم القيامة، فإنه يمكن اعتبار بقاء الجدال في الآخرة دليلاً
على ذاتية هذه الخصلة. ومن ذلك كله نخلص الى القول بفطرية وذاتية خصلة الحوار
أو فقل: السعي المنتهي الى الحوار) لدى الإنسان.
وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً بناء على هذه الآية يكون الجدل من جبلة الإنسان، وأنه جزء من وضع فطري يسعى باقتضائه لمتابعة الحوادث وحدسها أو التنبؤ بها وتفسيرها بما ينسجم مع تجاربه وتصوراته ورغباته وخصلة الجدال توجد في الإنسان في أصعب وأحلك الظروف.
وبهذا كله ننتهي إلى أن هناك مباديء فلسفية أربعة حول خلقة الإنسان ، وهي:
الف) كون الإنسان مفطورا على الفكر
ب كون الانسان مفطوراً على الإختيار
فقه الاختلاف المذهبي .
ج) كون الاختلاف لدى الناس سنة كونية
د) كون الجدال خصلة فطرية للإنسان
والفرق بين هذه المباديء أن فطرية الجدال للإنسان تفيدها المباديء الثلاثة الأولى بمعونة التحليل، بينما المبدأ الأخير ينص عليها.
ومع قطع النظر عن هذا الفرق فإن جميع المباديء الأربعة تمثل وجود وضعية للإنسان تدعوه بصورة فطرية إلى الحوار، كما تقتضي اعتبار الحوار كأمر ممكن ومعقول، بل وضروري للإنسان.
- نظرة القرآن إلى دور الحوار في الحياة الإنسانية:
انه يستفاد
أولاً: كون الحوار أرضية خصبة لحصول المعنوية والكمال الديني
من وجهة نظر القرآن يعد الحوار مجالاً للعلاقات الانسانية وأرضية خصبة للمعنوية فالقرآن يربط بوضوح بين مصير الانسان المعنوى والحوار ويرى أن بينهما ارتباطاً وثيقاً
وثابتاً. وهذا الدور يمكن استفادته من الأمرين التاليين:
الأول: كون الحوار حاظياً بتوجه البشارة الإلهية إليه.
وهذا ما يستفاد من الآية الكريمة: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يمكن إثبات مكانة الحوار في هذه الآية من خلال ذكر النقاط التالية:
النقطة الأولى: إنه طرح في هذه الآية ثلاثة عناصر هي: "القول" و "استماع القول" و
اتباع احسن القول" وبذلك تتشكل ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: تبلور أجواء تبادل الآراء والأقوال.
بتبلور فضاء تبادل الآراء والأقوال - والذي يعد الحوار وضعاً أكثر انسجاماً له -
تظهر الرؤى المختلفة والمتفاوتة.
المرحلة الثانية: استماع القول والتعرف على ما استبطن من نكات ومقالات أحسن.
المرحلة الثالثة: اتباع الأحسن.
۹۸
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
الكثير يتحاور لكي يثبت ما يعتقد به ويتبعه، ومن وجهة نظر القرآن تقع مكانة الاتباع في مرحلة لاحقة للاستماع، ولو لم يقع الاتباع لا يكون معني للبشارة، فإن اتضاح الحقائق والواقعيات رمز تبلورت البشرى الإلهية بلحاظه.
ملخص القول: ما لم تتحقق المرحلة الأولى للحوار لا تتبلور أرضية لاستماع القول والتعرف على ما استبطن من نكات هي الأحسن، وما لم تترجم المرحلة الثالثة (الاستماع والتعرف على القول الأحسن ) إلى عمل لا تتوافر أرضية اتباع الكلام الأحسن.
النقطة الثانية: أينما استخدم الله سبحانه مفردة "عبادي وما شابهها، لبيان العلاقة بينه وبين البشر، عرض من خلال ذلك أعمق الأفكار وأساسياتها. ومن خلال اعتبار هذا القالب البياني ( إيجاد النسبة بنحو خاص بين الله سبحانه و عباده ) ملاكاً وحاكياً عن عمق وأصالة الفكر يمكن الوقوف على علو منزلة الحوار؛ وذلك لان هذا القالب البياني استخدم في باب الحوار؛ حيث قال عز من قائل بشر عبادي الخ".
النقطة الثالثة: مع الأخذ بنظر الاعتبار أن بشارة القرآن توجهت إلى نعم هي الأكثر أصالة وحقيقة فإن استخدام مفردة "بشر" فيما يخص موضوع الاستماع و اتباع أحسن الكلام يحكي المستوى الرفيع للحوار و كونه حاطياً بمنزلة مصيرية في الحياة المعنوية بالإضافة إلى دوره في الحياة المادية للانسان.
الثاني: محورية الحوار في الدعوة
إن القرآن لا يرى وحدة في الفضاء الذي تبلورت فيه دعوة الرسل، بل الله سبحانه طلب من الرسل أن يبدوا دعوتهم بالحوار فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى (١٧)
لاشك أن الدعوة إلى الحق أحد المظاهر الاساسية في هذا الكتاب؛ لو لم نقل بأنها الأساس. واللافت هنا كون هذا المظهر الهام والمحوري حاصلاً في إطار دعوة صريحة للحوار، ومن باب المثال وردت الآيات التالية:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (۱۸)
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (١٩)
فقه الاختلاف المذهبي .
مضافاً إلى ذلك فإن سيرة النبي الأكرم وباقي الأنبياء شاهد على أن طريق الدعوة والهداية يمر عبر الحوار، وقد كان للحوار والجدال الدور المصيري في هذا المجال، كما ينقل لنا القرآن والتاريخ، ولم ينقل لنا التاريخ هداية رسول امته بسيف صارم او وعود دنيوية خادعة، بل الحوار كان دائماً بمثابة الجسر لنقل الهداية الإلهية إلى البشرية.
ثانياً: كون الحوار آلية لاستحصال القابليات المكنونة في الإختلاف الطبيعي الحاصل بين البشر.
إنه كما ذكرنا لا شك في أن الإختلاف يكون من الأسس القائمة عليها النظام الكوني الالهى وأنه يعد من السنن الإلهية التي لا تبديل لها ولا تحويل، كما لا شك أن الاختلاف لو لم يتم ترشيده فسوف ينتهي بالإنسان ومجتمعه إلى مهالك عظيمة ومخاطر جسيمة، بينما أنه لو تم توظيفه نحو الرشد فسوف ينتج فوائد عظيمة باهرة، فانطلاقاً من ذلك كله فإنه لابد من وجود آلية فعالة للتعامل مع هذه الحقيقة الفطرية، وهذه الآلية أرشدنا القرآن إليها واعتبر أنه الحوار فهو الذى يمكننا من الاستفادة من فوائد قضية الاختلاف الفطرى ويجنبنا عن الوقوع في مخاطرها العظيمة.
- انعكاس مكانة الحوار في القرآن من خلال رواياته للحوارات
الحوار في القرآن ليس موضوعاً نادراً، هناك مجموعة متنوعة من الحوارات رواها القرآن لنا في المجالات المختلفة، والنظر إلى هذه المجموعة المتنوعة سيكشف لنا عن درجة أهمية الحوار ومكانته في رؤية القرآن. وفيما يلي توضيح لأبعاد انعكاس هذه الدرجة تحت محاور:
الأول: كمية حجم روايات القرآن للحوار
يمكن عرض كمية رواية القرآن للحوار من خلال الإحصائيات التالية:
تكرر مفردة "قال" ٥٢٧ مرة.
ورود مادة الجدل في ۲۹ مورداً، وكثير من هذه الموارد استبطنت رواية الحوار. تكرر مادة الحوار ( سواء على وزن . مفاعلة أو وزن تفاعل ) في موارد ثلاثة وهى ما يلي:
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
.... فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً (۲۰)
... قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم
سواك رجلاً ... (۲۱)
وقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاور كما إن الله سميع بصير) (۲۲)
- ورود قصص الحوار في القرآن أكثر من ٥٠٠ مرة.
الثاني: منهج رواية الحوار في القرآن
وهذه المنهجية تتضح من خلال ذكر نكتتين، وهما:
أولاً: منح الحوار مكانة يتمحور حوله كل شيء
عندما يطرح القرآن قصة تتضمن حواراً بين طرفين أو أطراف، يعكس المراحل الواردة في القصة بصورة يتصور القاريء المتأمل أن الحوار هو المحور الأساس لها وأنه العنصر الأساس الذي يأخذ كل شيء ورد في القصة معناه منه؛ وبتعبير آخر إن القرآن في خلال ذكره للقصص يمنح الحوار محورية إلى درجة يظهر كأنه هي الروح الواقعية التي تجرى في جميع مراحل ما يرويه من حكاية أو قصة؛ فمثلاً إن القرآن عند ما ينتهي الحوار القائم بين طرفين في قصة إلى مستوى الإهانة والايذاء وما شابهه، لا يترك الحوار ولا يلقيه إلى جانب بل يختار أسلوباً يكشف لنا عن الهزيمة الحوارية لأحد الطرفين. ومثل هذا المنهج يتضمن التاكيد على منطق الحوار، وأن الحوار في هذه الموارد يحظى باهمية تفوق الرواية إلى حد تنعدم اهمية كل شيء في قباله، ويمكن مشاهدة نماذج لإستخدام هذا المنهج في عدة الموارد من القرآن: منها الموارد التالية:
يحكى القرآن فقدان قوم لوط للاجوبة المنطقية في الحوار قائلاً: فما كان جواب
قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم
كما يحكى فقدان قوم ابراهيم للاجوبة المنطقية عن التسائلات الواردة في الحوارات الطويلة ويقول: فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه
فقه الاختلاف المذهبي .
هذا التعبير يستبطن نسبة السفاهة اليهم؛ لانهم عند ما بلغوا طريقا مسدوداً وافتقدوا
الدليل قالوا: لا تحاجوه بل اقتلوه لكي تتخلصوا منه.
يقول الشيخ الطوسى: "أنهم لما عجزوا عن جوابه بحجة عدلوا إلى أن قالوا اقتلوه أو
حرقوه (۲۳)
كما يقول الشيخ الطبرسي
وفي هذا تسفيه لهم إذ قالوا حين انقطعت حجتهم لا تحاجوه، ولكن اقتلوه أو
حرقوه، ليتخلصوا منه " (٢٤).
وكما هو معلوم فإن إطلاق كلمة الجواب - والذي يتجلى ويتمثل معناه الحقيقي في كلام يذكره أحد طرفي الحوار لرد كلام الطرف الآخر - على اعمال وحشية وأساليب غير إنسانية مثل القتل والتحريق يدل على أن التوجه القرآني يكون توجهاً حوارياً وأن للقرآن تركيز على إعتبار الحوار كعنصر أساسي في الرواية.
ثانياً: عرض مقولات أطراف الحوار بتأن تام
إنه بالنظر إلى القرآن يعلم مدى إهتمامه بنقل أقوال أطراف الحوار وأفكارهم،
والشاهد على ذلك ما ذكرناه من ورود مفردة "قال ٥٢٧ مرة.
المحور الثالث: ثقافة الحوار حسب الرؤية القرآنية
ونتحدث عن موضوعين
آدابه
مجالاته
أولاً: آداب الحوار في القرآن
تستفاد من القرآن الآداب التالية للحوار:
۱ - تكافؤ وتساوى طرفي المناظرة
ينبغي في الحوار ابتنائه على أصل المساواة وعلى الجميع أن يستهدف البحث عن الحقائق والواقعيات والكشف عنها وإلا فلانتيجة يمكن توخيها من الحوار، ورغم أن أحد
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
الأطراف قد يكون بمستوى علمي أرفع من الطرف الآخر ألا أن شرط الحوار - من وجهة نظر القرآن - سعي أطراف الحوار لإيجاد فضاء الإستماع وما يمكنه أن يكشف عن الحقيقة. وهذا التكافؤ بين الطرفين لابد يترسخ ويتعمق إلى حد يكونا متكافئين من حيث الإستعدادات النفسية أيضاً، حتى يتمكنا بذلك من الحوار واستمراره بهدوء.
الآية فبشر عباد الذين الخ ترسم لنا وضعاً لا يكون الكلام فيه صادراً عن فرد بل عن جمع - أى عباد - والعمل بالاية يعني سعي الجميع لاستماع كلام بعضهم الآخر .
يمكن استفادة هذا المبدأ أيضاً من الآيات التالية:
إنا أو إياكم لعلى هدي أو في ضلال مبين ) (٢٥)
وقل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (٢٦)
الإستماع إلى الإدعاء والتأني فيه
على المحاور أن يصغي إلى مدعيات المخاطب بدقة تامة. وهذا المبدأ يستفاد بوضوح من الآية الكريمة فيشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إن من يريد أن يتكلم ولا يستمع إلى الآخرين وأن يستمع الآخرون إليه ولا يتكلمون ليس ممن تشمله البشارة الإلهية الواردة في الآية الشريفة. وكما هو معلوم فإن مقاطعة من يتحدث أو ممارسة العنف ضده تنافيان قاعدة "الإستماع القرآنية.
- تحكيم الجو العلمي وتجنب العاطفة
على طرفي البحث أن يسعيا لأن تكون مطارحاتهما علمية متجنبين بذلك الأجواء العاطفية وما يثير الأحاسيس. ينظر لإثبات ذلك إلى الآيات التالية:
ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم (۲۷) إنَّ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه (۲۸)
(۲۹) أَمْ لَكُمْ سَلْطَانٌ مبين، فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين . (٢٩)
وشدة تأكيد القرآن على علمية وموضوعية الحوار بلغت إلى حد برز خطاب هاتوا
فقه الاختلاف المذهبي .
برهانكم كشعار للقرآن يمثل أهمية الحوار ومكانته فيه، فقد ورد هذا الخطاب في أربعة مواضع في القرآن: [البقرة : ۱۱۱، الأنبياء: ٢٤، النمل: ٤، القصص : ١٧٥
- فسح المجال لطرح الأفكار
رغم أن بعض الأفكار تعد ساقطة علمياً من وجهة نظر الإسلام ألا أنه لا يريد للإنسان أن يعيش حالة من الخوف في مجال العقيدة والفكر، كما لا يريد أن تتخلل عقائده فراغات أو نقاط سوداء، بل يريد له التفكير بحرية تامة، فاتحاً أمامه الآفاق لكي يكون على بصيرة. وهذا ما يمكن استفادته من هذه الآية:
وإنا أو إياكم لعلى هدي أو ضلال مبين
ه - البدأ بالنقاط المشتركة واعتماده في المناظرة
يستفاد من الآية تعالوا إلى كلمة سواء أن على أطراف الحوار أن يكتشفوا قبل كل شيء نقاط الاشتراك بينهم لاعتمادها في بناء الحوار، فإن الكلمة تشكل المادة في الحوار، والتي عبارة عن عملية تعتمد تبادل الكلمات. إن الحوار لا يثمر في الفراغ وفيما إذا لم ينطلق من مشتركات فلابد لأجل أن يثمر الحوار أن يسعى الطرفان لإفتراض المشتركات يعتمدونها في كلماتهم. حكي أن سقراط كان يبدأ المناظرين بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لم يكن لخصمه تجاهها إلا أن يجيب عليها: بنعم، فكلما عرض عليه سؤالاً قال: نعم، ويظل ينقله إلى الجواب تلو الجواب، حتى يرى المناظر أنه أصبح يقر بفكرة كان يرفضها من قبل.
- التجنب عن الطعن والسب
من المحاور الأساسية لوصايا القرآن في مجال الحوار التجنب عن استخدام الطعن والاستهزاء والتحقير، يقول سبحانه ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله (۳۰) عدواً بغير علم (٣٠)
V ختم الحوار بهدوء:
إن نهاية الحوار كبداية الحوار لابد أن تتم في جو هادئ بعيد عن أي انفعال مهما
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
كانت النتائج، يقول سبحانه: أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (٣١) ، ويقول أيضاً: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) (٣٢) .
ثانياً: مجالات الحوار
إن توصيات وتعليمات القرآن حول الحوار والتي أشرنا إليه - تهدفان إلى تعميق
أبعاد الحركة الفكرية الفاعلة على ثلاثة مستويات:
العلاقات الانسانية الحاصلة بين إنسان وإنسان مع قطع النظر عن دينهما وفكرهما.
إن الأصل في العلاقات القائمة بين الشعوب بعضهم مع البعض أن يعيشوا في إطار
التفاهم والتعاون وذلك لأنه:
أولاً: إن الجميع يريدون لأنفسهم الخير، والخير لا يمكن حصوله إلا بأن يستفيد
البعض من البعض.
ثانياً: الاختلاف سنة كونية حسب ما جاء في القرآن ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، ففرض بعضهم لغتهم
أو دينهم على البعض الآخر تصرف لا ينتهي إلى نتائج منطقية ومرضية.
أن الإسلام لا يكره أحدا على الدخول فيه قال سبحانه:
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (٣٣)
وقال سبحانه:
أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (٣٤)
وقال تعالى:
وليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء (٣٥)
- المواجهات الدينية الحاصلة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.
الحوار في القرآن ضرورة تقتضيها جميع الظروف، وانطلاقاً من هذا الأصل فقد دعا إلى حوار أهل الكتاب: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.. وقولوا آمنا
فقه الاختلاف المذهبي .
بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون.
كما قال سبحانه: قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم.
كما قال تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
إذا كان القرآن يركز على الحوار بين الاسلام وبين أصحاب الديانات الاخرى ويدعو المسلمين لأن يوجهوا دعوتهم إلى متديني الديانات للانطلاق من القواسم المشتركة بينهم في المبادئ والقيم نحو اتخاذ قرارات تنفع الجميع، فالحوار بين أبناء الامة الاسلامية يحظى بأهمية أزيد وضرورة أكثر بلا شك. وبتعبير آخر إذا كان من اللازم أن يكون للمسلم موقف حواري في مقابل أهل الكتاب - الذين يخالفونه في أصل دينه - فأهمية اتخاذ مثل هذا الموقف بين بعضهم تجاه البعض الآخر يحظى بدرجة أكبر بلاشك.
- اللقائات الاسلامية الحاصلة بين مسلمين بما أنهم مسلمون مع قطع النظر عن المذاهب التي ينتمون إليها.
إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى حوارات علمية واجتماعية بشكل مستمر، فالحوارات تطور مستويهم في الفهم والمعرفة والتفاهم والتعارف وتمكنهم من الخروج من دهاليز
سوء ظن بعضهم بالبعض.
فالحوار حسب النظرة القرآنية يشكل آلية أساسية للتقارب بين المذاهب والتحالف بين الدول الإسلامية ويمثل وسيلة فاعلة تحشد طاقات الأمة في مواجهتها للتحديات العالمية. وفيما يلي توضيح أكثر لدور الحوار في التقريب:
دور الحوار في التقريب
وهذا الدور يتبين بالالتفات إلى المقدمتين التاليتين:
الأولي: إن الوحدة الإسلامية تعني أن يتوفرما يلي:
- اجتماع الجميع على الجوامع المشتركة في عمل موحد
- عدم تحويل الخلاف المذهبي إلى صراع
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
- تجنب المعارك الجانبية
- عدم التنافس على إلغاء الآخر
- توظيف جميع الطاقات في مشاريع متسقة يشد بعضها بعضاً.
الثانية: الموارد الخمس المشار إليها لا يمكن أن تتوفر إلا بتوفر أمور يلعب الحوار دوراً فعالاً في إيجادها، وهذه الأمور تمثل بعضها وضعية فكرية بينما البعض الآخر تمثل وضعية روحية في حين أن قسماً ثالثاً منها مرتبطة بالعمل:
الف. ما يرتبط بالفكر:
لزوم الإنتهاء إلى نتائج علمية أفضل.
ودور الحوار في ذلك يتبين بالالتفات إلى أن من خلاله يتم تعاون من جانب الطرفين على معرفة الحقيقة والتوصل إليها، وذلك لإن الحوار في واقعه يكون أدة للبحث والتنقيب يكشف بها كل طرف ما خفي على صاحبه وآلية للاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى يتمكن بها الطرفان من الإنتهاء إلى نتائج أفضل وأمكن.
لزوم التعارف
إنه بالحوار يتعرف كل طرف على وجهة نظر الآخر فيستدرك المفاهيم الخاطئة لديه عنه. ويتجلى هذا الدور بالإلتفات إلى أنه إذا لم يكن هناك حوار فإن كل طرف إما يبقى على جهله بالطرف الآخر ولا تتم له معرفة به أصلاً أو أنه وإن تمت له معرفة إلا أنها تحصل عن طريق واسطة ربما لا تكون المعلومات الحاصلة من جانبها دقيقة وصحيحة.
ب ما يمثل وضعية روحية
- التفاهم
إن عدم استعداد كل طرف للتفاهم مع الطرف الآخر من الأسباب الكبرى للنزاعات والخلافات المذهبية، وقد نشأ ذلك أي: عدم الإستعداد للتفاهم - نتيجة لسوء فهم البعض للبعض الآخر، فالواقع أن الذي مرت به المذاهب من تجارب في مراحل من التاريخ قد جعل أنصار كل مذهب شكوا بالآخرين شكوكاً سيئة، وقد ترسخت هذه
فقه الاختلاف المذهبي .
الشكوك في أنفسهم إلى حد بنوا على أساسها تحليلاتهم واستنتاجاتهم وقراراتهم، فحصلت من جانبهم مواقف انفعالية لاتزال تستمر جملة عظيمة من هذه المواقف.
والذي يحمل قابلية كبيرة لأيجاد الأرضية للتفاهم ورفع الشكوك الناشئة من دواع واهمة بين المذاهب بعضها مع البعض، هو تشكل الحوار المذهبى على مستوى واسع. نحن تعودنا أن ننظر إلى مثل آية حرمة سوء الظن بالعين الفردية وأن نحملها على إسائة ظن فرد مسلم بفرد مسلم آخر مع أن الآثار التي تتركها إسائة الظن الاجتماعية الحاصلة بين المجموعات الإسلامية بعضها مع البعض عظيمة وجسيمة وخطيرة أكثر جداً.
- تقليص شدة التعصب وبعث مشاعر المحبة.
من المشاكل التي تواجهها الحركة التقريبية وجود عصبية حادة ترسخت جذورها في الموروثات الفكرية والمواقف الاجتماعية التاريخية، ولا شك أن في الأجواء المملوة بالتعصب والظروف المشحونة بالعداء لا تنفع أي محاولة للتقريب بين المذاهب.
والدور الذي يلعبه الحوار في مثل هذه الأجواء والظروف تخفيف شدة التعصب وتقوية الأرضية للتحبب، وذلك لأن الحوار يجعل كلاً من الطرفين يلتقي بالآخر، يتكلم له ويستمع إليه، وهذه العملية لو تحولت إلى ممارسة دائمية فسوف تساهم مساهمة جذرية في تقليص حدة الخصومة وإيجاد المناخات الملائمة والداعية إلى الوحدة.
إن تقريب النفوس خصلة لازمة للحوار وإنها من نتائجه الأولية، فلونتمكن من تحصينه برعاية ضوابطه القرآنية ونسعى لمحافظته من استغلاله للتفرقة بالإلتزام بآدابه العقلائية، فسوف تزداد قابلياته التقريبية.
ج. ما يرتبط بالعمل:
التفاعل للخروج من الواقع المأزوم؛
إن الحوار هو الذي يمكن أن يعطي الأمل المشرق في الخروج من الأزمة الحالية، والتحديات المصيرية التي شهدتها ولا تزال تشهدها وتمر بها الأمة الإسلامية في شتى المجالات.
التعامل والتعاون لبناء مجتمع أمثل؛
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
إن الامة الاسلامية لو تمكنت في ضوء الحوار من أن تزيد من معارفها وتحصل على التعارف فيما بينها وتحقق الأرضية لتفاهم بعضها مع البعض وتحل مشاكلها بالتعاون فسوف تتمكن من أن تتخذ خطوات فاعلة في عملية النهوض وصنع القرارات المصيرية بهدف بناء حالة مجتمعية إنسانية راقية تقوم على المبادىء الإسلامية.
فقه الاختلاف المذهبي .
الهوامش:
(۱) تاج العروس الزبيدي ج ٣ ص ١٦٢.
(۲) تفسير مجمع البيان، الطبرسي ج ٩ ص ٤٠٨
(۳) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي ج ۱۳ ص ۳۰۹
(٤) مفردات غريب القرآن قال الراغب الأصفهاني ص ۸۹
(٥) تفسير القرطبي ج ۹ ص ۲۸
(٦) الميزان ج ١٢ ص ٣٧١
(7) الدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج ٤ ص ٢٢٨
() الميزان ج ١٢ ص ٣٧٤.
(۹) تفسير القرطبي ج ۹ ص ۲۷, صفحة ۲۸
(۱۰) يقول الامام على بن الى طالب : لم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم - أي الملائكة - ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم..... وقطعهم الإيقان به إلى الوله إليه ( نهج البلاغة الخطبة ٩٠. )
(١١) البقرة ٢٥٦
(۱۲) یونس ۹۹
(۱۳) انسان ۳
(١٤) يقول الامام علي بن ابي طالب ... لم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد، ولا تشعبتهم مصارف الريب ولا اقتسمتهم أخياف الهمم..
(۱۵) هود: ۱۱۸ - ۱۱۹
(١٦) الروم : ٢٢
(١٧) طه ٤٤
(۱۸) نحل ۱۲۵
(۱۹) بقرة ۱۱۱
(٢٠) الكهف: ٣٤
(۲۱) الكهف: ۳۷
(۲۲) المجادلة: 1.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
فكرة الحوار من منظور القرآن
(۲۳) التبيان، الشيخ الطوسي ج ۸ ص ۱۹۹
(٢٤) تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج ۸ ص ۱۹
(٢٥) سبأ ٢٤
(٢٦) سبأ ٢٥
(۲۷) آل عمران : ٦٦.
(۲۸) غافر : ٥٦
(۲۹) الصافات: ١٥٦-١٥٧
(۳۰) انعام ۱۰۸
(۳۱) هود: ٣٥
(٣٢) القصص : ٥٥
(٣٣) بقرة ٢٥٦
(٣٤) یونس ٩٩
(٣٥) بقرة ٢٧٢