2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 8-9قراءة البحث

ضوابط المصلحة: دراسة مقارنة

العدد 8-9
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 8-9
بحث منهجي

ضوابط المصلحة: دراسة مقارنة

سيف الله صرامي

تندرج دراسة المصلحة في اُصول الفقه، عند أهل السُّنة، ضمن عنوان المصالح المرسلة. في حین تكون المصلحة عند الإمامیة، مقترنة بالولایة الشرعية، التي تتمثل فيها الأحکام ویتمّ تطبیقها حرفیّاً. ورغم اختلاف المنطلق لدی کل من السُّنة والشیعة، فلا مانع بتاتاً من إجراء دراسات مقارنة بینهما.
والمقصود بالضوابط، تلك التي تجب رعایتها بُغیة الحفاظ علی حجیة المصلحة واعتبارها لدی الفریقین أهل السُّنة والإمامیة. وقد سعی هذا البحث لتسليط الضوء علی هذا المجال لکشف خفایاه.
والضوابط التي عدّها أهل السنة للمصلحة هي: 1 ـ إنّها تندرج في المقاصد العامة، من الدین، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، 2 ـ عدم مخالفتها الکتاب، والسُّنة، والقیاس المعتبر، 3 ـ رعایة الأهمیة فیها. والمقصود تفضیل الأهم علی المهم، وعدم تفویت الأهم لصالح المهم، 4 ـ رعایة الخبرویة العلمیة واقتضاء الزمان والمکان في تحدیدها وتعیینها، 5 ـ إنها في مرتبة الضروري والحاجي من مراتبها، 6 ـ إنها معقولة تفصیلاً عند الأذواق العقلائیة العرفیة، بأن لا تکون من التعبدیات الشرعیة.
ویمکن تقریر ضوابط المصلحة، في إعمال المصداق الأتم من الولایة الشرعیة، وهي الحکومة الإسلامیة المشروعة، عند الإمامیة، في أربعة محاور: 1 ـ مصداقیة المصلحة للمقاصد العامة الشرعیة، لتشکیل الحکومة، 2 ـ عدم مخالفة المصلحة لنصوص القرآن والسنة، 3 ـ رعایة قانون الأهم والمهم الناطق بلزوم تفدیة المهم للأهم، وتقدیم الأهم علی المهم، عند تزاحمهما، 4 ـ رعایة الخبرویة والتخصص العلمي، بالنظر إلی ما یقتضیه العصر والمصر، في تشخیص وتعیین ورؤیة المصالح.

عنوان المقال:

ضوابط المصلحة: دراسة مقارنة بين الفقه السني والفقه الإمامي

الكاتب:

د. سيف الله صرامي باحث في الفقه المقارن، الجمهورية الإسلامية الإيرانية

هيكل المقال:

ينقسم البحث إلى مقدمة وثلاثة محاور رئيسة:

المحور الأول: ضوابط المصلحة عند أهل السنة

المحور الثاني: أدلة الضوابط في الفقه السني

المحور الثالث: دور المصلحة في فقه الإمامية

أهم محاور المقال:

1. المصلحة وأهميتها:

تُعد المصلحة من الأصول المعتبرة عند أهل السنة، وتندرج ضمن «المصالح المرسلة».

أما عند الإمامية، فليست دليلاً مستقلًا، بل تُعتبر مقترنة بالولاية الشرعية.

كلا المدرستين يسعيان إلى الحفاظ على مقاصد الشريعة من خلال المصلحة، وإن اختلف المنطلق الكلامي.

2. ضوابط المصلحة عند أهل السنة:

وفقًا للشاطبي والبوطي وغيرهما، فإن المصلحة يجب أن تتوافر فيها الضوابط الآتية:

أن تكون مندرجة في المقاصد العامة (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)

عدم مخالفة الكتاب والسنة والقياس

تقديم الأهم على المهم

أن تكون المصلحة في مرتبة الضروريات أو الحاجيات

أن تكون معقولة عرفًا، وليست من التعبديات

أن تكون محددة من قبل خبراء ومختصين مع مراعاة الزمان والمكان

3. أدلة الضوابط:

الاستقراء في النصوص يثبت أن الشريعة تهدف إلى تحقيق المصالح العامة.

المصلحة لا يمكن أن تُناقض نصوص الوحي، بل يجب أن تنسجم معها.

أدلة مثل «لا ضرر ولا ضرار» و«رفع الحرج» تدعم اعتبار المصلحة الواقعية.

4. دور المصلحة في الفقه الإمامي:

لا تُستقل المصلحة كدليل استنباطي، لكنها تلعب دورًا جوهريًا في دائرة الولاية الشرعية.

مثال ذلك: تصرفات الوليّ الفقيه أو الأب في شؤون الصغير مشروطة بالمصلحة.

تُستخدم المصلحة لتحديد مشروعية الحكم في دائرة الحكومة الإسلامية.

النتائج والتوصيات:

رغم اختلاف الخلفيات العقائدية، يمكن إقامة دراسة مقارنة بناءة بين المدرستين.

ضوابط المصلحة تمثل نقطة التقاء معرفي يمكن البناء عليها في فقه الدولة الحديثة.

يُوصى بتطوير بحوث مشتركة حول المصلحة بوصفها أداة توازن بين الثابت والمتغير.

الكلمات المفتاحية:

المصلحة، المقاصد، المصالح المرسلة، الولاية، الفقه المقارن، الفقه الإمامي، الفقه السني

ضوابط المصلحة: دراسة مقارنة

الشيخ د. سيف الله صرامي(*)

الخلاصة

تندرج دراسة المصلحة في اُصول الفقه، عند أهل السُّنة، ضمن عنوان المصالح المرسلة. في حین تكون المصلحة عند الإمامیة، مقترنة بالولایة الشرعية، التي تتمثل فيها الأحکام ویتمّ تطبیقها حرفیّاً. ورغم اختلاف المنطلق لدی کل من السُّنة والشیعة، فلا مانع بتاتاً من إجراء دراسات مقارنة بینهما.

والمقصود بالضوابط، تلك التي تجب رعایتها بُغیة الحفاظ علی حجیة المصلحة واعتبارها لدی الفریقین أهل السُّنة والإمامیة. وقد سعی هذا البحث لتسليط الضوء علی هذا المجال لکشف خفایاه.

والضوابط التي عدّها أهل السنة للمصلحة هي: 1 ـ إنّها تندرج في المقاصد العامة، من الدین، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، 2 ـ عدم مخالفتها الکتاب، والسُّنة، والقیاس المعتبر، 3 ـ رعایة الأهمیة فیها. والمقصود تفضیل الأهم علی المهم، وعدم تفویت الأهم لصالح المهم، 4 ـ رعایة الخبرویة العلمیة واقتضاء الزمان والمکان في تحدیدها وتعیینها، 5 ـ إنها في مرتبة الضروري والحاجي من مراتبها، 6 ـ إنها معقولة تفصیلاً عند الأذواق العقلائیة العرفیة، بأن لا تکون من التعبدیات الشرعیة.

ویمکن تقریر ضوابط المصلحة، في إعمال المصداق الأتم من الولایة الشرعیة، وهي الحکومة الإسلامیة المشروعة، عند الإمامیة، في أربعة محاور: 1 ـ مصداقیة المصلحة للمقاصد العامة الشرعیة، لتشکیل الحکومة، 2 ـ عدم مخالفة المصلحة لنصوص القرآن والسنة، 3 ـ رعایة قانون الأهم والمهم الناطق بلزوم تفدیة المهم للأهم، وتقدیم الأهم علی المهم، عند تزاحمهما، 4 ـ رعایة الخبرویة والتخصص العلمي، بالنظر إلی ما یقتضیه العصر والمصر، في تشخیص وتعیین ورؤیة المصالح.

الكلمات المفتاحية: المصلحة، المصلحة المرسلة، ضوابط المصلحة، المقاصد العامة، الحکومة الإسلامیة.

المقدمة

تُشکل المصحلة المحور الأساس في الفقه واُصوله لدی المذاهب الإسلامیة المعروفة. وإذا کان الأشاعرة لا یرون أنّ الاعتقاد الکلامي یجب أن یتّبع الأحکام الفقهیة عند المصالح والمفاسد، فإنّ هذا لیس سبباً لإلغاء مبحث المصلحة في الاُصول من حیّز الأهمیة، حتی عند هؤلاء الأشاعرة. فعلی سبیل المثال لا الحصر، یتطرّق الغزالي وهو من كبار علماء المذهب الأشعري، ومؤلف کتاب "المستصفی" بکل ما یحمل من ثقل علمي، إلی مبحث المصلحة في هذا الکتاب بصورة مسهبة(1). ورغم تقادم مباحثة، بید أنّ بعضها لا يزال بكراً جدیداً، ولم يتجاوزه الزمن حتی یومنا هذا. والمصلحة عند أمثال الغزالي لا تكون إلّا بعد الشرع، والمقصود بها «المحافظة علی مقصود الشرع»(2).وهي لیست نفسیة ومستقلة بالنسبة إلی ما في الشریعة.

إنّ معظم الدراسات المتعلقة بالمصلحة والبحوث التي تطرقت إلیها في اُصول الفقه، عند أهل السنة، وفي إطار البحث عن کونها دلیلاً معتبراً لاستنباط الحکم الشرعي المبني علیها، تندرج ضمن عنوان المصلحة أو المصالح المرسلة. في حین أنّ المصلحة عند الإمامیة، ـ وبعد اعتقادهم الکلامي ـ تابعة للأحکام، عند نفس الأمر والثبوت، وهي تکون في مرحلة الامتثال والإجراء، مقترنة دائماً، بالولایة الشرعیة. فهي لا تقف عند الاستنباط ومرحلة جعل الأحکام فقط.

ورغم اختلاف المنطلق والخلفیة والمکانة التي تحظی بها المصلحة لدی کل من أهل السّنة والإمامیة، فلا مانع بتاتاً من إجراء دراسات مقارنة بینهما. حيث لم تطرق کتب الاُصول هذا الطریق سابقاً إلّا لماماً، في حین یحظی هذا القطاع من الاُصول بأهمیة مرموقة وهو یتعلق ببحث ضوابط المصلحة.

والمقصود بالضوابط التي تجب رعایتها بغیة الحفاظ علی حجیة المصلحة واعتبارها لدی الفریقین أهل السّنة والإمامیة. وهذا البحث سیسلط الضوء علی هذا المجال لکشف خفایاه. لهذا نستهل بحثنا باستخراج الضوابط عند أهل السّنة أولاً، ثم بعد ذلك نقدم دراسة مقارنة بین اعتقاد الفریقین استناداً إلی الفکرة الاُصولیة.

1. ضوابط المصلحة عند أهل السّنة

قد یکون الشاطبي ـ وهو من علماء القرن الثامن ـ ، أوّل من طرق باب ضبط الأخذ بالمصلحة، بغیة استنباط الحکم الشرعي وفق هذه المصلحة. ولا غرو أنّ المصلحة المقصودة کأساس لاستنباط الحکم، هي ما یطلق علیها المصلحة المرسلة(3). یقول الشاطبي حول تعریفها: هي للمصلحة، التي حاول بیان ضوابطها؛ لأنّها ملاکاً لاستنباط الحکم الشرعي. هذا لأنّ المصلحة غیر المرسلة التي یقوم علیها أو علی نفیها دلیل معتبر، لا توفّر مجالاً للبحث والسؤال عن کونها حجة علی الحکم الشرعي أم لا.

وعلی أیة حال، طرق الشاطبي باباً عنوانه «الاُمور المعتبرة في المصالح المرسلة» وذیّله بثلاث ضوابط کالتالي: الاُولی: ملائمة المصلحة لمقاصد الشرع، بحیث لا نجد المصلحة متنافیةً لأصل من اُصول الشرع أو دلیل من أدلّته. الثانیة: کونها مما یُعقل، تفصیلا، للأذواق العرفیة العقلائیة، وهذا یتفق في المعاملات، دون العبادات. الثالثة والأخیرة: أن تعود إلی حفظ ضرورة من الضروریات، أو ترفع الحرج من الحاجیات، ولا تشتمل علی ما یعود إلی التحسینیّات(4).

لکن من قام بتفصیل ضوابط المصلحة من المعاصرين الدکتور رمضان البوطي. فقد ذکر البوطي خمسة ضوابط للأخذ بالمصالح وسعی لإثبات کل منها. وهي کالتالي: الاُولی کون المصلحة مندرجة في المقاصد العامة في الشریعة المقدسة، ومتعلق المقاصد العامة لا یخرج من العناوین أو الاُمور الخمسة، الدین والنفس والعقل والنسل والمال. والضوابط الثانیة والثالثة والرابعة هي عدم مخالفة المصلحة المأخوذة، للکتاب والسنة والقیاس الصحیح، والخامسة هي مراعاة عدم تفویت مصلحة أهم من مصلحة اُخِذ بها(5).

وذکر بعض الکتاب من أهل النظر، شرطین للأخذ بالمصلحة عند استنباط الحکم الشرعي علی طبقها، یمکن درجهما في ضوابط المصلحة المبحوث عنها هنا، أحدهما مراعاة الخِبرویة والتخصّص العلمي الدقیق في فهم المصلحة وتعیینها، وثانیهما مراعاة مناسبات الزمان والمکان المتغیّران في فهم المصالح السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة ونحوها، في کل زمان ومکان(٦).

نظراً لما سلف، یمکن تحديد ضوابط المصلحة عند أهل السّنة کما یلي:

1. إنها تندرج ضمن المقاصد العامة، من الدین، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

2. إنها لا تتنافی مع الکتاب والسنة والقیاس المعتبر.

3. رعایة الأهمیة فیها، بمعنی عدم تفویت الأهم بسبب الأخذ بالمهم.

4. کونها في مرتبة الضروري أو الحاجي من مراتبها.

5. کونها في مرتبة الضروري أو الحاجي من مراتبها.

6. کونها معقولة عرفیاً لدی الأذواق العقلائیة العرفیة، ولیست ضمن العبادات الشرعیة.

هذه هي الضوابط المشترکة، بمعنی أنّ القائلین بحجیة المصالح المرسلة، من أهل السنة، حین بحثوا ودرسوا ضوابط المصلحة، اتّفقوا، علی حدّ علمنا بالأمر، علی حجیتها، إذا توفّرت هذه الضوابط. وقد توسّع بعضهم في حجیتها من خلال إلغاء بعض الضوابط من حیّز الصحّة. علی سبیل المثال، لم یذکر الدکتور البوطي ـ رغم قیامه بدراسات مستفیضة في هذا المجال ـ الضابطة الخامسة. ما أفسح له المجال للتوسع في نتیجة حجیة المصالح المرسلة وإحالتها إلی مرتبة التزییني أو التحسیني.

2. أدلّة الضوابط عند أهل السنّة

ونوجز هذه الأدلة القائمة علی الضوابط الآنفة الذکر مراعاةً لمقتضی الظرف، وهي کالتالي:

1. دلیل الضابطة الاُولی، وهي إدراج المصلحة في إطار المصالح العامة، یقول إنّ ما یطلب الشارع المقدس منّا تجمعه هذه الأجناس العالیة. والاستقراء في جمیع الأحکام الشرعیة هو دلیل علی ذلك. إنّ المصالح المضمرة في الأحکام الشرعیة لا تخرج أجناسها من هذه الخمسة. علی سبیل المثال، أحکام وجوب الإیمان بالتوحید والنبوّة والمعاد، والجهاد، ووجوب دفع البدعة عن الدین والعبادات جمیعها تندرج ضمن ما یوجب استقراءها والقطع بأنّ الدین جنس عال لجلّ المصالح المندرجة ضمن الأحکام الشرعیة الإسلامیة(7).

2. دلیل الضابطة الثانیة، فيما یتعلّق بعدم مخالفة المصلحة الکتاب، فهناك أدلّة عقلیة ونقلیة. فالعقل یقول بشکل لا لبس فیه أنّ کتاب الله هو المصدر الأول للأحکام الشرعیة، وهو المنهل العذب للأحکام، فکیف یمکن القول بمشروعیة مصلحة تتعارض معه؟ والنقل ینطق بمثل قوله عزّ وجل: ﴿وَأَنِ‏ احْكُمْ‏ بَيْنَهُمْ‏ بِما أَنْزَلَ‏ اللَّهُ‏ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] (8). أما في ما یتعلق بعدم مخالفة المصلحة للسنة، فیجب القول إنّ السنة تأتي في إطار تبیین ما أنزل الله وتنفیذه، فتجري البیان السابق بالنسبة إلی عدم المخالفة للکتاب(9).

أما في ما یتعلق بعدم مخالفة المصلحة للقیاس المعتبر، فإنّ القیاس هو مراعاة مصلحة في فرع یساوي الأصل في علّة حکمه المنصوص علیه في الکتاب والسنّة أو کلیهما(10)، فالقیاس یحتوي مصلحة معتبرة بالکتاب أو السنة أو کلیهما، فالمصلحة التي تخالف القیاس المعتبر، تُخالف في الحقیقة والمآل، الکتاب أو السنة أو کلیهما. وقد تقدم آنفاً، دلیل اعتبار عدم مخالفة المصلحة للکتاب والسّنة(11).

3. دلیل الضابطة الثالثة، یتّضح بعد ملاحظة بداهة تفاوت المصالح في درجة الأهمیة أولاً(12)، والاستقراء لعامة جزئیّات الأحکام الشرعیة، حیث یُقدَّم الأهم منها علی المهم، ثانیا(13). فمن أمثلة نظام تقدیم الأهم علی غیره، التقدیم علی ترتیب الکلیات الخمسة من أجناس المصالح. وترتیب أهمیتها علی ترتیب ذکرها هکذا: الدین والنفس والعقل والنسل والمال. فمصلحة الدین مقدمة علی مصلحة النفس، في مشروعیة الجهاد في سبیل الله، بتضحیتها في سبیله. ومصلحة النفس مقدمة علی مصلحة العقل، فیما أجمع علیه المسلمون من جواز شرب المسکر، إذا تعین للخلاص من هلاك غالب الوقوع. ومصلحة العقل مقدمة علی مصلحة النسل، في أنّه یشترط لجلد الزاني أن لا یتسبب عنه إتلاف له [أي العقل]. ومصلحة النسل مقدمة علی مصلحة المال(14).

4. دلیل الضابطة الرابعة، هو ضرورة تحصیل العلم أو الاطمئنان أو أکثر الظن (والغالب في المصلحة المرسلة حصول هذا الظن فحسب)، بأنّ المصلحة التي یُبنی علیها الحکم الشرعي واقعیة صحیحة. هذا ما یفهم من بعض المؤلفین ممن أبرز وبیّن هذه الضابطة، وقد تقدم نقل کلامه(15).

5. یتجلّی دلیل الضابطة الخامسة في استدلالهم علی حجیة المصلحة المرسلة، بدلیل لا ضرر ولا ضرار، ودلیل نفي الحرج. ومن أبرزهم الشاطبي الذي أشار إلی المصلحة التي یقوم عليها الحکم الشرعي، وقال بوجوب کونها ضروریّاً أو حاجیّاً(16). هذا وقد نقل عن الطوفي استدلاله علی حجیة المصالح المرسلة(17)، من خلال الحدیث النبوي المأثور: «لا ضرر ولا ضرار»(18). فأدلة لا ضرر وأدلة نفي الحرج، منها الآیة الشریفة ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: 78]، بضمیمة عدم وجود دلیل علی المصلحة التزیینیة هي الدلیل علی هذه الضابطة.

6. أما دلیل الضابطة السادسة، الذي سبق ذکره عند التطرق إلی کلام الشاطبي، فهو قائم من جهة علی لزوم کون المصلحة واقعیة لا موهومة، ومن جهة اُخری قائم علی تعقّل واقعیة المصلحة بالتفصیل ومن دون غموض. وهذا لا یتسنّی إلّا في غیر التعبدیات التي لا تحیط بها العقول العرفیة.

3. دور المصلحة في فقه الإمامیة

المصلحة المرسلة، کدلیل علی الحکم الشرعي، عند جلّ فقهاء الإمامیة، إن لم نقل کلّهم، غیر معتبرة(19). ومع هذا فإنّ المصلحة تضطلع بدور محوري في فقه الإمامیة، لا لشيء سوی لأنّها قرینة الولایة. إنّ إعمال الولایات والتصرفات مرهونة ومقیّدة بالمصلحة بمعناها العام لعدم المفسدة. فمثلاً ولایة الأب علی الولد الصغیر، في أمواله وشؤونه الاُخری، مقیدة بذلك. وهکذا في إطار واسع غامض، إعمال الولایة العامة المشروعة للحاکم الإسلامي والحوکمة الإسلامیة خاصة في المجتمعات والدول المعاصرة ذات الأبعاد المتعددة والمتنوعة، مقیدة بالمصالح وعدم المفسدة(20).

وهنا تظهر إشکالیة أساسیة تتعلق بکیفیة الاستصلاح عند إعمال الولایة والتصرفات الحکومیة المشروعة. وللرد علی هذه الاشکالیة یُمکن القول، عند النظر البدوي إلی المسألة، أنّ ضوابط هذه الأعمال وهذه التصرفات هي الأحکام الشرعیة ذاتها الواردة في الفقه. ذلك لأنّ صاحب الولایة یتوجب علیه الامتثال للأحکام الشرعیة المقررة بالنسبة إلی دائرة ولایته. وقد یکون هذا الردّ الأولي قد نجح في إقناع الفقهاء، فلم یقوموا ببحوث موسّعة في هذا المجال. لکن یُمکن أن یقال إنّ هذا الجواب حمّال أوجه.

فهو صحیح من ناحیة، ویُجانب الصواب من ناحیة اُخری، أو علی الأقل غیر دقیق أو ناقص. أما صحته فبسبب رعایته الأحکام الشرعیة، مما لا یمکن إنکاره في طي إعمال الولایة والتصرفات الولائیة والحکومیة (وله نطاق واسع متنوّع ویحمل دلالات مختلفة عن الولایة). ویمکن تسمیة کل ما یجب رعایته فیما سنتطرّق إلیه في وجه عدم الصحة، من ضوابط، وشرعنة، وحکم، إذا ما أظهرنا تسامحاً في التسمیة، بالحکم. أما عدم صحته، أو نقصه، أو غیاب الدقة فیه، فنابع من لزوم رعایة ما هو أکثر من الأحکام الشرعیة مع موضوعات خاصة، تُعنی بفعل المکلّف.

وسوف نسعی لإثبات هذا بالنسبة إلی الاستصلاح في إعمال الولایة والحاکمیة في الحکومة الإسلامیة في مجتمع أو مملکة بعینها. ومآلات جمیع ما نرید إثبات لزوم رعایته عند الاستصلاح هو ضوابط المصلحة نفسها.

4. تمهیدات لبیان الضوابط في ضوء فقه الإمامیة

قبل التطرق إلی ضوابط المصلحة من منظور الفقه الإمامي، ننوّه إلی عدة قضایا وهي:

1. إذا کان محطُّ الضوابط کما أشرنا إلیه، هو الاستصلاح في أعمال الولایة والحکومة في الحکم الإسلامي المشروع، فالمقصود من المصالح في مفروض الکلام هو مصالح المجتمع التي یجب علی الحکومة الإسلامیة رعایتها والامتثال لها عند تسییر شؤون المجتمع. فالمجالات الفردیة البحتة لا تندرج ضمن نطاق حدیثنا، وعلیه، فإنّ الأحکام العبادیة الفردیة تخرج عن إطار بحثنا.

1. وبعد لزوم رعایة الأحکام وتنفیذها والامتثال لها عملیّاً، وبعد إثبات أنّ الأحکام الشرعیة کلها تعبدیة، بمعنی ضرورة أخذها من الشارع بحذافیرها، یخلو المجتمع من المصالح التي لا تصل إلیها العقول والتجارب، والعلوم البشریة.

2. تُراعی المصلحة وضوابطها في جمیع الأعمال الولائیة والحکومیة، بید أنّ المُقنّن منها هو المحور الأساسي لتدبیر الاُمور في المجتمعات البشریة والدول المعاصرة ذات الحضارات المتقدمة والمتأثّرة من التقدم الهائل في مجالات العلوم والتقنیة إلخ. هذا ما دفعنا نحو التقنین من أجل تبیین، وتقریر، وإثبات ضوابط المصلحة. والتقنین في إطار التدبیر الحکومي، شبیه باستنباط الأحکام الشرعیة من ناحیة النتیجة، فکلتا العملیتین قضایا کلیة وحقیقیة في إصطلاح علم المنطق. بید أنّ جنس هاتین العملیتین مختلفین تماماً، فجنس التقنین هو الإنشاء والإصدار، بینما جنس عملیة الاستنباط هو الکشف والفهم.

3. تندرج الضوابط المتقدمة للمصلحة عند أهل السنة، في إطار عرفي عقلائي، نظراً لکلیتها لا جزئیاتها. ولهذا نفرض هذه الکلیة في تحصیل ضوابط المصلحة والاستصلاح عند الإمامیة. وإن کانت الأدلة التي یقیمها أهل السّنة علی صحة دعواهم تختلف عن الأدلة التي یقیمها المذهب الإمامي، وأن الأصل المشروع لهذه المصلحة هو غیر الأصل المشروع عند الإمامیة.

بعد هذا التمهید نبدأ في شرح المقصود من بیان الضوابط.

5. تبیین وتعلیل الضوابط في إطار فقه الإمامیة

یخلو الفقه الإمامي التقلیدي من بیان أو تقریر یشرح ضوابط المصلحة، بحیث لم نجد أيّ بیان عنها حتی في واجبها المشروع عندهم. إلّا أننا بادرنا باستنباط الضوابط ضمن إطار مبادئ واُصول هذا الفقه، وأوردنا نتائج البحث في أعمالنا السابقة(21). وسوف نأتي بموجز عنها في هذا المضمار مع بعض الإیضاحات.

تتعلق الضابطة الاُولی بمصداقیة المصلحة للمقاصد العامة المشرّعة لتشکیل لحکومة. وهذا یعني لزوم تحقیق المصلحة لمقصد وغایة من المقاصد والغایات التي تأسست الحکومة الإسلامیة من أجلها. وقد وردت هذه الغایات والأهداف في القرآن الکریم والسنة النبویة وروايات أهل البيت:. ومن الأهداف التي ورد ذکرها في القرآن قوله تعالی: ﴿الَّذِينَ إِنْ‏ مَكَّنَّاهُمْ‏ فِي‏ الْأَرْضِ‏ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُور﴾ [الحج: 41]. إنّ التمکين في الأرض، إما أن یُشیر إلی الحکومة نفسها، أو أن تکون الحکومة مصداقاً للتمکن في الأرض. فالآیة الشریفة تتضمن إشارة إلی توالي حدوث الحکومة المنشودة في الجملة الشرطیة. إن هذه الاُمور في تبیین وتعیین الآیة الشریفة، ما هي إلّا غایات لإقامة الحکومة المرجوّة. فهي لیست سوی ما یطلق علیه الأهداف أو المقاصد للحکومة الإسلامیة المشروعة. ومن بین هذه الأهداف، في هذه الآیة الشریفة أو غیرها، هي تحقق العدالة الاجتماعیة وتکافؤ الفرص، والأمن العام، وما إلی ذلك مما یُرجی من الحکومة العادلة. بید أنّنا في هذا المضمار لا نرید الخوض في تفاصیل الأهداف والمقاصد العامة والشرعیة لتشکیل الحکومة في المجتمع المسلم والإتیان بالأدلة والحجج القرآنیة والروائیة لإثبات قولنا. إنّ إثبات هذه الضابطة وتعلیلها منطقیاً لم یکن خفیاً بعد ثبوت الأهداف، فإنّ مقتضی وجود تلك الأهداف الأساسیة هو أنّها انْضوی تحت لوائها کل ما یسمی عملاً حکومیاً بکل سلطاتها الدستوریة، والتنفیذیة، والقضائیة. فلا تکون الاستصلاحات في الحکومة الإسلامیة مشروعة إلّا بعد أن تسیر في طریق تحقق تلك الأهداف. وهذا هو المقصود من الضابطة، في مصداقیة المصالح للمقاصد العامة والشرعیة والحکومیة.

ومقتضی هذه الضابطة هو ضرورة تقریر الأهداف وتنقیتها عملیاً، واجتهادیاً، وإنجازها حکومیاً، بحیث لا مجال للتخلّي عنها ممن یتقلّد منصباً في الحکومة الإسلامیة. ویُطلق في الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة علی هذا في السنوات المتأخرة عنوان «السیاسات الکلیة للنظام»، وهي الخطوط العریضة للسیاسة التي یجب رعایتها في جمیع مراحل سنّ القوانین في إیران.

أما الضابطة الثانیة، فتتعلّق بعدم مخالفة المصلحة لنصوص القرآن والسنّة. ویظهر دلیل هذه الضابطة من خلال ما ورد في شرح الضابطة الاُولی. بمعنی أنّ تحقیق المقاصد الشرعیة العامة، یکون في الوهلة الاُولی بتطبیق ما ورد في القرآن والسّنة من أحکام مستنبطة واجتهاد معتبر. وفي الخطوة التالیة، إذا خالفت مصلحة الأحکام المستنبطة من النصوص المذکورة، فلا یمکن اعتبارها والأخذ بها. هذا لأنّ اعتبار المصلحة المخالفة للشرع لا یجتمع مع ضرورة الامتثال للشرع ووُجوب تطبیق الشرع، فهي ساقطة عن حیّز التنفیذ.

نعم، قد یتّفق مخالفة حکم من الأحکام بسبب تزاحمه مع ما هو أهم منه. وهذا الأهم قد یکون مقصداً من المقاصد العامة، بحیث تکون المصلحة المأخوذ بها محقّقة لذلك المقصد ومدعومة بحجج دامغة. هذا الاستدراك یقودنا إلی الضابطة الثالثة والتالیة.

لقد سبق أن أشرنا في هذه الضابطة إلی «أحکام مستنبطة واجتهاد معتبر»، ففي اعتبار الاجتهاد والاستنباط، هنا، بحث لم یکن من ضمن شروط الاجتهاد والمجتهد المطروحة في اُصول الفقه، وإنما من جهة اعتبار الاجتهاد في المجتمع، وما یسنّ من قوانین یجب الانصیاع لها. فکل فرد من أفراد المجتمع والمجموعات، والمنظمات السیاسیة، والثقافیة، وغیرها یجب أن تمتثل لتلك القوانین، وإن کانوا، لأجل أنهم مؤمنون متدینون، ومتّبعون ومقلدون للمجتهدین المتفرقین.

وقد یُطلق عنوان فتوی المعیار علی هذا البحث ولا یمتّ مع بحثنا هذا بأيّ صلة. وما یتصل بمجال بحثنا هو لزوم رعایة الفتوی المعتبرة. وسوی هذا، فلا یندرج ضمن إطار البحث.

وأما الضابطة الثالثة، فتتعلّق برعایة قانون الأهم والمهم الذي یتطرّق إلی ضرورة تفدیة المهم للأهم وتقدیم الأهم علی المهم عند تزاحمهما. والتزاحم هنا یعني عدم إمکان الجمع بینهما في التحقق والامتثال. علی سبیل المثال، لا یُمکن الجمع بین تشیید شارع عام مع رعایة مالکیة المالك لملکه في ذلك المسیر الذي یقع فیه الشارع. ودلیل هذه الضابطة هو العقل القطعي، الحاکم بلزوم تقدیم الأهم علی المهم. وهذا اقتضاء الأهمیة في الأهم وتفوقه علی المهم. وهذا ما یحکم به العُرف العقلائي.

وتفرض هذه الضابطة علینا ضرورة وضع ترتیب وتسلسل لأهمیة الأحکام والمقاصد وتسلسلها حسب الأهمیة. وعلی الأقل، تدوین ترتیب المحاور العامة. فیقال مثلاً إنّ الحقوق العامة مقدمة علی الحقوق الخاصة. أو الاستقلال السیاسي في العلاقات الدولیة فهو مقدم علی المصالح العامة وغیر الضروریة إلخ...

بید أنّ هذا التراتب وسلّم الأهمیات، لم یوضع في الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة. كما أنّ لزوم وضع الأهداف والمقاصد العامة الذي سبق أن تطرقنا إلیها في معرض حدیثنا عن الضابطة الاُولی، فقد ذکرناه قبل ثلاثین عاماً في کتاب لنا تحت عنوان "موضوع الأحکام السلطانیة والمصالح الاجتماعیة" (العنوان بالفارسیة: احکام حکومتی ومصلحت). وقد بادرت الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة فأخذت بهذا التدوین بعد إنجازه وتم إبلاغه قبل عشرین عاماً. ونحن نتوقع ونأمل أن یقوم المعنیون بالأمر بوضع سلّم الأولویات، وترتیب محاور المصالح الاجتماعیة حسب الأهمیة في قادم الأیام. وقد أثّر هذا التدوین علی انسجام الاُمور والتنسیق بینها واتخاذ إجراءات في المجتمع والحکومة معاً.

والضابطة الرابعة، هي رعایة الخِبْرویة والتخصص العلمي، بالنظر إلی ما یفرضه العصر والمصر في تحدید وتعیین، ورؤیة المصلحة. ودلیل هذه الضابطة هو أن تکون المصلحة واقعیة لا وهمیة. ومن ثمّ لو تسنّی القطع بالمصلحة من خلال إعمال الخِبرویة والتخصص العلمي فنعمَ المطلوب. بید أنّ حصول القطع بالنظر إلی غموض العلاقات والتأثیر والتأثّر بین الأشیاء والأحداث في المجتمعات أمر غایة في الندرة. فالعلوم التجریبیة کعلم الطب، وشبه التجریبیة کالعلوم الاجتماعیة، وأنواع التقنیات لا تقوم علی القطع والیقین والبتّ فيها بصورة حاسمة بکل مراحلها. فلا یُقطع في هذه العلوم لا في مرحلة التعلیم، ولا التحصیل، ولا الاستعمال والتنفیذ. والمحك في هذه العلوم والتکنولوجیا هو تحصیل أغلب الظن. فهذه الضابطة وتحدیداً في هذا الاطار الفقهي لا تحتاج إلی شيء أکثر من المعمول والغالب في الخِبرویة والتخصص العلمي.

وقد یقول قائل: إنّ الظن لا یغني عن الحق شیئاً في ضوابط الاجتهاد والتفقه وقواعده. ولکننا نقول: أولاً: یمکن في هذا المجال الاستمداد مما یُسمی في فقه واُصول فقه الإمامیة، الانسداد الذي یُثبت حجیة الظن. فإذا تعذّر علینا تحصیل الیقین، فذلك بالنسبة إلی الحکم وموضوع الحکم عند التحقیق والنظر، ویُمکن اعتماد أغلب الظن عند تعذّر الیقین(22). وثانیاً: قول الخبیر والمتختصص في العلوم والفنون، حُجّة معتبرة عند العقلاء، وبناء العقلاء دلیل آخر علی هذه الضابطة.

ویتجلی لنا في هذا المجال أمران یجب الالتفات إلیهما لإکمال بیان ضوابط المصلحة عند الإمامیة:

الأول: لقد سبق القول عند التطرق إلی ضوابط المصلحة عند أهل السنّة أنّ بعضهم یقول بلزوم المصلحة في مرتبة الضروري والحاجي، وأما التحسیني، فلا یمکن الابتناء علیه في الاستنباط. ونقول: یُمکن تبریر هذا الرأي بالقول إنّ للمرتبتین الضروري والحاجي، دلیلان هما لا ضرر ونفي الحرج. فحدیث لا ضرر المشهور بین الإمامیة وأهل السّنة(23)، یدلّ علی اعتبار مرتبة الضروري، والآیات الدالة علی نفي الحرج في الدین [الحج: 78] تدلّ علی مرتبة الحاجي. إنّ المصلحة الضروریة هي التي لو لم تکن أو لم تُراع، یتوجّه ضرر أو نقص معتنی بهما علی (ما أو من) فُرضت رعایة هذه المصلحة علیه.

فنفي الضرر في الإسلام، یستلزم رعایة مصالح یستوجب غیابها الضرر. ونفي الحرج في الدین، یستلزم رعایة مصالح یحصل الحرج عند غیابها أو عدم توفرها، وهو الحرج الذي دفعه ملاك الحاجیات في المصالح. وأنّ دلیل رعایة المصلحة عند إعمال الولایة الذي یُعدّ محلّ المصلحة عند الإمامیة، لا یقتصر علی قاعدتي لاضرر ونفي الحرج. وقد یقال: هذان الدلیلان لا لسان إثباتٍ لهما، بل هما ینفیان وجود أحکام ضرریة وحرجیة فحسب، ولا یُثبتان مصالح ضرریة أو حاجیة. والدلیل علی رعایة المصلحة عند الإمامیة هو اقتضاء جعل الولایة، فإنّ جعل الولایة بمراتبها العظمی وهي الحکومة في المجتمع والبلاد، وحتی مراتبها الدنیا کالولایة علی طفل أو سفیه أو ذي جنّة، لا یکون إلّا لتحقیق مصالح ما یُولّی علیه، ودفع المفاسد عنه والحمایة الکاملة الجامعة له.

إنّ هذه المصالح ودفع المفاسد والحمایة لا دلیل علی تقییدها سوی التحسینات، فهي بکلیتها وشمولها للتحسینات مطلوبة، وتندرج في دائرة تشخیص من له الولایة ومن قام مقامها شرعیّاً. إنّ رعایة ترتیب أهمیة المصالح في الضابطة الثالثة واجبة، وإنّ الضروري مقدم علی الحاجي وکلاهما مقدمان علی التحسیني.

الثاني: الضابطة السادسة المتقدمة في کلام بعض أهل السنة، هي کون المصلحة معقولة، تفصیلاً عند الأذواق العقلائیة العرفیة، بألّا تکون من التعبّدیات الشرعیة. ونقول: محل تشخیص المصالح في فقه الإمامیة، کما قلنا، هو ما یکون تحت ولایة من الولایات الشرعیة، الکبیرة منها والصغیرة، والتعبُدیات الشرعیة بما هي تعبدات من الشارع المقدس، لا تکون تحت ولایة إلّا ولایة الشارع المقدس. فلا معنی لتشخیص المصالح فیها، لغیره. فلا محل لهذه الضابطة للمصلحة، في فقه الإمامیة. ویُمکن أن یکون نحو امتثال عبادة وأدائها، تحت ولایة شرعیة. کأداء صلاة الجمعة في المجتمع الإسلامي تحت ولایة وحکومة إسلامیة شرعیة. فمصالح أداء صلاة الجمعة، علی نحو صحیح وحسن، تقع علی کاهل الحکومة الإسلامیة المشروعة.

الخاتمة

1. المصلحة عند أهل السنة، تُطرح وتبحث وتناقش، کمعیار ومصدر لاستنباط الأحکام، غالباً. حالها حال سائر المصادر والأدلة، کالقیاس والاستحسان. وقد حذا القائلون باعتبار المصلحة هذا الحذو وسمّوها المصلحة المرسلة، وقد حدّدوا اعتبارها، بضوابط بیّنوها.

2. الضوابط الستَّة التي عدّوها للمصلحة لیست معتبرة کلها، وعند جمیع القائلین بها. وهي: 1 ـ إنّها تندرج في المقاصد العامة، من الدین، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، 2 ـ عدم مخالفتها الکتاب، والسّنة، والقیاس المعتبر، 3 ـ رعایة الأهمیة فیها. والمقصود تفضیل الأهم علی المهم، وعدم تفویت الأهم لصالح المهم، 4 ـ رعایة الخبرویة العلمیة واقتضاءات الزمان والمکان في تحدیدها وتعیینها، 5 ـ إنها في مرتبة الضروري والحاجي من مراتبها، و6 ـ كونها معقولة تفصیلاً عند الأذواق العقلائیة العرفیة، بأن لا تکون من التعبدیات الشرعیة.

3. لا تکون المصلحة عند الإمامیة، معتبرة ولا یُؤخذ بها کمعیار لاستنباط الحکم. وتوافق الإمامیة تلك الجماعة من أهل السّنة التي لا تقول باعتبار المصلحة المرسلة. إلّا أنهم یقولون بالمصلحة کقید ومعیار لإعمال الولایات الشرعیة الکبیرة وهي الحکومة وإدارة المجتمع، والصغیرة کولایة الصغیر والمجنون.

4. یُمکن تقریر ضوابط المصلحة، في إعمال المصداق الأتم من الولایة الشرعیة، وهي الحکومة الإسلامیة المشروعة، عند الإمامیة، في أربعة محاور: 1. مصداقیة المصلحة للمقاصد العامة الشرعیة لتشکیل الحکومة، 2. عدم مخالفة المصلحة لنصوص القرآن والسُّنة، 3. رعایة قانون الأهم والمهم الناطق بلزوم تفدیة المهم للأهم، وتقدیم الأهم علی المهم، عند تزاحمهما و4. رعایة الخِبرویة والتخصص العلمي، بالنظر إلی ما یقتضیه العصر والمصر، في تشخیص وتعیین ورؤیة المصالح.

الهوامش

(1) الغزالي، المستصفی في علم الاُصول: 173.

(2) المرجع السابق،174.

(3) راجع لتعریف المصلحة المرسلة والاختلاف فیه: الغزالي، المستصفی، 173؛ الآمدي، الإحکام، 285:3 و160:4؛ الزرکشی؛ البحر المحیط، 377:4؛ محمدعلي الانصاري، الموسوعة المیسرة، 448:2؛ محمد تقي الحکیم، «الاُصول العامة»، 379.

(4) الشاطبي، الاعتصام، 627:2ـ632.

(5) د. محمد سعید رمضان البوطي، ضوابط المصلحة، 105.

(6) الدکتور فتحي الدریني، خصائص التشریع الإسلامي، 191.

(7) البوطي، ضوابط المصلحة، ص111.

(8) المرجع السابق، 118.

(9) المرجع السابق، 154.

(10) المرجع السابق، 190.

(11) المرجع السابق، 207.

(12) المرجع السابق ، 218.

(13) المرجع السابق ، 223.

(14) المرجع السابق ، 224.

(15) فتحي الدریني، خصائص التشریع الإسلامي، 191.

(16) الشاطبي، الاعتصام، 627:2ـ632.

(17) السید محمد تقي الحکیم، الاُصول العامة للفقه المقارن، 90ـ91.

(18) راجع: الکلیني، الکافي، 292:5؛ أحمد بن حنبل، مسند احمد،313:1، 327:5.

(19) أنظر للمزید: الحکیم، الاُصول العامة للفقه المقارن، 388ـ390.

(20) للمزید أنظر: سیف‌الله صرامي، «منابع قانونگذاری در حکومت اسلامی» [مصادر التقنین في الحکومة الإسلامیة]، 241ـ245.

(21) راجع: المرجع السابق، 255؛ سیف‌الله صرامی، احکام حکومتی و مصلحت، 213.

(22) للمزید راجع: الآخوند الخراساني، کفایة الاُصول، 311ـ329؛ الشیخ الأنصاري، فرائد الاُصول، 385:1 و 551.

(23) الشیخ الحر العاملي، وسائل الشیعة، 32:18؛ الإمام أحمد بن حنبل، مسند أحمد، 313:1.

المصادر والمراجع

1. احکام حکومتی و مصلحت [الأحکام السلطانیة والمصلحة]، سیف‌الله صرامی، تهران ـ مجمع تشخیص مصلحت نظام [مجلس تشخیص مصلحة النظام]: 1380ش.

2. الإحکام في اُصول الأحکام، الآمدي، علي بن محمد، بیروت ـ المکتب الإسلامي، 1402هـ.

3. الاُصول العامة للفقه المقارن، السید محمد تقي الحکیم، قم ـ المجمع العالمي لأهل بیت:، ط ـ 1418هـ.

4. الاعتصام، الشاطبي، إبراهیم بن موسی، السعودیة، دار ابن عفان، 1412هـ.

5. البحر المحیط، الزرکشي، محمد بن بهادر، بیروت ـ منشورات محمد علی بیضون، ط ـ 1421هـ.

6. خصائص التشریع الإسلامي، الدکتور فتحي الدریني، مؤسسة الرسالة ناشرون ـ بیروت: ط ـ 1434هـ.

7. ضوابط المصلحة، الدکتور محمد سعید رمضان البوطي، بیروت ـ مؤسسة الرسالة، ط ـ 1412هـ.

8. فرائد الاُصول، الشیخ مرتضی بن محمد أمین الأنصاري، قم ـ مجمع الفکر الإسلامي، ط ـ 1428هـ.

9. الکافي، محمد بن یعقوب الکلیني، تهران ـ دار الکتب الإسلامیة، ط ـ 1363 ش.

10. کتاب المسند، الإمام محمد بن إدریس الشافعي، بیروت ـ دار الکتب العلمیة: دون تاريخ الطبعة.

11. کفایة الاُصول، الآخوند محمد کاظم خراساني، قم ـ مؤسسة آل البیت:، ط ـ 1409هـ.

12. المستصفی في علم الاُصول، أبو حامد، محمد بن محمد، الغزالي، بیروت ـ دار الکتب العلمیة، ط ـ 1417هـ.

13. المسند، أحمد بن حنبل، بیروت دار صادر، دون تاريخ الطبعة.

14. منابع قانونگذاری در حکومت اسلامی [مصادر التقنین في الحکومة الإسلامیة]؛ سیف‌الله صرامي، قم ـ مرکز النشر التابع لمکتب الإعلام الإسلامي 1382ش.

15. الموسوعة المیسرة، محمد علي الأنصاري، قم ـ مجمع الفکر الإسلامي، ط ـ 1415هـ.

16. وسائل الشیعة، الشیخ الحر العاملي، قم ـ مؤسسة آل البیت:، ط ـ 1409هـ.

نهاية البحث