2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 1قراءة البحث
بحث منهجي الفقه المقارن

المقارنة والفقه المقارن: تاريخ وأهداف

العدد 1
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 1
بحث منهجي

المقارنة والفقه المقارن: تاريخ وأهداف

صاحب محمد حسين نصار

عنوان المقال: المقارنة والفقه المقارن: تأريخ وأهداف

الكاتب: د. صاحب محمد حسين نصار – باحث إسلامي، العراق

هيكل المقال: يتكوّن البحث من مقدمة وتسعة مباحث وخاتمة:

أساليب ومناهج الكتابة الفقهية

المقارنة والخلاف: لغة واصطلاحاً

المسار التاريخي للفقه المقارن

أصول وقواعد المقارنة في الفقه

صفات وواجبات الفقيه المقارن

أسباب اختلاف الفقهاء والمجتهدين

الفرق بين الخلاف والمقارنة

فوائد المقارنة الفقهية

خاتمة ونتائج البحث

أهم محاور المقال:

أنماط التأليف الفقهي: • فقه أحادي المذهب (كالهداية، المغني، المحلى...) • فقه خلافي (يعتمد الدفاع عن رأي خاص). • فقه استعراضي (يعرض الآراء بلا مقارنة). • فقه مقارن (يعرض الآراء مع أدلتها، ويرجّح الأرجح).

تعريف المقارنة والفقه المقارن: • المقارنة: الموازنة بين الآراء والأدلة. • الفقه المقارن: دراسة الأحكام على وفق آراء المذاهب المختلفة ومناقشتها. • الفارق بين المقارن والخلافي: المقارن قاضٍ محايد، والخلافي محامٍ مدافع.

المسار التاريخي للفقه المقارن: • بدأ بعد عصر النص في القرن الثاني الهجري، وبلغ نضوجه على يد الشيخ الطوسي (في الإمامية) وابن رشد (في المالكية). • من رواده في الإمامية: الشيخ المفيد، السيد المرتضى، الشيخ الطوسي، العلامة الحلي. • في أهل السنة: القفال الشاشي، ابن رشد، السمرقندي، السيوطي، ابن نجيم. • في العصر الحديث: محمد تقي الحكيم، محمد جواد مغنية، إسماعيل الصدر، كاشف الغطاء.

أسس المقارنة وأدبها: • الاطلاع الواسع على آراء المذاهب وأسباب الاختلاف. • الموضوعية، التجرد، الأمانة العلمية، التحرر من التعصب. • الالتزام بالضوابط العلمية والشرعية.

أسباب اختلاف الفقهاء: • اشتراك الألفاظ (مثل القرء). • تعارض الأدلة. • وصول بعض الروايات إلى البعض دون غيرهم. • اختلاف الأعراف والبيئات. • اختلاف فهم النصوص وتأويلها.

الفرق بين المنهج الخلافي والمنهج المقارن: • المنهج الخلافي يهدف للدفاع عن الرأي المسبق. • المنهج المقارن يهدف إلى الترجيح الموضوعي المبني على الأدلة. • المقارنة أكثر موضوعية، وأقل عاطفية، وأقرب إلى البحث الأكاديمي المعاصر.

النتائج والتوصيات: • الفقه المقارن أداة كبرى لتحقيق الوحدة الإسلامية. • كتب الخلاف لا تُعد فقهًا مقارنًا، لأنها تفتقد الحياد والتحليل. • الحاجة ملحة إلى موسوعات فقهية مقارنة موسعة، تشمل المذاهب كافة. • تدريس الفقه المقارن في الحوزات والجامعات خطوة نحو توحيد الفهم الفقهي. • المقارنة تزيل الجمود والانغلاق، وتفتح أبواب الاجتهاد وضبط الفتوى. • اختلاف الفقهاء لا يعني التناقض، بل رحمة وتشريع واسع للشريعة الإسلامية. • ينبغي اعتماد المنهج المقارن في مشاريع التقنين والتشريع الحديث في العالم الإسلامي.

الكلمات المفتاحية: الفقه المقارن، الخلاف الفقهي، أسباب الاختلاف، الفقه الإسلامي، المقارنة بين المذاهب، الاجتهاد، الوحدة الإسلامية، موسوعات فقهية.

ملف العدد

المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

المقارنة والفقه المقارن

تأريخ وأهداف

المقدمة

د. صاحب محمد حسين نصار (*)

إن مناهج الفقه الإسلامي ومحاوره المنفتحة، تتجدد بتجدد وسائل التمدن وأطر الحداثة.

ومن هذه المحاور الفقه المقارن والذي يُعطى لحركة الفقه مجالاً أرحب وأخصب في استيعاب مفردات فقه المذاهب الإسلامية، وذلك بتعدد الآراء الفقهية المدعمة بالدليل من النصوص الشرعية، ومعالجتها وفق الأسس والضوابط الشرعية والعملية. وهذا الأمر يعطي ويمنح التشريع الإسلامي دفعاً على جميع الصعد المعمول بها في كل وقت، وفي كل مكان، في العبادات والمعاملات، فضلاً عن تجاوبه مع جميع الحالات، من خلال الاجتهاد.

ومن عظمة التشريع الإسلامي ومكانته السامية، تميزه باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وفق فهم المجتهد المرتكز على المصدرين الأساسين: الكتاب والسنة، فضلاً عن المصادر الأخرى، ومن خلال ذلك وغيره توسعت الأفكار والرؤى وتنوعت الإجتهادات، ما منح الفقه الإسلامي أفقاً

() باحث إسلامي - العراق.

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

واسعاً من حيث الكم المعرفي، ووسع مدارك العقل الإسلامي نشاطاً وفاعلية مقرونة بالعطاء والتبلور. ولم يكن هذا متأخراً وإنما بدأ بعد «عصر النص» مباشرة لدى كل المذاهب الفقهية، وبدأ يتبلور وفق منهجية خاصة من النصف الثاني للقرن الثاني الهجري ليمثل بعد ذلك مذهباً فقهياً له قواعده وأحكامه وأدلته التي تختلف عن الآخر تبعاً لحركة الاجتهاد العلمي.

فأنتج أكثر من عشرة مذاهب فقهية إسلامية. إرتأت سياسة الدولة آنذاك أن تتدخل بصورة مباشرة في نهاية القرن الخامس الهجري لتحصرها في أربعة مذاهب للجمهور فقط - بعد فتح المدرسة النظامية (٤٩٨هـ) وبعدها المدرسة المستنصرية - واعتبرتها مذاهب رسمية، وحاربت ما عداها فبقيت أفكاراً ونظريات أطلق عليها البعض المذاهب المندثرة كمذهب الأوزاعي، ومذهب الليث بن سعد، ومذهب سفيان الثوري وغيرهم.

في حين انحصر مذهب الخوارج فيما بينهم بفقه خاص بهم ... وبقي فكر الإمامية حراً بعيداً عن التوجيه الرسمي للدولة. مما أعطاه حركة وديمومة أوسع. لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا.

وقد أدى هذا التطور في الإجتهاد إلى بروز مدارس فقهية متنوعة أنتجت جهداً فقهياً، متمثلاً بالمدونات والمصنفات الفقهية ذات البعد الخلافي والمقارن على الرغم كونه بسيطاً في بداياته الأولى. حتى عُد من أولويات الإجتهاد الفقهي : فقيل من لم يعرف خلاف العلماء لا يوثق بإجتهاده.

سأحاول من خلال هذا المحور الحيوي بيان حقيقة وماهية المقارنة بصورة عامة، إيضاح مكانة الفقه الإسلامي المقارن، بمساره التاريخي وآدابه وأسسه وشروطه، بمنهج علمي في المقارنة، مع عرض دراسي لكتب فقهية مقارنة للقدماء والمعاصرين وبيان منهجها وأسلوبها بالإضافة إلى عرض نماذح لمسائل فقهية مقارنة، تعد بمثابة أمثلة عملية لتلك الأسس والضوابط وبيان

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

منهجها العلمي، ثم الفوائد المتوخاة من المقارنة، وبعد ذلك سأعرض أبرز وأهم النتائج التي توصلت إليها وأفرزها البحث.

إن دراسة الفقه الإسلامي مقارناً، تستوجب علينا الإلمام بمعنى المقارنة وحقيقتها، والفقه المقارن ما يداخله أو يترتب عليه من قراءة ومراجعة للنصوص الفقهية ودراستها، وصولاً إلى الرأي الأصوب على وفق النصوص والأسس والثوابت المتفق عليها لدى فقهاء المسلمين كافة.

المبحث الأول: أساليب ومناهج الكتابة الفقهية:

استيعاباً لفقرات البحث الفقهي المقارن، أحاول الآن اعطاء فكرة مجملة وعرض وبيان لأساليب ومناهج الدراسات والبحوث والكتابات الفقهية بصورة شاملة مع ذكر لأبرز المؤلفين وبعض النماذج، كل ذلك حسب . الترتيب الآتي:

  • الفقه الأحادي المذهب:

وهو مجرد بيان رأي لسألة ما كشرائع الإسلام للمحقق الحلي من الإمامية، والهداية للميرغناني من الحنفية، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (الحفيد) من المالكية، ومغني المحتاج للشربيني من الشافعة، والمغني لابن قدامة من الحنابلة، وهذا بلحاظ فقهاء المذاهب المتعبد بها على مستوى واسع وكبير، ومن ذلك الكتب الفقهية للمذاهب الأخرى، كالمحلى لابن حزم الظاهري من الظاهرية، والبحر الزخار لابن المرتضى من الزيدية، وشرح النيل لأطفيش من الإباضية، وغيرهم وهناك فقه أحادي المذهب ولكنه يذكر الدليل إزاء المسألة في أغلب الأحيان ويسمى بالفقه الاستدلالي» ككتاب المقنعة في الفقه للشيخ المفيد من الأوائل وهو الرائد في هذا الباب، وكتاب مهذب الأحكام للسيد عبد الأعلى السبزواري من المتأخرين.

الفقه المقارن- العدد الأول السنة الأولى شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣ سے

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

٢ - الفقه الخلافي:

وهو يعني ببيان الرأي الفقهي لمسألة ما لمذهب فقهي معين، مع عرض الدليل أحياناً، ويُعد هذا الرأي الفقهي هنا من المسلمات مقدماً، إثباتاً للمسألة المعالجة أو نفي للرأي المخالف لها، دون مناقشة وتعقيب أو إيراد الدليل ككتب المذاهب المتطرفة، مثل كتاب ابن تيمية المسمى بـ القواعد الفقهية النوارنية ) وابن القيم الجوزية وكتب الوهابية، والفتاوي الفقية الأخرى غير العلمية والموضوعية وعادة ما يطغي عليها طابع العاطفة والارتجال، كتفاوي ابن باز وفتاوي ابن جبرين وما شابه ذلك.

  • الفقه الاستعراضي:

وهو الفقه الذي يستعرض بعض الآراء الفقهية من دون مقارنة، ومن دون دليل في أغلب الأحيان ومن دون مقابلة وموازنة الرحمن الجزيري المسمى (الفقه على المذاهب الأربعة) وقد عقب عليه الشيخ محمد جواد مغنية وألف الفقه على المذاهب الخمسة وكتاب عبد القادر عودة الفقه الجنائي الإسلامي) وغيرها من كتب الفقه التي عرضت أغلب الآراء الفقهية من دون عرض رأي الإمامية وحتى في المحاضرات واللقاءات الخاصة. وكأنه لم يكن هناك فقه إمامي، وقد طبع الفقه الجنائي في طبعة أخرى بتحقيق السيد إسماعيل الصدر مضيفاً إليه رأي الشيعة الإمامية.

٤ - الفقه المقارن

وهو بيان وعرض لجل الآراء الفقهية الأساسية المتعبد بها وذلك إن تطلب الأمر مع بيان الدليل لكل واحدة منها ومن ثم مقابلتها ومناقشتها ومراجعتها وتقويمها وصولاً إلى ترجيح الرأي الأقوى دليلاً، وقد تجلى ذلك في كتب مثل تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي.

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

المبحث الثاني: المقارنة والخلاف لغة واصطلاحاً وحقيقة وموضوعاً:

١ - المقارنة لغة:

هي الجمع والمقابلة والتقويم، مأخوذ من قرن بالشيء وقرن بينهما، وقرن الشيء بالشيء وصله به و بابه ضرب (۳) وإن المقارن مبني للمفعول من المقارنة (٤).

۲ - الفقه المقارن اصطلاحاً:

هو (جمع آراء المجتهدين في المسائل الفقهية للمذاهب الفقهية المتعبد بها الأساسية وتقويمها والموازنة بينها، بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض) (0).

  • حقيقة المقارنة

الفقه المقارن هو نوع خاص من دراسة الفقه، ويراد به العلم بالأحكام الشرعية في مختلف الأنواع والأبواب من حيث معرفة آراء الأئمة والفقهاء والعلماء ومذاهبهم المتفقه أو المختلفة فيها، وبيان أدلتهم وقواعدهم الأصولية ووجهات نظرهم التي كانت منشأ هذا الاختلاف مع سبر هذه الأدلة وموازنة بعضها ببعض، واختيار أقربها إلى الحق وأولاها بالقبول.

٤ - موضوع المقارنة:

إذا كان موضوع كل علم - كما يقول العلماء - ما يبحث فيه عن عوارضه وأحواله الذاتية، يكون موضوع هذا العلم، المسائل الفقهية والقانونية من حيث معرفة أحكامها على حسب المذاهب المختلفة، وآراء الأئمة والفقهاء فيها، وعرض أدلتهم ومناقشتها، وموازنة بعضها ببعض. (V)

والذي يميز الفقيه المقارن عن غيره هو أن الفقيه غير ملزم بعرض الآراء الأخرى ومناقشتها، وإنما يكتفي بعرض الأدلة الخاصة التي التمس منها الحكم،

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

بخلاف الفقيه المقارن فهو ملزم بعرض الآراء المختلفة والأدلة واعطاء الرأي فيها وفق ضوابط وأسس ثابتة فالفارق بينهما إذن فارق جذري وإن تشابها في طبيعة البحوث (۸).

لذلك فمجرد عرض الآراء الفقهية للمذاهب دون التقويم والموازنة وفق الأدلة والضوابط والأسس لا يكسبها صفة المقارنة، كما هو الحال في كتاب الجزيري «الفقه على المذاهب الأربعة أو غيره من كتب الفقه الخلافي.

والفقيه في هذه الكتب إما مجيب يحفظ وضعاً أو سائل يهدم ذلك (9).

هو كالمحامي يُدافع عن قضية معتبراً ثباتها من المسلمات عنده دون النظر إلى آراء الآخرين بل على العكس يحاول نفيها وعدم التعرض لها.

وقد عرف الخلاف بأنه: «منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حق أو لابطال باطل ). والخلاف: المخالفة (١١).

وقد أورد ابن خلدون توضيحاً بشأن الخلاف والمخالفة بما نصه: «لا بد لصاحبه «علم الخلاف من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد لأن المجتهد يحتاج إليها للاستبناط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته.....

وقد عقب أستاذنا الحكيم على ما ذكره ابن خلدون قائلاً:

وإذا كان الخلافي يحتاج إلى الاجتهاد لحفظ مسائله والدفاع عنها فإن المقارن أكثر احتياجاً إليها بعد أن وفرنا له صفة القضاء والحكومة بين الآراء ومن شأن القاضي أن يحيط بحيثيات الحكم والأسس التي يرتكز عليها لدى الموازنة تمهيداً لاصدار حكمه النهائي في الموضوع» (١٣).

المبحث الثالث: المسار التاريخي للفقه المقارن والمقارنة:

لم تكن في عصر الرسالة مقارنة فقهية، لأن الأحكام والمسائل الشرعية

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

صادرة عن الرسول الله، وهي تمثل المنبع الصافي والأساس الأول، والقول الفصل الذي لا جدال فيه، ولأنه لم يكن هناك مجال للخلاف في الأحكام الشرعية لوجود الرسول الله، فيما بينهم وقوله كان فصل الخطاب (١٤)، ولكن المقارنة برزت عند فقهاء المسلمين خلال القرن الثاني الهجري وما بعده.

وبعد عصر الغيبة - عند الإمامية - مباشرة، في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (۳۲۹هـ)، ظهر عدد من الفقهاء والمجتهدين وذلك للحاجة إلى الاجتهاد بعد الانتقال من عصر النص وحضور الإمام، لكن كان الاجتهاد كان في مرحلة بدائية وفي صورة آراء متناثرة.

ومن فقهاء ذلك القرن الحسن بن علي العماني (ت ٣٦٩هـ) ومحمد بن أحمد ابن الجنيد (ت (۳۸۱هـ)، وكان من البارزين في هذا المجال من فقهاء المذاهب الإسلامية على بن عمر الدار قطني (ت ٣٨٥هـ) عارفاً باختلاف الفقهاء من الشافعية، وعلي بن أحمد البغدادي (ت (۳۹۸هـ) في كتابه مسائل الخلاف» وهو من المالكية (10) ومن الحنفية أبو زيد الدبوسي ( ٤٣٠هـ) صاحب كتاب «تأسيس النظر» وهو لدى الحنفية من أوائل الكتب في الفقه المقارن بين أئمة المذهب وأئمة المذاهب الإسلامية الأخرى (١٦). ومن الحنابلة أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (٧٩٥هـ) صاحب كتاب القواعد في الفقه الإسلامي) (١٧) وهو مطبوع. (۱۷)

وهناك كتب كثيرة لفقهاء المذاهب الإسلامية كافة في الفقه المقارن (۱۸) علماً بأن كتب القواعد الفقهية والأصولية نحت منحي كتب الفقه المقارن وهي تذكر مقارنة بين فقهاء المذهب الواحد والمذاهب المتعددة (١٩). (۱۹)

في القرن الخامس للهجري: تطور الفقه المقارن على يد الشيخ المفيد (٤١٣ هـ) تطوراً ملموساً - وهو الرائد في هذا المجال ـ وقد ظهر واضحاً من خلال كتابه «الإعلام فيما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام»، وقد تبعه تلميذه السيد المرتضى (ت) ٤٣٦هـ) في كتابه «الانتصار» والذي وضح فيه الموازنة

٤٦

الفقه المقارن - العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

والتقويم وقد عرض فيه رأي الفقهاء في المسألة الواحدة مع عرض رأي الإمامية والتدليل على الراجح منها بأدلة اجمالية، وقد أوضح السيد المرتضى أسلوبه في المقارنة الفقهية وطريقة عرضه للدليل في مقدمة كتابه الانتصار قائلاً:

فعليه من الأدلة الواضحة والحجج اللائحة ما تغني عن وفاق الموافق ولا يوحش معه خلاف المخالف (۲۰) و وبعد ذلك تطور الفقه المقارن عند الإمامية برؤية أعمق وبنظرة أوسع وأشمل على يد الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ) في كتابه الخلاف» (۲۱)

فقد تحدث الشيخ الطوسي عن منهجه العلمي في المقارنة قائلاً:

و أن أقرن كل مسألة بدليل نحتج به على من خالفنا موجب العلم، من ظاهر قرآن أو سنة مقطوع بها أو اجماع أو دليل خطاب أو استصحاب حال (۲۲).

وقد أثنى الشيخ محمد أبو زهرة المصري على (الخلاف) للشيخ الطوسي قائلاً:

إن الشيخ الطوسي مع علمه بفقه الإمامية. كان على علم واسع بفقه السنة وله في هذا دراسات مقارنة (۳۳).

وفي القرن السادس الهجري برز الشيخ سعيد بن هبة الله المعروف بقطب الدين الراوندي (٥٧٣هـ) وهو صاحب كتاب «فقه القرآن» وهو أول من ألف في تفسير آيات الأحكام بدراسة مقارنة مع آراء فقهاء المذاهب الإسلامية، وفي القرن نفسه وجد من فقهاء المذاهب الإسلامية السنية ابن رشد (الحفيد) ت ٥٩٥هـ) من المالكية، الذي كان يقارن بين الآراء الفقهية في كتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد وكذلك الدمشقي في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة وكذلك تميزت الجهود الفقهية المقارنة لدى محمد بن أحمد بن

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

إدريس الحلي (ت ٥٩٨هـ) في كتابه السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي وكان ابن إدريس في سرائره يقارن بين الآراء المفقهية المتعددة سواء أكانت على رأي الإمامية أم على آراء فقهاء المذاهب الإسلامية (٢٤).

وقد برز كذلك سيف الدين أبي بكر بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الشافعي القفال الملقب بفخر الإسلام (ت) ٥٠٧هـ) له كتاب (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء) ويعتبر من أجل كتب الشافعية من حيث المقارنة الفقهية للمذاهب الأربعة وأحياناً يأخذ بأقوال الإمامية والظاهرية (٢٥).

أما في القرن السابع الهجري: فقد كانت الجهود المتميز للمحقق الحلي نجم الدين أبو القاسم (ت ٦٧٦هـ) والتي احتلت مكانة فقهية في شتى المجالات للمذاهب الإسلامية كافة حتى أصبح لمؤلفاته الفقهية الصدى المدوي في أوساط الأزهر الشريف في التقريب بين المذاهب الإسلامية إلى حد أن كتابه «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» و«المختصر النافع» قد طبعا من قبل وزارة الأوقاف المصرية وبإشراف وزير الأوقاف نفسه.

وكذلك علي بن محمد القمي السبزواري وهو من أعلام القرن السابع صاحب كتاب جامع الخلاف والوفاق بين الإمامية وبين أئمة الحجاز والعراق وهو من كتب الفقه المقارن بين آراء الإمامية وبين آراء الحنفية والمالكية وهو كشرح على كتاب غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع أبو المكارم بن زهرة الحلبي (ت ٥٠٨هـ) (٢٦).

أما في القرن الثامن الهجري: فقد برزت الجهود الكبيرة، بل والفريدة في عالم المقارنة على يد العلامة الحلي الحسن بن المظهر (ت ٧٢٦هـ) وقد نحى في الفقه المقارن منحى جديداً، وهو المقارنة ضمن المذهب الواحد في كتابه القيم مختلف الشيعة»، فعرض جل الآراء الفقهية لفقهاء الإمامية في مسألة واحدة وموضوع واحد وهذا الجهد العظيم والفريد في بابه استفاد منه طلبة

٤٨

الفقه المقارن. العدد الأول السنة الأولى شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

الحوزة الشريفة في لتعرف على آراء العلماء منذ عصر الغيبة إلى أيام كتابة العلامة المختلفه.

وكذلك كتابه القيم الآخر في مجال المقارنة بين آراء فقهاء المذاهب الإسلامية المسمى تذكرة الفقهاء فهو بحق تذكرة للفقهاء.

وقد أورد العلامة نفسه في مقدمة كتابه التذكرة بشأن المقارنة ما نصه:

قد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم ( بتذكرة الفقهاء) على تلخيص فتاوى العلماء، وذكر قواعد الفقهاء على أحق الطرائق، وأوثقها برهاناً، وأصدق الأقاويل وأوضحها... وأشرنا في كل مسألة إلى الخلاف، واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف» (٢٧)

وكذلك له كتاب منتهى المطلب وهو الكتاب الشامل لفقه المذاهب الإسلامية.

ومن أهل السنة برز محمد بن عبد الرحمن السمرقندي (ت ۷۲۱ هـ) صاحب کتاب عمدة الطالب لمعرفة المذاهب جمع فيه المذاهب الإسلامية الأربعة (٢٨) (۲۸)

وفي القرن التاسع الهجري برزت جهود المقداد السيوري (ت ٨٢٦هـ) في كتابه القيم «كنز العرفان في تفسير آيات الأحكام الشرعية والذي تعرض فيه للآراء الفقهية المقارنة، كما درس الفقه على المذاهب المتعددة (٢٩).

أما القرن العاشر الهجري فكان جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ) وهو من الشافعية صاحب كتاب «الأشباه والنظائر في القواعد) وهو مطبوع وقد تعرض فيه للقواعد الفقهية لدى المذاهب الإسلامية.

ومن الإمامية زين الدين الجعي العاملي (ت ٩٦٥هـ) له «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» الذي درس في لبنان بعلبك» المذاهب الخمسة وقارن بينها بعد الاطلاع عليها ودراستها فقد درس على ابن طولون الحنفي

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

ت ٩٤٢ هـ ) صحيحي البخاري ومسلم، ومنهاج النووي على شهاب الدين الرملي الشافعي، ودرس مختصر الأصول لابن الحاجب على ابن النجار الحنبلي وغيرهم كثير (٣٠).

وقد ظهر أثر ذلك في كتابه الجليل مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام ومن خلال مؤلفه هذا وغيره ظهر علمه بالمقارنة بما طرحه من آراء.

أما القرن الحادي عشر الهجري فقد توضحت فيه جهود فقهية مقارنة كثيرة كان من أبرزها جهد عمر بن إبراهيم المصري المعروف بابن نجيم ت ١٠٠٥هـ) وهو من الحنفية صنف كتاب الأشباه والنظائر» وهو مطبوع، ومن الإمامية عبد الله بن الحسين التستري الأصفهاني (ت ١٠٢١هـ) له كتاب «جامع الفوائد في شرح القواعد وهو مطبوع.

وفي القرن الثاني عشر الهجري برزت جهود للمقارنة على صعيد المسائل والآراء الفقهية وكذلك في مجال القواعد الفقهية وغيرها منها ما صنفه أبو سعيد محمد بن مصطفى الخادمي (ت ١١٧٦ هـ ) صاحب كتاب «مجامع الحقائق».

أما القرن الثالث عشر الهجري: فقد كانت مصفنات كثيرة ومتميزة أبرزها ما صنفه أحمد بن محمد مهدي النراقي ( ت ١٣٤٥هـ) وهو من الإمامية صنف عوائد الأيام في مهمات أدلة الأحكام وهو مطبوع ، وكذلك برز في هذا القرن العلامة الكبير مرتضى الأنصاري (ت (۱۲۸۱ هـ) وكان يقارن في أبحاثه وكتاباته في المكاسب، ومن الجميل إنه يستشهد في كتابه المكاسب بكلام صاحب المصباح المنير وهو الفيومي الشافعي وغيره من الفقهاء (۳۱).

وعند وصولنا إلى القرن الرابع عشر الهجري نجد أنه قد ظهرت كتابات لدى كل المذاهب الفقهية وكان من أبرزها جهود العلامة الشيخ محمد كاشف الغطاء (ت ۱۳۷۳هـ) في مصنفه القيم تحرير المجلة والتي في حقيقتها كانت شرحاً «المجلة الأحكام العدلية التي صدرت عام ١٨٦٩م عن الحكومة العثمانية

الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

وهي في الفقه الحنفي صدرت في تركيا ولم تكن هذه الدراسة على صعيد المقارنة الفقهية لدى المذاهب الإسلامية فقط وإنما كانت مقارنة على صعيد الدراسات القانونية كذلك.

وتميز في هذا القرن كذلك العلامة المجدد الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي (ت (١٣٥٢) له كتب فقهية مقارنة كثيرة أبرزها الاحتجاج لكل ما انفرد به الإمامية بما جاء من الأحاديث في كتب غيرهم ) (۳۲) أما في «آلاء الرحمن» فقد فسرت آيات الأحكام بـ (فقه مقارن يعرض فيه وجوه المسألة في الخلاف والإجماع بين المذاهب ويرجح الرأي الصائب داعماً بذلك نظريته في «الوحدة والتقريب وتلك من أهم سمات تفسيره (۳).

أما في قرننا الحالي الخامس عشر: فقد تميزت هذه الفترة بنضوج الفقه المقارن وثراء استدلالها العقلي والشرعي، فقد برزت مصنفات ومؤلفات ذات قيمة علمية رصينة في الفقه المقارن على صعيد الدراسات الحوزوية والأكاديمية في مقدمتها كتابات أستاذنا الكبير المجدد العلامة محمد تقي الحكيم (ت ١٤٢٢هـ) منها كتابه المشهور الأصول العامة في الفقه المقارن وكذلك القواعد الفقهية العامة للفقه المقارن وقد تميزت كتاباته بأسلوب علمي رصين ومنهجية واضحة دون لبس أو إبهام، فضلاً عن كتاباته الخاصة بالتقريب بين المذاهب والتي تعتمد المقارنة منها الجهود المتميزة للعلامة الجليل الشيخ محمد جواد مغنية (ت ١٤٠٠ - ۱۹۸۰م) في كتابه «الفقه على المذاهب الخمسة وقد كان في حقيقته تعقيباً على كتاب عبدالرحمن الجزيري الفقه على المذاهب الأربعة الذي أغفل فيه ذكر آراء الإمامية.

وكذلك جهود العلامة السيد إسماعيل الصدر (ت ۱۳۸۸هـ) في التعقيب والإضافة والرد على كتاب عبد القادر عودة في التشريع الجنائي الإسلامي والذي لم يذكر فيه آراء المذهب الإمامي مذهب آل البيت ) مما حدا

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

بالسيد الصدر أن يصنف الفقه الجنائي على المذاهب الخمسة».

وفي هذه المرحلة نجد الجهود العلمية في مجال الفقه المقارن وخصوصاً في البحث الخارج بارزة، تدريساً وتأليفاً في الدراسات الدينية في الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف.

وقد أصبح الفقه المقارن من أهم المواد الدراسية في الكليات التي تعنى بدراسة الفقه ككليتي الشريعة في جامعة الأزهر ودمشق، وكذلك في جامعة بغداد، وكليات الحقوق في البلدان العربية كلها، فإنها تقارن المذاهب الإسلامية مقارنة حرة تدور حول الأدلة، فتتوصل إلى ترجيح الرأي انطلاقاً من قوة الدليل بصرف النظر عن صاحبه، وقد تخرج المقارنة من درائرة المذاهب الفقهية إلى المقارنة بين فقه الإسلام والشرائع الوضعية) (٣٤).

وللحاجة الماسة علمياً لوضع موسوعة متكاملة في الفقه الإسلامي المقارن فقد صدرت في مصر (موسوعة جمال عبد الناصر) الفقهية وكذلك اهتمت سوريا بانشاء لجنة الفقه الإسلامي المقارن) في كلية الشريعة بدمشق عام ١٩٥٦م، وقامت الكويت بإعداد الموسوعة الفقهية الكويتية). وهذه الموسوعات الفقهية المقارنة لم تكن على مستوى البلاد العربية، بل شملت أقطاراً إسلامية أخرى كما تم ذلك في إيران من جهود حثيثة وعمل متواصل في هذا الصدد، حيث تم إنجاز وطباعة عدد من الكتب والموسوعات الفقهية المقارنة.

أصول وقواعد المقارنة في الفقه الإسلامي:

ونذكر منها:

۱ - الإطلاع على أقوال الأئمة والمجتهدين وفقهاء المذاهب الإسلامية في المسائل المختلف فيها في محاولة البلوغ إلى واقع الفقه الإسلامي موضوعياً.

الفقه المقارن العدد الأول المسنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

  • الإفادة من كل المسائل المبحوثة فقهياً مع بيان أدلتها لدى فقهاء المسلمين كافة من دون استثناء.
  • إعطاء مساحة واسعة وشاملة للفكر الإنساني دون النظرة الضيقة الاستيعاب جميع المفردات الفقهية بروح علمية وفق الثوابت الشرعية بعيداً عن العواطف.

صفات وواجبات المقارن

1 - أن يكون المقارن واسع الإطلاع والعلم بالقواعد والأصول العلماء كل مذهب فقهي، ليعلم وجهة نظرهم، ومعرفة الأسباب المهمة التي أدت إلى الاختلاف الفقهي.

٢ - أن يكون المقارن أميناً في نقله عن المصادر الموثوقة وصادقاً في نسبتها إلى أصحابها، وذلك باختيار أقوى الآراء مقروناً بأقوى الأدلة (حتى يبعد الآراء المسبقة التي يحاول أصحابها فرضها وعدها المسلمات دون التأكد منها كما هو الحال لدى الخلافي).

  • أن يكون المقارن موضوعياً منصفاً متجرداً عن جميع المؤثرات السلبية وأن يكون ترجيحه على وفق الضوابط العلمية.

إختلاف الفقهاء والمجتهدين وأسبابه

وكما أشرنا فيما تقدم، لم يكن في عهد الرسول الله اختلاف في الأحكام الشرعية، لأن التشريع آنذاك كان يرتكز على الوحي، وكان الرسول الله، هو المرجع لبيان الأحكام، وما ينطق عن الهوى... (٣٥) والسنة بالطبع هي كذلك من الوحي المنزل من عند ربه، وإن كانت لا تتلى كما يتلى القرآن، نعم نشأ الاختلاف بين المجتهدين بعد عهد الرسالة، ولكن طبيعة هذا الاختلاف إنه لم يكن في

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

1 - الأحكام التي علمت من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصيام...

إلخ.

۲ - ولا في الأحكام التي تواترت أحاديثها واستفاضت من الرسول الأكرم الله وأهل بيته الا وهي الروايات القطعية الدلالة بعد التأكد منا متناً وسنداً.

وإنما نجم هذا الاختلاف في بعض الفروع الشرعية وفي نطاق محدود في بداية الأمر ثم أخذ يتسع نطاقة بعد انتشار الإسلام فضلاً عن الأسباب الأخرى التي سنعرضها فيما بعد.

لقد وردت عن الرسول الأكرم الله روايات بشأن الاختلاف في الرأي المبني على الاختلاف في فهم النص وفق الأسس والضوابط بعيداً عن الهوى

والتعصب كقوله :

اختلاف أمتي رحمة ) () (۳۷) وهذا هو عين الاجتهاد والاستنطاق للنص والاستنباط للحكم الشرعي المنضبط وأورد الشعراني في الميزان إن (عين الشريعة كالبحر فمن أي الجوانب اغترفت منه فهو واحد، وإياكم أن تبادروا للإنكار على قول مجتهد أو تخطئته إلا بعد إحاطتكم:

أ - بأدلة الشريعة.

ب - ومعرفتكم بجميع لغات العرب.

ج - معرفتكم بمعانيها وطرقها) (۳۸).

فالرحمة موجودة في الاختلاف لأن النفوس البشرية مختلفة في قدراتها واستعدادها للعمل بأحكام الشريعة، حتى ضمن المذهب الفقهي الواحد كالإمامية والحنفية وكلهم ينشدون تطبيق ما أمر الله سبحانه وتعالى وهنا تبرز أهمية وفائدة المقارنة وصولاً للرأي الصائب.

ولتوضيح مفردات ذلك ينتظم المبحث في مطلبين وكما يأتي:

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

المطلب الأول: أسباب اختلاف الفقهاء المجتهدين

سأحاول عرض أبرز وأهم الأسباب التي أدت إلى هذا الاختلاف

وبصورة موجزة كما يأتي:

السبب الأول: اللفظ الوارد في النص

۱ - فقد يكون اللفظ مشتركاً: كلفظ القرء وهل هو الطهر أم الحيض وكذلك المولى وأنه السيد أم العبد لقول تعالى: والمطلقات يتربصن

(۳۹) بأنفسهن ثلاثة قروء (٣٩).

٢ - الاختلاف حول صيغتي الأمر والنهي.

أ - فصيغة الأمر تحتمل الوجوب والندب الاستحباب): كما في آية

المداينة يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين .... (٤٠) وقول الرسول : «يا معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج (٤١).

ب - فقسم حمله على الوجوب كالظاهرية وأغلب الفقهاء حمله على الندب الاستحباب)، وغيرها كثير.

السبب الثاني: وصول الرواية والحديث إلى بعض المجتهدين فيعمل به ولا يصل إلى غيره فيعمل بدليل آخر

ومثاله: تحليل الزوجة المطلقة ثلاثة لزوجها الأول فمنهم من لم يطلع على الرواية المخصصة والمقيدة والمحددة للآية الكريمة فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره وهي قوله : «حتى تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها (٤٢) أي أن يكون الزواج فعلياً عن طريق الوطء وليس زواج تحليل عبر الصيغة فقط.

السبب الثالث: تعارض الأدلة

أي عندما يتعارض نصان في حكم المسألة الواحدة، وهو ما تحدث عنه

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

الفقهاء والأصوليون في باب التعارض والترجيح.

السبب الرابع: اختلاف المجتهدين في العمل ببعض الأدلة

مثلاً نجد الإمامية والظاهرية لا يأخذان بالقياس وغيره كالمصالح المرسلة والاستحسان، في حين نجد البعض من مجتهدي المذاهب الفقهية لا يأخذون بالعقل.

السبب الخامس: اختلاف الأعراف فلكل بلد عرفه المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)

لكل بلد عادات وأعراف وتقاليد تختلف عن الأعراف الأخرى، وهذا العامل يؤثر في اجتهاد المجتهد كما وقع مع الشافعي فعندما انتقل إلى مصر تغیرت بعض اجتهاداته.

السبب السادس: المدلول الاجتماعي لـ (النص) والمدلول الفردي له وحسب طبيعة الإدراك له.

السبب السابع: الاختلاف في فهم النص واستنطاقه ومعالجته وتفعيله سواء كان قرآنياً أم روائياً

وفي الختام نقول: «إن الاختلاف الفقهي في الأحكام العملية المدنية يمثل ثروة تشريعية ومعنى ذلك هو تعدد النظريات والمباديء الحقوقية في استمداد الأحكام وتقريرها، وهذا ما يجعل الأمة في غنى من تشريعها لا يضيق بها عن حاجتها، روى ابن وهب عن القاسم بن محمد قوله: «أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب محمد لا يختلفون، لأنه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ الرجل بقول أحدهم لكان سنة (٤٣).

وقد علق الشاطبي على ذلك حيث قال: ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس

الفقه المقارن العدد الأول المسنة الأولى شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، فوسع الله على الأئمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للدخول في هذه الرحمة (44)

المطلب الثاني: أبرز ما كتب في أسباب اختلاف الفقهاء

كتبت مؤلفات كثيرة في علم اختلاف الفقهاء وأسبابه، سأعرض بعضها وفق المسار التاريخي لأهميتها باعتبارها المادة الأولية للفقه المقارن والمقارنة وكما يأتي:

۱ - اختلاف العلماء (الفقهاء)، أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي الشافعي (ت ٢٩٤هـ) طبع عالم الكتب بيروت ط ٢٫ ١٤٠٦هـ ، تحقيق صبحي السامرائي.

۲ - ا ختلاف الفقهاء، أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن البصري الساجي (ت ٣٠٧هـ) (٤٥)

  • اختلاف الفقهاء أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) مطبعة الموسوعات والترقي في مصر عام ١٣٢٠هـ - ١٩٠٢م ط ٤٦١).

٤ - الإجماع والإشراف في اختلاف العلماء، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الشافعي (ت ٣١٨هـ) (٤٧).

ه - اختلاف العلماء (الفقهاء) أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي الحنفي (ت ٣٢١هـ ) (٤٨).

  • اختلاف الفقهاء، أبو حنيفة النعمان بن أبو عبد الله محمد بن منصور المغربي الإمامي (ت ٣٦٣هـ) (٤٩).
  • الخلافيات، أبو القاسم إسماعيل بن الحسين بن عبد الله البيهقي الحنفي (ت ٤٠٢ هـ ) (٥٠)

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

  • تعليق خلاف الفقهاء الشريف الرضى أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى (ت ٤٠٦ هـ) (٥١).

۹ - رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني (من علماء القرن الثامن) (٥٢).

۱۰ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف علاء الدين أبو الحسن المرداوي الحنبلي (ت ٨٨٥هـ) تح، أبو عبد الله محمد الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت ط ۱ - ۱۹۷۷م.

۱۱ - تلخيص الخلاف وخلاصة الاختلاف مفلح بن حسن بن رشيد الصميري ( ٨٨٠هـ) (٥٣).

۱۲ - الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ولي الله الدهلوي أحمد بن عبدالرحيم (ت ١١٧٦هـ) طبع دار النفائس بيروت ط ٢، ١٤٠٤، ط ٣، ١٤٠٦هـ كتاب على صغر حجمه لكنه جمع معارف قيمة في تاريخ التشريع ونشوء الخلاف الفقهي.

١٣ - أسباب اختلاف الفقهاء، الشيخ علي الخفيف، مطبعة الرسالة مصر، طبع عام ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦م.

وغيرها من المؤلفات التي تعرضت لأسباب اختلاف الفقهاء.

المطلب الثالث: دور أسباب اختلاف الفقهاء والمجتهدين في المقارنة

إن اختلاف الفقهاء والمجتهدين وأسبابه والمرتكز على الأصول والقواعد الفقهية والأدلة والضوابط العلمية يمثل الركيزة الأساسية المهمة لأركان المقارنة الفقهية للآراء المعالجة للمسائل والموضوعات الفقهية، وصولاً إلى الرأي الراجح بعد الموازنة والتقويم.

وهذا الاختلاف والتباين في الآراء الفقهية قد اعتمد على أسس ونصوص

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

شرعية منحت الفقهاء المجتهدين بعداً، سواء كان على صعيد المذاهب الإسلامية أم ضمن المذهب الواحد لقوله تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ) (٤).

ولقول رسول الله : «اختلاف أمتي رحمة (٥٥) (٥٦)

يقول المناوي في شرح هذا الحديث اختلافهم التوسعة على الناس بجعل المذاهب كشرائع متعددة بعث النبي بكلها، لئلا تضيق بهم الأمور، ولم يكلفوا بما لا طاقة لهم به توسعة في شريعتهم السمحة السهلة، اختلاف المذاهب نعمة كبيرة وفضيلة جسيمة خصت بها هذه الأمة» (٥٧).

إن الحكمة من الاختلاف في وجهات نظر تبعاً والأصول وبعيداً عن التعصب والأهواء، هو الوصول إلى أيسر الحلول لتنظيم الحياة وحل مشكلاتها، بحيث رضا الخالق وسعادة المخلوقين.

وبهذه الحرية الفكرية يتمكن الفقيه من استنباط واستظهار الحكم الشرعي من أدلته التفصيلية، فضلاً عن الأمور الأخرى التي يرتبط بها في فهم دلالة الدليل اللفظي في الكتاب أو السنة، كعلم النحو والصرف والبلاغة أو التفسير وغيره، وكذلك تعارض دلالة النص مع الدلالة الأخرى له، بالإضافة إلى الاختلاف حول آيات الأحكام.

فلقد اختلف الفقهاء في عدد الآيات، فقيل إنها تشكل ثلث القرآن، وقيل إنها خمسمائة آية، وهنا: قول إنها ثلاثمائة وخمسون آية أو مئة وخمسون آية فيما إذا جمعت المتكررات، وهناك بعض المحدثين من يجعلها ألف آية كما هو رأي الشيخ محمد مهدي شمس الدين فقد ذكر ما نصه: «إن آيات الأحكام هي أكثر بكثير مما تعارف عليه الفقهاء والأصوليون، وفي تقديري قد تتجاوز الألف آية، إن الفقهاء رضوان الله عليهم والأصوليين القدماء - جزاهم الله خيراً - انطلقوا في تعاملهم مع القرآن باعتباره مصدراً للتشريع من خلل أو ضيق في الرؤية المنهجية

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

جعلتهم يرون فقط آيات الأحكام المباشرة التي يتعاطونها ... (٥٨).

وقد أورد أستاذنا الدكتور مصطفى الزلمي رأياً آخر، حيث ذهب إلى أن جل آيات القرآن هي آيات الأحكام ولكن لم يتوصل لها (٥٩).

وهذا الخلاف سيؤدي إلى التباين في أسس الاستنباط ومن هذا ينشأ الاختلاف في الأحكام الصادرة من خلال فهم النص القرآني.

ثم إن الفقهاء لم يتفقوا في دلالة النص وحقيقة تل الدلالة. فما دامت الدلالة عندهم تعني فهم غير المنطوق من المنطوق بسياق الكلام ومقصوده (٢٠) أو هي دلالة اللفظ على الحكم في شيء يوجد فيه معنى يفهم كل من يعرف اللغة إن الحكم في المنطوق لأجل ذلك المعنى (٦١).

ونتيجة ذلك واجه الفقهاء - في عملية الاستنباط - عقبات وضعية كثيرة من أجل الوصول إلى الحكم الشرعي.

ثم أن الأحكام الشرعية غير القطعية الظنية والتي لم تكن أدلتها الموصلة إليها من البديهات المتسالم عليها عند جميع الفقهاء بل هي مسائل نظرية من شأنها أن تكون عرضة لاختلاف وجهات النظر.

ثم إن التباين في الآراء والاختلاف في وجهات النظر يكون على قسمين:

الأول: مقبول عند الجميع، وهو ما كان في دائرة النص بحيث لا يخرجه عن مدلوله العام ولا يتعارض معه أو يناقصه.... ومرد الاختلاف فيه في ظنية الدلالة بالنسبة إلى آيات القرآن الكريم، أو ظنية الصدور والدلالة بالنسبة إلى مرويات السنة الشريفة.

الثاني: مرفوض. وهو ما يتمثل بالخروج على دائرة النص أو التعارض معه لذلك قالوا: لا اجتهاد في موارد النص أو لا اجتهاد مقابل النص». ولربما هناك رأي يتفرع من الرأي الثاني (الرفض) وهو الجمود والوقوف على دلالة

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

النص، وهذا يغلق الباب أمام الفقهاء للوصول إلى حلول لمستحدثات المسائل... ثم إن هذا الجمود والتوقف سيؤدي بدوره إلى الجمود على الرأي الواحد ورفض الرأي الآخر.

فقد نقل ابن حجر في شرحه على البخاري أن بعض الظاهرية قالوا: إن البكر إذا أعلنت رغبتها في الزواج لم يجز العقد لأن الرسول الكريم الله قال: إذن البكر سكوتها فيجب الجمود على ظاهر النص) (٦٢).

بينما ليس الأمر كذلك، لأن الجملة التامة لها اضافة إلى مدلولها التصوري اللغوي مدلولان نفسيان: أحدهما الإرادة الاستعمالية، إذ نعرف عن طريق صدور الجملة من المتكلم أنه يريد منها أن نتصور معاني كلماتها والآخر الإرادة الجدية، وهي الغرض الأساسي الذي من أجله أراد المتكلم أن نتصور تلك المعاني (٣).

المبحث الثامن: منهج البحث العلمي بين الخلاف والمقارنة في الفقه الإسلامي

للمنهج العلمي للمقارنة في البحث أركاناً يعتمدها الباحث العلمي تمثل أساسيات البحث وهذه الأركان هي:

١- الأسس والمرتكزات ومنها الموضوعية والتجرد عن الهوى والميل والعواطف).

  • الأهداف والغايات التي يرنو إليها الباحث: هدف الباحث.

المحتوى: أساس البحث.

٤- النتائج: وهي ما يتوصل لها الباحث المقارن.

وتؤثر الأركان الثلاثة تأثيراً مباشراً في نتائج البحث (٢٤).

عرف علم الخلاف بأنه علم يقتدر به على حفظ الأحكام الشرعية المختلف

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

فيها بين الأئمة أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقوادح الأدلة (٢٥).

ووفق ذلك تكون أهداف المنهج لدى العالم الخلافي، إما للدفاع عن رأيه ليحفظه، أو لهدم آراء من خالفه، منطلقاً من قناعة أن رأي مذهبه هو الصواب والحق، وبهذا تكون للخلافي وظيفة هي أقرب إلى وظيفة المحامي الذي يُدافع عن موكله بغض النظر عن احتمال خطأ موكله وتورطه فيالجريمة أو وجود أدلة تدينه.

وبما أن الكثير من الكتب الفقهية كتبت وفق منهج علم الخلاف، ومنهج هذا العلم تدخله العاطفة في أساليب العرض غالباً، لأن ما يستهدفه من البحث هو تعزيز واقع قائم وهدم ما يخالفه، والعاطفة إذا دخلت علماً عتمت واقعة وقصرت عن مدى الرؤية السليمة له، فتجريد الباحث ذلك العلم من أصعب ما يمر به العلماء» (٦٦).

وفي علم الخلاف تكون الأهداف والغايات واضحة المعالم مسبقاً، كونها لا تمثل سوى الدفاع عن النتائج والتي تكون معلنة قبل البدء بالبحث، وإذا سبقت نتائج البحث وكانت الغايات لا تمثل سوى الدفاع عن النتيجة. فسيضطر الباحث الخلافي أن يترك الأدلة التي تسوقه للوصول إلى ما يغير نتائجه، أو هدم تلك الأدلة، ويبحث عن أدلة تعضد رأيه وتخدم إتجاهه، وفي هذا إنحراف عن الأمانة العلمية والصدق والتي يجب أن يتصف بها الباحث العلمي.

أما علم المقارنة، فإن المنهج العلمي فيه يتصف بالموضوعية والتجرد وهما الركيزتان الأساسيتان لمنهج المقارن ويجب أن تتوافر فيه قبل البدء في البحث، فالمقارن يجمع ويستقرء جميع الآراء المختلفة ويبحث عن أدلتها حيث يسوقه الدليل العلمي الأوضح والأكثر عقلانية إلى اختيار الرأي الأقوى و ترجيحه.

وبذلك تأتي نتائجه أكثر موضوعية.

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

ومن الوظائف المهمة التي يجب على الباحث المقارن القيام بها، البحث عن أسباب الاختلاف وخلفياته الذاتية والموضوعية وقد قيل: إن من الظلم أن نفترض لأنفسنا آراء مسبقة فيها ثم نحاول أن نجعلها منطلقاً للمقارنة وإصدار الحكم على أساسها من دون أن نعمد إلى التعرف على وجهات نظر الآخرين فيها، وربما كان الحق في جانبهم في الكثير منها (٢٧).

يجب أن يكون المقارن بمثابة الحاكم بين المدعي والمدعى عليه، أو أشبه بالقاضي يصدر حكمه وفق الدلائل القوية بعد استفراغ وسعه في البحث عنها وتحصيلها.

المبحث العاشر: أهم ما يترتب على الدراسات الفقهية المقارنة من فوائد

يترتب على الدراسات المقارنة بل ويستفاد منها فوائد كثيرة أبرزها:

١- قراءة ومراجهة آراء فقهاء المذاهب الإسلامية والإطلاع عليها من مصادرها الأساسية لعرضها ودراستها وفق ضوابط وأسس المقارنة الصحيحة، وصولاً للرأي الصائب مسنداً بالدليل الأقوى.

٢- الإفادة والعمل بموجب النتائج التي أفرزتها المقارنة علمياً وموضوعياً الغرض تطوير الدراسات الفقهية للنهوض بها إلى واقع الفقه الإسلامي واستثمارها على صعيد التطبيق.

إزالة كل ما هو غير مستند على أساس علمي وموضوعي المسائل الفقه الإسلامي وما يترتب على ذلك من محاولة لإيجاد أحكام شرعية تلبي احتياجات المجتمع الإسلامي.

٤- تقوية وشد أزر المسلمين ووحدتهم من خلال وحدة آرائهم الفقهية وإبعاد كل الآراء غير المسندة بالأدلة القوية، وعدم فسح المجال للذين يتحينون الفرص لاستغلال في المسائل الفقهية لأغراض سياسية.

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه

ه - مقارنة الرأي الفقهي الراجح بعد الموازنة والتقويم لآراء فقهاء المذاهب

الإسلامية، مع القوانين الوضعية، لبيان عظمة ومكانة التشريع الإسلامي.

٦ - تمهيد السبل لوحدة مناهج التفكير الأصولي عند المسلمين.

  • قد يتبلور الأمر في إيجاد فقه إسلامي وليس فقه مذهبي إسلامي.
  • إختصار الجهد - زمناً وموضوعاً - لأجل التقريب بين المذاهب الإسلامية وتحقيق الوحدة الإسلامية وبناء الجامعة الإسلامية ذلك العنوان الضخم الذي جاهد من أجله العمالقة، كالسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والذي نادى به كذلك الاصلاحيون: الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي والشيخ عبد الكريم الزنجاني والشيخ شلتوت والمراغي والبشري والشيخ محمد تقي القمي والسيد محمد تقي الحكيم وغيرهم. ومن هنا نرى أن كل من نظر في الفقه المقارن من أي مذهب أصبح من دعاة الوحدة ومن قادة التقريب بين المذاهب الإسلامية.

تضييق دائرة الخلاف بين المذاهب والشعوب الإسلامية، والسعي إلى التوحيد وبخاصة في نطاق المحافل والتكتلات الدولية والإقليمية.

١٠- من شأن المقارنة بقنواتها وآفاقها الرحبة أن تساعد على تلبية حاجة المسلمين في هذا العصر إلى تطبيق وتقنين أحكام الشريعة الإسلامية أو إعداد مشروعات قانونية بهذه الأحكام المرتبطة بحياة المسلم وسلوكه شؤونه الاجتماعية والاقتصادية.

الخاتمة ونتائج البحث

في نهاية المطاف فإن لهذا البحث نتائج مهمة نعرضها على الشكل التالي:

1- على الرغم من الأهمية القصوى لموضوع المقارنة في الفقه الإسلامي فإنه إلى الآن لم يدرس دراسة مستوفية لشروط المقارنة، توضح فيها مفرداته

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

وكيفية المعالجة الفقهية للآراء الفقهية، عند جميع الفقهاء وباحثي المذاهب الفقهية الإسلامية، وذلك لعدة أسباب لعل من أهمها.

أ - عدم الالتفات لأهمية الموضوع ومعرفة حقيقته على الصعيد الفقهي.

ب - عدم وجود دراسات فقهية معمقة مختلفة الآراء بالأسباب الأساسية، موثقة ومسندة بالدليل، وتتطلب المقارنة وصولاً للرأي الراجح.

ج - أغلب الفقهاء لهم آراء يقتنعون بها مسبقاً ويعدونها من المسلمات ولربما يمتلكون نقاشاً ودليلاً يُعارض هذا ، ولكنهم لا يمتلكون الجرأة على البوح بذلك.

د - التعصب المذهبي أو الانتماءات التي تقف أمام الموضوعية والتجرد والتي بدورها تحور النتائج.

هـ - غلق باب الاجتهاد لدى المذاهب الإسلامية - عدا الإمامية - مما أوقف عملية الاستنباط لآراء فقهية جديدة لدى هذه المذاهب.

٢- لم تكن هناك مقارنة ولا اختلاف أيام الرسول الأعظم لوجوده بين ظهرانيهم، إذ تنتفي الحاجة أنذاك لوجود فقه مقارن.

تعد أراء الفقهاء وأسباب اختلافهم وما يعتقدونه من أسس وأدلة من مرتكزات وأساسيات عملية المقارنة الفقهية، وتعتبر المادة الأولية للفقه المقارن.

  • يوجد هناك فقه مقارن ضمن المذهب الواحد كما هو الحال في الفقه المقارن بين فقهاء المذاهب الإسلامية، وفي هذا تتوافر الموضوعية والتجرد أكثر من الفقه المقارن بين المذاهب المختلفة.

ه لا يُعد الفقه الخلافي من الفقه المقارن، وهو على طرفي نقيض مع المقارنة، لأن الخلافيين يعدون آراءهم من المسلمات التي لا يمكن معارضتها، لذلك نراهم متمسكين بها، ولا ينظرون إلى المقارنة والرأي الآخر بعين الموضوعية والمناقشة الحرة. فيما على المقارن أن يحترم الآراء الأخرى

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه

المرصنة وفق الأدلة والضوابط المعتبرة وسياقات الحوار.

٦- تعد موسوعات الفقه الإسلامي المقارن - وفق الضوابط العلمية - بمثابة مرجع أساس ترجع إليه وتستفيد منه الهيئات التشريعية والقضائية والحقوقية

وغيرها في العالم وليس في العالمين العربي والإسلامي فقط.

للفقه المقارن تأثير واضح في تحقيق الوحدة وإنجاز التقريب بين المذاهب الإسلامية.

الهوامش :

(1) المستصفى الغزالي أبو حامد محمد بن محمد المطبعة الأميرية بولاق مصر المحمية ١٣٢٢هـ

.٥٫٢

(۲) علماً بأنه يحوي مسائل فقهية بسيطة وليس قواعد فقهية كما ورد في العنوان.

(۳) الأساس الزمخشري ص ٢٦٤، مختار الصحاح محمد أبي بكر الرازي، طبع الكويت الرسالة ص ٥٣٢.

(٤) معجم مقاييس اللغة: ابن فارس ٧٦٧٥

(٥) المذاهب الفقهية: إبراهيم الشهاوي ص ، نقلاً عن التركة: محمد الكشكي دار النذير بعداد ١٩٦٨

م ص ۱۰.

(٦) الفقه المقارن: أحمد حسن الخطيب، مطبعة دار التأليف مصر عام ١٩٥٧ م ص ٤٧.

(۷) م ان ص ٤٨.

(۸) المدخل للأصول العامة للفقه المقارن محمد تقي الحكيم، دار الأندلس بيروت، ١٩٦٣م ص ١٥.

(۹) دراسات في الفلسفة الإسلامية التفتازاني ص ۱۲۷، نقلاً عن المدخل للأصول العامة للفقه

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تأريخ وأهداف

المقارن الحكيم ص ١٣.

(١٠) التعريفات: علي بن محمد الجرجاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت عام ٢٠٠٣ ص ۸۳.

(۱۱) مختار الصحاح: الرازي ص ١٨٦.

(۱۲) المقدمة ابن خلدون، طبع مصر ص ٤٥٧.

(۱۳) المدخل للأصول العامة للفقه المقارن محمد تقي الحكيم ص ۱۹.

(١٤) أدوار علم الفقه وأطواره علي محمد رضا كاشف الغطاء، دار الزهراء للطباعة بيروت ١٩٧٩م ص ۲۲

(١٥) أدب المرتضى: د عبد الرزاق محي الدين طا طبع مصر ص ۳۷.

(١٦) القاعدة الكلية: محمود مصطفى عبود المؤسسة العالمية للنشر والتوزيع بيروت ۱۹۸۷ م ص ۳۰

٤٤ -

(۱۷) ينظر القواعد ابن رجب الحنلبي القواعد والفرائد أبو عبد الله محمد بن مكي العاملي ٦٫١ تح عبد الهادي الحكيم.

(۱۸) القاعدة الكلية محمد مصطفى عبود ص ٤٤.

(۱۹) المصدر نفسه.

(۲۰) الانتصار: السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي ، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف عام ۱۹۷۱ م ص ۲.

(۲۱) على الرغم من إن اسم الكتاب الخلاف لكنه يعتقد المقارنة الفقهية.

(۲۲) الخلاف: الشيخ الطوسي محمد بن الحسن طبع حجر، مطبعة محمد علي العلمي طهران عام ١٣٧٠ هـ ص ٢.

(۲۳) الإمام الصادق: أبو زهرة ص ٢٦٠.

(٢٤) ينظر السرائر ابن إدريس طبعة حجرية المختلف العلامة الحلي التذكرة: العلامة الحلي (وهو يعرض الآراء الفقهية الأخرى، ينظر الكنى والألقاب: عباس القمي، مطبعة الفرقان صيدا عام ١٣٥٨ هـ م ٢ ص ٢٠١.

(٢٥) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء سيف الدين بن شاسي القفال: تح د. ياسين احمد إبراهيم، مطبعة الأردن، عم ۱۹۸۸ م ط ۱۵٫۱۱ - ۳۸

(٢٦) جامع الخلاف والوفاق: علي بن محمد القمي السبزواري، مقدمة المحقق ص .

(۲۷) ينظر: تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي ٤٫١.

(۲۸) تحفة الفقهاء: علاء الدين السمرقندي، تح الدكتور محمد زكي عبد البر جامعة دمشق ۱۳۷۷هـ م ١، ١٦٧١

(۲۹) ينظر: كنز الفرقان في فقه السيوري، عبد الرحيم العقيقي، مطبعة المفراج، قم عام ١٤٢٢هـ

ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه

(۳۰) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية الجبعي العاملي المقدمة محمد مهدي الأصفي ص

٧٨-٩٦

(۳۱) ينظر المكاسب الشيخ مرتضى الأنصاري، تح جامعة النجف الدينية. السيد محمد كلانتر ط1

٧٤٫٦ (كتاب البيع).

(۳۲) ينظر نصائح الهدى والدين للشيخ محمد جواد البلاغي، تح مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ط ا ص ٢٦.

(۳۳) ينظر آلاء الرحمن الشيخ محمد جواد البلاغي وكذلك دراسة الدكتور علي الأوسي عن تفسير

آلاء الرحمن.

(٣٤) ينظر: المدخل في التعريف في الفقه الإسلامي: محمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية بيروت عام ١٩٦٩م ص ١٥٦.

(٣٥) النجم ٫ ٣ - ٤.

(٣٦) مع اختلاف فقهاء المذاهب الإسلامية في فهم المراد من الرواية.

(۳۷) المذاهب الفقهية ابراهيم الشهاوي ص ٦ - ٧ ورود مروياً عن الطبراني): نقلاً عن التركة وما يتعلق بها من حقوق عبد الرحيم الكشكي ص ١٢.

(۳۸) الميزان: الشعراني ص ٣ نقلاً عن التركة وما يتعلق من حقوق: عبدالرحیم کشکش ص ۱۲.

(۳۹) البقرة ٫ ۲۲۸

(٤٠) البقرة ٫ ٢٨٢.

(٤١) سبل السلام محمد بن اسماعيل الصنعاني، دار إحياء التراث العربي ط ٤ ١٩٦٠م ١١٢٫٣.

(٤٢) سبل السلام الصنعاني ۱۱۲٫۳

(٤٣) المدخل الفقهي العام: مصطفى الزرقا ۱۱۹٫۱

(٤٤) الاعتصام: أبو إسحاق الشاطبي ٩٫٣

(٤٥) طبقات الشافعية هداية الله ص ١٣، الأعلام: الزركلي ٤٧٣.

(٤٦) معجم المطبوعات العربية: إلياس سركيس ۱۲۳۰٫۲، طبع في مطبعة مكتبة بريل في مدينة ليدن عام ١٩٣٣.

(٤٧) ابن منذر وجهوده في الفقه المقارن عبد الخضير عباس البياتي، الزركلي ٢٩٤٫٥.

(٤٨) كشف الظنون: حاجي خليفة ،۳۲٫۱، ذكره الشيخ الطوسي في الخلاف في ج ۱ ص ۲۸۷ طبع

ونشر جماعة المدرسين قم ١٤٠٧هـ .

(٤٩) الذريعة: محسن الطهراني (٣٦١٫١ أعيان الشيعة: محسن الأمين ٣٤٤٫٢.

(٥٠) هدية العارفين: إسماعيل باشا ۲۰۹٫۱، الأعلام للزركلي ۳۱۲٫۱

(٥١) الذريعة: محسن الطهراني ۲۲۲٫٤، أمل الأمل: الحر العاملي ٢٦١٫٢.

(٥٢) وهو مطبوع عام ١٩٦٠م الطبعة الأولى في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأواده بمصر محمود

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م

المقارنة والفقه المقارن، تاريخ وأهداف

نصار الحلبي وأولاده.

(٥٣) موسوعة طبقات الفقهاء اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق الشابة دار الأضواء بيروت ط 1 عام ۲۰۰۰م م ٩ ص ۲۸۲

(٥٤) هود ٫ ١١٨.

(٥٥) هذا الحديث له فهم آخر من قبيل بعضهم على بعض.

(٥٦) الموافقات الشاطبي، مطبعة المكتبة التجارية ٫ مصر ٢١١٫٤.

(۵۷) شرح الجامع الصغير المناوي ٤٣٢٫٤، ينظر أسباب اختلاف الفقهاء: الزلمي ص ٦.

(٥٨) الاجتهاد والحياة مجموعة باحثين مطبعة فروردين بيروت الناشر مركز الغدير ط٢ عام

۱۹۹۷ م ص ۱۲.

(٥٩) محاضرات الدكتور مصطفى الزلمي على طلبة الدكتوراه في جامعة بعداد٫ كلية العلوم الإسلامية سنة ١٩٩٣ في محاضرة عن أصول الفقه المقارن.

(٦٠) كشف الأسرار على أصول البزودي: البخاري الشيخ علاء الدين عبدالعزيز بن أحمد) دار الكتاب العربي ٫ بيروت ١٥٣٫٢٫١٩٧٤.

(٦١) التوضيح على التلويح التفتازاني سعد الدين مسعود بن عمر: مطبعة محمد علي صبيح وأولاده مصر (بدون تاریخ طبع) ۱٫ ۱۳۰

(٦٢) الإحكام في أصول الأحكام الأمدي سيف الدين بن الحسن دار الإتجاد العربي للطباعة القاهرة (بدون تاريخ) ٦٣٫٣.

(٦٣) المعالم الجديدة للأصول الصدر: المعالم الجديدة للأصول: السيد محمد باقر الصدر) مطبعة النعمان النجف الأشرف ١٣٨٥ هـ ص ١٢٥.

(٦٤) أصول البحث العلمي ومناهجه د. أحمد البدر الناشر وكالة المطبوعات، الكويت ط ٤ ١٩٧٨م ص ۱۵.

(٦٥) الفلسفة الإسلامية التفتازاني ص ۱۲۷، نقلاً عن الأصول العامة للفقه المقارن محمد تقي الحكيم ص ١٣.

(٦٦) مقدمة كتاب العقل عند الشيعة رشدي عليان ..

(٦٧) الأصول العامة: محمد تقي الحكيم: ٢٠.

نهاية البحث