ملف العدد
المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
إبن رشد : الفقيه المالكي والفقه المقارن
الشيخ واعظ زاده الخراساني (*)
في الأندلس، فقيهان مالكيان من أسرة واحدة، يُسمى كل منهما (محمد بن أحمد) ويكنى بـ (أبي الوليد) ويلقب بـ ( قاضي الجماعة). أحدهما إبن رشد الجد، وهو محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن رشد ( ٤٥٠ - ٥٢٠ هـ)، والآخر إبن رشد الحفيد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ( ٥٢٠ - ٥٩٥ هـ) (١). ويُطلق عليهما لقب (الجد والحفيد ) للتمييز بينهما، وعدم التباس أحدهما بالآخر .
و عنوان هذا البحث، وإن اختص بابن رشد الحفيد، لكن ينبغي الإلمام بحياة الجد العلمية، لأن لكتبه وآرائه وسلوكه الفقهي والكلامي، دوراً كبيراً في توجيه الحفيد إلى الفقه عامة وإلى الفقه المقارن خاصة، وكذا في بناء فكره الأصولي والكلامي، وهذا الحفيد وإن لم يستفد من جده في حياته، لأنه ولد في العام نفسه الذي مات فيه الجد أي عام (۵۲۰) هـ) قبل موته بشهر (۳) لكن آثار الجد والجو الحاكم على الأسرة، كانت تربط بينهما، والعادة تقتضي بأن الجد كان قد رأى حفيده الرضيع، الذي قدر له أن يملأ العالم بعلمه، وأن يشتهر في الغرب أكثر منه في الشرق، وأن يُعد ابن سينا الثاني ( ٣٧٠ - ٤٢٨ هـ) في
(*) باحث ومفكر إسلامي - إيران.
إبن رشد المالكي والفقه المقارن
الفلسفة والطب وغيرهما من العلوم العقلية، ويزيد عليه في فنون الفقه والأصول والقضاء، بل وفي الكلام والعقيدة، وهو الفيلسوف الوحيد في أسرة من الفقهاء (٤) والقضاة، كان أبوه قاضياً، وكان جده قاضي القضاة ).
إبن رشد الجد
ولد في مدينة قرطبة، عاصمة الحكم الأموي آنذاك، وقلعة المالكية بالأندلس، في بيت ورث العلم والصلاح وخطة القضاء ولا ندري هل كانت هذه الأسرة من أصل أندلسي أو من العرب الوافدين إلى الأندلس، ولا تسعفنا المصادر في رصد حركة ابن رشد الجد في هذه البيئة، فهي لا تمدنا إلا بقائمة للأساتذة الذين نهل منهم إبن رشد المعرفة في قرطبة، التي لم يتجاوز أسوارها لأخذ العلم خارجاً، كما هي عادة طلاب العلم قبله وبعده. وتبدأ القائمة بالأب أحمد بن أحمد الذي كان من أهل العلم والجلالة والعدالة، أخذ عنه محمد ابن رشد أوليات العلم والمعرفة وفق المنهج الأندلسي ... ولا يبعد أنه أخذ من الوالد الفقه المالكي وفن القضاء (٦).
ولعل جو الأسرة، التي ورثت الفقه والقضاء، ثم جو قرطبة التي عرفت بالمحافظة الشديدة على العمل بأصح الأقوال المالكية ... وكذلك الجو العام بالمغرب والأندلس، الذي كان يحض على العناية بالفروع ... أي فروع مذهب مالك، لعل كل ذلك كان له دور حاسم في توجيه إبن رشد ليتخصص في الفقه المالكي. وكانت أسرة ابن رشد، من أكثر أسر الأندلس وجاهة، وتتمتع بتقدير عظيم في القضاء ).
كان إبن رشد الجد شيخ الفتوى بالأندلس والمغرب على مذهب مالك وأصحابه، يكيف الحياة اليومية مع الفقه المالكي (٨).
وكان يدرس "المدونة، والعتبية (9) للطلاب، وقد شرحهما، باعتبارهما عمدة الفقه المالكي، وعمدة المالكية الأندلسية بالخصوص، وكما كان الحامي
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
والمدافع عن المذهب المالكي وخاصة في مواجهة مدرسة الرأي، التي يمثل خطرها على المالكية الأندلسية، أبو جعفر الطحاوي (٢٣٦ - ٣٢١هـ) بكتبه التي لاقت رواجاً بالأندلس، كما كان حامياً - كذلك - لعقيدة المالكية بالأندلس وهي عقيدة الأشعرية، بكتبه وفتاويه، رغم أنه لم يوافق الأشعرية في اعتمادهم على المنطق، بل استبدله بالمنهج القرآني القائم على النظر في آثار الصنعة في الكون (١٠).
ومن أجل ذلك نراه يهتم اهتماماً بالغاً بكتب الطحاوي، فله اختصار "مشكل الآثار" واختصار "شرح معاني الآثار (۱۱)، كلاهما للطحاوي، الذي كان يدافع عن المذهب الحنفي، بعد انتقاله إلى هذا المذهب من المذهب
الشافعي (١٣).
وقد اشتهر إبن رشد الجد بالنبوغ في علم الفرائض، كما في علم الأصول، لكن نبوغه في الأصول لا يظهر في ميدان الخلافيات، حيث يدافع عن أصول مذهب مالك ويرد أصول مذهب أبي حنيفة، كما هي في كتب الطحاوي لأن عالم الخلافيات يحتاج لقواعد الأصول للدفاع عن أصول مذهبه، حتى لا يهدمها المخالف، بنفس القدر الذي يحتاجه الفقيه المجتهد، لاستخراج قواعده وأحكامه من أصول الشريعة (١٣).
وله كتب كثيرة في الفقه والقضاء أحصاها الأستاذ المحقق في مقدمة مسائل ابن رشد فبلغت خمسة عشر كتاباً ورسالة بعضها تأليف وبعضها اختصارات، وتصدى للتعريف بها (١٤).
وقد وقفت على كتابين منها :
أحدهما: مسائل إبن رشد، وهي مجموعة مسائل وردت عليه من الآفاق، وأجاب هو عليها وأكثرها في الفقه والقضاء، وقسم منها في العقيدة والتفسير، وجميعها (۳۵۸) مسألة جمعها محمد بن الوزان إمام المسجد الكبير بقرطبة (١٥) وقد بحث مصحح الكتاب حول هذه المسائل وعين موضعها من فقه النوازل (١٦).
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
ثانيهما: كتاب المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام - وقد نسب للحفيد خطأ - ويُعتبر حاشية أو شرحاً لبعض مسائل كتاب المدونة، وتدليل لها بنصوص الكتاب والسنة، وباستخدام قواعد أصول الفقه على أمهات القواعد الفقهية، لأغلب الأبواب، وهي كمرحلة واسطة بين تلك القواعد وبين التفصيلات الجزئية، وهذه المرحلة الواسطة تعتبر مرحلة مهمة نحو فقه تأصيلي مقارن، كما تجلّى عند ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد) وهي خطوة أولى نحو الفقه المقارن (١٧).
قاضي الجماعة
وصف به كل من ابن رشد الجد والحفيد، وعرف في الأندلس كأعلى منصب قضائي في الدولة فهو بمثابة وزارة العدل - أو السلطة القضائية - في العصر الحديث، وهو مصطلح مستحدث بالأندلس يعود لقاضي قرطبة يحيى بن يزيد التجيبي .... - ٢٤٢) هـ)، وكان قاضي قرطبة قبله يسمى قاضي الجند - ويمسى عندنا قاضي العسكر - والمراد بالجماعة جماعة القضاة، إذ كانت ولايتهم يوم ذاك من قبل القاضي بالحضرة السلطانية، وهو يوازي منصب "قاضي القضاة" بالمشرق، وكانت اختصاصاته واسعة جداً لا يخرج عنها سوى ما يختص بالجيش وجباية الخراج، وقد أدمج فيها قضاء المظالم (۱۸) .
وكان في الأندلس بجانب جهاز القضاء جهاز المشورة القضائية وعلى رأسه صاحب الفتيا يقوم بترشيح الفقهاء للشورى، وإجماع المشاورين كان يعتبر ضرورياً في القضايا الكبرى التي يعتزم قاضي الجماعة إصدار الحكم فيها، وقد تولى ابن رشد الجد منصبي قاضي الجماعة والمشورة أربعة أعوام إلى سنة ٥١٥ هـ ، حيث استعفي منها عن قضاء الجماعة، وبقي في منصب المشورة إلى وقت وفاته عام ۵۲۰ هـ . فعلى صعيد الأندلس والمغرب، كان ابن رشد مرجعاً أعلى للمشورة لكبار القضاة بالعدوتين.
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
وتعتبر "المسائل" إحدى الوثائق المهمة لمشورة ابن رشد (۱۹)، فإنها حاوية المسائل فقهاء الآفاق إياه وإجاباته عليها، وبذلك يُعد ابن رشد من المجتهدين الذين يستخرجون القواعد الشرعية من نصوص الكتاب والسنة، أو من المبادئ العامة مباشرة ملتزماً بآراء إمام المذهب مالك بن أنس)، فهو مجتهد من جهة و مقلد من جهة أخرى، أو مجتهد مطلق ومجتهد في إطار المذهب معاً، قادر على الاستخراج من الأصول وعلى الترجيح بين الآراء عامة، وفي نطاق المذهب خاصة (٢٠).
إبن رشد الحفيد
بعد هذا المرور السريع على حياة ابن رشد الجد العلمية، لاتصالها بحياة الحفيد فلندخل في صلب الحديث عن ابن رشد الحفيد، وهو الفيلسوف الوحيد في أسرة الفقهاء والقضاة، (۲۱) فقد كان فقيهاً قاضياً، وهو في الوقت نفسه فيلسوفاً وطبيباً، ولقد كتبوا عن ابن رشد الفيلسوف والطبيب كثيراً وعن ابن رشد الفقيه قليلاً، وقد وقفت لحد الآن على حوالي عشرين كتاباً وكتيباً كلها في ابن رشد الفيلسوف ولم أقف على مقال عن ابن رشد الفقيه (۲۲)، عدا مختصرات في كتب التراجم، أو في خاتمة كتابه الفقهي الوحيد الذي وصل إلينا، وهو بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ولولا هذا الكتاب لما كنا نعرف عن ابن رشد الفقيه شيئاً (٢٣) .
والذي يُورث العجب ويُثير الأسف، أن أولئك الذين كتبوا عنه من العلماء المسلمين، لم يذكروا له أثراً فقهياً سوى هذا الكتاب، في حين نجد المستشرق إرنست رينان يتفرد بذكر مؤلفات فقهية وأصولية أخرى له، وهي: "مختصر المستصفى" في الأصول للغزالي - وقد ذكر في الخاتمة أيضاً - التنبيه إلى الخطأ في المتون" ثلاثة أجزاء، "الدعاوى" ثلاثة مجلدات، "الدرس الكامل في الفقه"، "رسالة في الضحايا"، "رسالة في الخراج"، "مكاسب الملوك والرؤساء والمرابين المحرمة". وذكر أنها مخطوطات في مكتبة "الأسكوريال" ونقل عن
٧٤
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٠١٣
إبن رشد المالكي والفقه المقارن
ابن أبي أصيبعة أنه يعزو إليه كتابين في الفقه "التحصيل" و "المقدمات (٢٤)، لكنها من مؤلفات الجد، كما أن هذه الكتب سوى مختصر المستصفى" لعلها أيضاً للجد، لكننا لا نستطيع الحكم عليها إلا بعد الوقوف عليها، وهي الآن بعيدة عنا ولم تر النور بعد؟
فليس أمامنا لدراسة فقه ابن رشد الحفيد إلا كتاب "بداية المجتهد" الذي سوف تركز البحث فيه، لكن ينبغي الإلمام ببعض ما لدينا من تأثر الحفيد بالجد في حقل الفقه والأصول والكلام، وفي منزلته الفقهية لا سيما في عصره.
يقول "رينان" واصفاً كتاب "المسائل" لابن رشد الجد ولاتصال الفلسفة بعلم الكلام مكانة في هذه المجموعة، ويُخيل إلى الناظر في كثير من صفحات هذا الكتاب الطريف أنه يلمس أصول فكر الشارح ... وكذلك ابنه أحمد بن محمد ... أبو فيلسوفنا قد قام بمنصب قاضي قرطبة ... فمن نزوات هذه الشهرة، التي لا تجد لها غير مثال ميز ابن رشد الذي بلغ صيت اسمه لدى اللاتين، ما بلغه إسم أرسطو .... واقتدى أبو الوليد ابن رشد بأبيه وجده فكان علم التوحيد على مذهب الأشاعرة، والفقه على المذهب المالكي، في أول دراسته، ويُعلق ابن الآبار - الذي اهتم بالحفيد أكثر من سائر المترجمين له - على الخصوص، أهمية كبيرة على هذا القسم من مؤلفاته - الفقهية - فيما يُعلق على مؤلفاته الأرسطوطاليسية التي نال بها شهرة بالغة، وقد وضعه ابن سعيد في الطبقة الأولى من فقهاء الأندلس، وقد تخرج في الفقه على أعلم فقهاء عصره، كما تخرج في الطب على أبي جعفر بن هارون الترجالي (٢٥).
روى عن أبيه أبي القاسم واستظهر عليه الموطأ حفظاً، وأخذ الفقه عن أبي القاسم بن بشكوال وأبي مروان بن مسرة، وأبي بكر بن سمعون، وأبي جعفر بن عبد العزيز، وأبي عبد الله المازري ... وأكثرهم من تلامذة جده، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، ودرس الفقه والأصول وعلم الكلام، ولم ينشأ بالأندلس
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
مثله كمالاً وعلماً وفضلاً ... وكان يفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، وحمدت سيرته في القضاء بقرطبة، وحدث وسمع منه أبو بكر ابن (٢٦) جمهور وغيره .
(۲۷) وقد نصب قاضياً لإشبيلية سنة ٥٦٥هـ (٢٧) ، وقد اجتمع له قضاء الأندلس والمغرب، وهو دون الخامسة والثلاثين (۲۸)، وقد دعاه "يوسف بن عبد المؤمن" إلى مراكش وعينه طبيبه الأول بدلاً من ابن طفيل، ثم ولاه منصب "قاضي الجماعة" الرفيع الذي كان يشغله أبوه وجده (٢٩).
وصف ابن رشد في أول كتابه "فصل المقال " هكذا: قال الفقيه الأجل
العلامة الكبير، القاضي الأعدل ...(٣٠).
وتابع الحفيد جده في الاتجاه إلى الفقه المقارن، غير أن الجد - كما عرفنا من خلال كتبه - كان مختصاً بعلم الخلاف، دون القرآن - لو صح هذا التعبير
أي إنه تصدى لمسائل الخلاف، حماية للمذهب المالكي، ورداً على غيره من المذاهب وعلى المذهب الحنفي بالخصوص، في حين لم يدخل الحفيد علم مسائل الخلاف ليثبت مذهباً خاصاً ويُبطل غيره، بل دخل فيها ليقارن بينها ويضع أصبعه - كما يأتي - على نكات الخلاف دليلاً ومدلولاً ليس إلا، وهو يعد رائد مدرسة الفقه المقارن، وكان بحق في طليعة من ولج هذا الميدان بحياد تام، فهو لا يعرف سوى الدليل، ولا يعتمد إلا الراجح من الآراء والأدلة، ويطيب لنا أن نقول بصراحة: إننا لا نعرف بين المتقدمين والمتأخرين من يوازيه في الفقه المقارن بمعناه الصحيح، سوى ما نلمسه في بعض الموسوعات الفقهية الحديثة، وهي خطوة مباركة لا شك فيها.
ولعل سيدنا الأستاذ الإمام البروجردي (توفي ١٣٨٠هـ)، الذي كان بحق من رواد التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث، والذي كان لديه اهتمام خاص بكتاب بداية المجتهد، لعله أنس من ابن رشد هذه الطوية الطيبة التي تحتاجها المدرسة الفقهية في هذا العصر، فكان يرغب طلابه إلى هذا
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
الاتجاه من الفقه، وكم من مرة رأيته في غرفته وبيده بداية المجتهد، وإني ما عرفت هذا الكتاب إلا بسببه وقد كان هذا الإمام الكبير من أصدقاء الإمامين شيخي الأزهر الشريف الشيخ عبد المجيد سليم"، و"الشيخ محمود شلتوت" وكانت بينه وبينهما رسائل متبادلة، وقد نشر بعضها في مجلة "رسالة الإسلام" التي كانت تنشرها "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" بالقاهرة، منذ أكثر من خمسين عاماً، وقد جدد طبعها بالأفست المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية" بطهران.
وعلى العموم، فابن رشد كان ابن الدليل فيما يعرض من الآراء فقد يقف إلى جانب الرأي النادر أمام رأي الجمهور، لقوة دليله وضعف أدلتهم، وهنا يطرح سؤال: هل أثرت في نفسه وفي انشراح صدره تلك الآراء الفقهية التي ورثها عن جده والتي كانت مبنية على الاجتهاد أكثر من التقليد - كما قلنا - أو الآراء الفلسفية التي عاشها طيلة حياته الطويلة، والتي غلب عليها الميل إلى التوفيق بين الحكمة والشريعة؟ فمثل هذه الفكرة تحتاج إلى شرح صدر كبير وأفق تفكير واسع.
إن هذا الفقيه المتضلع والقاضي العادل تأثر بما كان يراه يوم ذاك من ضعف المسلمين بالأندلس أمام أعدائهم، حيث خسروا كثيراً من البلاد، وأشرفوا على السقوط والخروج من تلك الجنة المفقودة عن آخرهم - كما حدث بعد قرنين - فاتجه إلى الوفاق والسماح الفقهي حذراً من الفشل الناشئ من الاختلاف بين الفقهاء كما هو واقع بين الأمراء.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
هذا الإسم المتواضع مطابق للمسمى تماماً، فهو يضع الكتاب في محله بلا زيادة ولا نقصان، فالكتاب بحق للمجتهد المتضلع بداية الستير، وللطالب المبتدئ المقتصد نهاية المطاف، فهو وسط بين التوسعة والتقصير، كما أنه وسط
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
بين القواعد المنطوق بها والمسكوت عنها - حسب ما يُصرح به ابن رشد - وفيه تواضع آخر حيث أنه ألف الكتاب تذكرة لنفسه فيقول: "فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها، والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نقاط الخلاف فيها ما يجري مجرى الأصول والقواعد، عسى أن يرد على المجتهدين من المسائل المسكوت عنها في الشرع وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع، أو تتعلق بالمنطوق به تعلقاً قريباً، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها، بين الفقهاء المسلمين، من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد (٣١) .
هذه السطور على قلتها، تحدثنا بسهولة عن دقائق فنية لا ينالها إلا فقيه متضلع جرب الفقه عن بصيرة وخبرة، ومارس الاجتهاد والاستنباط بحذاقة ودقة.
أولها: أن الفقه والاجتهاد ذو مراتب مرحلة البداية ومرحلة متوسطة ومرحلة النهاية، ثم لكل مرحلة أيضاً مراحل ومراتب مختلفة.
ثانيها: أن الفقه فيه مسائل متفق عليها، ومسائل مختلف فيها، وأن كلا من الوفاق والخلاف في المسائل نشأ عن أدلتها.
ثالثها: أن الوقوف على نقاط الخلاف من الأدلة، هو العمدة في الفقه والاجتهاد، ومن لا يلتفت إلى نقاط الوفاق والخلاف فليس بفقيه.
رابعها : أن مسائل الفقه، منها منطوق بها في النصوص، ومنها مسكوت عنها، بعيدة عن المنطوق بها، ومنها متوسطة بينهما لها تعلق بالمنطوق بها وتعلق بالمسكوت عنها.
خامسها: أن هذه النقاط تجري مجرى الأصول والقواعد التي يستند إليها ويعتمد عليها المجتهد.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
سادسها: أن من المسائل ما اشتهر فيها الخلاف أو الوفاق، ومنها ما لم يشتهر فيها الخلاف والوفاق.
سابعها: أن بدء الفقه من عصر الصحابة رضي الله عنهم)، وأن الخلاف أو الوفاق نشأ بينهم أولاً ثم جرى إلى الأعصار المتأخرة بين الفقهاء.
ثامنها: أن باب الاجتهاد كان مفتوحاً عند الصحابة والأجيال التي تلتهم، جيلاً بعد جيل، حتى فشا التقليد فيما بعد.
تاسعها وعاشرها: أن هذا التعبير إلى أن فشا التقليد فيه إيماء إلى أن التقليد أمر طارئ في الشريعة الإسلامية وأنه خلاف الأصل، وأيضاً فيه إشارة لطيفة - حسب ما أفهمه - إلى أن ابن رشد الذي مارس الفقه والقضاء طول حياته كان من جملة أولئك الفقهاء الذين لا يرضون بهذا الأمر الطارئ - أي انتشار التقليد في أحكام الشريعة بين الفقهاء - وأنه كان من أنصار فتح باب الاجتهاد على مصراعيه على مستوى المذاهب الفقهية، وهذا ما نلمسه بالضبط من ابن رشد خلال أبحاثه فيما يتخذه من المواقف الإيجابية أو السلبية تجاه الآخرين.
تلك عشرة كاملة" من نقاط استنبطناها بدقة من كلام ابن رشد في ديباجة كتابه، وهي بمثابة ما يسمونه "براعة الاستهلال" لما احتواه الكتاب وللهدف الذي يرمي إليه.
طرق تلقي الأحكام الشرعية:
صنف ابن رشد طرق الأحكام بوجه مبتكر لا مثيل له - فيما أعرف - في كلام الفقهاء، كما صنف أسباب الاختلاف كذلك، وذلك على نهاية الإيجاز الممكن له، فقسم طرق تلقي الأحكام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى لفظ وفعل وإقرار، وفيما سكت عنه الشارع فالجمهور بنوا على القياس، وأهل
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
الظاهر نفوا القياس، والتزموا بقاعدة: إن ما سكت عنه الشارع لا حكم له (۳۲) .
ثم استدل ابن رشد بأن دليل العقل يشهد بثبوت القياس، لأن الوقائع غير متناهية والنصوص متناهية.
ثم صنف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام إلى أربعة، ثلاثة متفق عليها وهي لفظ عام يُحمل على عمومه، وخاص يحمل على خصوصه وعام يُراد به الخصوص أو خاص يراد به العموم وأدخل فيه التنبيه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى وبالمساوي على المساوي، وذكر لكل من الأقسام مثالاً من القرآن .
ثم ذكر صيغ الأمر والنهي والخلاف في معناها ثم قسم الألفاظ إلى ما هو نص في معناه وما ليس كذلك بأقسامه المجمل والمشترك.
وأما القسم الرابع من الألفاظ، المختلف فيه فهو دليل الخطاب، ثم تعرض الحال القياس، وأنه صنفان قياس شبه، وقياس علة، كما فرق بين القياس واللفظ الخاص الذي يراد به العام، وأن الفرق بينهما اشتبه على كثير من الفقهاء، وذكر موضع الخلاف مع الظاهرية منهما، وهو الأول، أي القياس، دون الثاني.
ثم تعرض لحال "الفعل من الأقسام الثلاثة، والاختلاف فيه، ثم "الإقرار"، وأنه يدل على الجواز فقط ثم تطرق إلى الإجماع، وأنه مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة، وليس أصلاً مستقلاً وإلا لزم إثبات شرع زائد بعد النبي عليه السلام.
ثم صنف المعاني المستفادة من تلك الطرق اللفظية إلى أمر ونهي وتخيير وقسم كلا منها إلى أقسام.
ثم صنف أسباب الاختلاف بالجنس إلى ستة:
أولها: تردد الألفاظ بين تلك الطرق الأربع، أي لفظ عام يراد به العام أو الخاص، ولفظ خاص أريد به الخاص أو العام، أو يكون له دليل خطاب أو لا.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
ثانيها: اشتراك اللفظ بأقسامه.
ثالثها: اختلاف الإعراب.
رابعها تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز فذكر أقسام المجاز.
خامسها: إطلاق اللفظ وتقييده.
سادسها: التعارض بين الأدلة بأقسامها.
ترتيب الكتاب :
بعد هذه المقدمة الموجزة التي دمج المؤلف فيها جميع مباحث علم الأصول"، دخل في صلب الموضوع، وبدأ بكتاب الطهارة - كما هو المعتاد ... والشيء الذي يلفت الاهتمام بالكتاب هو ترتيب ما ذكره من كتب الفقه وتحديدها .
فقد ذكر للعبادات عشرين كتاباً، ألحق بها - على غير ما هو المعتاد من الطهارة إلى الجهاد - كل كتاب فيه نوع من العبودية والقربة، مثل: الأيمان والنذور، والضحايا، والذبائح، والصيد، والعقيقة ويبدو أن هذا ترتيب جديد في الفقه .
ولعله لهذا بدأ في العقود بكتاب النكاح، كأنه رأى فيه شيئاً من القربة إلى الله تعالى، ثم الطلاق وملحقاته، ثم دخل في البيوع وما يلحق بها من العقود المالية إلى آخرها، ثم ذكر الوصايا والفرائض والعتق وما يلحق به، ثم دخل في أبواب الجنايات والقصاص والجراح والديات والقسامة، ثم ذكر الحدود بأقسامها، وختم الكتاب بكتاب الأقضية، إيماء بأن القضاء هو فصل الخطاب في جميع تلك المواضيع والأبواب.
والجدير بالذكر أن ابن رشد قسم بعضاً من هذه الكتب إلى كتب مستقلة صغيرة، فبلغ عددها في هذا الكتاب سبعين كتاباً، عشرون في العبادات وخمسون في غيرها، على أحسن ترتيب يتصور وهذا من مزايا هذا الكتاب.
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
المذاهب التي تعرض ابن رشد الآرائها :
يبدو أن ابن رشد، كان له إحاطة بآراء فقهاء جميع المذاهب المعروفة وغير المعروفة، عدا ما لم يبلغه - وهو بالأندلس - من الأقوال التي شاعت في المشرق.
فنجد في هذا الكتاب آراء المذاهب الأربعة، وآراء الظاهرية الشائعة في الأندلس حين ذاك، حيث كان ابن حزم الظاهري، علي بن أحمد (٤٥٦ - ٤٨٤ هـ) نشرها هناك ودافع عنها دفاعاً بالغاً بكتبه ورسائله، كما نجد آراء ابن أبي ليلى (٧٤ - ١٤٨هـ)، وأبي ثور إبراهيم بن خالد، وأبي عبيد قاسم بن سلام (١٥٧ - ٢٢٤هـ)، وداود بن علي (۲۰۱) - ۲۷۰ هـ) مؤسس المذهب الظاهري وسفيان الثوري (۹۷) - ١٦١ هـ) وسفيان بن عيينه (۱۰۷ - ۱۹۸ هـ). وأبي يوسف (۱۱۳ - ۱۸۲ هـ) وغيرهم.
ومع هذا الاستيفاء للأقوال، فإن ابن رشد لم يذكر شيئاً من آراء الشيعة عموماً ولا من آراء الإمامية خاصة، لأن آراءهم لم تصل إليه، وإلا فإن كثيراً مما عزاه إلى الظاهرية أو غيرهم، يوافق آراء الإمامية كما سنشير إليها.
تقسيم المواضيع وتشقيقها
وكما راعي ابن رشد حسن الترتيب في الكتب والأبواب، كذلك راعي بدقة تامة هذا النظم في المواضيع المطروحة في كل كتاب. أولاً بالأجمال ثم بالتفصيل .
فنذكر على سبيل المثال "كتاب الوضوء (۳۳) حيث قال: إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب :
الباب الأول: في الدليل على وجوبها، وعلى من تجب ومتى تجب.
الباب الثاني: في معرفة أفعالها.
الباب الثالث: في معرفة ما به تفعل، وهو الماء.
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
إبن رشد المالكي والفقه المقارن
الباب الرابع: في معرفة نواقضها.
الباب الخامس: في معرفة الأشياء التي تفعل من أجلها.
ثم يدخل في التفصيل وفي معرفة فعل الوضوء بعد أن أشار إلى دليله من الكتاب - وهو آية الوضوء - ومن السنة - وهي ما ورد في صفة وضوء النبي عليه السلام - يقول: (٣٤) " ويتعلق بذلك مسائل إثنتا عشرة مشهورة تجري مجرى الأمهات، وهي راجعة إلى معرفة الشروط، والأركان، وصفة الأفعال، وأعدادها، وتعيينها، وتحديد محال أنواع أحكام جميع ذلك ثم يدخل في التفصيل: "المسألة الأولى من الشروط" وذكر اشتراط النية. "المسألة الثانية من الأحكام" وبحث عن غسل اليد قبل إدخالها الإناء و "المسألة الثالثة من الأركان" تبحث عن المضمضة والاستنشاق المسألة الرابعة من تحديد المحال" وكذا المسألة الخامسة والسادسة"، في مكان غسل الوجه واليدين ومسح الرأس. والمسألة العاشرة من الصفات (٣٥) وذكر نوع طهارة الرجلين أهو الغسل أو المسح ؟ يقول في مسح الخفين: (٣٦) والكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل" ويبحث عنها. وهكذا يمشي ابن رشد إلى آخر كتاب الوضوء.
(۷۵) مثال آخر من حسن التنظيم في أسلوب عرض الآراء وأدلتها: قال في نواقض الوضوء (۳۷): "والأصل في هذا الباب قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء (٣٨) وقوله - عليه السلام - : "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ...". ويتعلق بهذا الباب مما اختلفوا فيه سبع مسائل، تجري منه مجرى القواعد لهذا الباب.. فتعرض لانتقاض الوضوء بما يخرج من الجسد من النجس (٣٩)، ولغيره مما اختلفوا فيه، وقال: ( المسألة الثانية: اختلف العلماء في النوم على ثلاثة مذاهب: فقوم رأوا أنه حدث فأوجبوا من قليله وكثيره الوضوء، وقوم رأوا أنه ليس بحدث (٤٠) فلم يوجبوا منه الوضوء - وذكر هنا حكم حالة الشك بعد اليقين - وقوم فرقوا بين
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
النوم القليل الخفيف والكثير المستثقل، فأوجبوا في الكثير دون القليل - ثم يقول - : "وعلى هذا فقهاء الأمصار والجمهور وهذا من عادته أنه يُعين قول الجمهور وفقهاء الأمصار من بين الأقوال، كما أنه يُصرح بشذوذ بعض الأقوال مثل قوله : (٤١) شد أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة .... وقوله: (٤٢) " وقد شد قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت .....
وهكذا يصرح بتأثير احتمال اللفظ للحقيقة والمجاز في الاختلاف، فيقول في نقض الوضوء بلمس المرأة: "وسبب اختلافهم فيها اشتراك إسم اللمس في أو لامستم النساء في كلام العرب، فإن العرب تطلقة مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني : به عن الجماع ..... (٤٣)
ومن عادة ابن رشد، أنه يُشير أحياناً إلى الموافق من الآراء لقول الصحابة فيقول مثلاً في انتقاض الوضوء بما يخرج من الجسد من النجس: "ولهم من الصحابة سلف".
مثال آخر للنظم والتقسيم من كتاب الصلاة، يقول: "تنقسم أولاً وبالجملة إلى فرض وندب والقول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في أربعة أجناس أعني أربع جمل الجملة الأولى في معرفة الوجوب وما يتعلق به، والجملة الثانية في معرفة شروطها الثلاث - وذكرها ، والجملة الثالثة في معرفة ما تشتمل عليه من أفعال وأقوال وهي الأركان والجملة الرابعة في قضائها ومعرفة إصلاح ما يقع فيها من الخلل وجبره ... (٤٤) .
ومن طريف النظم والتقسيم ما جاء به ابن رشد في كتاب الفرائض حيث يقول: "والنظر في هذا الكتاب فيمن يرث، وفيمن لا يرث، ومن يرث هل يرث دائماً، أو مع وارث دون وارث؟ وإذا ورث مع غيره فكم يرث؟ وكذلك إذا ورث وحده كم يرث؟ وإذا ورث مع وارث فهل يختلف ذلك بحسب وارث؟ أو لا يختلف، والتعليم في هذا يمكن على وجوه كثيرة، قد سلك أكثرها أهل الفرائض والسبيل الحاصرة في ذلك بأن يذكر حكم جنس من أجناس الورثة إذا
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
انفرد ذلك الجنس، وحكمه مع سائر الأجناس الباقية - وذكر له مثالاً ثم قال : - فأما الأجناس الوارثة فهي ثلاثة ذو نسب، وأصهار، وموالي فأما ذوو النسب فمنها متفق عليها، ومنها مختلف فيها، فأما المتفق عليها فهي الفروع أعني الأولاد، والأصول أعني الآباء والأجداد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وكذلك الفروع المشاركة للميت في الأصل الأدنى، أعنى الإخوة ذكوراً أو إناثاً، أو المشاركة الأدنى، أو الأبعد في أصل واحد، وهم الأعمام وبنو الأعمام، وكذلك الذكور من هؤلاء خاصة فقط، وهؤلاء إذا فصلوا كانوا من الرجال عشرة، ومن النساء عة (٤٥). ثم ذكرهم وذكر الخلاف فيهم بين الفقهاء. سبعة
نموذج من الحياد والوقوف إلى جانب القول النادر
غسل الرجلين أو مسحها نقل ابن رشد فيه ثلاثة أقوال: وجوب الغسل ووجوب المسح والتخيير بينهما، وذكر استدلال الجمهور القائلين بالغسل بقراءة نصب أرجلكم في آية الوضوء، عطفاً على وجوهكم وأنهم أولوا القراءة بالخفض بأنه عطف على اللفظ، أي لفظ رؤوسكم لا على المعنى، ثم قال: وقد رجح الجمهور قراءتهم بقوله (عليه السلام) في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء: "ويل" للأعقاب من النار"، قالوا: فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض، لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب ثم قال: وهذا ليس فيه حجة، لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل، ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم، كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من لا يُخير بين الأمرين أي الغسل والمسح، وهو قول ثالث ذكره وعزاه إلى الطبري - (٢٢٤ - ۳۱٠هـ) وداود، ثم أيد هذا الاحتمال في معنى الحديث بما خرجه مسلم أنه - أي الراوي - قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى (عليه السلام): "ويل للأعقاب من النار (٤٦). ثم قال ابن رشد وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
على جوازه منه على منعه، لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازها - ثم قال - : وجواز المسح هو أيضاً مروي عن بعض الصحابة والتابعين ولكن من طريق المعنى فالغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقى دنسهما غالباً إلا بالغسل وينقى دنس الرأس بالمسح " ....
ثم تطرق إلى الكعبين واختلافهم في دخولهما أو خروجهما من الغسل أو المسح، وأن أصل اختلافهم الاشتراك في كلمة "إلى" في خروج مدخولها عن ما قبلها أو دخوله فيه، وكذلك اختلافهم في "الكعب" لاشتراكه ولاختلاف أهل اللغة في أنهما العظمان اللذان عند معقد الشراك أي على ظهر القدم) أو هما العظمان الناتئان في طرفي الساق .... وقال: "ولا خلاف - فيما أحسب - في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك، إذ كان جزء من القدم ..... وهذا منتهى الإنصاف من فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء في مجال الفقه.
نكاح المتعة نموذج آخر من الحياد في البحث الفقهي، موقف ابن رشد من نكاح المتعة، الذي هو قول نادر بل مطرود عند الجمهور، وقد ذكره ابن رشد ضمن أقسام الأنكحة المنهي عنها، فقال: فإنه وإن تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتحريمه، إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم، ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها عام أوطاس، وأكثر الصحابة وجميع فقهاء
الأمصار على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن عباس على
القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى فما اسمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم (4) وفي قراءة عنه: إلى أجل مسمى وروي أنه قال: "ما كانت
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
المتعة إلا رحمة من الله عز وجل، رحم بها أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي". ثم أيد ابن رشد قول ابن عباس برواية جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: "تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر ، ثم نهى عنها عمر الناس (٤٨) ومثل هذا كثير في کتاب "بداية المجتهد".
وجدير بالذكر أن ما ذكره بلا ترجيح أو تأييد أو مع الترجيح . والتأييد في غسل الرجلين والكعبين وفي متعة النساء" وغيرها هو نفس ما اختاره فقهاء الإمامية تبعاً لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) والذي تعرضوا من أجله للهجوم من قبل بعض فقهاء المذاهب فنسبوهم إلى البدعة في الأحكام، والحال أنهم لا يختصون برأي إلا ويوجد لهم موافق من غيرهم.
وقد ألف انتصاراً لهم "الشريف المرتضى" كتاباً في ذلك سماه "الإنتصار لما انفردت الإمامية به من الأحكام وابن رشد - كما قلنا - ما كان يعرف عن فقه الإمامية شيئاً، ولكنه نسب ما يتوهم انفراد الإمامية به من الآراء إلى آخرين من الصحابة أو الفقهاء، من دون أن ينكر عليهم أو أن ينسبهم إلى خلاف الإجماع، أو إلى الابتداع في الدين، وغاية ما يعبر عنه هو القول بالشذوذ كما يقال: "شذ أبو حنيفة في انتقاض الوضوء بالضحك في الصلاة". هكذا ينبغي أن تتماشى مع الرأي المخالف لنا ما دام يستند إلى دليل ولو لم يصح عندنا فنتعامل معه بسماحة تامة، فإن الشريعة سمحة سهلة في مصدرها وفي منتهاها.
وأخيراً، خير ما نختم به المقال في هذا المجال، قوله تعالى: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (4) .
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
الهوامش :
1 - موجود في جميع التراجم منها الأعلام للزركلي، وفي بعضها أسقطوا بعض الأسماء من قائمة نسب الجد.
۲ - قال العقاد: وكان الذاكرون إذا ذكروهم أي كل واحد من محمد بن أحمد بن محمد) ميزوا بينهم
باسم الجد، والابن والحفيد ..... ابن رشد للعقاد، ط دار المعارف بمصر، ص ٦.
٣ - خاتمة بداية المجتهد، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، وهذا صحيح، لأن الجد مات في شوال، والحفيد ولد في رمضان من سنة ( ٥٢٠هـ).
- ابن رشد للعقاد، ص ۱۸
ه - مقدمة مسائل ابن رشد بقلم محقق الكتاب ومصححه الأستاذ محمد التجكاني، طبع منشورات دار الآفاق الجديدة، المغرب، ج ۱، ص ۲۱. وقد طبع في مجلدين كبيرين.
- المصدر نفسه، ص ۲۳.
- المصدر نفسه، ص ۲۵ ، وابن رشد والرشدية، أرنست رينان تعريب الأستاذ عادل زعيتر، ط دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، ص ۳۲.
- خاتمة بداية المجتهد، ص ۲۸.
- المدونة سماع عبد الرحمن بن القاسم (۱۳۲ - ۱۹۱هـ) من الإمام مالك (۹۳ - ۱۷۹) هـ)، والعتبية هي مجموعة أسمعة: عبد الرحمن وآخرين من الإمام مالك جمعها محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي في الأندلس من مصادر متعددة مقدمة المسائل ص ٤٩ و ٥٠).
۱۰ - المصدر السابق نفسه، ص ۲۷.
۱۱ - المصدر نفسه، ص ٦٢.
۱۲ - مقدمة مشكل الآثار.
۱۳ - خاتمة بداية المجتهد، ص ٢٤ و ٢٥.
١٤ - لاحظ مقدمة المسائل، ص ٤٥ إلى ٦٩.
١٥ - المصدر نفسه، ص ۹۵ و این رشد والرشدية، ص ۳۲.
١٦ - المصدر نفسه، ص ۹۱ فما بعدها.
۱۷ - المصدر نفسه، ص ٥٧ و ٥٨. وقد طبع كتاب المقدمات مرتين مرة في مطبعة السعادة محمد أفندي بمصر، وأخرى في مطبعة دار الغرب بتحقيق الأستاذ الدكتور محمد حجي من المغرب.
۱۸ - المصدر نفسه، ص ٣٧ إلى ص ٤٣ ملخصاً.
۱۹ - المصدر نفسه، ص ۳۷ ملخصا وبتصرف منا.
۲۰ - المصدر نفسه، ص ۹۹ و ۱۰۰ ملخصا.
۲۱ - ابن رشد للعقاد، ص ۱۸
۲۲ - اطلعنا في ندوة ابن رشد في الكويت على مقالين في فقه ابن رشد: أحدهما للأستاذ الدكتور
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م
ابن رشد المالكي والفقه المقارن
محمود مكي، من مصر عنوانه: ابن رشد فقيها والآخر للدكتور محمد حجي من المغرب. بعنوان "مكانة ابن رشد بين فقهاء المالكية وكانا من المشاركين في الندوة" وأشارا في مقاليهما إلى عدة أبحاث ومقالات في ابن رشد الفقيه كما يأتي:
۱ - ابن رشد فقيها للأستاذ عبد الله كنون، نشر مترجما إلى الأسبانية.
۲ - مكانة ابن رشد الفقيه من تاريخ المالكية بالأندلس، للأستاذ عبد المجيد تركي، قدمه لندوة ابن رشد في "باريس".
- ابن رشد الفقيه و كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد للأستاذ الدكتور حسن عبد اللطيف الشافعي، قدمه إلى المؤتمر الثالث للحضارة الأندلسية الذي نظمته جامعة القاهرة.
ابن رشد فقيها بحث لـ روبير برونشفيج نشر في مجموعة الدراسات الاستشراقية في الاحتفال بذكرى ليفي نودمستال". هذا ما ذكره الدكتور مكي، وأما الدكتور حجي فقد ذكر :
1 - بحث الأستاذ عبد المجيد تركي المتقدم (رباط) و ابرازه تطبيق ابن رشد أصول الفقه تطبيقا منهجيا على كامل أبواب الفقه السني.
۲ - دراسة الدكتور "حميد الله" عن افكار ابن رشد في فلسفة الحقوق والقانون (تطوان).
- بحث الأستاذ "براشفيك" عن ابن رشد الفقيه (باريس). الذي تتبع مواقف ابن رشد من المذاهب الفقهية وأئمتها ومن الخلاف بينها وأسبابه.
۲۳ - سأقترح على مركز البحوث العلمية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية أن يقوم بتحقيق هذا الكتاب مع ذكر آراء الإمامية في الهامش وأنا مستعد للمشاركة في هذا العمل ولي رأي خاص في كيفية التعليق على الكتاب. وقد صدر فعلا).
٢٤ - ابن رشد والرشدية، ص ۸۸ و ۸۹
۲۵ - ابن رشد والرشدية، ص ۳۲ و ۳۳.
٢٦ - خاتمة كتاب بداية المجتهد ملخصا.
۲۷ - ابن رشد والرشدية، ص ۳۷
۲۸ - ابن رشد للعقاد، ص ۲۰
۲۹ - ابن رشد والرشدية، ص ۳۸، ولكن ذكر منصب قاضي الجماعة للإبن كأنه يختص به "رينان".
۳۰ - كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال من منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ط ۲، ص ۱۲
۳۱ - بداية المجتهد، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، ص ۳۲۰۲ - والشيعة الإمامية أيضاً ينفون القياس غير منصوص العلة مع التزامهم بثبوت الحكم فيما سكت عنه الشارع، لكنهم يتوسعون في الاستفادة من إطلاق النصوص أو عمومها، مهما أمكن، وإلا يرجعون إلى ما يسمونه "بالأصول العملية" وهي: أصل البراءة والاحتياط، والاستصحاب، والتخيير، بحسب ما يقتضيه المورد. وهناك أصول خاصة مثل أصل الطهارة وأصل الإباحة، وأصل الصحة وغيرها، ومباحث الأصول العملية" في
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
"علم الأصول" عند الإمامية واسعة جداً، لا نظير لها في سائر المذاهب الفقهية.
۳۳ - بداية المجتهد، كتاب الوضوء، ص ٦.
٣٤ - المصدر نفسه، م - ص ۷.
٣٥ - المصدر نفسه، ص ١٤.
٣٦ - المصدر نفسه، ص ۱۷.
۳۷ - المصدر نفسه، ص ۳۲.
۳۸ - سورة المائدة : ٦.
۳۹ - بداية المجتهد، كتاب الوضوء، ص ۳۳.
٤٠ - المصدر السابق، ص ٣٤.
٤١ - المصدر نفسه، ص ۳۹.
٤٢ - المصدر نفسه، ص ۳۳.
٤٣ - المصدر نفسه، ص ۳۱.
٤٤ - بداية المجتهد، ص ٨٦.
٤٥ - بداية المجتهد، كتاب الفرائض، ج ۲ ص ۳۳۳، وما ذكره من اختصاص هؤلاء المشاركين الأدنى بالذكور، يرفضه الإمامية، فيعمون الحكم المشاركين من الإناث أيضا على تفصيل عندهم. وهذا أحد مواضع الخلاف بينهم وبين الجمهور في باب الإرث وهو من فروع مسألة التعصيب.
٤٦ - المصدر نفسه، ص ۱۵
٤٧ - سورة النساء: ٢٤.
٤٨ - بداية المجتهد، ج ۲ ص ٥٨.
٤٩ - سورة الزمر : ١٨.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م -