مفهوم العقوبة وخصائصها وأهدافها وأنواعها في الفقه الجنائي الإسلامي
د. محمد تهامي دكير(*)
الخلاصة
إلى وقت قريب، ساد الاعتقاد لدى مفكري وعلماء الفكر الجنائي الوضعي، أنّ الخصائص الجديدة للعقوبة والمتمثلة في: الشرعية والقضائية والشخصية والمساواة، وكذلك الأساس الجديد الذي يقوم عليه حق العقاب، وأهداف العقوبة، هي من المنجزات الحديثة والمعاصرة للاجتهاد القانوني في المجال الجنائي، وأنها تدخل في إطار التطور العام الذي عرفته البشرية في مسيرتها لتحقيق العدالة الجنائية، والدفاع عن حقوق الإنسان التي انْتُهكت لعدة قرون خلت..
لكن الدراسات القانونية المُقارنة، والبحوث التي أُنْجزت للكشف عن النظام الجزائي الإسلامي، كشفت أنّ العقوبة في الفقه الجنائي الشرعي، قد تميّزت بهذه الخصائص أيضاً، وأن نظام العقوبات في الشريعة، يقوم على اُسس وأهداف غايتها تحقيق العدالة الإلهية، والدفاع الشرعي عن حقوق الإنسان؛ للحيلولة دون انتهاكها، وفي الوقت نفسه، الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، والعمل على اجتثاث دوافعها من النفس البشرية، وتجفيف منابعها في الواقع الاجتماعي..
وبالتالي، فما توصلت إليه المدارس العقابية الوضعية من اجتهادات حديثة ومعاصرة مهمة، فإنّ الشريعة الإسلامية، كان لها فضل الأسبقية والتميز والفرادة؛ لأنها نصّت على الكثير منها وزادت عليه، واعتمدتها في سياستها الجنائية قبل عدة قرون، بل تبين، أنّ العدالة الجنائية الشرعية، أشمل وأوسع وأعمق في أبعادها، وأقدر على تحقيق أهداف نظامها العقابي وتشريعاتها الجزائية؛ لأنها وحي إلهي وتشريع رباني، عادل وحكيم، ومنزه عن الظلم أو الميل لجهة أو مصلحة فردية أو فئوية..
وهذا ما حاولت هذه الدراسة الكشف عنه والتأكيد عليه، من خلال الحديث عن خصائص ومميزات العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي، وأهداف السياسة الجنائية الشرعية..
الكلمات المفتاحية: فقه جنائي، سياسة جنائية، عقوبة، حدود، تعزير، الشرعية، القضائية، المساواة.
المقدمة
لقد تغير مفهوم العقوبة والأساس الذي تقوم عليه، مواكباً تطور السياسات الجنائية الوضعية في المجتمعات الغربية، وما حقّقته الاجتهادات القانونية في هذا المجال. فالعقوبة لم تعُد انتقاماً شخصياً أو اجتماعيّاً، وإنّما تنفيذاً للقانون، المرتكز على عقد اجتماعي. وكذلك مفهوم الإرادة والاختيار تغيّر، باتجاه التأكيد على المسؤولية القانونية والاجتماعية للمجرم..إلخ.
وبالتّالي، تغير أساس حقّ العقاب، من الانتقام أو تحقيق المنفعة الاجتماعية أو تحقيق العدالة المطلقة، إلى الدفاع الاجتماعي ضدّ الجريمة، حيث أصبح الهدف من العقوبة، هو معالجة الخطورة الإجرامية الكامنة في الجُناة، والعمل على إصلاحهم وتأهيلهم اجتماعيّاً، بالإضافة إلى الأهداف التقليدية للعقوبة، أي تحقيق الرّدعين الخاص والعام، وتحقيق العدالة.
وبذلك، فقد أسفر هذا التطور في السياسات الجنائية الوضعية على مفاهيم واُسس وأهداف جديدة للعقوبة، لم تكُن من قبل. فقد استقر الوضع على الجمع بين العقوبة والتدابير الاحترازية، حيث أصبحت التدابير إلى جانب العقوبة التقليدية من صور الجزاء الشرعية والقانونية المعتمدة، والمعمول بها في مُعظم القوانين الجنائية الدّولية، وكذلك في معظم دول العالمين العربي والإسلامي.
أما بخصوص العقوبة في النظام الجزائي الإسلامي، أو في " الفقه الجزائي الإسلامي"(36)، فنحن أمام تشريع عقابي، هو جزء من منظومة تـشريعـية متكاملة وشاملة لجميع النّظم: الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية..إلخ، في إطار رسالة سماوية مُوحى بها إلى رسول الإسلام محمد بن عبد الله ، باعتبارها الدين الخاتَم، الذي يُلبِّي جميع احتياجات البشرية التشريعية، من يوم نزل واكتمل، وإلى نهاية الحياة على وجه هذا الكوكب الصغير.
لذلك، لا يُمكن الحديث عن تطور أو تراكم اجتهادات تشريعية جنائية، تحقّق خلال الأزمنة والعصور، وعبر نشاط مدارس واتجاهات فكرية عقابية، إليها يُعزى تحديد مفهوم العقوبة والأساس الذي تقوم عليه، أو التجريم والعقاب، والأهداف العامة للعقوبة، وإنّما نحن أمام مجموعة من النُّصوص والأحكام والقواعد المُنزلة في القرآن الكريم والسُّنة النبوية، هي التي حرَّمت وجرَّمت مجموعة من الأفعال والسلوكيات والأقوال، واعتبرتها جرائم ومعاصي ومُخالفات، ومن ثمَّ وضعت العقوبات المناسبة لكل جُرم أو معصية أو مخالفة. كما كشفت أسباب وعِلل هذا التحريم والتجريم، والآثار الإيجابية لتنفيذ العقوبات التي شُرِّعت، على الفرد والمجتمع.
أما الجزء المُرتبط باجتهاد العقل الإسلامي، في هذا النظام العقابي الشرعي، فهو بدوره ينطلق من القواعد المنصوص عليها أو المستنبطة من القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، والمنسجمة مع مقاصد الشريعة العليا.
وبالتّالي، فنحن أمام نظام عقابي له خصوصيته، من حيث مصادر ومنابع التشريع، وأهدافه وغاياته، أما ما نجده من اختلاف في الآراء الاجتهادية، أو تعدّدٍ مذهبي في مجال "الفقه الجنائي الإسلامي"، فلا يُمكن أن نطلق عليه عنوان "مدرسة أو اتّجاه"، كما هو الحال لدى المدارس العقابية الوضعية الغربية. وإنما نحن أمام اجتهادات فقهية ومذهبية، تنطلق من نصوص مُقدسة(القرآن والسُّنة روايات أهل البيت بالنسبة للمذهب الإمامي)، مُتفق على مرجعيتها ومصدريتها التشريعية، لكن قد يختلف الفهم والاستنباط، أو اختيار الحُكم عند التطبيق، نتيجة الاختلاف بين الفقهاء والمُجتهدين، في مناهج الاستنباط والتفسير والفهم، بحيث يسعى كل مذهب حسب قُدرات مُجتهديه، للوصول إلى الفهم الأقرب إلى الحقيقة المقصودة أثناء التنزيل، والمنسجمة مع تحقيق أهداف التشريع، في الواقع الفردي أو الاجتماعي.
وكذلك الكشف عن التفاصيل المُتعلقة بالتشريع في هذا الباب الفقهي، كبقية الأبواب الفقهية الاُخر، بحيث تُشكل مجموع هذه الثروة التشريعية، بشقيها النصوص الإلهية المقدسة، والاجتهادات الفقهية (البشرية) المرتبطة بها، ما يُمكن أن نُطلق عليه " المدرسة العقابية الإسلامية"، وبالتالي، فالفقه الجنائي الإسلامي، كما هو مُسطر ومحفوظ في الكتب والموسوعات الفقهية المعتبرة(37)، وموسوعات الفقه المقارن، يُعتبر المصدر الذي يُرجع إليه، للتعرف على السياسة الجنائية الإسلامية العامة، من حيث فلسفة العقوبة والأساس الذي تقوم عليه، وأهداف العقوبات في هذه السياسة، وطبيعتها وأنواعها، ومجال وحدود الاجتهاد البشري في الفهم والتفسير أو الإضافة، عند الفراغ التشريعي إنْ وُجِد، استجابة لنوازل الواقع ومُستجداته.
في هذه الدراسة، ومن خلال الأبواب والأقسام الخاصة بالعقوبات(الحدود، القِصاص والتعازير) في الكتب والموسوعات الفقهية، سنتعرف على مفهوم العقوبة في "الفقه الجنائي الإسلامي"، وأساس حقّ العقاب، وخصائص العقوبات الشرعية وأهدافها.
أولاً: مفهوم العقوبة والأساس الذي تقوم عليه في "الفقه الجنائي الإسلامي"
بالنسبة لمفهوم العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي، فإذا كانت العقوبة تعني المكافأة والمجازاة بسوء(38)، فإنّ من أشهر التعاريف الفقهية للعقوبة (الحدود)، تعريف الفقيه الشافعي الماوردي بأنها: " زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حَضر، وترْك ما أمَر به"(39)، وعنه أيضاً: العقوبة بمعنى (التعزير): تأديب على ذنوب لم تُشرّع فيها الحدود، ويختلف حُكمه باختلاف حال فاعله، فيُوافق الحدود من وجه، وهو أنه تأديب واستصلاح وزجر"(40).
وقيل هي: " جزاءٌ قرّره الشارع الأعلى، لمن يعصي أوامره ونواهيه، بقصد إصلاح المجتمع وحمايته من مفاسد الجريمة"(41). وعرّفها بعض الفقهاء بأنّها: " موانع قبل الفعل، زواجر بعده، أي العِلْم بشرعيتها، يمنع الإقدام على الفعل، وإيقاعها بعده يمنع العودة إليه"(42). وهذه التعاريف للعقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي، لا تكشف عن مفهومها فقط، وإنما كشفت عن جوهرها، وأنواعها، والأساس الذي تقوم عليه، وخصائصها وأهدافها.
فمن خلال هذه التعاريف، يتبيّن لنا أنّ العقوبة في الفقه الإسلامي، تنقسم إلى: حُدود، وتعازير. الحدود، وهي عقوبات مقدرة شرعاً، ومُعينة سلفاً لجرائم هي الاُخر مُعينة ومُحددة أيضاً من طرف الشريعة الإلهية، وقد سُميت حدوداً، لكونها مانعة من التجاوز أو الاعتداء على حُدود الله، أي محارمه وأحكامه التي حدّها وقدّرها، ومنع من تجاوزها لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229](43).
والحُدود لدى جمهور فقهاء أهل السُّنة، سبعُ عقوبات هي: حدُّ الزنا، وحدّ القذف، وحدّ السرقة، وحدّ الحرابة أو قطع الطريق، وحدّ شُرب الخمر، وحدّ الرِّدة، وحدّ البغي. واختلفوا في القِصاص(للقتل العمد)، فالأحناف لا يعتبرون القِصاص(44) حداً، لأنه ـ في نظرهم ـ وإنْ كان مقدّراً، لكنه حقُّ العباد، فيجري فيه العفو والصلح. وقولهم " حقّ العباد"، إشارة إلى التقسيم الوارد في كتب الفقه، حيث اعتبروا الحدود عقوبات مقدرة حقّاً لله تعالى(الحق العام)، أي أنها شُرِّعت لصيانة: الأنساب والأعراض والأموال والعقول والأنفس عن التعرض لها، وإن كان بعض هذه الحدود قد يشترك فيها حقُّ العباد (الأفراد) مع حقِّ الله، مثل حدّ القذف، ففيه حقُّ الله وحقُّ العبد، أي يشترك فيه الحق الشخصي مع الحق العام، بل قِيل إنّه " ما من حقٍّ لله، إلّا وفيه حقٌّ للفرد، وما من حقٍّ للفرد إلّا وفيه حقٌّ للمجتمع"(45).
وتعريف الحدِّ عند الإمامية (المذهب الجعفري)، هو: " كل ما له عقوبة مقدرة، وأسبابه ستّة: الزنى، وما يتبعه(اللواط والسحاق والقيادة)، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق(الحرابة)"(46). واختلفوا في البغي والردّة، حيث ذهب المحقق الأردبيلي إلى اعتبارهما من جرائم التعزير(47).
أما التعازير، فهي عقوبات غير مُقدرة من طرف الشارع، وإنما أُوكِلَ أمْرُ تقديرها لولي الأمر (الإمام أو الخليفة الشرعي)، أو القاضي، على جرائم ومعاصٍ ومخالفات، كثير منها منصوص على تحريمه وذمه والنهي عن فعله، في نصوص الشّرع المقدس(القرآن الكريم والسُّنة النبوية وروايات أهل البيت. مثل جرائم: أكل الربا أو الرشوة أو شهادة الزور،..إلخ، لكن عند الإمامية، هناك عدد من الجرائم لها عقوبات تعزيرية محددة(1). وهناك عقوبات لمخالفات، هي من تجريم وليّ الأمر الشرعي، كمخالفة الأنظمة والقوانين المنظمة للحياة المدنية في المجتمع..إلخ(2).
والحكمة من عدم تحديد الكثير من جرائم التعزير وتركها للقاضي أو للحاكم الشرعي، " لأنّ الأحكام تتناهى، بمعنى أنها لا بدّ محدودة، أما الأفعال الإنسانية فلا تتناهى، وهي تتطور وتتبدّل في كل زمان ومكان"(3). لكن التجريم والعقاب في جرائم التعزير، يجب أن يكون منسجماً مع متطلبات الواقع التشريعية، وغير مخالف لمبادئ وأحكام ومقاصد الشرع العامة(4).
وإلى جانب عقوبات الحدود والقِصاص والدّية، وعقوبات التعزير، هناك في الفقه الإسلامي ما يُطلق عليه "الكفارة"، وهي " ما كفَّر به المسلم عن ذنبه من صدقة أو صوم أو عتق رقبة أو إطعام مساكين(5). وبالتّالي، فالكفارة لها طابع العبادة، عندما تطال أعمالاً لا تُوصف بالمعاصي، كإفطار المريض، ولكنها تُصبح نوعاً من العقوبة إذا فُرضت على معصية كالجماع في الإحرام(6).
ومن خلال هذه التعاريف للعقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي، نكتشف كذلك جوهر العقوبة، فهي ألم وعذاب، وإيذاء وجزاء بِشَرٍّ، مُقابل شرّ ارتكاب الجريمة أو المعصية، وهذا ما صرحت به الآيات المتعلقة بالحدود في القرآن الكريم، فقد وصفت العقوبة على ارتكاب الزنا بأنها " إيذاء" [النساء: 16]، كما وصف الجلد للزاني والزانية بأنه عذاب: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]. أو قوله عزّ وجل: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 16]. واعتبرت عقوبة القطع في السرقة، بأنها" نكال" يقول عزّ من قائل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكالاً مِنَ الله﴾ [المائدة: 38]. والنكال والتنكيل، إشارة إلى شدّة التعذيب والعقاب(7).
لكن هذا الألم والعذاب، ليس مقصوداً في ذاته؛ لأنّ الفقه الجنائي الإسلامي لا يعتبر العقوبة انتقاماً أو تعذيباً للجاني أو تشفياً فيه(8). وإنما شُرعت هذه العقوبات (الحدود) لتكون "زواجر قبل الفعل، موانع بعده"(9). أو" تأديب واستصلاح وزجر"(10)، بالنسبة للتعزير. أي إنّ هذه العقوبات تؤمِّن في شرعيتها مانعاً من ارتكاب الأفعال الجُرمية المُضرة بالجماعة، والمخالفة لأحكام الشريعة، قبل الفعل، وهي مقصودة بعد الفعل، لمنع الفاعل من التكرار والعَوْد، بإصلاحه وزجره، وبالتّالي، تحقيق الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة(11). فهي كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة: " أذى شُرّع لدفع المفاسد، ودفع المفاسد في ذاته مصلحة، بل إنّ دفع الضّرر مُقدم على جلب المنفعة"(12).
ودفع المضار والمفاسد، يتجلّى بوضوح:
أولاً: في عقوبات جرائم الحدود، التي تُعتبرت اعتداءً على مقاصد الشرع الخمسة في الخلق، وهي حماية وصيانة: الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال(13). وحماية هذه المقاصد ضرورية لتحقيق مصالح المجتمع، والأهداف والغايات الكبرى للاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض(14).
لذلك، خصّها الشارع الحكيم بالتقدير، تجريماً وعقاباً، وجعل جُلّ عقوباتها جسديّة، تتّسم بالقسوة والشدّة(15). بينما تُرك لوليِّ الأمر أو الحاكم الشرعي أو القاضي، اختيار العقوبة المناسبة في جرائم التعزير، التي هي أقل خطورة على مصلحة الفرد والمجتمع، على أن تُحقق هذه العقوبة الهدف منها، وهو التأديب والاستصلاح والتهذيب، بالإضافة إلى الزجر المانع من العَوْد والتكرار.
لقد اعتبر فقهاء الإسلام، تشريع العقوبات بأنواعها(حدود، قِصاص وتعزير)، رحمة بالفرد والمجتمع، فهذه العقوبات تردع الإنسان المسلم وتمنعه، إما من الوقوع أصلاً في الجريمة (الردع العام)، وإما تحُول بينه وبين تكرارها(الردع الخاص)، وتدفع به نحو التوبة والصلاح والتطهر، أو تُنجيه عند تنفيذها عليه من عذاب الآخرة، وبنجاة الأفراد ينجو المجتمع من الآثار السلبية للجرائم.
وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ جوهر العقوبة في القوانين الوضعية، هو كذلك الألم، وإن اختلفت طبيعة هذا " الألم"، بين الإيذاء الجسدي والنفسي المباشر، وبين الحرمان من الحرية (السجن)، أو من بعض الحقوق (العقوبات المالية وغيرها...إلخ)، فكلاهما شرٌّ يحيقُ بالجاني، نتيجة فعله وسلوكه المخالف للقانون ومصلحة المجتمع. لكن حرص الشريعة على الإيذاء الجسدي (العقوبات البدنية في جرائم الحدود)، إلى جانب العقوبات الاُخر: (سجن، عقوبات مالية..إلخ)، إنما يعكس الرؤية العقائدية التي ترتكز عليها السياسة العقابية الإسلامية، التي تقسم أفعال الإنسان بشكل عام إلى خير وشر، وأنّ لكلّ فعل ثواب وجزاء في الدنيا أو الآخرة، يقول عزّ وجل: ﴿مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 ـ 8].
وبالتّالي، فإنّ أي معصية(16)، بمعنى مخالفة أمر أو نهي الشارع المُقدّس، سيترتب عليها جزاء وعقاب، سواء في الدنيا أو الآخرة: يقول عزّ من قائل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: 49]. وهذا المفهوم للعقاب، أوسع وأشمل من مفهوم العقاب في الأنظمة العقابية الوضعية، ويترتّب عليه آثار مهمة، لها علاقة بتحقيق أهداف العقوبة، سواء في مكافحة الظاهرة الإجرامية، أو تحقيق العدالة المُطلقة(17).
أما بخصوص أساس حقّ العقاب، فقد تطور في الأنظمة العقابية الوضعية من الثأر والانتقام الفردي والجماعي، أو فكرة الانتقام العام أو الإلهي، إلى النقلة النوعية مع المدارس العقابية الحديثة والمعاصرة، التي اختلف أصحابها بين الحديث عن المنفعة أو العدالة المطلقة، كأساس لحق العقاب، أو الجمع بينهما، وصولاً إلى اختيار الدفاع الاجتماعي ضدّ الجريمة، مع المدارس العقابية المتأخرة.
أما في الشريعة الإسلامية، فإنّ أساس حق العقاب، هو مخالفة وعصيان أمر الشارع المقدس (الله عزّ وجل)، وهذا معنى وصف الماوردي الشافعي الجرائم بأنها: "محظورات شرعية"، فالشارع الحكيم هو الذي حرَّم وجرَّم مجموعة من الأفعال، وهو الذي شرّع لها العقوبات المناسبة (حدود، قِصاص وتعزير)، كل ذلك، من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، التي كشفت عن عِلل تجريم الكثير من الجرائم والمعاصي، وتحدثت عن فوائد تنفيذ العقوبات الشرعية على الفرد والمجتمع.
وبالتّالي، فأساس حقّ العقاب، هو عصيان ومخالفة الشرع المُقدس، الذي جرّم أفعالاً، واعتبر إتيانها معصية لأمره أو نهيه عزّ وجلّ، واعتداء على هذا الحدّ الذي وضعه، يقول عزّ من قائل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229]، و﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]، وفي جريمة الزنا يقول عزّ وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء 22]. وعند اقتراف الفعل يقول عزّ من قائل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]. وكذلك الأمر بالنسبة لجريمة السرقة: يقول تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38].
ونهى عن شرب الخمر، وأمر بجلد الشارب، ونهى عن القذف، وأمر بجلد القاذف، وكذلك نهى عن الحِرابة، وشرّع عقوبات القتل والصلب والقطع والنفي، ونهى عن البغي وجرّم الردة، وشرّع لهما العقوبة المناسبة. وفي تجريم القتل وتشريع القِصاص يقول عزّ وجل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]. هذا بخصوص جرائم الحدود والقِصاص.
و ثانياً: جرائم التعزير، فإنّ معظم الجرائم التي أعطى الشارع الحكيم لولي الأمر الشرعي أو القاضي، سُلطة اختيار العقوبة المناسبة لها، هي جرائم منصوص على تحريمها أو النهي عنها أو ذمِّ فعلها، مثل النهي عن أكل الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. أو أكل الميتة أو أخذ الرشوة..إلخ(18).
وسُلطة ولي الأمر أو القاضي في تقدير العقوبة غير مُطلقة، وإنّما مُحددة باختيار العقوبة المناسبة لزجر وإصلاح الجاني، وتهذيبه ومنعه من التكرار والعَوْد. ومنضبطة بضوابط العدالة والمصلحة العامة، أي بما يُحقق النفع الخاص(التأهيل والإصلاح للجاني)، والنفع العام (أمن المجتمع واستقراره)، أي الدفاع الاجتماعي ضدّ الجرائم المُخلّة بأمنه وسلامته وانتظامه العام.
والخلاصة، فإنّ أساس حقّ العقاب في جرائم الحدود والقِصاص، تشريعي، وجوهره عِصيان أمر الشارع المقدس، الواجب الطاعة، بحُكم عبودية الإنسان لخالقه، الذي خلقه في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. وجعله خليفة له في أرضه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، وسخّر له الكون لخدمته: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13]، وكل ذلك ليعبده ويُسْلِم له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ويُطيع أوامره، ويحكم بما أُنزل إليه من أحكام وشرائع: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
وعليه، فإنّ هذا التجريم والعقاب ليس عبثيّاً، وإنّما يُحقق نفعاً ومصلحة للفرد والمجتمع، وهو ما أشار إليه الماوردي الشافعي بقوله: " فتكون المصلحة أعمّ، والتكليف أتمّ"(19). وجرائم الحدود فيها اعتداء على الضرورات الخمس، أو مقاصد الخلق المعتبرة في الشريعة، وفي هذا الاعتداء فساد وإفساد للحياة الإنسانية والعمران البشري، ما يحول دون تحقيق أهداف الخلق والاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض. لذلك، " جاء العقاب للدفاع عن هذه المصالح والمنافع، ودرءاً ومنعاً لهذه المفاسد"(20).
وبالتّالي، يُصبح أساس حق العقاب في الحدود والقِصاص، عِصيان أمر الشارع الحكيم (تشريعي)، بالإضافة إلى المنفعة والمصلحة الاجتماعية(21). وهذا ما اتّفقت كلمات الفقهاء على تأكيده، من أن الأحكام مُعللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، يقول عزّ الدين عبد السلام الفقيه الشافعي المشهور: " إنّ الأحكام مُعللة بجلب المصالح ودرء المفاسد، وأنّ الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات، جلباً لمصلحتها، والجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءاً لمفاسدها "(22). وهذا ما أكده أيضاً الأستاذ عبد القادر عودة، عندما اعتبر أنّ العقوبات في ذاتها مفاسد، ولكن الشريعة أوجبتها، لأنّها تُؤدّي إلى تحقيق مصلحة الجماعة، وصيانة هذه المصلحة(23).
أما أساس حقّ العقاب في جرائم التعزير، فإنّ المصلحة والمنفعة (الخاصة والعامة)، وإن كانت ظاهرة ومقدمة، لأنّ الحاكم الشرعي(القاضي) يُقدّر العقوبة حسبها (أي مصلحة ومنفعة) الجاني، بتأهيله ودفعه لسلوك طريق الحق والصواب والتوبة، ومصلحة المجتمع بالدفاع الاجتماعي ضد الجرائم ومحاصرتها، واجتثاث جذورها وأسبابها في الأنفس والواقع الاجتماعي، إلّا أنّ النهي والذم وتحريم الكثير من جرائم التعزير من طرف الشارع المُقدس، وكذلك تفويض الحاكم الشرعي لاختيار ما يُصلح الجاني، وما يدفع عن المجتمع غوائل الجريمة، من عقوبات زجرية، وتجريم بعض المخالفات المضرة بالمجتمع، كل ذلك، يجعل أساس حق العقاب، لا يبتعد كثيراً عن الشرع المقدس ومقاصده.
وبالتّالي، سواء في الحدود والقِصاص أو التعزير، فإنّ أساس حقّ العقاب، هو عصيان أمر الشارع المقدس والحكيم، وتحقيق المنفعة والمصلحة الفردية والاجتماعية. بالإضافة ـ طبعاً ـ إلى الرغبة في تحقيق العدالة، من خلال تنفيذ هذه العقوبات؛ لأنّ المُشرِّع هو الله عزّ وجل العادل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، وهو غنيّ عن ظُلم عباده، بل يحكم بالعدل ويأمر به ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. وبالعدل قامت السماوات والأرض، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه المقدسة، وما فيها من أحكام وشرائع؛ ليحكم الأنبياء والمؤمنون بالقسط: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 48].
وتشريع العقوبات، للمخالفات والمعاصي المُضرة بمصلحة الفرد والمجتمع الإسلامي، والتي تحول دون تحقيق أهداف الخلق والاستخلاف، لمنع اقترافها أوالحيلولة دون تكرارها، هو العدالة الإلهية عيْنُها. وإذا كان هدف تحقيق العدالة واضح في العقوبات المقدرة (الحدود والقِصاص على وجه التحديد)، فإنّ العدالة، يجب أن تُوجّه ولي الأمر أو القاضي، عندما يُقرّر العقوبات للجرائم التعزيرية كذلك، فيكون من أغراض هذه العقوبات تحقيق العدالة والنفع الاجتماعي(24).
وبالتّالي، فلا تعارض بين المصلحة والعدالة، يقول الشيخ أبو زهرة: " واعتبار العقوبة من العدالة، وملاحظة النفع المترتب على العدالة، هو الذي انتهى إليه الفكر الحديث، بعد أن قرّره الفقه الإسلامي من قرون"(25)
لكن الفقه الإسلامي، وإن تحدّث عن المصلحة أو المنفعة، وأهمية تحقيق العدالة، إلّا أنه نظر إليهما نظرة أعمق وأشمل، عندما اعتبر تشريع العقوبة وتنفيذها، رحمةً من الله بعباده، يقول الشيخ أبو القاسم مقيمي حاجي: يمكن القول: إنّ الجوانب التي لحظها الشرع الإسلامي بشكل عام، في تشريع العقوبات مجموع أمرين، الأول: الانطلاق من مبدأ الرحمة والشفقة على الجاني، الثاني: ملاحظة المصلحة العامة للمجتمع(26). وهذه الرحمة تتجلّى بوضوح في الآثار الواقعية لتشريع العقوبة وتنفيذها، أي ما يترتب عليها من الردع والزجر، المؤدّي إلى استئصال الجريمة في نفوس الأفراد والواقع، فيعُمّ الأمن والسلام والاستقرار المجتمعات البشرية، ما يُساعدها على تحقيق كمالها النفسي والروحي والاجتماعي.(27). وبالتّالي، يُمكن إضافة مفهوم الرحمة الإلهية بالخلق، إلى جانب المنفعة وتحقيق العدالة المُطلقة، كأساس لحقِّ العقاب في الشريعة الإسلامية.
وإذا كان أساس حقّ العقاب في الشريعة الإسلامية، يرتكز على التقسيم الثلاثي للجرائم وعقوباتها، أي جرائم: الحُدود والقِصاص والتعازير(28). فإنّ معيار تعيين العقوبة في هذه الجرائم، يرتكز على الجسامة الذاتية للجريمة وخطورتها(29)، وهذا واضح في جرائم الحدود والقِصاص، لأنها اعتداء على الضرورات الخمس، أو مقاصد الخلق المعتبرة في الشرع، وهي لخطورتها وأهميتها مقدرة وثابتة، أما جرائم التعزير، فإنّ المعيار فيها هو الخطورة الجُرمية، فبمقدار الجسامة في أي جريمة وخطورتها على المصلحة العامة، تتعين العقوبة المناسبة للزجر والإصلاح والتهذيب. لذلك، تُرك أمر تقديرها وتعيينها للحاكم الشرعي أو القاضي، وهذه العقوبة تتراوح بين الوعظ والتوبيخ، لتصل إلى السجن أو الاستئصال بالقتل، عند الإدمان والإصرار، واستحالة الإصلاح واستفحال الخطورة الإجرامية(30).
ثانياً: خصائص العقوبة وأهدافها في الفقه الجنائي الإسلامي
كشف التطور وتراكم الاجتهادات في مجال القوانين العقابية عن خصائص وأهداف للعقوبة، منسجمة مع أهداف السياسة الجنائية الوضعية الحديثة، التي ركّزت على تحقيق الدفاع الاجتماعي ضدّ الجريمة، في إطار الاهتمام بحقوق الإنسان (الجاني أو المجرم). وهذه الخصائص هي: الشرعية، القضائية، والشخصية، والمساواة. فـ" لا جريمة ولا عقوبة إلّا بنصّ"(31)، و" لا عقوبة إلّا بحكم قضائي"(32).
أما الشخصية، فالمقصود بها أن تنفذ العقوبة في المُقترف للجريمة فقط، وألّا تمتد لغيره من أفراد أسرته أو أقربائه(33). والمقصود بالمساواة، أن تكون العقوبة المقررة في القانون للجريمة، واحدة بالنسبة لجميع الناس، دون تفريقٍ بينهم، من حيث الجنس أو اللون أو الطائفة، مع مراعاة درجة المسؤولية لكل مجرم، ما يقتضي توسيع سلطة القاضي لاختيار الجزاء المناسب حسب هذه المسؤولية(34). وقد تميزت العقوبات الشرعية بهذه الخصائص أيضاً، على اختلاف في الجوهر وبعض التفاصيل.
خصائص العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي
شرعية العقوبة:
وهذا واضح في عقوبات جرائم الحدود والقِصاص، فجميعها منصوص عليه من خلال القرآن الكريم أو السُّنة النبوية الشريفة، ففي جريمة الزنا يقول عزّ وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]. وفي جريمة القذف يقول عزّ من قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]. وفي عقوبة شرب الخمر، روى أبو هريرة قال: " أُتي النبي9 برجل قد شرب فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنّا الضارب بيده، ومنّا الضارب بنعله، ومنّا الضارب بثوبه"(35). وفي جريمة السرقة، يقول عزّ من قائل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38].
وهكذا باقي جرائم الحدود والقِصاص، فعقوباتها مُقدّرة ومنصوص عليها في القرآن والسُّنة، يقول العز بن عبد السلام الشافعي، مُلخِّصاً هذه العقوبات: " فالحدود بالجلد مضبوطة، بمئة أو خمسين أو ثمانين أو أربعين، والنفي مضبوط، بسنة أو نصف سنة، والرجم مضبوط بالموت، مجهول المقدار، والصلب مُقدّر بثلاثة أيام، وقطع السرقة والمحاربة مضبوطان"(36).
أما عقوبات جرائم التعزير، فإنها وإن لم تكُن مُقدرة سلفاً من الشارع المُقدّس، كما يرى جمهور فقهاء أهل السّنة، فإنّ لولي الأمر الشرعي أو القاضي، سُلطة تقديرها بما يُحقق الهدف منها، أي الردع والزجر والإصلاح والتهذيب، يقول العز بن عبد السلام أيضاً: " وهي غير مضبوطة، بل هي مُقربة بما يحصل الزجر عن جرائمها بمثله، فإن تعلّقت بحقّ العبد، تخير في استيفائها وإسقاطها، وإن تعلّقت بحقِّ الله، وجب اتّباع المصلحة، فإن كانت المصلحة في التعزير وَجَبْ، وإن كانت في إسقاطه سقط.."(37)
وقد نبّه الفقهاء إلى ضرورة أن يتقيّد القاضي أو الحاكم الشرعي بمبادئ العدالة الإسلامية، بما يحمي ويصون حقوق الأفراد والمجتمع، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. لذلك، نجدهم يضعون قائمة من العقوبات المتنوعة، تبدأ بأخفِّ العقوبات، مثل: الإعلام أو الإحضار أمام القاضي..إلخ، وتنتهي إلى الحبس، وقيل سقفها، ألّا تصل إلى العقوبات الحدِّية المنصوص عليها، لقوله : " من بلغ حدّاً في غير حدّ، فهو من المُعتدين"(38).
وكأنّ الفقه الجنائي الإسلامي هنا، جعل عقوبات التعزير، تتراوح بين حدِّين، أدنى وأقصى، وترك للقاضي تقدير واختيار العقوبة المناسبة، في النوع والمقدار لكلِّ حالة، وهذا ما استقرَّت عليه القوانين الوضعية، بعد ما تبيّن أنّ العقوبات الثابتة، لا تُحقق المساواة الحقيقية(39).
قضائية العقوبة:
بمعنى أنّ أي عقوبة لا تُوقع أو تنفذ في حقِّ أي مجرم أو جاني، إلّا بحُكمٍ صادر عن القاضي أو السلطة القضائية(40). وهذا ممّا أجمع عليه فقهاء الإسلام، عندما اعتبروا "القضاء فريضة مُحكمة، ومن واجبات الإمام أو الخليفة"(41). لذلك، نجد الخلفاء والملوك بعد رسول الله9 قد عيَّنوا القضاة، وأوكلوا إليهم أمر القضاء والحكم بين الناس، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام الشرعية، واعتبرت مؤسسة القضاء من أهم المؤسسات التي حرصت الأنظمة السياسية في المجتمع الإسلامي، على إنشائها والاهتمام بها، وتزويدها بما تحتاجه، لإقامة العدل، وإنصاف المظلوم في المجتمع.
وقد تحدث الفقهاء بالتفصيل عن شروط تولِّي القضاء، وصفات القاضي، وصلاحياته في تنفيذ العقوبات، سواء عقوبات الحدود والقِصاص أو التعازير وغيرها. كما أجمعت كلماتهم على أنّ القاضي إذا اكتملت لديه شروط التجريم الشرعية، فعليه أن يحكم بالعقوبة المقدرة في جرائم الحدود والقِصاص، أو يختار العقوبة المناسبة في جرائم التعزير حسب الجُرم ووَضع الجاني، وليس له الحق أن يتجاوز العقوبات المقدّرة شرعاً، أو يحكم بما يُنافي العدالة في غيرها، لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْظّالمُونَ﴾ [المائدة: 45]. ويقول عبد القادر عودة: وليس له ـ أي القاضي ـ أن يخلق جريمة أو عقوبة عن طريق القياس أو العُرف أو الاستحسان، كما ليس له أن يُخالف النّص الصريح، مهما كانت الظروف والاعتبارات(42).
المساواة في العقوبة:
في القوانين الوضعية، تطور مفهوم المساواة في العقوبة، من ضرورة سريان القوانين، وإمكانية تطبيقها على جميع الأفراد، دون تمييز أو استثناء، لسبب من الأسباب خارج موضوع الجريمة، إلى ضرورة أن تتناسب العقوبة كذلك، مع درجة المسؤولية. وهذا ما جعل فقهاء المدارس العقابية، يُطالبون بتوسيع صلاحيات القاضي في اختيار العقوبة الملائمة لكلّ مجرم، بحيث أصبح " الفعل الواحد يُعاقب عليه بعقوبات متنوعة ومختلفة"(43). كلّ ذلك، في سبيل الوصول إلى المساواة الحقيقية والواقعية إلى حدٍّ كبير.
أما في الفقه الجنائي الإسلامي، فالنّاس جميعاً سواسية كأسنان المُشط أمام الشريعة الإلهية، فإذا ما توافرت شُروط التجريم الشرعية، لدى أي فرد في المجتمع المسلم، فإنّ على السلطة القضائية أن تطبق في حقّه العقوبة المقررة في جرائم الحُدود والقِصاص، أو اختيار العقوبة المناسبة لزجره وإصلاحه، إذا كانت المخالفة تعزيرية. ولا يجوز تعطيل إقامة الحدود أو الشفاعة فيها، لسبب غير شرعي، لذلك، غضب رسول الله9 عندما طُلب منه العفو على امرأة من قريش، ثبت في حقها جُرم السرقة، فصعد المنبر وقال: " إنما أهْلَك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله، لو أنّ فاطمة بنت محمد، سرقت لقطعت يدها.."(44)
ولدينا عشرات الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، التي تُحذر من مخاطر الظلم في الحُكم والقضاء، وآثار ذلك على أمن واستقرار المجتمع، وتدعو إلى تحرّي العدالة والإنصاف بين المتخاصمين، يقول عزّ من قال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. وقوله عزّ من قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. ورُوي عن رسول الله9 أنه قال: "من ابْتُلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لَحْظته وإشارته، ومقعده ومجلسه"(45).
وبالتّالي، فإنّ القاضي في عقوبات الحدود، يتحرّى اكتمال شروط التجريم، ليأمر بتنفيذ العقوبة المقدرة على الفقير والغني، الحاكم أو المحكوم، الرجل والمرأة، الشريف والوضيع، لا فرق بين الجميع، أما في جرائم التعزير، فإنّ المساواة في العقوبة والحُكم، تقتضي مراعاة جسامة الجريمة، ودرجة مسؤولية الجاني عن فعله، والظروف المُحيطة بكل جريمة، وبالتّالي، اختيار العقوبة المناسبة للردع والزجر والتأديب، فما يرتدع به أهل المروءة والعلم والمكانة الاجتماعية، إذا ما اقْترفوا مخالفة ما، أو معصية، يختلف حتْماً عمّا يرتدع به الأشرار، ممّن أدمن على الفسق والفجور، وتكرّر منه ارتكاب المعاصي والمخالفات أو الجرائم.
وكذلك الأمر بالنسبة للتأديب والإصلاح والتأهيل، فهناك من يُؤثّر فيه التوبيخ العلني، فيجعله يَرْعَوي ويتُوب، ويُقْلع عمّا هو فيه فوراً، وهناك من لا يردعه عمّا يفعله، إلّا الضرب أو الحبس، وهناك من يتحتّم نفيه أو إبعاده أو استئصاله، إذا ما شكّل خطراً ماحقاً على أمن المجتمع واستقراره، وهذا ما توصّل إليه القضاة والمجتهدون في الفقه الجنائي الإسلامي، قبل أن تتوصّل إليه المدارس العقابية الوضعية بعدة قرون.
شخصية العقوبة:
وهذه من الخصائص المهمة للعقوبات الشرعية، سواء في الحدود أو التعزير؛ لأن مبادئ العدالة الإلهية تقتضي ألّا يُؤاخذ أحد بذنب غيره، ولا يُسأل الإنسان إلّا عمّا اقترفته يداه، لأنّه حسب قول تعالى: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]. وكذلك قوله عزّ من قائل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، إلّا أن الفقهاء تحدثوا عن استثناء يتعلّق بتحميل العاقلة الدِّية، مع الجاني في القتل شبه العمد والخطأ، وإن كان بعضهم قد اعتبر ذلك تطبيقاً لمبدأ الشخصية، وليس استثناء منه(46).
أهداف العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي
إذا كانت أهداف العقوبة في القوانين العقابية الوضعية قد تطورت، فلم يعد الانتقام الجماعي أو التكفير، أو حتى تحقيق العدالة، بل أصبح لها وللتدابير الاحترازية كصورة جديدة للجزاء الجنائي إلى جانب العقوبة، هدف عام وهو الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، لمنع وقوعها أو تكرارها، تخليصاً للمجتمع من آثارها السلبية، بتفعيل الوظيفة الردعية للعقوبة، وبالتدابير الاحترازية التي تُعالج الخطورة الإجرامية الكامنة في المجرمين والجُناة، بإصلاحهم وإعادة تأهيلهم اجتماعياً(47).
فإنّ أهداف العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي واضحة ومحددة كذلك، من خلال نصوص الكتاب والسُّنة والروايات، وكلمات الفقهاء، وما استنبطوه منهما ومن باقي مصادر التشريع المعتبرة، وهذه الأهداف وإن كانت تُشبه الأهداف التي حدّدتها السياسة الجنائية الوضعية على مستوى العناوين، لكن هناك اختلاف في المضامين والمصاديق، ومدى الشمولية والاتساع، وكذلك ثمة أهداف في الفقه الجنائي الإسلامي انْفردت بها الشريعة الإلهية، هي:
أولاً ـ تحقيق العدالة: وهذا الهدف هو من الأهداف المهمة والرئيسة؛ لأنّ العقوبة جزاء بِشرٍّ مُقابل شرِّ الجريمة، وما تُحدثه من اعتداء وفساد وإفساد في المجتمع، يقول عزّ من قائل عن جريمة الحِرابة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
وهذا الجزاء، يجب أن يكون مماثلاً ومناسباً لجسامة هذه الجريمة، التي هي اعتداء على حقِّ الله وحقوق العباد، لقوله تعالى أيضاً: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ النحل: 126] وهذا واضح كذلك في عقوبة القِصاص. ومن مظاهر العدالة أيضاً، أنّ التجريم والعقاب مصدره الشارع المقدس والحكيم، (أي الله عزّ وجلّ)، فهو العادل الغني عن ظُلم عباده، بل غايته من تشريع هذه العقوبات، إنّما هو حفظ مقاصد الشرع في الخلق، وحمايتها من أيّ اعتداء أو انتهاك.
وبالتّالي، فالجميع سواسية كأسنان المشط أمام الشرع الإلهي، فلا استثناء لأحدٍ لا في التجريم، ولا في العقوبة، فإذا تحقّقت شروط التجريم المُعتبرة شرعاً، لدى القاضي أو الحاكم الشرعي، وجب تنفيذ العقوبة المقدرة شرعاً، كما هو الحال في جرائم الحدود والقِصاص، أو اختيار العقوبة المناسبة لجسامة الجريمة ودرجة المسؤولية، ما يُحقّق الرّدع والزجر، إذا كانت المخالفة متعلقة بجرائم التعزير.
وما تنفرد به الشريعة هنا، هو أنّ مفهوم العدالة في الشريعة مُطلق، ويتّسع ليشمل الدنيا والآخرة، فمن استطاع الإفلات من العقوبة في الدنيا، فإنّ موازين القسط تنتظره في الآخرة، يقول عزّ من قائل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]، وقوله عزّ وجلّ أيضاً: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].
ثانيّاً ـ تحقيق الرّدعين الخاص والعام: وهذا واضح في طبيعة الحدود والقِصاص، فهي عقوبات جسدية تتميز بالشدة والقسوة (الجلد، الرجم والقطع والقتل قِصاصاً)(48). ما جعل الفقهاء يصفونها بأنها " موانع قبل الفعل، زواجر بعده"، أي لها وظيفة ردعية، فهي تحول دون ارتكاب الفعل الجُرمي من البداية، أو تحول دون تكراره، وغايتها حماية الضرورات الخمس وصيانتها من أي اعتداء.(49). وهذا واضح في عقوبة السرقة مثلاً، " فالسارق إذا ما قُطع وبقي أثر ذلك في بدنه، يراه ويستشعر حرارته ومرارته دائماً، لما تجرّأ ثانية، ولما أقدم غيره على ذلك.."(50).
وكذلك الأمر في عقوبات جرائم التعزير، فتقدير العقوبة من طرف القاضي أو الحاكم الشرعي، يُلحظ فيه الردع والزجر، بالإضافة إلى الإصلاح والتهذيب، والتوبة والرجوع إلى الحق والصواب، كما هو واضح في عدد من الآيات الكريمة، يقول عزّ من قائل بخصوص تأديب الزوجة الناشز: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: 34]، فالعقوبة هنا تتدرج، من الوعظ فالهجر، وصولاً إلى الضرب غير المُؤذي، حتى تتحقق الطاعة في المعروف، فإن تحققت، توقفت العقوبة، ولم يعد هناك من سبيل للعقاب(51).
ثالثاً ـ الإصلاح والتهذيب: من خلال الغايات والأهداف الأساسية التي من أجلها شُرّعت العقوبات الشرعية المقدرة وغير المقدرة، يُلاحظ أن الهدف من تطبيقها ليس فقط تحقيق العدالة أو الرّدعين الخاص والعام، وإنما إصلاح الجاني وتهذيبه، والدّفع به إلى سلوك الطريق المستقيم، الذي انحرف عنه باقترافه للجريمة أو المعصية.
فالعقوبة تأتي هنا للتنبيه والتذكير بخطورة ما اقترف، وضرورة التوبة والعودة إلى الحق والصواب الذي ابتعد عنه، وهذا ما تؤكده العشرات من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، التي تكشف عن أهمية التوبة والترغيب الشديد فيها، وأنّ الله عزّ وجل يقبل التوبة النصوح من عباده مهما كانت المعاصي والآثام المقترفة، يقول عزّ من قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54]، ويقول أيضاً عن المحاربين لله ولرسوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]. بل نجد من النصوص النبوية ما يُشجع على السّتر والتوبة بين الإنسان وربه، روى مالك في الموطأ، أنّ رسول الله9 قال: " أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئاً، فليستتر بستر الله، فإنه من يُبدي لنا صفحته، نُقِم عليه كتاب الله"(52).
ومن خلال هذه النصوص وغيرها، التي تُرغب في التوبة، يُمكن الاعتقاد أنّ الشارع المُقدس يفضلها على العقوبة، وإن كان تنفيذها في الدنيا هو نوع من التوبة بحدِّ ذاته، كما وقع مع ماعز على عهد الرسول9، فقد جاء تائباً مُعترفاً بذنبه، فأقام الرسول9 عليه حدّ الزنا، ولو لم يعترف وتاب لله توبة نصوحاً في السّر فإن الله عزّ وجل يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25].
بل إنّ الرسول الله9، طلب منه التوبة، عندما جاءه معترفاً في المرة الاُولى، حيث رُوي أنه9 قال له: " ويحك ارجع فاستغفر الله وتُب إليه"(53)، وهذا الحرص من الشرع المقدس على التوبة والتطهير، يُؤكد بوضوح الرغبة في الإصلاح والتأهيل، بحيث تصبح وظيفة العقوبة تشريعاً وتنفيذاً، إبعاد الإنسان المسلم عن الجرائم والمعاصي المُهلكة، والدفع به نحو تزكية نفسه وتهذيب روحه، لإيصالها إلى الكمال المنشود، ولذلك يقول أبو حامد الغزالي عن عقوبات جرائم الحدود: " أُريدَ بها إصلاح الخلق"(54).
وأما التعزير، فهدف الإصلاح والتهذيب واضح فيه، من خلال اختيار القاضي للعقوبة المانعة من تكرار المعصية أو المخالفة، أي كما يقول الكاساني الحنفي: " حسب الجناية وحال الجاني"(55)، لذلك، فقد يكتفي القاضي في بعض الحالات بطلب التوبة والاستغفار من المقترف لبعض المعاصي والمخالفات، فعن ابن مسعود قال: جاء رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصَبْتُ مِن امرأةٍ كلَّ شيءٍ إلّا أنِّي لم أُجامِعْها؟ قال: فأنزَلَ اللهُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]"(56).
رابعاً ـ تحقيق المنفعة أو المصلحة: وهذا واضح كذلك، سواء في عقوبات الحدود والقِصاص، أو العقوبات التعزيرية، حيث اعتبرت المنفعة أساساً لحقِّ العقاب، ومعياراً له، بالإضافة إلى ما تُحققه من منافع ومصالح للفرد، بردع الإنسان المسلم ومنعه عن ارتكاب ما يُؤدي به إلى التهلكة في الدنيا والآخرة. وحماية المجتمع بالتّالي، من الآثار السلبية لانتشارها، ما يؤدي إلى تفكك أواصر الاجتماع البشري وخراب عمرانه، ولذلك، فتشريع العقاب الزاجر، هو لدفع مفاسد الجرائم، وبهذا الدفع تتحقق المصلحة والمنفعة الخاصة والعامة(57).
أقسام العقوبات الشرعية
أما أقسام العقوبات الشرعية، فقد قسّمها الفقهاء إلى عدّة أقسام:
أولاً: من حيث الجرائم وجسامتها إلى:
1. عقوبات الحُدود
2. عقوبات القِصاص والدّية
3. عقوبات التعازير
ثانياً: من حيث نوعها أو من حيث التقدير وعدمه إلى:
1. عقوبات مُقدّرة
2. عقوبات غير مُقدرة
3. عقوبات الكفارات (وهي مُقررة لبعض جرائم القِصاص والدّية والتعازير)
ثالثاً: من حيث محلّها أو موضوعها إلى:
1. عقوبات بدنية (الجلد، الرجم، القطع)
2. عقوبات نفسية (الوعظ، النُّصح، الهجر، التوبيخ، التهديد،..إلخ).
3. عقوبات سالبة للحرية أو مقيدة لها(الحبس، التغريب أو النفي).
4. عقوبات مالية (الدّية، الغرامة، المُصادرة والإتلاف..إلخ).
رابعاً: من حيث الرابطة بينها إلى:
1. عقوبات أصلية مقررة في الشريعة مثل: الرجم، الجلد، القتل، القطع، التغريب، الحبس، الهجر،..إلخ.
2. عقوبات فرعية أو تبعية، مثل عدم أهلية القاذف للشهادة، بعد ثبوت الجريمة وتنفيذ عقوبتها عليه(58).
كما قسّم الفقيه المالكي ابن رشد العقوبات إلى:
1. جنايات على الأبدان والنفوس والأعضاء(وهو المُسمَّى قتلاً وجرحاً).
2. جنايات على الفروج (وهو المُسمَّى زناً وسفاحاً).
3. جنايات على الأموال (في: الحرابة، البغي، السرقة والغصب).
4. جنايات على الأعراض(وهو المُسمَّى القذف).
5. جنايات بالتعدِّي على استباحة ما حرّمه الله، من المأكول والمشروب (الخمر)(59).
الخاتمة
هذا هو جوهر العقوبة، والأساس الذي تقوم عليه، وخصائصها وأهدافها وأنواعها في الفقه الجنائي الإسلامي، باختصار، ومن خلال ذلك، يمكن التعرف على خصائص ومميزات السياسة الجنائية الإسلامية بشكل عام، وأصالتها وفرادتها، وأنها في جوهرها وأبعادها التشريعية والاجتماعية، بالإضافة إلى نظام التدابير الوقائية الذي تميزت به هذه السياسية ـ وجعلته ركيزة أساسية في هذه السياسة ـ ، قادرة على تحقيق الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، واجتثاث جذورها من الأنفس والواقع الاجتماعي.
الهوامش
(1) حُدِّدت حسب الروايات الواردة عن الأئمة: مثل: تقدير المجامع زوجته في نهار رمضان، ومن افتض بكراً بإصبعه،.. إلخ، أنظر للمزيد: فقه الحدود والتعزيرات: 26 و43.
(2) انظر: عن صلاحيات ولي الأمر الشرعي أو القاضي في تقدير هذه العقوبات المناسبة للجرائم التعزيرية، د. محمد سليم العوا، في اُصول النظام الجنائي الإسلامي: 285، والسيد سابق، فقه السنة، 522:2.
(3) د. محمد سعيد رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: 63. نقلاً عن: د. هلا العريس، شخصية عقوبات التعزير في الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة: 123.
(4) القانون الجنائي: مصطفى العوجي، النظرية العامة، 152:1.
(5) أنظر: د. عبد الرقيب صالح محسن الشامي، الكفارات أحكام وضوابط المؤلف.
(6) انظر للمزيد عن الكفارة في الفقه الإسلامي: الدكتورة هلا العريس م. س، 175. ود. عامر عبد العزيز عامر، التعزير في الشريعة الإسلامية: 56.
(7) يقول ابن كثير في تفسيره: (نكالاً من الله) أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب ذلك (أي السرقة)، أنظر النسخة الإلكترونية، شرح الآية 38 من سورة المائدة، على الرابط التالي: www.quan.ksu.edu.sa .
(8) في الإسلام لا تعتبر العقوبة انتقاماً أو تشفّياً في المجرم، لذلك نهى رسول الله عن سبّ أو لعن من يُقر بذنبه ويُقام عليه الحد، فعن أبي هريرة قال: " أُتي النبي(ص) برجل قد شرب فقال: اضربوه، فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا كذلك، لا تعينوا عليه الشيطان" رواه البخاري في صحيحه: 1678، حديث رقم: 6777.
(9) ابن الهمام الحنفي، شرح فتح القدير، 212:5.
(10) الماوردي، الأحكام السلطانية، : 236، ط.البابي الحلبي.
(11) أنظر: د. هلا العريس، م.س، 97.
(12) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي (العقوبة)، ابوزهرة: 8.
(13) عن هذه المقاصد انظر: أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الاُصول، 286:1.
(14) وحول هذه المصالح، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: " وتحريم تفويت هذه الاُصول الخمسة والزجر عنها، يستحيل ألّا تشمل عليه ملَّة من الملل، وشريعة من الشرائع التي اُريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر.." انظر: المستصفى من علم الاُصول، 288:1.
(15) كما قلنا سابقاً، فليس الهدف من تنفيذ هذه العقوبات القاسية إيذاء الجاني فقط، وإنما القسوة هنا لها علاقة بفاعلية العقوبة وقدرتها على تحقيق الردعين الخاص والعام، والحيلولة دون التكرار والعَود، وبالتالي، فكلما كان العقاب فعّالاً في تحقيق أهدافه، كلما كان ناحجاً في مكافحة الإجرام، انظر: للمزيد عن هذه المسألة: د. أحمد صالح الطويلي،التدابير الوقائية للحماية من الجريمة في الشريعة الإسلامية: 173.
(16) مصطلح المعصية في القرآن والسُّنة أعم من مصطلح الجريمة، وكلاهما ورد في القرآن الكريم بمعنى الأفعال التي تترتب عليها عقوبة سواء في الدنيا أو الآخرة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم: 47]. أو قوله عزّ وجل: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14]. وبالنسبة للفقهاء فإن كل جريمة معصية، ولكن ليست كل معصية جريمة، فهناك معاصي عقوبتها الحدّ أو التعزير، ومعاصي عقوباتها الكفارة، ومعاصي ليس لها عقوبات دنيوية..إلخ. انظر تفصيل ذلك في: محمد دكير، التشريع الجنائي الإسلامي وحقوق الإنسان: 128.
(17) تشريع العقاب في الآخرة له علاقة مباشرة بتحقيق العدالة المطلقة، فهناك من المجرمين من يتمكن من الإفلات من العقاب الدنيوي، لكن العدالة الإلهية تتوعده أنه لن يُفلت من العقاب في الآخرة، وهذا الاعتقاد بالعذاب في الآخرة، له خاصية ردعية مهمة، خصوصاً في المجتمعات المؤمنة بالله وبالبعث والحساب في الآخرة.
(18) كما أشرنا إلى ذلك في تعريف الحد والتعزير، فقد ورد في مذهب الإمامية، روايات عن أئمة أهل البيت: تحدد عقوبات عدد من الجرائم التي اختلف فيها هل هي حد أم تعزير. أنظر للمزيد عن ذلك: السيد عبد الكريم الأردبيلي، فقه الحدود والتعزيرات: 43.
(19) الماوردي الشافعي، م. س، 221.
(20) د. وهبة الزحيلي، التفسير المبين، 70:15؛ ود. هلا العريس، م. س، 117.
(21) انظر: للمزيد عن مفهوم المصلحة في الفقه الإسلامي، وآراء الفقهاء في اعتبار المصلحة أساساً للعقاب. الشيخ محمد أبو زهرة، العقوبة: 8.
(22) انظر: أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 11:1 وما بعدها.
(23) محمد دكير، التشريع الجنائي الإسلامي:90.
(24) د. علي عبد القادر القهوجي، اُصول علم الإجرام والعقاب، م 283 ـ 284.
(25) انظر: العقوبة، م. س، 22 و41. أما الفكر الحديث الذي يقصده، فهو التيار الذي نادى بضرورة الجمع بين المنفعة والعدالة كأساس لحق العقاب، أي الجمع بين رأي المدرسة التقليدية وعلى رأسها المفكر الجنائي بكاريا، الذي كان يعتقد أن المنفعة هي أساس حق العقاب، وبين الفيلسوف كانت (kant)، الذي أكد على فكرة العدالة. انظر للمزيد عن هذا الموضوع: د. علي عبد القادر القهوجي، أصول علم الإجرام والعقاب، 187 ـ 181، و د. فريد الزغبي، الموسوعة الجزائية، 162:1.
(26) أنظر: فلسفة نظام العقوبات في الإسلام، العدد 65 ص99.
(27) انظر: حول تجليات الرحمة في تنفيذ العقوبات الشرعية، المستشار عزت حسنين، النظرية العامة للعقوبة والتدابير الاحترازية، دراسة مقارنة: 16.
(28) قسّم الفقهاء العقوبات الشرعية إلى عدة أقسام: من حيث نوعها ومن حيث الجرائم، ومن حيث محلّها..إلخ، انظر للمزيد عن هذا التقسيم: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 426:2 ـ 427، والنظرية العامة للعقوبة والتدابير الاحترازية بين الشريعة والقانون، المستشار عزت حسنين، م. س، 40 وما بعدها.
(29) المقصود بالجسامة الذاتية في القوانين الوضعية، درجة خروج السلوك الإجرامي على قيم المجتمع وقوانينه، ومن خلال هذه الجسامة قسّم المشرع الوضعي، العقوبات إلى ثلاثة أنواع: 1 ـ جنايات، 2 ـ جنح، 3 ـ مخالفات، انظر للمزيد عن ذلك: أحمد أبو عامر، دراسة في علم الإجرام والعقاب: 408.
(30) انظر للمزيد عن معيار تعيين العقوبة في الشريعة الإسلامية، د. محمد شلال العاني، ود. عيسى العمري، فقه العقوبات الشرعية، 32:1، ومحمد دكير، م. س، 152 ـ 153.
(31) انظر: د. علي عبد القادر القهوجي، م. س، 202.
(32) انظر: عبود السراج، التشريع الجنائي المقارن: 302، ومحمد كامل ليلة، النظم السياسة: الدولة والحكومة:491، ومحمد دكير، م. س، ص93.
(33) د. علي عبد القادر القهوجي:203، ود. جلال ثروت، قانون العقوبات: القسم العام: 247.
(34) انظر للتوسع في ذلك: د. علي عبد القادر القهوجي: 204.
(35) زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي، مختصر صحيح البخاري، المُسمّى التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، 4933:2، ح2159، وسنن أبي داود، 568:2 ح4477. وقد اختلف الفقهاء في عقوبة الخمر، هل هي حدُّ أم تعزير، وكذلك في مقدار الجلد، انظر: د. وهبة الزحيلي، العقوبات الشرعية:90.
(36) قواعد الأحكام في إصلاح الأنام، 204:2.
(37) المصدر السابق.
(38) الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى، 327:8. وانظر عن صلاحيات القاضي في جرائم التعزير: د. هلا العريس، 136، ومحمد دكير، م. س، 185.
(39) انظر: محمد دكير، م. س:187، وجندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، 15:5 ـ 16.
(40) انظر: د. زكي أبو عامر، م. س، 406، وجندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، 15:5.
(41) عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة:220.
(42) انظر: للتعرف على شروط القاضي وصلاحياته في الحكم، الماوردي، الأحكام السلطانية، 67، وعبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي في المذاهب الخمسة مقارناً بالقانون الوضعي، 280:1، وظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي،53:2.
(43) د. هلا العريس، م. س:80، وجندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، 24:5.
(44) انظر: سُنن الترمذي، 338، ح1430. وحكمه: صحيح.
(45) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، البيهقي، 228:10 حديث رقم: 20457. يقول الماوردي: يتميز مجلس الحكام عن مجالس غيرهم في أن الحاكم يُساوي بين الخصمين في مقعدهما، والنظر إليهما، وكلامه معهما، ولا يخصُّ أحدهما بترتيب ولا نظر ولا كلام.." انظر: ظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ: السلطة القضائية، 496:2. وعن صفات القاضي وآدابه وكيفية الحكم، انظر: شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، للمحقق الحلي، 159:7.
(46) العاقلة: هم الجماعة الذين يعقلون العقل، وهي الدِّية، وهم عُصبة الرجل وقرابته الذكور، الموسرون والعقلاء، والذين يمكنهم دفع الدّية المستحقة على الجاني، لمساعدته ومواساته في جناية صدرت منه عن طريق الخطأ.. انظر لتفصيل ذلك: السيد سابق، فقه السنة، 504:2. و الشهيد الأول، اللمعة الدمشقية: 285.
(47) وهنا تجب الإشارة إلى أن فقهاء القانون والشريعة على حدٍّ سواء، انتبهوا إلى صعوبة تطبيق مبدأ شخصية العقوبة بشكل مطلق؛ لأنّ عدداً من العقوبات (مثل السجن)، تكون لها آثار سلبية تتجاوز الجاني إلى اُسرته أو من يعولهم، فغياب الأب ـ مثلاً ـ بسبب السجن، يؤثر سلباً في حقوق امرأته وأولاده ووالديه.. انظر للتفصيل في هذا الموضوع: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات/ القسم العام: 729. وبخصوص الاسثناءات الواردة في الفقه الإسلامي على هذا المبدأ، انظر: د. أحمد الأشهب، المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية:30.
(48) انظر للمزيد عن أهداف العقوبة في الأنظمة الجزائية الوضعية وتطورها، د. عبد القادر القهوجي، 177 ـ 185، ومحمد دكير،التشريع الجنائي اللإسلامي: 63 ـ 230.
(49) يقول الدكتور علي عبد القادر القهوجي: " ولتحقيق الردع، فإنّ عقوبات جرائم الحدود رُوعيَ فيها التشديد، تحقيقاً لوظيفة العقوبة في الردع العام، لمنع الأفراد من الإقدام على الأفعال الموجبة لها"، اُصول علمي الإجرام والعقاب، م. س، 285.
(50) " فالقِصاص في النفوس والأطراف، صيانة للوجود، وحدّ الزنا لحفظ الأنساب، وحدّ السرقة والحِرابة لصيانة الأموال، وحدّ الخمر لحفظ العقل، وحدّ القذف لصيانة الأعراض" انظر: العلامة برهان الدين أبي الوفاء ابراهيم بن فرحون المالكي، تبصرة الحكام في اُصول الأقضية ومناهج الأحكام، 116:2 ـ 117.
(51) انظر، مجلة أهل البيت، م. س، عدد 66، 151 ـ 152
(52) المقصود بالنشوز في هذه الآية، كما يقول الطبري: "استعلاءهن على أزواجهن وارتفاعهن عن فرشهن، بالمعصية منهن، والخلاف عليهم فيما لزمهن طاعتهم فيه، بُغضاً منهن وإعراضاً عنهم.." انظر تفسير الطبري للآية 34 من سورة النساء، ص 84، النسخة الإلكترونية على الرابط التالي: www.quran.ksu.edu.sa
(53) انظر: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، كتاب الحدود، باب فيمن اعترف على نفسه بالزنا، 234:4. النسخة الإلكترونية، المكتبة الإسلامية، منشورة على الرابط التالي:
(54) www.islamweb.net
(55) انظر: محيي الدين يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم، المسمى: المنهاج في شرح الجامع الصحيح، ج4 كتاب الحدود ص 1769 ـ 1770ح 1695. وقد وقع اختلاف بين الفقهاء في التوبة، وهل تُسقط العقاب المقرر في الشرع، فالظاهرية والأحناف والمالكية وفريق من الشافعية والحنابلة، ذهبوا إلى عدم اعتبار التوبة سببا للإعفاء من العقوبة، ودليلهم رجم ماعز، مع أنه جاء تائباً. لكن ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وهما من الحنابلة، ذهبا إلى أن التوبة تُطهر من المعصية، وتسقط العقوبة في الجرائم التي تمس حق الله، فمن تاب من جريمة من هذه الجرائم سقطت عقوبته. إلّا إذا رأى الجاني نفسه أن يتطهر بالعقوبة، فإنه إذا اختار أن يُعاقَب، عُوقب رغم توبته.. أما الأحناف، فالحدود عندهم شُرعت للزجر فقط، فهي لا تُطهر من الإثم، وإنما المطهر التوبة. انظر تفصيل ذللك في: عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي: مقارناً بالقانون الوضعي، ج1، ص255، ومحمد دكير، المصدر السابق: 243 و244.
(56) انظر: المستصفى من علم الاُصول، 285:1.
(57) انظر: الكاساني، الإمام علاء الدين أبي بكر بن سعود، بدائع الصنائع، 525:5.
(58) انظر: صحيح البخاري، م. س، كتاب التفسير، ص1159، حديث رقم: 4687.
(59) انظر للمزيد عن أهداف العقوبات الشرعية، إبراهيم سند إبراهيم، مكافحة الإسلام للجريمة، دراسة منشورة على موقع الألوكة على الرابط التالي: https: www.alukah.com
(60) انظر: النظرية العامة للعقوبة والتدابير الاحترازية بين الشريعة والقانون، المستشار عزت حسنين، م. س، 40 وما بعدها.
(61) انظر: للقاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 289:4 وما بعدها و291 وما بعدها، و371 وما بعدها.
المصادر والمراجع
1. القرآن الکریم.
2. الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الماوردي، ابو الحسن، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، ط3 ـ 1973.
3. و طبعة أُخرى: دار الکتب العلمیة-بيروت، ط ـ 1978م.
4. اُصول علم الإجرام والعقاب، د. علي عبد القادر القهوجي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط1 ـ 2002م .
5. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، للقاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت: 595هـ)، تحقيق محمد صبحي حلاق، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط1 ـ 1994م.
6. التشريع الجنائي الإسلامي وحقوق الإنسان، محمد دكير، دار إقرأ، بيروت، ط1، 2005م.
7. و طبعة أُخرى: دار الكاتب العربي، حلب 2013.
8. الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: العقوبة، ابو زهرة، محمد دار الفكر العربي، (د.ت) .2018.
9. سُنن الترمذي، تحقيق ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر، الرياض، الطبعة الاُولى.
10. السنن الكبرى، البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، تحقيق عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3 ـ 2002م.
11. شخصية عقوبات التعزير في الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة، الدكتورة هلا العريس، دار الفلاح للنشر، بيروت،ط1 ـ 1997م.
12. شرح فتح القدير، كمال الدين ابن الهمام الحنفي، دار الفكر للطباعة، بيروت،ط2 .
13. شرح قانون العقوبات/ القسم العام، د. محمود نجيب حسني، دار النهضة العربية، القاهرة، ط ـ 1977م.
14. صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)
15. ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، مؤسسة الرسالة، بیروت، 2018م.
16. العقوبة في الفقه الإسلامي، بهنسی، د. أحمد فتحي، دراسة فقهية متحررة، دار الكتاب العربي، القاهرة، (د. ت) .
17. الفقه الاسلامي و ادلته، د. وهبة الزحيلي، دار الفکر، دمشق.
18. فقه الحدود والتعزيرات، المحقق السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، منشورات دار العلم مفيد مدينة-قم، ط1 ـ 1413 هـ.
19. فقه السنة، السيد سابق، دار الفتح، 2013م.
20. و طبعة أُخرى: سدار الكتاب العربي، ط8 ـ 1987م.
21. فلسفة نظام العقوبات في الإسلام، القسم الأول، مقیمی حاجی، شیخ ابوالقاسم مجلة فقه أهل البيت، بيروت.
22. في اُصول النظام الجنائي الإسلامي، د. محمد سليم العوا، دار نهضة مصر، 2013
23. القانون الجنائي: النظرية العامة، مصطفى العوجي، دار الخلود، بيروت، ط3 ـ 1999م.
24. قواعد الأحكام في إصلاح الأنام، عزالدین بن عبدالسلام، تحقیق:عثمان جمعه ضمیریه، دار القلم-دمشق، 1441ق.
25. الكفارات أحكام وضوابط، د. عبد الرقيب صالح محسن الشامي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ الكويت، ط1 ـ ١٤٣٩ هـ / ٢٠١٨ م.
26. لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ) الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة ـ 1414 هـ.
27. اللمعة الدمشقية، للشيخ شمس الدين محمد بن جمال الدين الشهير بالشهيد الأول، الدار الإسلامية، بيروت، دار التراث، ط1 ـ 1990م.
28. اللمعة الدمشقية، للشيخ شمس الدين محمد بن جمال الدين الشهير بالشهيد الأول، دارالفکر، 1391هـ.
29. المستصفى من علم الاُصول، أبو حامد الغزالي، دار إحياء التراث العربي، ط3 ـ 1414هـ.
30. المستصفى من علم الاُصول، أبو حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ـ 1983.