ملف العدد
المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
الشيخ سيف الله صرامي " (৫)
تاريخياً نشأ الفقه من مسائل عديدة، بعضها تعرض لها القرآن الكريم، وأخرى ابتلي بها المسلمون وسألوا عنها النبي الأعظم الله أو أحداً من أهل بيته أو صحبه ممن حظي بتأييده الله، بل إن المسائل الفقهية من النوع الأول أيضاً كانت مسبوقة - كلها أو جلها - بحوادث واقعة في حياة المسلمين وقد سألوا عنها؛ والروايات في شأن نزولها تؤيد ذلك.
كما أن جملة منها وردت ضمن سياق القصص القرآني الحاكية عن واقع حياة الإنسان ما قبل الإسلام.
إن تداول آيات الأحكام، والروايات المنقولة عن النبي الله وأهل بيته وأصحابه الكرام حولها، بين أيدي المسلمين وعلمائهم، قد مهدت الأرضية لتكون علم الفقه.
ومن الطبيعي أن الفقه كعلم مدون يتأثر بما يراه العلماء ضرورياً في تدوينه كعلم له مصادره ومناهجه وأهدافه، ويُجيب عن كل مسألة عملية واقعة أو فرضية مفروضة بفرض عقلائي أو عُرفي. فجاءت الآراء المختلفة في هذا الميدان يتبعها اختلاف الأحكام المدونة في الكتب والمصنفات الفقهية باختلاف أفهام أصحابها واستدلالاتهم؛ رغم اتفاقهم على مصدرية القرآن، والروايات الواردة على نحو كلي كبروي عن النبي الله أو يصل صدورها إليه الله لكونه المرجع الأول في أخذ الأحكام الفقهية والمعارف الإسلامية.
() باحث من إيران.
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
هذه الاختلافات الفقهية اتسعت بعد عصر النبوة والوحي، ومع مرور الزمان تحولت إلى مذاهب فقهية متعددة طبعاً. ولا يمكن إنكار حقيقة جملة من الاختلافات قد أدخلت من خارج الفقه عليه، سواء أكانت كلامية أو فلسفية أو آراء سياسية، في محطات من تاريخ الإسلام، كان لها الأثر العميق في التفكير الإسلامي، خصوصاً في صدر الإسلام، وتحديداً بعد رحيل النبي الأعظم الله.
هذه الإشارة الإجمالية إلى كيفية ظهور وتكون المذاهب الفقهية؛ يتضح منها أن الفقه كعلم مدون، وجد بوجود المذاهب الفقهية، ولم يوجد كعلم ثم تشعبت منه المذاهب. لكن مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وكثرة الحوادث والمسائل التي ابتلي بها المسلمون، ظهر طيف من الفقهاء يميلون إلى وحدة المصادر المعتمدة والأصلية عند المذاهب، في محاولة - قديماً وحديثاً - المقارنة المذاهب الفقهية في إطار مجموعات تسمى الفقه المقارن.
والسؤال هنا: هل الفقه المقارن علم متفرع من علم الفقه أو أنه منهج من مناهجه؟
وللجواب عنه نجد من الضروري أن يكون كلامنا في ثلاث نقاط: الأولى، في بيان المراد من مفردات الفقه الفقه المقارن، العلم، المنهج.
والثانية: بيان خصائص ولوازم كون الشيء علماً وكذلك كون الشيء منهجاً العلم، وقياس الأول بالثاني.
والثالثة: النظر في كون الفقه المقارن علماً أو منهجاً.
الأولى: مفردات المسألة
۱ - الفقه المعروف بين الإمامية أن الفقه كعلم، عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية (1).
والمراد من الأدلة التفصيلية هي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهذا
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
(۲) التعريف لا يختلف كثيراً عن تعريف الشوكاني للفقه والذي يقول: العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال ) وهو موافق للمقصود ظاهراً في تعريف الغزالي من أنه العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين ". فإن مقصوده ليس مطلق العلم بالأحكام وإن حصل بالتقليد من دون النظر والاجتهاد في الأدلة والمصادر، فإن هذا العلم التقليدي، لو سلمنا تسميته علماً، لا يحتاج إلى أصول الفقه الذي هو تصدي لبيان المراد من الفقه، مقدمة لبيانه (4). (٤)
وعليه، يمكن أن تتوافق على أن المراد من الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية من دون حاجة إلى توافق على تعين تلك الأدلة وإن كان الكتاب والسنة منها مسلماً، كما لا نحتاج إلى الغور في المناقشات التي ذكروها بالنسبة إلى هذا التعريف وغيره في مفصلات الكتب الفقهية والأصولية.
- الفقه المقارن: لقد ميزوا الفقه المقارن في اصطلاحهم عن الفقه بما بينا آنفاً، على أساس الموضوع بينهما. فموضوع علم الفقه هو الأحكام الشرعية، أو بإضافة الوظائف العملية من حيث التماس أدلتها، بينما موضوع الفقه المقارن هو الآراء المختلفة في الفقه أو مسائل الاختلاف (٥).
والفقه المقارن غرف تارة بـ جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلتها، وترجيح بعضها على بعض .
وتارة أخرى بما يبحث فيما اختلف فيه أهل العلم من أحكام، بعرض أقوال أهل العلم في المسألة الواحدة، وتحديد موضع الخلاف فيها، وهو المسمى بتحرير محل النزاع، ثم بيان سبب الخلاف، وذكر أدلة كل فريق، وبيان ما يرد على كل دليل، والإجابة عنه إن وجد، وتحديد القول الراجح، وبيان سبب الترجيح.
فالتعريفان مع اختلافهما في بعض التعابير، وفي الاجمال والتفصيل ، لا يختلفان اختلافاً يضر بمقصودنا هنا من بيان المراد من الفقه المقارن الدارج في
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
كلماتهم وكتبهم، لذلك سنعتمد التعريف الأول، ونفرض التعريف الثاني بياناً و توضيحاً له.
العلم: المراد من العلم هنا ليس معناه الفلسفي الذي عرفوه بتعاريف شتى . بل المراد ما دون بأسامي مشهورة؛ كعلم النحو والصرف والطب والهندسة (9).
ولكل علم أجزاء ثلاثة رئيسية هي: المبادئ والمسائل والموضوعات، وقد يطلق العلم على نفس المسائل ، بل قال التهانوي: إن حقيقة كل علم مسائله، وعد الموضوع والمبادئ من الأجزاء إنما هو لشدة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم (1). فإن المبادئ إما أن تستعمل في الاستدلال على إثبات المسائل، كما قالوا في بيان المبادئ التصديقية (١٢). وإما تستعمل في تعريف الموضوعات وهي المبادئ التصورية (١٣).
نعم، المسائل لو انقطعت عن الاستدلال، بل والمعرفة بالموضوعات، لا يكون حينئذ العلم علماً، بل هو حكاية عن علم، أو تقليداً عمن هو عالم.
٤- المنهج وله معنى لغوي واضح، لكنه إذا استعمل للعلم يقال: منهج العلم، فهو عنوان مصطلح الفصل في فلسفة العلم يقال له أيضاً طبقاً للغة الأجنبية: (method) وقالوا في تعريفه - وهو لا يكون إلا شرحاً للإسم - : «إنه طريق مستقيم واضح يمكن أن يتوصل بالتأمل الصحيح فيه إلى هدف معين (١٤).
ولعل المراد من «التأمل في هذا البيان هو التأمل والاستعمال الصحيح عقيب التأمل الصحيح؛ فإن المنهج شيء يستعمل في العلم من أوله إلى أخره للوصول إلى أهداف العلم، وهو شامل نحو ترتيب الفصول والعناوين: الأصلي والفرعي، ونحو الرجوع إلى المصادر وتدوين الاستدلالات منها ... وأمثال ذلك.
الثانية: خصائص كون الشيء علماً أو طريقاً
المنهج هو جزء من أجزاء العلم، بل ركن من أركانه. فإنا في نظرة فلسفية
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
إلى العلوم نعرف أن لها مصادر ومباني وموضوعات وغايات، دوائر ومسائل نظماً للمسائل. وقد أشرنا إلى ما يُسمى بأجزاء العلوم في الثقافة الإسلامية، وهي تشتمل على جملة مما ذكر في النظرة الفلسفية. وجملة أخرى منها فيما تسمى بالمبادئ في اصطلاح آخر، غير ما في الأجزاء الثلاثة للعلوم؛ هي بمعنى ما يبدأ به العلم قبل الشروع في مقاصده (١٥)، ويسمونها الرؤوس الثمانية (١٦). كل هذه الرؤوس صفات ولوازم للعلم في النظر الفلسفي، وثانوي إلى العلم؛ مثل: غرض العلم، ومنفعته، ومؤلفه؛ وما سموه بالأنحاء التعليمية، فما ذكروه تحت هذا العنوان الأخير قريب من بعض بما يتوقع من بيان المنهج للعلم. ففيها بيان الاستدلال، ومراحل تحصيل النتائج التصديقية من المقدمات تحت عناوين عديدة، كالتقسيم والتحليل والبرهان، كما فيها بيان لتحصيل المفاهيم والتصورات، تحت عنوان التحديد (۱۷).
فالمنهج مع سريانه من أول العلم إلى آخره، ومع تأثير نوعه وكيفية استعماله في الاستدلالات والنتائج في كل علم، إلا أنه يتميز عن العلم نفسه. ومع ذلك، فإن المجال الواسع للمنهج قد أعطى له دوراً عميقاً في تحول العلم وتطوره، بحيث قد يتوهم تولد علم جديد، لكن لازم كون شيء علماً هو تمامية أجزائه المشار اليها، والتي توجب تمايزه عن علم آخر، ولا يكون العلم علماً إلا بتماميتها. فما لا يكون له هذه الأجزاء لا يمكن عده علماً، كما أن خصوصية كون الشيء منهجاً لعلم أنه ينظر إلى غاياته، وينظم استدلالاته وكيفية الاستفادة من مصادره، وتحصيل نتائج الاستدلالات والقضايا المطلوبة فيها بنحو أحسن وأدفع عما يمكن أن يرد عليها من الاشكالات والشبهات. فهذه كلها من صلاحيات ووظائف المنهج، ولا ينبغي خلطها مع العلم.
الثالثة: الماهية المنهجية للفقه المقارن
عرفوا الفقه المقارن - كما أشرنا سابقاً - بمحورية موضوعه، وهو الآراء
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
المختلفة في الفقه أو المسائل الخلافية والموضوع - كما تقدم - هو الذي جعلوه مائزاً بين الفقه بمعناه الدارج في كل مذهب، وبين الفقه المقارن؛ فإن موضوع الفقه على حد اصطلاحهم في موضوع العلم هو أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء والتخيير (١٨).
والسؤال المطروح هنا هل هذا التمايز المزعوم يمكن الاعتماد عليه للإقرار بأن الفقه المقارن علم برأسه أم لا؟
إن كان الجواب بالنفي فالسؤال التالي يطرح فما هي ماهية الفقه المقارن؟
جوابنا الإجمالي عن السؤال الأول هو أن ذاك التمايز صوري، والموضوع في الفقه المقارن والفقه هو بقول مطلق واحد في الحقيقة.
وبناء على هذا الجواب نجيب على السؤال الثاني. أيضاً على الإجمال: وهو أن الفقه المقارن منهج في الفقه بقول مطلق.
و تفصيل الجوابين باختصار من خلال النقاط التالية:
١ - لغة «الموضوع» في العلوم له استعمالان تارة يستعمل والمراد منه ما هو الموضوع في اصطلاح المنطق الصوري في مسائل العلم كقضايا حملية أو شرطية. وفعل المكلف» في هذا الاصطلاح بأنواعه أو أصنافه كالأفعال الصلاتية أو الصومية أو الجهادية أو الشرب أو الأكل وغير ذلك من الأقسام المتعددة المتنوعة باعتبارها موضوعا لعلم الفقه. وأخرى: يستعمل الموضوع والمراد منه نفس المسائل أو القضايا، فيقال - مثلاً - : موضوع علم الفقه هو الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية (١٩). وواضح أن المراد من الأحكام الشرعية والوظائف العملية في هذا الكلام ليس نفس الحكم أو المحمول في النظر المنطقي، بل المراد هو القضايا الشرعية والعملية، من قولنا: شرب الخمر حرام» أو «السورة واجبة في الصلاة وغير ذلك.
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
والموضوع بالمعنى الثاني جدير أن يقال له: ما يبحث عنه في العلم، كما أن الموضوع في المعنى الأول، إذا جاء في استعمال ما يبحث عنه يجب أن يكون بلحاظ عوارضه الذاتية الخارجة عنه على حد اصطلاحهم؛ فيقال في هذا الإستعمال: الموضوع هو الذي يبحث عن عوارضه الذاتية.
٢- الموضوع بالمعنى الثاني في الفقه بقول مطلق هو القضايا الشرعية كما تقدم، وفي الفقه المقارن: ما اختلف فيه أو المسائل الاختلافية أو الآراء الفقهية المختلفة، على حد عباراتهم المنقولة فيما تقدم فنسأل: متعلق الآراء والاختلافات في هذه التعبيرات ما هو؟ هل هو إلا القضايا الشرعية؟ ونسأل ثانياً: هل الاختلاف وتعدد الآراء لا يكون دارجاً ورائجاً في القضايا الشرعية التي تكون موضوعاً للفقه بقول مطلق؟ بل إذا لم يكن، بقول مطلق، اختلاف وتعدد رأي في قضية شرعية، فهذا يوجب عدم كون القضية اجتهادية، وتخرج عن الفقه الاستدلالي، وهو المراد من علم الفقه هنا؛ فما هو الواقع، إذا قسنا الموضوعين في الفقهين، من دون النظر إلى الحيثيات والاعتبارات، شيء واحد هو المسائل الشرعية المختلف فيها. فأين التمايز الموضوعي في الواقع ؟
لقائل أن يقول: إن التمايز الموضوعي حيثي اعتباري؛ فالمسائل مع واقع صفة الاختلاف فيها دائماً، تارة تلاحظ باعتبار كونها اختلافية وأخرى تلاحظ باعتبار نفسها، فبالاعتبار الأول موضوعة للفقه المقارن، وبالاعتبار الثاني موضوعة للفقه بقول مطلق.
لكن هذا القول مع ما له من ظاهر منطقي، غير مرضي بالنظر العميق إلى ما في الفقه والفقه المقارن. لذلك نقول:
أولاً: إن نفس بيان الإختلاف ليس غاية للفقه المقارن، بل المقصود للمقارن من بيان الاختلاف - كما عرفنا في تعريفه - هو التماس أدلة المسألة، وبيان الراجح
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
والمختار منها، اعتماداً على أدلة يمكن الاعتماد عليها، ويكون مستنداً للترجيع والاختيار. فلحاظ الاختلاف في المسألة في الفقه المقارن لا يكون لحاظاً موضوعياً يتوقف فيه، بل هو طريق إلى حل الاختلاف بعرض الأدلة على أحسن وجوهها.
وثانياً: إن الاختلاف نفسه لا قيمة له، بل لا وقع له حتى يدون علماً للوصول إليه، والمقدار الطريقي والآلي للاختلاف في المسألة، كما يكون وجهة نظر مقارنة يكون ملحوظاً للفقيه في الفقه بقول مطلق أيضاً.
فاختيار القول في المسألة الفقهية لا يرفع الإشكال فيها إلا ببيان الاختلاف فيها، وعرض أدلة المخالف والموافق، ثمّ اختيار قول معتمد على أدلة لا يرد عليها إشكال.
فتحصل أن اعتبار الاختلاف في المسألة لا يكون شيئاً موضوعياً له محتوى علمياً مميزاً لعلم؛ بل الاختلاف في الآراء أمر طبيعي في كل علم من العلوم العقلية التطبيقية وغيرها - والنقلية.
ويؤيد ما ذكرناه عدم وجدان علم آخر من العلوم العقلية والنقلية، من أول تاريخ العلوم إلى الآن، يتمركز على نفس الاختلاف في الآراء.
- إن الاختلاف المحلوظ في الفقه المقارن بواقعه هو الاختلاف بين المذاهب وليس كل اختلاف فقهي مداً للنظر عند المقارن. فهل يمكن رسم علم مستقل قائم على هذا القيد من الاختلاف في قبال سائر الاختلافات الفقهية في المذاهب؟
للجواب نقول: المراد من المذاهب التي يتميز بها الفقه داخل المذهب أو مقارناً للمذاهب، هو الذي نشاهده عبر الحوادث التاريخية التي طرأت على مسار تطور الفقه من صدر الإسلام وإلى الآن، وقد أشرنا اليها في المقدمة، وإذا درسنا وتأملنا في هذه التطورات، وفي الاختلافات التي حصلت بسببها، نعرف أن محل الاختلاف
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
والتمايز بين المذاهب إنما هو في إثنين: إما في الكلام أو في أصول الفقه.
وبعبارة أخرى: إن جملة من الاختلافات الكلامية، مثل: مسألة الخلافة والامامة بعد رحيل النبي الأعظم الله ، وصفات وشؤون ومكانة أهل بيته في الشريعة الإسلامية.... وغير ذلك، وجملة من الاختلافات في أصول الفقه، مثل: الاختلاف في حجية القياس وغيره... كل ذلك قد مهد الأرضية لتمايز المذاهب بعضها عن بعض، وجاء أئمة المذاهب في مراحل مختلفة من تاريخ الفقه، وصارت آراؤهم الفقهية المبتنية على أصولهم الكلامية، ونظرياتهم في أصول الفقه، محوراً للمذاهب المختلفة، كمذهب مالك ومذهب أبي حنيفة وغيرهما.
فالنقطة العلمية الجديرة بالملاحظة في نظرة فلسفية وتاريخية إلى الفقه، هي أن ما يسمى بالاختلاف بين المذاهب في الفقه، قياساً إلى الاختلاف داخل المذهب الواحد، هو عبارة عن الاختلافات التي تبتني على جملة من الأصول الكلامية، وآراء في أصول الفقه والاختلافات الفقهية داخل المذهب الواحد ليست مبتنية على الاختلافات في أصول الفقه فحسب، بل على التحقيق، وبعضها ناشئة في ضوء الاختلافات الكلامية أيضاً.
مهما يكون، فالاختلاف في بعض الأصول الكلامية، وعلى نحو أوضح في بعض النظريات في أصول الفقه، لا يكون له شأن في تمييز علم عن علم، أو تشكيل علم مستقل، مع أن كثيراً من المسائل الخلافية المبحوث عنها في الفقه المقارن لا تبتني على الاختلاف في الأصول الكلامية أو النظريات في أصول الفقه، بل السبب في الاختلاف فيها استظهارات مختلفة من قبل فقهاء المذاهب المختلفة، من نصوص الآيات القرآنية والسنة النبوية الغير مختلف فيها أصلاً بين المذاهب.
نعم الاختلافات الأصولية والكلامية توجب اختلافات منهجية في الرجوع إلى المصادر، وتعيين مصدر دون مصدر، وأيضاً في مستوى الفهم والإدراك، وقوة
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م :
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
الاستظهار من تلك المصادر. لذا يجب التأمل أكثر مما يشاهد في مناهج الاجتهاد، والسعي للوصول إلى أحسن المناهج علمياً.
والذي يؤيد عدم سببية الاختلاف في الأصول الخارجة عن العلم لأجل تأسيس علم آخر هو ما نعرفه من تاريخ تطور سائر العلوم البشرية من العلوم التطبيقية وغيرها؛ فهذا - مثلاً - علم الطب، فإن الأصول الفلسفية المتعلقة بالإنسان وبدنه قد تبدلت قطعاً على طول تاريخ هذا العلم، وهي تؤثر آثاراً عميقة وواسعة في تطور ذاك العلم، إذ العلوم تتوسع وتتخصص بسبب التطورات والتغيرات الطارئة، وتجدد الضرورات والحاجات وربما يكون الفقه في هذه الأزمنة من العلوم التي تحتاج إلى تخصصات متعددة، في الأبواب المتعددة، والمتنوعة فيها.
ه إن التتبع والتأمل في الآثار المدونة في الفقه المقارن، من القديم إلى الآن، أحسن شاهد لقياس ما في الفقه المقارن مع نظيره من المسائل مما هو من الفقه بقول مطلق، ونرى هل هناك علمان، أم هناك علم ومنهج أو هما سنخان من المنهج ؟
فإذا قيس مثلاً كتاب جواهر الكلام في فقه الإمامية للشيخ محمد حسن النجفي له مع كتاب تذكرة الفقهاء في الفقه المقارن للعلامة الحلي الله مرجحاً الآراء الإمامية على غيرها في الكتاب فنرى أن كلا المؤلفين يبحثان في المسائل نفسها، غير أن الأول لا يطرح غالباً إلا آراء الإمامية في تلك المسائل وأدلتهم، والثاني مع ذلك يطرح آراء فقهاء مذاهب غير الإمامية ويدرس أدلتهم.
والغاية كالموضوع لكليهما واحدة، وهي ترجيح قول من الأقوال مستنداً إلى حجج وأدلة لإثبات الشريعة المقدسة في المسألة، فإذا ركزنا النظر إلى الغاية، وهي الأساس في عمليات كل مجتهد في علم، بل في كل جهد معقول للإنسان، نعرف أن الوصول إليها لا يتم إلا بجمع بين ما في مثل كتاب الجواهر وبين ما في مثل كتاب التذكرة، ففي الثاني إذا كان المؤلف بصدد ترجيح الرأي وهو لا يتحقق إلا ببيان أدلته ورفع إشكالاته، ورد القول المخالف، لا محيص له عما في مثل الأول
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
من عرض الأدلة كتاباً وسنة وإجماعاً وعقلاً، مطابقاً لما اعترف به من الأصول والمبادئ الكلامية والنظريات الأصولية، لأن الترجيح عنده كعالم إمامي لا يمكن إلا برعاية ما اعترف به، فمؤلف الفقه المقارن يجب عليه لأجل بلوغ غايته، بالمعنى الصحيح، فعل ما يفعله الفقيه في كل مذهب، طبقاً لرؤاه ونظرياته من علوم وآراء القدامى في مجال الفقه، من الكلام وأصول الفقه وغير ذلك، هذا من جانب.
وأما الجانب الآخر، أعني ما في الأول، فغاية مثل صاحب الجواهر كفقيه بارز في مذهب معين، هو إثبات أحكام الشريعة المقدسة طبقاً للحجة الحاصلة من الأدلة، ورفع الإشكالات الواردة على رأيه، ودفع القول المخالف. فهذه الغاية أيضاً لا تحصل إذا احتمل قولاً في المسألة ولو من غير مذهبه، مستنداً إلى مصدر شرعي کالكتاب مثلاً، فيجب عليه عرض هذا القول المحتمل والجواب عنه حتى يدفع عن رأيه ما يمكن أن يرد عليه.
نعم إذا كان القول مستنداً إلى ما لا يكون معتبراً عنده من الأصول ونظريات القدامى، فالمبرر لعدم عرضه لا يكون إلا لأجل ثبوت بطلانه عنده ببطلان ما يستند إليه. ففي الحقيقة هذا القول أيضاً كأنه عرض له ورد، فإن رده عنده برد مبناه ولو في علم آخر. وهذا كما الفقيه المقارن إذا واجه قولاً مبتنياً على القياس مثلاً، وهو في مذهبه في أصول الفقه لا يقول به؛ فلا يتعرض في فقهه المقارن، وفي أثناء مسألة فقهية، لإثبات بطلان القياس، بل يقول - مثلاً - باختصار: «إن هذا القول دليله القياس، ولا نقول به، فراجع أصول الفقه».
وخلاصة الكلام هي أن ما نتوقع من الفقيه طبقاً للغاية وإتماماً لها، لا يفرق فرقاً أساسياً بين أن يكون الفقيه فقيهاً مجتهداً في ما نسميه الفقه المقارن بين المذاهب، وبين أن يكون فقيهاً مجتهداً في المذهب الواحد.
نعم، التفاوت يمكن تصوره في الإجمال والتفصيل، فالفقيه في المذهب
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م -
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
يجمل في نقل الأقوال، خصوصاً أقوال فقهاء غير مذهبه، ويُفصل فيما يثبت رأيه، بينما الفقيه في مجال الفقه المقارن يفصل في نقل الأقوال، خصوصاً الأقوال من غير مذهبه، وربما يجمل فيما يثبت رأيه، أو ما يكون الراجح عنده.
كما أن الفقيه في الفقه المقارن ربما لا يتعرض في فقهه إلا لأهم المسائل المختلف فيها بين المذاهب، وإن كان هذا مهماً، إلا أنه لا يكون علمياً إلا بالتعرض لبعض ما في العلم. كما أن الفقيه للمذهب أيضاً ربما يدون باباً من الفقه لغرض من الأغراض كرفع حاجة يعتقد بوجودها في مجتمعه مثلاً.
ومعنى ذاك التوقع فنياً ومنطقياً هو أن ما في الفقه المقارن من التفاوت الرائج بينه وبين ما في الفقه بقول مطلق هو من سنخ المنهج، لا من سنخ ما يتفاوت به
علم عن علم فالمتوقع من الفقيه في الفقه بقول مطلق رعاية ما هو من المنهج في الفقه المقارن من التوجه إلى كل قول صادر من فقيه قابل للطرح بحسب درجة فقاهته، وأهمية قوله، وبعد التوجه فإن كان قوله راجحاً عند الباحث في ضوء أدلته، وما يرجح به القول المختار فهو؛ وإلا فإن كان رد قوله لا يمكن إلا ببيان فساد مبادئه في علم آخر؛ كالكلام أو أصول الفقه وغير ذلك فإنه يشير إليه، وإن لم يكن كذلك فالمنهج الصحيح يحكم بتعرض أدلته وردها، وهي طبعاً داخلة في مجال الفقه، لا الكلام أو أصول الفقه أو أي علم آخر.
كما أن المتوقع من الفقيه المقارن الذي يركز في فقهه على جزء من الفقه أو أجزاء منه في ضوء تعدد أقوال المذاهب فيهما، أن يتعرض لأدلة ما هو راجح عنده، ودفع ما يمكن أن يرد عليه حتى يثبت الراجح عنده، كما هو عليه الفقيه في الفقه بقول مطلق، أن يثبت القول الراجح عنده دون غيره.
إذن فماهية ما في الفقه المقارن ماهية منهجية، ينبغي استكمال المنهج بها في الفقه بقول مطلق.
ويظهر مما ذكرنا أن ما عدوه من فوائد الفقه المقارن (٢٠) يعد أيضاً فوائد لطي
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه
المنهج الصحيح في الفقه، للوصول به إلى أهداف الاجتهاد العامة، والتي منها: محاولة البلوغ إلى واقع الفقه الإسلامي» لأن هذا البلوغ لا يحصل عادة إلا بعد عرض مختلف وجهات النظر في أدلة الفقه وتقييمها على أساس موضوعي (۲۱).
وبعبارة أخرى: إن فوائد الفقه المقارن لا يستغني عنها الفقيه بقول مطلق.
وآخر الكلام: إنا لو أمعنا النظر إلى الفقه المقارن وفوائده نعلم أنه يجب على الفقيه استكمال منهجه الفقهي، واستفراغ وسعه ببلوغ الحجة في الأحكام الشرعية ما يضع بين أيدينا مجموعة تجريبية من الفقه المقارن في قالب منهجي.
الهوامش:
1- أنظر تعريف الفقه في محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن.
٢- إرشاد الفحول، الفصل الأول في تعريف أصول الفقه، ص ٣.
- المستصفى، ص ٥ أنظر صدر الكتاب، بيان حد أصول الفقه.
٤ - المصدر السابق.
ه راجع مسائل في الفقه المقارن، الدكتور سليمان الأشقر، الدكتور ماجد أبو رقية والدكتور محمد عثمان بشير والدكتور عبد الناصر أبو البصل، الأردن، دار النفائس ١٤١٨هـ ، ١٩٩٧م ص ١١، ومحمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن قم، مؤسسة آل البيت ۱۹۷۹م، ص ١٥، والفقه الاجتهادي بين عبقرية السلف ومآخذ ناقديه ، عبد العظيم المطعن، القاهرة مكتبة وهبة، ص ٤٩ وما بعدها.
٦- الحكيم، المصدر السابق، ص ١٣.
راجع مسائل في الفقه المقارن الأشقر وسائر المؤلفين، المصدر السابق.
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
الفقه المقارن علم أم منهج ؟
راجع كشف الظنون، حاجي خليفة بيروت، دار احياء التراث ص ، وكشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي ، بيرون ، ناشرون ١٩٩٦م، مادة العلم، وصدر المتألهين الشيرازي، الأسفار الأربعة، طهران، دار المعارف الإسلامية، ۱۳۸۳ هـ . ج ۳، ص ۲۷۸
- راجع التهانوي، المصدر السابق، ص ٦٢.
۱۰ - راجع المصادر السابقة.
۱۱- کشاف اصطلاحات الفنون، ج 1 ، ص ٦٦.
۱۲ - راجع المصادر السابقة، وأيضاً الملا عبد الله، الحاشية على تهذيب المنطق، قم، جماعة المدرسين
١٤٣٠هـ ، ص ١١٥ و ١١٦.
۱۳ - راجع المصادر المتقدمة.
١٤- راجع جميل صليبا، واژه نامه فلسفه و علوم اجتماعی، ترجمة كاظم برگ نیسی و صادق سجادي بالفارسية، تهران شرکت سهامی انتشار ۱۳۷۰ هـ ش، ص ۲۵۰ و آندره لالاد فرهنگ فلسفه، ترجمه غلامرضا وثیق تهران انتشارات فردوسی ۱۳۷۷ هـ ش، ص ٤٦٥ ، وعبد الهادي الفضلي، أصول البحث، بيروت، دار المؤرخ العربي ١٤١٢، ص ٥٠ و ٥١.
١٥- راجع حاشية الملا عبد الله، ص ۱۱۸.
١٦- المصدر السابق، ص ۱۱۹
۱۷ - المصدر نفسه ، ص ۱۲۱ - ۱۲۳ و ۳۹۳ - ۳۹۵
۱۸- راجع العلامة الحلي، تحرير الأحكام، ج ۱، ص ۳۲ ومنتهى المطلب ج ۱ ص ۷، الشهيد الأول، ذكرى الشيعة ج ١ ، ص ٤٠، المحقق الكركي، جامع المقاصد ج 4، ص ٥، والشهيد الثاني، شرح اللمعة ج ۳، ص ٢٠٥، والغزالي المستصفى ص ٥، إرشاد الفحول، ص ٣.
۱۹ - الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص ١٥.
٢٠ - راجع الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص ١٤ ، والأشقر و.... مسائل في الفقه المقارن، ص ۱۳
۲۱ - الحكيم، المصدر السابق، ص ١٤.