ملف العدد
المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
أثر الفقه المقارن ورونقه :
الشيخان الطوسي والشاشي القفال أنموذجاً
محمد حسن الرباني (*)
للفقه المقارن جذور عريقة، ضاربة في أعماق تاريخ الفقه الإسلامي، وإن كان قد مر بمراحل مختلفة إلا أنه اكتسب رونقاً خاصاً امتاز من خلاله عن سائر العلوم الإسلامية.
ولعل من أبرز ما امتاز به وأكسبه ذلك الرونق هو سعة استيعابه لأطراف وأبعاد الفقه التي لم يستطع الفقهاء تحصيلها والوقوف عليها إلا من خلال هذا الطريق الذي وفر مقدماته الخاصة «الفقه المقارن على الصعيدين العلمي والعملي.
وهذا أمر لا يمكن إغفاله ألبتة، خاصة وأن للفقه المقارن علاقة قوية بعملية تشخيص المشتركات والمفترقات بين المذاهب والمدارس الفقهية المختلفة، بل حتى على مستوى المذاقات الفقهية داخل المذهب الواحد.
ذلك أن الفقه المقارن لا يحمل طابعاً استنباطياً، وإنّما هو يعد نوعاً من المرور على الاستنباطات المطروحة من قبل المدارس والمذاهب الفقهية
(1) باحث إسلامي - إيران.
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
المختلفة، بمعنى أن الخوض فيه ليس ممارسة للاستنباط، بقدر ما هو تحصيل للاستنباطات وأدلتها المعتبرة.
إذن طبيعة الفقه المقارن تشتمل على فقه يشتمل على مذاق جديد يمكن أن نسميه بفقه الجميع، لأنه يتم فيه التعاطي مع الأقوال المختلفة بموضوعية وبأسلوب مقارن، وهو ما أثار اهتمام الفقهاء عبر العصور، ولم يكتفوا بذلك، بل أبدوا رعاية ملموسة له على مستوى التأليف والتدريس تارة، والنقاش والحوار تارة أخرى، بتناول المواضيع المشتركة بنحو أو بآخر، وبصورة علمية ممنهجة تارة وأخرى ليست ممنهجة.
إن هذا الاهتمام من قبل فقهاء المدرستين الشيعية والسنية، قد كشف عن أفكار ورؤى بديعة، ساهمت بدورها في ازدهار هذا العلم الشريف على أكثر من صعيد، وتطوير آلياته في خدمة الشريعة السمحاء في مجال انتشارها ورسوخها في بقاع عديدة من العالم.
كما ساهمت هذه الرؤى الخلاقة في تسجيل ابتكارات جديدة في هذا المضمار، عن طريق تعميق النظر في مسائل دقيقة تخص الانسان المسلم أو مجتمعه الذي يعيش فيه أو بيئته التي تحيط به، وتوسيع الأفق إلى فضاءات أعظم، والتأمل في أبعاد وأطراف والنكات الدقيقة الكامنة في كل مسألة معروضة.
ويمكن توضيح ذلك من خلال عرض شخصيتين تمثلان مدرستين فقهيتين عظيمتين في الإسلام، الشيعية وتمثلها شخصية الشيخ أبي جعفر الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) وهو من فحول علماء الشيعة في النصف الثاني من القرن الخامس، الذي سكن بغداد عاصمة الدولة الإسلامية، وجامعة العلوم الدينية وموطن المدرسة السنية وتمثلها شخصية الشيخ أبي بكر القفال (ت ٥٠٧ هـ)
۹۲
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٢م
أثر الفقه المقارن ورونقه
وهو من علماء أهل السنة في النصف الثاني من هذا القرن كذلك، وسكن بغداد أيضاً، وأظهر تفوقه فيها.
إن هاتين الشخصيتين المتعاصرتين في زمان ومكان واحد، وتمثلان مدرستين مختلفتين، ومذاقين فقهيين متفاوتين كانا بمثابة إزالة القشر التعصبي المحيط بالبحث العملي آنذاك، وإضفاء الموضوعية عليه، وإنقاذ «الفقه» من ألوان التطرف والتقوقع، وأشكال النزعات المذهبية، إفراطاً كان أو تفريطاً.
وقبل الخوض في مضمار هاتين الشخصيتين صاحبا النزعة المقارنية والمتعاصرتين، والمتزامنتين في بيئة واحدة، نجد من الضروري بيان المقصود بالفقه المقارن وفقه الخلاف بإيجاز، وثمرة كل منهما على صعيد حركة الفقه الإسلامي.
الفقه المقارن وفقه الخلاف
الفقه المقارن هو جمع الآراء الفقهية المختلفة في المسائل الفقهية على نهج وصعيد واحد دون إجراء موازنة بينها . فعلى هذا، الفقيه يجمع الفتاوى دون أن يبحث عن أوجه الاستدلال، ودون أن يذكر العلل لأقوالهم والفتاويهم.
وقد يراد من الفقه المقارن فقه الخلاف، والذي سماه القدماء علم الخلاف وهو ليس جمع الآراء والأقوال فقط، بل هو جمع الآراء والفتاوى مع ذكر أدلتها أولا، وتقييمها والموازنة بينها ثانياً، والمقارنة بين أدلتها وترجيح بعضها على بعض ثالثاً، وهذا هو علم الخلافيات عندهم.
وعن تسهيل الوصول «إنّه - علم - يُقتدر به على حفظ الأحكام الفرعية المختلف فيها بين الأئمة، أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقوادح الأدلة ).
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
وقال حاجي خليفة في كشف الظنون علم يُعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة، وقوام الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية .
فالفقيه المقارن هو الذي يقرر ويهدم، يقرر بعض الفتاوى ويهدم بعضها. فهو الحاكم والقاضي بين الفقهاء برؤية أدلتهم والمقارنة بينها، فهو يوازن، ويقيم أدلة كل فقيه، وبهذا يحصل علم الخلاف. إن الهدف الأسمى منه هو التفحص والبحث عن كيفية الأدلة، ثم استخراج الدليل الأقوى والقول الأعلى من بينها.
والفقيه المقارن قد يوافق قول فقيه في مسألة وقد يخالفه في مسألة أخرى، فهو في البحث عن الفقه المقارن يدور حيث دار الدليل، فهو ابن الدليل لا ابن فقه خاص ومنهج خاص، وبهذا يجب على الفقيه المقارن أن يكون حراً في البحث وموضوعياً في عرض الآراء، ولا يبحث في ضوء فقه واحد أو فقيه واحد، فللفقيه المقارن أن يفحص عن الحقيقة لا أن يثبت فتوى المدرسة الفقهية التي يقلدها.
فوائد الفقه المقارن
عندما يبحث الفقيه عن الموازنة بين الآراء والمقارنة بينها ينكشف له فوائد كانت خافية عنه، نذكر أهمها:
(أ) محاولة بلوغ واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقه وأسلمها، وهي لا تتضح عادة إلا بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها وتقييمها على أساس موضوعي.
ب) العمل على تطوير الدراسات الفقهية والأصولية، والاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣
أثر الفقه المقارن ورونقه
ج) إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين، ومحاولة القضاء على النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي.
د) تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، والحد من تأثير العوامل المفرقة التي كان من أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس وركائز البعض الآخر، مما ترك المجال مفتوحاً أمام تسرب الدعوات المغرضة وتشويه مفاهيم وآراء المخالفين وتقويلهم ما لا يؤمنون به (٤).
أسباب اختلاف الفقهاء
كتب العلماء والفقهاء على مدى تاريخ الفقه الإسلامي كتباً ومباحث حول أسباب اختلاف الفقهاء، كما بحثوا وكتبوا عن الأسس الاختلافية والأنظار المتنوعة لدى المفسرين، وبحثهم عن العلل في الوجوه الواردة للآيات الكريمة والمباحث الفقهية أيضاً كالمباحث التفسيرية، فبعض الاختلافات ترجع إلى القواعد الأصولية، وبعضها يرجع إلى الآراء والقواعد الأصولية.
وفي علم الأصول أيضاً بعضها جزئي كدلالة صيغة الأمر على الوجوب، أو دلالة الجملة الخبرية على الوجوب أو الاستحباب، وبعضها كلي كحجية القياس والاستحسان وغيرها، وكحجية سيرة الصحابة عند فقهاء أهل السنة، وحجية سيرة أهل البيت عليه عند الشيعة الإمامية.
كذلك الاختلاف يرجع إلى المبادئ الحديثية، ففقيه يصحح حديثاً والآخر يضعفه، وبعضهم يعتمد على مبادئ القدماء في الصحة والضعف، وبعضهم يعتمد على مبادئ المتأخرين، وبعضهم يأخذ بالرواية المنجبرة بالشهرة وبعضهم يتركها ويأخذ بحديث آخر وهكذا. وكذا يرجع الاختلاف إلى نزعة الفقيه ومشربه، فمثلا الفقيه الذي له نزعة سياسية فهو يفتي على ضوء المشرب السياسي.
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
وقد ألف البطلميوسي الأندلسي كتاباً في بيان أسباب اختلاف الفقهاء، ومن المعاصرين الأستاذ علي الخفيف في كتابه أسباب اختلاف الفقهاء، والأستاذ سعيد الفن الذي كتب أسباب اختلاف الفقهاء».
وذكر ابن رشد الأندلسي فقيه المالكية والفيسلوف الأندلسي في مقدمة کتابه بداية المجتهد هذه الأسباب، وحصرها في ستة:
أحدها: تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع، أعني أن يكون اللفظ عاماً ويراد به الخاص، أو خاصاً يراد به العام، أو خاصاً يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون.
الثاني: الاشتراك الذي في الألفاظ، كلفظ القرء» الذي يُطلق على الظهر وعلى الحيض، وكذلك لفظ الأمر هل يحمل على الوجوب أو على الندب ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو الكراهية .....
الثالث: اختلاف الإعراب.
الرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي إما الحذف وإما الزيادة وإما التأخير وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.
والخامس: إطلاق اللفظ تارة وتقيده تارة، مثل إطلاق «الرقبة تارة وتقييدها بالإيمان تارة أخرى.
والسادس: التعارض الواقع في جميع أصناف الألفاظ، وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات أو تعارض القياسات أنفسها أو التعارض (٥) الذي يتركب من هذه .
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م
أثر الفقه المقارن ورونقه
وعلى ضوء هذه الأسباب المختلفة نذكر بعض الأمثلة:
الأول: قال الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً ، فالصعيد عند اللغويين فيه اختلاف، فبعضهم قال: الصعيد مطلق وجه الأرض، ولذلك يكفي التيمم ويصح على كل شيء كان من الأرض، وقال بعضهم: هو التراب الخالص، ومنه لا يصح على كل شيء ولو كان من الأرض.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوء القرء في اللغة من الأضداد، فهو بمعنى الظهر والحيض (۸) واختلف في الآية هل المراد هنا الظهر أو الحيض؟ قولان: ذهب الإمامية والشافعية إلى الأول، لقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لعدتهنَّ وَأَحْصُوا العدة ) والطلاق المشروع لا يكون في الحيض، ولقضية ابن عمر دلت على أنه الظهر، ولأنه قيل ثلاثة قروء» وإلحاق التاء بالعدد يراد به المذكر، والظهر مذكر، والحيض مؤنثة، ولرواية زرارة قال: سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيي أن الإقراء هي الظهر بين الحيضتين وليس بالحيض، فدخلت على الباقر التالية فحدثته بما قال، قال : كذب، لم يقل برأيه وإنما بلغه عن علي اللة. فقلت: أصلحك الله، كان علي الله يقول ذلك؟ قال: نعم، كان يقول: إنما القرء الظهر، يُقرء فيه الدم فيجمعه فإذا جاء الحيض قذفه. قلت: أصلحك الله رجل طلق امرأته طاهراً من غير جماع بشهادة عدلين؟ قال: إذا في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج. قال: قلت: إن أهل العراق يروون عنه أنه يقول: هو أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. قال: كذبوا (١٠).
وقال أبو حنيفة: إنه الحيض؛ لقوله : طلاق الأمة تطليقتان، وعدتاها حیضتان (۱۱)
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا من بَعْدِ ذَلكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم (١٢) . قال الفاضل المقداد: يستفاد منها أحكام، منها أنه إذا تاب قبلت شهادته عندنا وعند الشافعي بناءً على أن الاستثناء من قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً والواو للعطف على جزاء الشرط فيكون من جملة الجزاء، وقول أكثر التابعين، وروي عن عمر أنه قال لأبي بكرة في شهادته على المغيرة: إن تبت قبلت شهادتك، فأبى أن يكذب نفسه.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل شهادته أبداً إلا أن يشهد قبل إقامة الحد عليه أو قبل تمامه، بناء على أن الواو في قوله: «وأولئك هم الفاسقون للاستئناف، والاستثناء عن الفاسقين، وهو قول ابن جريج وابن المسيب والحسن (۱۳)
والآن نعرج على الشخصيتين، مع عرض بعض النماذج من كتاباتهم في هذا المجال:
أولاً - الشيخ الطوسي (١٤)
هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ولد سنة ٣٨٥هـ في طوس وتعلم الدروس الابتدائية من الصرف والنحو وغيرها، وهاجر إلى بغداد سنة ٤٠٨هـ وحضر درس فقيه الشيعة ومفتى الإمامية أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (٤١٣هـ) فألف تهذيب الأحكام، أحد الكتب الحديثية عند الإمامية بل أحد الجوامع الأربعة الروائية، ألفه في حياة أستاذه، لذلك يقول في مجلداته الأول حدثني شيخي (دام ظله).
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
أثر الفقه المقارن ورونقه
وعندما التحق الشيخ المفيد بالرفيق الأعلى، وانتقلت زعامة الإمامية إلى السيد المرتضى علم الهدى (٤٣٦هـ) حضر الطوسي درسه، واهتم السيد به غاية الاهتمام.
ولما ارتحل السيد المرتضى إلى الملأ الأعلى سنة ٤٣٦ه، انتقلت المرجعية والقيادة الإمامية إلى الشيخ الطوسي، وشاع صيته في أنحال العالم، وحضر درسه الطلاب والتلامذة من كل الفرق، واستفادوا من علمه الغزير، حتى إن الخليفة العباسي القائم بالله عبد الله بن القادر بالله أحمد أسند إليه كرسي الكلام والإفادة، ولم يكن هذا الكرسي ليمنح إلا للأوحدي من الناس في ذلك العصر، والمتفوق على الكل علماً وعملا وكمالا.
ولم يزل الشيخ على هذا المنوال في بغداد اثني عشرة سنة مقصوداً لحل المشكلات حتى حسدوه، وأثيرت حوله الفتن والاضطرابات، وأمر طغرل بك المعادي للشيعة بإحراق مكتبة شيخ الطائفة التي أسسها أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي.
فهاجر الشيخ إلى النجف الأشرف وشيد هناك أركان الحوزة العلمية واشتهر في المدرسة الفقهية الإمامية بـ «الشيخ» بقول مطلق، أو «شيخ الطائفة»، وقد صنف في العلوم المختلفة، صنف في الحديث كتابين من الجوامع الروائية الأربعة: تهذيب الأحكام والاستبصار؛ وهما معروفان بكتابي الأخبار أو التهذيبين، وصنف في الرجال اثنين من الجوامع الرجالية الفهرست والرجال وصنف في الفقه النهاية في الفتاوى فقه فتوائي، والمبسوط في فقه الإمامية (استدلالي)، والخلاف (فقه مقارن)، قارن فيه بين المذهب الأساسي والمذاهب السنية، وخصوصاً المذهب الشافعي.....
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
نظرة إلى كتاب الخلاف
يعد الكتاب دورة كاملة في الفقه، يبدأ من الطهارة وينتهي إلى الديات وهو فقه مقارن، قارن المصنف فيه بين فقه الإمامية والمذاهب الأخرى بمنهج كما يلي:
1 - ابتدأ فيه بالمسألة وفقاً لفتواه أو المشهور بين الفقهاء.
۲ - أورد فتاوى الصحابة والتابعين.
- أشار إلى فتاوى فقهاء المذاهب المعروفة، كالشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي.
- أشار إلى أقوال فقهاء الإمامية عند وجود الخلاف.
ه - أشار إلى اختلافات المذاهب، مثلا يقول: قال بعض الشافعية هكذا وقال بعض آخر هكذا.
٦ - أشار إلى اختلاف آراء الشافعي بين رأيه القديم (في بغداد) ورأيه الجديد (في مصر).
وغيرهم. - أشار إلى آراء المذاهب البائدة كالأوزاعي وداود بن خلف والأصفهاني
- أشار بعد ذكره الأقوال والفتاوى إلى دليله، كما يلي:
(أ) الإجماع، يعني إجماع الإمامية، وكثيراً ما يراد من الإجماع الشهرة، لأن إجماعات الشيخ في مقابل أهل السنة. (ب) كتاب الله.
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
(ج) السنة المروية.
أثر الفقه المقارن ورونقه
(د) الروايات المروية عن طريق أهل البيت علي.
۹ - ولو كان للإمامية قول آخر أشار إلى دليله وانتقده وأجاب عنه.
١٠ - كما أنه يجيب عن الأدلة لسائر الفقهاء في بعض الموارد.
ويُذكر أن الشيخ الطوسي كان ينقد الروايات بأدلة عقلية، فمثلا حديث ذي الشمالين نقده بدليل عقلي، فقال فيه: إذا ادعى مدع حقاً على غيره، فأنكر المدعى عليه فقال المدعي للحاكم: أنت حكمت به عليه، فإن ذكر الحاكم ذلك أمضاه بلا خلاف، وإن لم يذكره فقامت البيئة عنده أنه قد حكم به، لم يقبل الشهادة عن فعل نفسه؛ وبه قال أبو يوسف والشافعي وقال ابن أبي ليلى وأبو حنفية ومحمد يسمع الشهادة على فعل نفسه ويمضيه.
دليلنا: أن الأصل براءة الذمة للمدعي، وشغلها يحتاج إلى دليل.
واستدل المخالف بما روي أن النبي الله صلى الظهر فسلم في اثنين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نيست؟ فقال رسول الله : أحقاً يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فقام رسول الله الله فصلى ركعتين وسجد للسهود، فإذا جاز أن يقبل قول غيره في فعل نفسه في الصلاة فكذلك في مسألتنا. وهذا عندنا خبر باطل، ولو كان صحيحاً لم يجز أن نقيس عليه غيره لأنا لا نقول بالقياس (١٥).
وكذلك قال الشيخ الطوسي في بحث الصلاة في نقد هذه الرواية .
ومن النكات المهمة في الخلاف ذكر الأحاديث غير المذكورة في الكتب الروائية كـ : الكافي والتهذيبين، كما في حديث مفتاح الصلاة الطهور، تحريمها
١٠١
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه
التكبير، وتحليلها التسليم أو: افتتاح الصلاة الطهور ..... وهذا الحديث رواه الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في الكافي بسند فيه القداح وهو مهمل في الرجال، ولذلك قال السيد صاحب المدارك: إن الحديث إما مرسل أو مسند ضعيف، لكن رواه في التهذيبين كما رواه الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) والسيد المرتضى علم الهدى في (الناصريات) مرسلا أيضاً، عن مصادر أهل السنة.
نص من الخلاف (۱۷)
ولإلقاء المزيد من الأضواء على منهج الشيخ الطوسي في بحوثه المقارنة ونظرته تجاه الفقه المقارن، وما كان يلتزم به من موضوعية في هذا المجال، نجد من الضروري أن تعرض مسألتين من مسائل كتاب الخلاف، من أجل أن تكتمل الصورة في هذا المقام:
مسألة ٩٣ | وجوب القراءة في الأولتين ) .
تجب القراءة في الركعتين الأولتين إذا كانت رباعية أو ثلاثية، أو كانت ركعتين مثل الصبح، وفي الأخيرتين أو الثالثة مخير بين القراءة والتسبيح، ولا بد من واحد منهما، فإن نسي القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين.
وروی محمد: أن التخيير قائم.
وقال الشافعي: تجب قراءة الحمد في كل ركعة، وهو مذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال مالك: تجب قراءة الحمد في معظم الصلاة، فإن كانت أربعاً ففي ثلاث، وإن كانت فجراً قرأ فيهما لأنه لا معظم لها.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
۱۰۲
أثر الفقه المقارن ورونقه
وقال أبو حنيفة: القراءة تجب في الأولتين فقط، فإن كان عدد الصلاة أربعاً قرأ في الركعتين، وهو في الأخيرتين بالخيار بين أشياء، بين أن يقرأ ويدعو أو يسكت، وإن كانت ثلاثاً قرأ في الأولتين وفي الثلاثة على ما قلناه، فإن ترك القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين، وإن كانت الصلاة ركعتين مثل الفجر قرأ فيهما. وقال داود وأهل الظاهر : إنما تجب القراءة في ركعة واحدة.
دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ
القرآن )، وهذا قد قرأ وتكراره يحتاج إلى دليل، وقول النبي : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب يدل على ذلك أيضاً، لأنه لم يذكر التكرار.
وروى على بن حنظلة عن أبي عبد الله (الصادق) الله قال: سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما ؟ فقال: إن شئت فاذكر الله فهو سواء. قال: قلت: فأي ذلك أفضل؟ قال: هما والله سواء؛ إن شئت سبحت وإن شئت قرأت.
ومن قال: لا يبطل التخيير مع النسيان استدل بما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله الله قال: قلت له: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين، فيذكر في الركعتين الأخيرتين إنه لم يقرأ، قال: أتم الركوع والسجود؟ قلت: نعم، قال: إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها.
وإنما قلنا: الأحوط القراءة في هذا الحال لما رواه الحسين بن حماد عن أبي عبد الله الله قال: قلت له: أسهو عن القراءة في الركعة الأولى؟ قال: إقرأ في الثانية. قلت: أسهو في الثانية؟ قال: إقرأ في الثالثة. قلت: أسهو في صلاتي كلها؟ قال: إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك.
١٠٣
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته مجالاته وأهدافه
مسألة ٩٤ عدم جواز قراءة غير الفاتحة لمن يحسنها ] .
من يحسن الفاتحة لا يجوز أن يقرأ غيرها، وإن لم يحسن الحمد وجب عليه أن يتعلمها، فإن ضاق عليه الوقت وأحسن غيرها قرأ ما يُحسن، فإن لم يحسن شيئاً أصلا ذكر الله تعالى وكبره، ولا يقرأ معنى القرآن بغير العربية بأي لغة كان، فإن فعل ذلك لم يكن ذلك قرآناً وكانت صلاته باطلة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: القراءة شرط لكنها غير معينة بالفاتحة؛ فمن أي موضع قرأ أجزأه، وله في مقدار القراءة روايتان المشهور عنه أنه يُجزي ما يقع عليه اسم القرآن، وإن كان بعض آية. والثاني: أنه يُجزي آية قصيرة، وإن أتي بالعربية فهو قرآن، وإن أتى بمعناه بأي لغة كان فهو تفسير القرآن وتجزيه الصلاة.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لم يجز أن يقرأ بالفارسية، فإن كان لا يحسنها جاز أن يقرأ بلغته فصار الخلاف في ثلاث مسائل:
إحداها : هل يتعين الحمد أم لا؟ وقد مضت هذه المسألة.
والثانية: إذا قرأ بالفارسية هل يكون قرآناً، أم لا؟ فعندنا: لا يكون قرآناً، وعنده يكون قرآناً.
والثالثة: إذا فعل هل تجزيه صلاته أم لا؟ فعندنا: لا تجزيه، وعنده: تجزي.
دليلنا على المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لتنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ به الروح الأمين * عَلَى قَلْبِكَ لَتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بلسَان عَرَبِيِّ مُّبِين (۱۹) فأخبر أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين؛ فمن قال إذا كان بغير العربية فهو قرآن فقد ترك الآية.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣ م :
١٠٤
أثر الفقه المقارن ورونقه
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبَياً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٠) فأخبر أنه أنزله عربياً.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلسَان قَوْمه (۲۱).
وعند أبي حنيفة أرسل الله رسوله بكل لسان، وإذا ثبت أنه بغير العربية لا يكون قرآناً سقط قولهم وثبت أنها لا تجزي، وهي المسألة الثالثة لقوله (عليه السلام): لا تجزي صلاة من لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وروى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا سأل النبي له فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن، فماذا أصنع ؟ فقال له: قل: سبحانه الله والحمد لله ، فلو كان معناه قرآناً لقال له: احفظه بأي لغة سهل عليك، فلما عدل به إلى التسبيح والتحميد دل على أنه لا يكون قرآناً بغير هذه العبارات.
وأيضاً فإن القرآن لا يثبت قرآناً إلا بالنقل المتواتر المستفيض، ولم ينقل لا متواتراً ولا أحاداً أن معناه يكون قرآناً.
وأيضاً أجمعت الأمة على أن القرآن معجز، وإن اختلفوا في جهة إعجازه، فمن بين من جعل وجه الإعجاز الفصاحة دون النظم، وبين من اعتبرهما وبين من قال بالصرفة.
فمن قال: إن معنى القرآن قرآن أبطل الإجماع، وأيضاً من أتى بمعنى شعر امرؤ القيس الأعشى وزهير، لا يقال أنشد شعرهم، ومن ارتكب ذلك خرج عن المعقول.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانَ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (٢٢). فالنبي الله أتاهم بالقرآن بلغة العرب، فادعوا عليه أن رجلا من العجم يعلمه، فأكذبهم الله تعالى، فقال:
١٠٥
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
هذا الذي تضيفون إليه التعليم أعجمي، والذي أتاكم به لسان عربي مبين، فلو كان الكل قرآناً بأي لغة كان لم ينكر عليهم ما ادعوه.
وأيضاً فالصلاة في الذمة بيقين، وإذا قرأ القرآن بلفظه برأت ذمته بيقين وإذا قرأ بمعناه لم تبرأ ذمته بيقين فأوجب الاحتياط ما قلناه.
ثانياً - سيف الدين الشاشي القفال (۲۳)
ولد بميار فارقين في شهر محرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ومات يوم السبت الخامس والعشرين من شوال سنة سبع وخمسمائة.
نشأ في وطنه ثم هاجر إلى بغداد ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وكانت بغداد يومها عاصمة الخلافة الإسلامية والعلم وموطن العلماء، يقصدها العلماء من كل ناحية من أنحاء العالم الإسلامي، فتفقه على مذهب الشافعية، حتى عد أحد وجوههم، فألف في بغداد كتابه الشهير المسمى بـ حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء» في الفقه المقارن.
وللمؤلف كتب أخرى لا تصل شهرتها إلى الحلية.
وللحلية سمات أهمها:
ا. إنه من أجل كتب الشافعية من حيث الموضوع وتلخيص الأقوال الفقهية للمذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وأحياناً يأتي بأقوال الشيعة والظاهرية.
۲. جاء وفق ما بوبه فقهاء الشافعية في كتبهم، وبالتحديد فإنه جرى مجرى شيخه أبي إسحاق الشيرازي في كتابه المهذب من حيث وضع العناوين لكل كتاب وباب وفصل.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ١٠١٣م -
١٠٦
أثر الفقه المقارن ورونقه
اعتمد على المصادر المهمة للمذاهب الفقهية.
٤. كان القفال يعدد الأقوال في المسألة الواحدة عند جميع الأئمة الأربعة، ثم يأتي بأقوال العلماء في المذهب الواحد، سواء كانت المسألة جزئية أو كلية، ويبين فيهما من الوجهين أو القولين، ويذكر كل قول وينسبه إلى صاحبه دون تعليل، وأحياناً نراه يرجح بين الأقوال، والغالب يسكت عن الترجيح، وأحياناً نراه يقول: وليس شيء.
وقد يُقارن فتوى الشافعي مع فتاوى الصحابة والتابعين الذين عاشوا قبل الشافعي (ت ٢٠٤هـ).
ه. تميزت مقارنته مع المذاهب الأخرى في المسائل الفهقية الجزئية والفرعية بالتسامح والاحترام لأئمة المذاهب، ويأتي بأقوى الآراء عندهم لا بأضعفها (٢٤).
إن كتاب الحلية بحق هو حلقة هامة في سلسلة كتب الفقه الإسلامي، فهو واسطة العقد بين كتب الشافعية المتقدمين منهم والمتأخرين، وموسوعة فقهية مستوفية لآراء الشافعية في المسألة وآراء غيرهم من العلماء، بذكر أسمائهم وأقوالهم بنحو موجز، فيقول: وقال الحسن، وقال ابن سيرين وقال أبو ثور، وقال عطاء، وقال مالك، وقال أبو يوسف، وقال أحمد، وقال أبو حنيفة.
وأما فقهاء الشافعية فيذكر آراءهم جميعاً في المسألة الواحدة، فمثلا يقول: فأما آخر وقت للتكبير فقد قال المزني : أنه يكبر قبل أن يخرج الإمام إلى الصلاة، وقال في رواية البويطي إلى أن يفتتح الصلاة، وقال في القديم: إلى أن ينصرف الإمام من الصلاة، وحكى الشيخ أبو حامد والخطبتين: فمن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال على ظاهر النقل، ومنهم من قال المسألة على
۱۰۷
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
قول واحد أنه يكبر إلى أن يفتتح الإمام الصلاة، وهل يسن التكبير المقيد في عيد الفطر؟ فيه وجهان أظهرهما أنه لا يُستحب، وقيل فيه قولان قول الجل أنه لا يستحب (٢٥).
نص من حلية العلماء (٢٦)
ولإلقاء الضوء الكاشف على منهج الشيخ القفال في بحوثه الفقهية المقارنة، ورؤيته تجاه فقه الخلاف أو الخلافيات، وما كان من جهده الذي يبذله في هذا المجال، نورد مسألة من مسائل كتابه الحلية، لتكتمل الصورة في هذا المقام.
فصل: ويجب صوم رمضان برؤية الهلال، فإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا.
وحكي عن قوم أنهم قالوا: يجوز أن يجتهد في ذلك ويعمل بقول المنجمين، ولا يصومون يوم الشك من رمضان، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة ومالك.
وقال أحمد: إن كانت السماء مصيحة كره صومه، وإن كانت متغيمة وجب صومه من رمضان، وروي عنه أيضاً أنه إن صام الإمام صام الناس، وإن أفطر الإمام أفطروا، وهو قول الحسن البصري، وعنه رواية ثالثة نحو قولنا.
واختلف أصحابه في قيام ليلة الشك فإن أصبحوا في يوم الثلاثين من شعبان فقامت البيئة أنه من رمضان لزمهم قضاؤه، وهل يلزمهم إمساك بقية النهار فيه قولان أصحهما أنه يلزمهم، وهل ينابون على هذا الإمساك على القولين جميعاً؟ فيه وجهان أصحهما أنهم يثابون عليه.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :
۱۰۸
أثر الفقه المقارن ورونقه
وذكر الشيخ أبو حامد الله في التعليق أنه إن كان لم يأكل شيئاً فأمسك فإنه يكون صائماً صوماً شرعياً على قول أبي إسحاق من حيث أمسك، وليس بصحيح، فإن كان ممن يعرف المنازل والحساب فنوى ليلة الثلاثين أنه صائم غداً من رمضان بحكم ما عرف من ذلك فقامت البينة بالنهار أنه من رمضان فهل يجزئه؟ فيه وجهان، أحدهما يُجزئه؛ حكاه القاضي أبو الطيب حمله عن أبي العباس ابن سريج واختاره
ولا يختلف أصحابنا أن الصوم لا يلزم بالحساب ومعرفة المنازل على العموم. وهل يلزم الذي عرف ذلك ؟ فيه وجهان، أحدهما يلزمه وهو قول أبي العباس ابن سريج.
فإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة قبل الزوال كان أو بعده، في أول شهر أو آخره، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى والثوري وأبو يوسف: إن كان قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإن كان بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة، وهو قول بعض أصحاب مالك.
وقال أحمد: إن كان في أول رمضان قبال الزوال فهو لليلة الماضية، وإن كان في آخره ففيه روايتان إحداهما أنه لليلة الماضية.
وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في بلد آخر، فإن كانا متقاربين وجب الصوم على أهل البلدين، وإن كانا متباعدين وجب على من رأى ولم يجب على من لم يروا. والتباعد أن يختلف المطالع كالعراق والشام والحجاز، وهذا الذي ذكره الشيخ أبو حامد.
وذكر القاضي أبو الطيب : أنه يجب الصوم على أهل جميع البلاد بالرؤية في بعضها، وحكى ذلك عن أحمد.
۱۰۹
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
وفي العدد الذي تثبت به رؤية هلال رمضان قولان، أصحهما أنها تثبت برؤية العدل الواحد وهو الصحيح عن أحمد، والقول الثاني أنه لا يثبت إلا بشهادة عدلين، وبه قال مالك والأزواعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان في الغيم ثبت بشهادة الواحد، وإن كان في الصحو لم يثبت إلا بشهادة الاستفاضة وهو العدد الكثير، فإذا قلنا يقبل من الواحد، فهل يقبل فيه شهادة المرأة والعبد؟ فيه وجهان، أصحهما أنه لا يقبل.
وحكي في اعتبار لفظ الشهادة وجهان، ولا يقبل على رؤية هلال الفطر شهادة الواحد قولا واحداً.
وقال أبو ثور: يقبل فيه شهادة الواحد أيضاً.
وإذا قلنا شهادة المرأة والعبد على رؤية الهلال، قال الشيخ أبو نصر: ينبغي أن لا يعتبر سماع الحاكم بل متى سمع ممن يثق به أنه رأى الهلال لزمه الصوم وهو قول أبي حنيفة.
فإن شهد واحد برؤية هلال رمضان فصاموا ثلاثين يوماً فغم الهلال فقد قال - أي الشافعي - في الأم يفطرون، وحكى مثل ذلك الحسن عن أبي حنيفة، ومن أصحابنا من قال: لا يفطرون وهو قول أحمد بن الحسن.
فإن شهد اثنان برؤية هلال رمضان وصام الناس ثلاثين يوماً والسماء مصيحة فلم يروا الهلال، ففيه وجهان، قال ابن الحداد لا يفطرون.
وقال أكثر أصحابنا: يفطرون، فإن رأى هلال رمضان وحده صام، وإن رأى هلال شوال وحده أفطر، وينبغي أن يفطر سراً مخافة التهمة.
وحكي عن الحسن البصري وابن سيرين أنهما قالا: لا يجب عليه الصوم برؤيته وحده.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣ م :
أثر الفقه المقارن ورونقه
وقال أحمد: إذا رأى الهلال وحده في آخر الشهر لا يحل له الأكل، فإن اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرى، فإن وافق شهراً بعد رمضان ناقصاً وكان شهر رمضان الذي صامه الناس تاماً لزمه قضاء يوم في أصح الوجهين، وهو اختيار القاضي أبي الطيب الله، والثاني وهو اختيار الشيخ أبي حامد الإسفراييني أنه لا يلزمه، وحكاه الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي
وإن وافق شهراً قبل رمضان، قال أبو إسحاق لا يُجزئه قولا واحداً، وقال أكثر أصحابنا فيه قولان: أصحهما أنه لا يجزئه، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ومالك، وإن وافق رمضان أجزأه.
وحكي عن الحسن بن صالح بن حي أنه قال: لا يُجزئه.
فإن لم يغلب على ظن الأمير دخول شهر رمضان عن أمارة، فقد ذكر الشيخ أبو حامد في التعليق أنه يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين ويعيد.
قال الشيخ أبو نصر حالة: وهذا عندي غير صحيح؛ لأنه لابد من يقين أو ظن في دخول وقت العبادة.
الهوامش :
(1) أنظر الأصول العامة للفقه المقارن، ص 9
(۲) المصدر نفسه.
(۳) كشف الظنون ج ۱، ص ۷۲۱.
ملف العدد المنهج المقارن ماهيته، مجالاته وأهدافه
(٤) أنظر: الأصول العامة للفقه المقارن، ص ١٠.
(٥) أنظر: بداية المجتهد، ج ۱، ص ۱۳.
(٦) النساء: ٤٣.
(۷) البقرة: ۲۲۸
(۸) أنظر: زبدة البيان، ص ٧٤٥؛ وكنز العرفان، ج ۲، ص ٢٥٦.
(۹) الطلاق: 1.
(۱۰) تفسير العياشي، ج 1، ص ١١٤.
(۱۱) راجع كنز العرفان، ج ۲، ص ٢٥٧؛ الكشاف، ج ۱، ص ٢٦٨؛ روح المعاني، ج ۲، ص ۱۳۱؛ تفسير أبي السعود، ج ۱، ص ۲۲۵؛ أحكام القرآن للجصاص، ج ۲، ص ۱۳۱.
(١٢) النور: ٤ و ٥.
(۱۳) أنظر كنز العرفان، ج ۲، ص ٣٤٦؛ زبدة البيان، ص ٨٣٢
(١٤) راجع ترجمته في روضات الجنات، ج ۹، ص ۲۰۱؛ تنفيح المقال، ج ۳، ص ١٠٥؛ لسان الميزان، ج ۵،
ص ١٣٥؛ المنتظم، ج ۸، ص ٢٥٢.
(١٥) الخلاف، ج 4، ص ٢٢٤.
(١٦) الخلاف، ج ۱، ص ٤٤٨.
(۱۷) الخلاف، ج ١، ص ٣٤١ - ٣٤٦
(۱۸) المزمل: ۲۰
(۱۹) الشعراء: ۱۹۲ - ١٩٥
(۲۰) یوسف: ۲
(٢١) إبراهيم: ٤.
(۲۲) النحل: ۱۰۳
(۲۳) راجع ترجمته في وفيات الأعيان، ج ۳، ص ٣٥٦ : المنتظم، ج ۹، ص ۱۷۹؛ طبقات الفقهاء (أبو إسحاق الشيرازي)، ص ۱۸؛ طبقات لافقهاء (الأسنوي)، ج ۲، ص ٨٦
(٢٤) راجع مقدمة حلية العلماء، ج ان ص ٤١ بقلم المصحح.
(٢٥) حلية العلماء، ج 1، ص ٤٦.
(٢٦) المصدر السابق، ج ۳، ص ١٤٨.
- الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :
۱۱۲