2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 1قراءة البحث
دراسة فقهية الفقه والقانون

القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي

العدد 1
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 1
دراسة فقهية

القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي

علي محيي الدين القره داغي

دراسات مقارنة

القانون الدولي الإنساني في ضوء الفقه الإسلامي

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

د. علي محيى الدين القره داغي

لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة بهذه الشريعة الغراء التي نزلت رحمة وخيراً وسعادة ومصلحة للعباد فقد قال تعالى: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً [النحل: ۳۰] وقال تعالى في وصف الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم): وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ۱۰۷] وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ۸۹].

فإذا كان الإسلام خيراً وهدى وبشرى للمسملين، فإنه أيضاً رحمة للعالمين، وشفاء للناس أجمعين.

من هنا أدرك الفقهاء هذه الحقيقة حيث نصوا على أن هذه الشريعة شرعت لتحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وأينما كانت الشريعة فتم المصلحة، وأينما كانت المصلحة الحقيقية فثم شرع الله، يقول العز بن عبدالسلام: «وقد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم ويقول ابن القيم: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل .......

ومن هذا المنطلق وتلك المبادئ عالج الإسلام القضايا المتعلقة بحالات الحرب، وحقوق الإنسان في خضم المعارك، والقواعد والأعراف الدولية التي تنظم هذه الأمور التي تسمى القانون الدولي الإنساني، وتكمن أهمية دراسة هذه المبادئ التي تحكم هذه المسائل في أنها تبرز عظمة الإسلام ورحمته، وسبق الفقه الإسلامي في تنظيم هذه الأمور بعدة قرون للفقه الوضعي، وليس سبقاً تأريخياً فقط، وإنما من حيث المضمون والتأصيل والتطبيق العملي من خلال السيرة العطرة للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وسيرة خلفائه الراشدين، وآله الطيبين وصحبه، والتابعين له بإحسان في حروبهم مع أعدائهم.

وتأتي أهمية هذا المؤتمر في ظل هجمات شرسة ضد الإسلام والمسلمين ولا سيما في وقت يبذل أعداء الإسلام جهوداً كبيرة لتشويه سمعة الإسلام منذ فترة طويلة، وبالأخص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول ٢٠٠١م.

وقد بذلنا ما في وسعنا من جهد لتوضيح أهم المبادئ والأسس التي تحكم العلاقات الدولية، وبالأخص في حالات الحرب، وللمقارنة المتاحة في هذا البحث بين القانون الدولي الإنساني، والأسس والمبادئ التي قررها الإسلام منذ عدة قرون. والله أسال أن يلبس أعمالنا كلها ثوب الإخلاص والقبول، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل، إنه مولانا فنعم المولى ونعم النصير.

التعريف بالعنوان

أولاً - يقصد بالقانون الدولي الإنساني:

مجموعة القواعد التي تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة لأسباب

المسلم

دراسات مقارنة

إنسانية، وإلى حماية غير المدنيين من الأعمال العدائية، وإلى تقييد حق اختيار الوسائل والأساليب المستعملة في الحرب، كما يعرف هذا القانون بقانون الحرب، أو قانون النزاعات المسلحة .

وهذا القانون جزء من القانون الدولي الذي يتضمن الاتفاقيات الموقعة بين الدول التي تصبح ملزمة قانوناً بحكم ممارسة الدول لها، ولكنه لا ينظم استخدام الدولة فعلياً للقوة الذي هو جزء من القانون الدولي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

وقد ورد جزء كبير من القانون الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربع عام ١٩٤٩، ثم التزمت بها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وقد طورت هذه الاتفاقيات من خلال البروتوكولين المعتمدين في عام ۱۹۷۷، بالإضافة إلى اتفاقية لاهاي لعام ٩٥٤ الحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكوليها، واتفاقية الأسلحة البيولوجية عام ۱۹۷۲ واتفاقية الأسلحة التقليدية وبروتوكولاتها الأربعة عام ۱۹۸۰، واتفاقية الأسلحة الكيمياوية عام ۱۹۹۳، ومعاهدة الألغام المضادة للأفراد عام ۱۹۹۷، والبروتوكول الاختياري لعام ۲۰۰۰ بشأن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة.

وترجع أصول القانون الدولي الإنساني إلى المبادئ العامة الموجودة في الديانات والحضارات القديمة، ولكن بدأ تدوينه منذ القرن التاسع عشر، ولم تعتمد إلا في عام ١٩٤٩م أي بعد الحربين العالميتين اللتين وقعت فيهما من الأهوال ما يندى لها جبين الإنسانية.

نوعية الحماية

يعطي القانون الدولي الإنساني الحماية للمدنيين، وأفراد الخدمات الطبية، والدينية، وللمقاتلين الجرحى، أو المرضى بالإضافة إلى أسرى الحرب، حيث

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

١٣٤

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

يوجب على الدول المحاربة أن تحترم حياتهم وسلامتهم البدنية والمعنوية وان يعاملوا معاملة إنسانية، وبمنحهم الضمانات القضائية، وكذلك بحظر قتلهم او جرحهم، وضرورة جمع جرحاهم ومرضاهم، والاعتناء بهم وإسعافهم، كما أنه يحدد قواعد تفصيلية لقضايا الأسرى، وظروفهم، ويوجب على الدولة منع وقوع كافة الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها ...

ويحدد القانون الدولي الإنساني بعض العلامات المميزة التي يمكن استخدامها بتحديد هوية الأشخاص المحميين، والأعيان والممتلكات المحمية، مثل شارتي الهلال الأحمر، والصليب الأحمر، والعلامات المميزة الخاصة بالممتلكات الثقافية والدفاع المدني.

ما يمنعه القانون الدولي الإنساني:

يمنع القانون الدولي الإنساني ما يأتي:

1 - الأسلحة والخطط العسكرية التي لا تميز المقاتلين والمدنيين.

  • ما يُسبب آلاماً مفرطة.

٣- ما يُسبب أضراراً جسيمة وطويلة المدى للبيئة.

ولذلك فقد حظر استخدام العديد من الأسلحة مثل الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وأسلحة الليزر المسببة للعمى، والألغام المضادة للأفراد، والرصاص المتمدد في الجسم .

هل يطبق القانون الدولي الإنساني في الحروب؟

إن من المؤسف حقاً أن هذا القانون لا تطبقه الدول المتحاربة، حتى الدول المتقدمة، فقد رأينا ماذا فعل الجيش الأمريكي المحتل في العراق وأفغانستان، وفي سجن أبي غريب، وقلعة الموت بكابل، ولكن الذي يستفاد من القانون الدولي

١٣٥

دراسات مقارنة

الإنساني في ظل انتهاكاته هو حق اللجوء إلى القضاء، واتهام الدولة أو الأشخاص بجرائم الحرب، وحق التعويض ونحو ذلك.

إلزامية تدريس القانون الدولي الإنساني:

إن الدول الموقعة على هذا القانون ملزمة بتدريسه لقواتها المسلحة والجمهور العام، وعليها أن تمنع وقوع الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها، واعتماد قوانين المعاقبة أشد في حالة انتهكت اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين، ويجب عليها اعتماد قانون يكفل حماية شارتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

ولتحقيق ذلك اتخذت تدابير على المستوى الدولي حيث أنشئت محكمتان للمعاقبة على الأعمال المرتكبة في النزاعات الأخيرة في يوغسلافيا السابقة، و رواندا، كما أنشئت محكمة جنائية دولية لجرائم الحرب وفقاً لنظام روما الأساس الذي اعتمد في عام ۱۹۸۸م .

التحديات المعاصرة أمام القانون الدولي الإنساني:

هناك تحديات كثيرة أمام تطبيق القانون الدولي الإنساني، من أهمها في نظري

أ - التحدي الأخلاقي أو الأزمة الأخلاقية التي يمر بها العالم اليوم، حيث قل الالتزام الأخلاقي على مستوى الدول والأفراد، فقد رأينا ما حدث مع الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في قلعة الموت، وفي العراق في سجن أبي غريب، وما حدث كذلك من استعمال النظام العراقي للغازات الكيماوية في حلبجة في مارس عام ۱۹۸۸، حيث راح ضحيتها خلال دقائق خمسة عشر ألف من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وما حدث في رواندا، وما حدث في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب ضد المسلمين المدنيين، ما يندى له جبين العصر الذي نحن فيه.

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

١٣٦

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

ب - ومنها: الخلط بين القضايا الإنسانية والإرهاب، والاحتلال حيث - كما يقال - اختلط الحابل بالنابل وما تقوم به الدول في ظل ما يسمى بالحرب على الإرهاب من الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في حالة السلم، ومن جرائم في حالة الحرب والنزاعات.

ج - ومنها: خصخصة الحرب ونقصد بها دخول الشركات الأمنية والعسكرية لأداء مهمات عسكرية من خلال عقود مالية بمليارات الدولارات ومعظم أفراد هذه الشركات يختارون أو يؤخذون من الدول الفقيرة، ومن المجرمين أو على الأقل هم مستأجرون لأجل القتل والقتال وبالتالي فلا نجد لدى معظهم أي قيمة أخلاقية، ولا إنسانية، ولا اعتراف بأي قانون إنساني، وإنما يهمهم حماية أنفسهم وتحقيق رواتبهم العالية، والغنائم التي يكتسبونها خفية، و......

د - ومنها: سيطرة الأمن وهاجس الأمن على القيم والأخلاق والقانون في معظم الدول ولاسيما في ظل الجرائم الإرهابية التي وقعت في أمريكا، وبريطانيا، وإسبانيا، وبالتالي فالدولة وأجهزتها الأمنية لا تفكر إلا في منع الإرهاب بأي ثمن كان.

هـ - ومنها: قيام الحروب التي تقوم بها الجماعات المتمردة أو الإرهابية في معظم بقاع العالم، حيث لا تلتزم هذه الجماعات بأي قانون في هذا المجال، وهنا تكمن المشكلة الكبرى بالنسبة للمدنين الذين يكونون ضحية دون حماية.

وقد أشار السيد جاكون (كلينبرغر ) رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ۲۱ - ۰۹ - ۲۰۱۰ في كلمته إلى هذه التحديات فقال: «إن طبيعة النزاعات المسلحة، وأسبابها، وعواقبها قد تغيرت على مر السنين، وأن على المجتمع الدولي توقع بروز حاجات جديدة في مجال حماية ضحايا النزاعات المسلحة والاستعداد لتلبيتها .....

۱۳۷

دراسات مقارنة

وقد قام خبراء اللجنة الدولية بدراسة علمية، وميدانية حول هذه التحديات وكيفية معالجتها، نذكر خلاصتها لأهميتها: لقد خلصت الدراسة إلى أن القانون الإنساني لا يزال يشكل إطارا ملائما لتنظيم تصرف الأطراف في النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية وذلك في ما يتعلق بمعظم المسائل المدروسة. لقد تطور على مر السنين قانون المعاهدات والقانون العرفي على حد سواء: فجاء سد بعض الثغرات وتوضيح بعض الإشكالات. وأثبتت التجارب الأخيرة ديمومة أهمية القانون الإنساني وملاءمته في حماية حياة الإنسان وكرامته أثناء النزاعات المسلحة. وما هو مطلوب في أغلب الحالات من أجل تحسين أوضاع الأشخاص المتضررين من النزاع المسلح ليس اعتماد قواعد جديدة بل تعزيز الامتثال للقوانين القائمة. ولا يمكن أن يخطئ المرء إذا قال أن معظم المشاكل الإنسانية التي نواجهها لن يعود لها وجود لو أظهرت كل الأطراف المعنية احتراماً فعلياً للقانون الإنساني، ولهذا يجب أن تستند جميع محاولات تعزيز القانون الإنساني إلى الإطار القانوني القائم. ولا حاجة لمناقشة قواعد ثبتت ملاءمتها منذ وقت طويل.

ويجدر التذكير في هذا السياق، بأن تعزيز الإطار القانوني المنطبق على النزاعات المسلحة يتطلب أيضاً أن تؤخذ في الاعتبار، إلى جانب القانون الإنساني، أنظمة قانونية أخرى ذات صلة. ومن الضروري أن يتجنب أي تطور أو توضيح للقانون الإنساني الازدواجية مع قواعد قائمة في قانون حقوق الإنسان. كما يجب تجنب أي خطر من شأنه تقويض تلك القواعد غير أنه ينبغي أن يظل عنصر أساسي ماثلاً أمام أعيننا ألا وهو أن احترام القانون الإنساني واجب في كل الظروف في حين أنه يسمح بالخروج عن بعض أحكام قانون حقوق الإنسان في حالات الطوارئ. ويمكن بالتالي أن يساعد تدوين القانون الإنساني في منع بروز ثغرات قانونية في التطبيق العملي.

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٣٠٠ م :

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

إلا أن الدراسة أظهرت أيضاً أن القانون لا يستجيب دائماً بالكامل للحاجات الإنسانية الفعلية. وتنتج بعض التحديات المطروحة في مجال حماية الأشخاص والأعيان، عن ثغرات أو نقاط ضعف في القوانين القائمة والتي تتطلب المزيد من التطوير أو التوضيح.

وخلصت اللجنة الدولية بصورة أكثر تحديداً إلى أن القانون الإنساني يجب أن يضع أجوبة جديدة في أربعة مجالات رئيسية.

يشمل المجال الأول حماية الأشخاص المحرومين من الحرية، لاسيما في حالات النزاعات المسلحة غير الدولية. وتزور اللجنة الدولية مئات الآلاف من المحتجزين كل سنة الأمر الذي يوفر للمنظمة امتلاك رؤية فريدة عن المشاكل القانونية والعملية التي ترافق الحرمان من الحرية. صحيح أن غياب البنى التحتية والموارد الملائمة يعيق في بعض الحالات إنشاء نظام احتجاز لائق، ولكن ندرة المعايير القانونية الواجبة التطبيق في النزاعات المسلحة غير الدولية تشكل على نحو مماثل عائقاً كبيراً أمام الحفاظ على حياة المحتجزين وصحتهم وكرامتهم.

ومما لا شك فيه أن الظروف المادية الرديئة للاحتجاز من الأرجح أن تخلف،

وغالباً ما تخلف فعلاً، آثاراً مباشرة على الصحة الجسدية والعقلية للمحتجزين يتعذر بعد ذلك إزالتها. ومن بين المشاكل المرافقة للاحتجاز الأكثر شيوعاً، نذكر عدم توفر ما هو ملائم من الطعام والماء واللباس وغياب أنظمة الصرف الصحي وظروف السكن الملائمة وصعوبة الحصول على خدمات الرعاية الطبية اللازمة. وقد تكون بعض الفئات مثل النساء والأطفال مثلاً، أكثر تعرضاً للأخطار من غيرها بسبب حاجاتها الخاصة في مجال الحماية ومع ذلك، بينما توجد قواعد مفصلة ملزمة عن شروط الاحتجاز في النزاعات المسلحة الدولية، لا تحكم قواعد من هذا

النوع النزاعات المسلحة غير الدولية ولاسيما تلك النزاعات التي لا يغطيها

۱۳۹

دراسات مقارنة

البروتوكول الإضافي الثاني وبالتالي لا تنظمها إلا المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع.

وثمة مشكلة إنسانية أخرى مهمة تكمن في عدم تمتع المعتقلين والمحتجزين لأسباب أمنية خلال النزاعات المسلحة غير الدولية بالحماية الكافية.

فالاعتقال يمارس على نطاق واسع باعتباره وسيلة لمراقبة بعض الأشخاص بدون توجيه التهم الجنائية إليهم. ولا تحتوي معاهدات القانون الإنساني على أية ضمانات قضائية لمواجهة هذا الوضع أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية. ولذلك يتعرض المعتقلون لعواقب عدة منها احتمال أن يخضعوا لفترات اعتقال طويلة بدون إخطارهم على النحو الواجب بالأسباب التي أدت إلى حرمانهم من الحرية، وعدم وجود أية إجراءات متاحة لهم للطعن في قانونية اعتقالهم أو تأمين الإفراج عنهم إذا لم يكن مثل هذا الاعتقال مبرراً أو لم يعد مبرراً. وتؤكد خبرة اللجنة الدولية أن عدم معرفة أسباب الاعتقال أو طول مدته هو أحد المصادر الرئيسية للمعاناة التي يعيشها المعتقلون وعائلاتهم.

وتبرز مشكلة أخرى مثيرة للقلق تتمثل في المخاطر التي يتعرض لها المحتجزون حين ينقلون من سلطة إلى سلطة أخرى سواء أثناء عملية النقل أو بعدها. ويكون هؤلاء الأشخاص قد عانوا في حالات معينة من انتهاكات خطيرة لحقوقهم من اضطهاد وتعذيب واختفاء قسري وحتى القتل. ومن الواضح أن التوجيهات القانونية المتوفرة لسلطات الاحتجاز في مثل هذه الحالات هي غير كافية. وهذا يعني أن ثمة ضرورة ماسة لوجود مجموعة من القواعد الممكنة التطبيق، في الجوهر وفي الإجراءات، من أجل حماية سلامة الذين يعانون من هذه الظروف وكرامتهم.

ومن الضروري أيضاً ضمان إمكانية أن تزور المحتجزين هيئة مستقلة

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫٢٠١٣م

١٤٠

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

ومحايدة مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتساعد مثل هذه الزيارات السلطات المسؤولة على التعرف إلى المشاكل المطروحة وتشكل قاعدة للحوار حول تحسين معاملة المحتجزين والظروف المادية لاحتجازهم. ويعترف القانون الذي يحكم النزاعات المسلحة الدولية بحق زيارة الأشخاص المحرومين من الحرية، ولكن وبالرغم من أن القبض على الأغلبية العظمى من المحتجزين واعتقالهم يجري اليوم أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية، فلا وجود لهذا الحق في الإطار القانوني الذي يحكم هذا النوع من النزاعات المسلحة.

إن اللجنة الدولية تعتقد، مستندة بشكل خاص إلى هذه الاعتبارات، أن استكشاف طرق قانونية جديدة تتيح معالجة شاملة لموضوع حماية الأشخاص المحرومين من الحرية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية هو ضرورة ملحة.

تنفيذ القانون الإنساني وإنصاف ضحايا الانتهاكات هو مجال آخر تبدو الحاجة ملحة فيه إلى تطور قانوني. فعدم الاحترام الكامل للقواعد الواجبة التطبيق هو السبب الرئيسي لمعاناة الناس أثناء النزاعات المسلحة، وجاء التركيز خلال السنوات الأخيرة على وضع إجراءات في القانون الجنائي تتيح مقاضاة ومعاقبة الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني ولكننا لا نزال نفتقد للوسائل الملائمة لوقف الانتهاكات والتعويض عنها عندما تحصل.

وقد ثبت أن معظم الآليات التي ينص عليها القانون الإنساني غير كافية إلى الآن. ولم تستخدم عملياً الإجراءات المحددة لمراقبة الأطراف المتحاربة في النزاعات المسلحة الدولية، أو لم تستخدم قط تقريباً، عموماً بسبب عدم موافقة مختلف الأطراف في النزاع. أما في ما يتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية فمثل هذه الإجراءات هي ببساطة غير موجودة.

وبدلاً من ذلك، أمكن تنفيذ أنشطة المراقبة في النزاعات المسلحة بفضل

١٤١

دراسات مقارنة

آليات وضعت خارج نطاق القانون الإنساني، على سبيل المثال داخل إطار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أو أنظمة إقليمية للدفاع عن حقوق الإنسان. وتكمن الميزة الرئيسية لتلك الآليات في إمكانية استخدامها بدون الحصول على موافقة أطراف النزاع، وفي أنها تنطبق أيضاً على كل أشكال النزاعات المسلحة الدولية منها وغير الدولية.

غير أن هذه الآليات تصطدم أيضاً بتقييدات. فالبعض منها مثلاً يركز على تصرف الدول ولا يتناول مسؤوليات الأطراف غير الحكومية، إضافة إلى أن بعض الهيئات ملزمة قانوناً بتطبيق قانون حقوق الإنسان وهذا ما يجعل من الصعب عليها مراعاة أحكام القانون الإنساني ذات الصلة عندما يتعلق الأمر بحالات النزاع المسلح. وأخيراً لم يكن تأمين تعاون أطراف النزاعات في تنفيذ إجراءات المراقبة ممكناً دائماً.

وبالتالي لا يقدم نظام التنفيذ الساري حالياً إلا حلولا غير فعالة أو حلولاً جزئية ، بينما تبقى الحاجة ملحة لتعزيز احترام القانون الإنساني من جانب كل الأطراف المشاركة في النزاعات المسلحة. فالمطلوب بوضوح هو نظام قادر على تلبية حاجات ضحايا هذه النزاعات.

وفي صلة بموضوع التنفيذ، هنالك أيضاً قضية أخرى بالغة الأهمية هي تعويض ضحايا انتهاكات القانون الإنساني. فالتعويض مسألة أساسية بالنسبة إلى الضحايا من أجل تمكينهم من التغلب على المعاناة الرهيبة الناجمة عن تلك التجارب المؤلمة وإعادة بناء حياتهم. وينبغي أن يكون التعويض متوافقاً والظروف التي يعيشها الضحايا وملائماً لحاجاتهم. ولا يشمل بالضرورة التعويضات المالية فهناك أشكال أخرى من التعويض تشمل إعادة الحق، ورد الاعتبار، و"الترضية"، وضمان ألا تتكرر الانتهاكات.

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣ م :

١٤٢

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

وتشكل حماية البيئة الطبيعية المجال الثالث المثير للقلق والذي ينبغي تعزيز القانون الإنساني فيه، فالأضرار الخطيرة التي أصابت البيئة الطبيعية في عدد كبير من النزاعات المسلحة ساهمت في زيادة حالة الاستضعاف لدى الذين عانوا أصلاً من القتال. إن البيئة ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها ولكن الناس يعتمدون أيضاً عليها لكسب الرزق وتأمين الراحة والرفاهية كذلك. وهي تلعب دوراً حاسماً في ضمان حياة وبقاء الأجيال الحاضرة والقادمة.

غير أن القانون الحامي للبيئة أثناء النزاعات المسلحة ليس واضحاً دائماً ولا متطوراً بما يكفي. فعلى سبيل المثال، لا يتضمن قانون المعاهدات شرطاً خاصاً بحماية البيئة والحفاظ عليها أثناء العمليات العدائية في إطار النزاعات المسلحة غير الدولية. صحيح أن القانون العرفي يحتوي على بعض الأحكام ذات الصلة مثل واجب عدم مهاجمة البيئة الطبيعية ما لم يكن هناك هدف عسكري، أو حظر الهجمات التي من شأنها التسبب بأضرار عرضية غير متناسبة في البيئة. إلا أن تحسين حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة يتطلب صياغة تفاصيل أوفى عن النطاق المحدد لهذه القواعد من القانون العرفي وما يترتب عليها.

وثمة ضرورة ملحة أيضاً لإيجاد وسائل أفضل لمواجهة عواقب الأضرار التي تلحق بالبيئة فوراً وفي الأمد الطويل. فتدمير محطات الكهرباء والمنشآت الكيمائية وغيرها من الصناعات وأنظمة التصريف الصحي والمجاري، وحتى مجرد الأنقاض الناجمة عن هذا التدمير، كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى تلوث خطير لمصادر المياه والأراضي الصالحة للزراعة والهواء، الأمر الذي يؤثر في حياة جميع السكان. ولهذا ينبغي إنشاء نظام جديد لضمان تنظيف المناطق المتضررة بسرعة وفعالية، ويجب أن يشمل ذلك إنشاء أنظمة للتعاون الدولي.

ويجب أيضاً تطوير العمل الوقائي، كالنظر مثلاً في إمكانية تعيين مناطق ذات

١٤٣

دراسات مقارنة

أهمية بيئية كبيرة باعتبارها مناطق منزوعة السلاح قبل بداية نزاع مسلح أو على الأقل لدى اندلاعه، ويمكن أن تشمل مثل هذه المناطق مساحات تحتوي على نظم إيكولوجية فريدة أو على أنواع مهددة بالانقراض.

أما المجال الرابع الذي ينبغي تعزيز القانون الإنساني فيه فهو موضوع حماية الأشخاص النازحين داخلياً. ويشكل منح الحماية الملائمة للنازحين أحد المهمات الأكثر صعوبة في العمل الإنساني، وتثبت ذلك التجربة الطويلة للجنة الدولية في هذا المجال. ومع ذلك، لا نزال نفتقر في هذا الصدد إلى الحماية القانونية الكافية. إلا أنه ينبغي القول أن اعتماد المبادئ التوجيهية بشأن التشرد الداخلي عام ١٩٩٨ شكل خطوة هامة في تعزيز الإطار القانوني الدولي لحماية الأشخاص النازحين إلى داخل بلدانهم. ومن المؤكد أن تدوين بعض عناصر هذا الصك الدولي وتطويرها سيساعدان في تعزيز آثارها.

إن الأشخاص المشردين داخلياً الذين تركوا منازلهم وأراضيهم قد يفتقرون إلى وسائل كسب العيش وربما أصبحوا معزولين أو يعيشون في مناطق غير آمنة. وقد يصبحون ضحايا العنف بتجنيدهم قسراً في القوات المقاتلة، أو بالتعرض للاغتصاب وحتى القتل. وقد ينفصل الأفراد عن عائلاتهم، فيما يمكن أن يجد أولئك الذين هربوا بدون أوراق تثبت أوضاعهم المدنية صعوبة في الحصول على الخدمات الاجتماعية أو في التحرك بحرية داخل البلاد. لهذا ينبغي وضع قواعد قانونية لتأمين بعض الأمور منها مثلاً الحفاظ على وحدة الأسرة أو إمكانية حصول النازحين إلى داخل البلاد على الوثائق اللازمة للتمتع بحقوقهم.

ويمكن أن تتفاقم مأساة النازحين داخلياً إلى حد خطير إذا طال النزوح لأمد طويل وأصبحوا عاجزين عن العودة إلى منازلهم أو أماكن سكنهم العادية أو إيجاد حل دائم آخر. وقد تكون ممتلكاتهم قد تعرضت للدمار أو استولى عليها آخرون

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -

١٤٤

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

واحتلت أراضيهم أو لم تعد صالحة للاستعمال بسبب العمليات العدائية، كما يمكن أن يتعرضوا لعمليات انتقام في حال عودتهم. ويحتمل أيضاً أن يواجهوا مشاكل في اندماجهم في المجتمع الذي لجأوا إليه. ومع ذلك يفتقر القانون الدولي الساري إلى الأحكام اللازمة لمواجهة كل هذه القضايا. لهذا ينبغي أن يطور القانون الإنساني إجراءات تمكن النازحين داخلياً من العودة إلى منازلهم أو أماكن سكنهم في ظروف مرضية.

إن هذه الدراسة التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليست إلا خطوة واحدة من بين الخطوات العديدة التي يجب الاضطلاع بها إلى حين تقديم حلول عملية فعالة. ونظراً إلى طبيعة مهمتها، فإن اللجنة الدولية لعازمة على اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان توصل هذه المبادرة إلى نتائج إيجابية. إلا أن اللجنة الدولية تدرك أيضاً أن مثل هذه النتائج لا يمكن أن تتحقق بدون المزيد من التعاون والدعم. ففي النهاية، وحدها الدول قادرة على تحقيق تطور في القانون الدولي.

وتود اللجنة الدولية إقامة حوار مع الدول ومع الأطراف المعنية الأخرى بشأن الاستنتاجات الواردة في الدراسة وبشأن أية متابعة محتملة.

وإننا نرحب شاكرين بأية تعليقات أو اقتراحات تصلنا حول هذه المبادرة ، سواء بالنسبة إلى المحتوى أو الإجراءات. ونولي اهتماماً خاصاً لمعرفة مدى موافقة الجهات الأخرى على قراءتنا للمشاكل الإنسانية الفظيعة التي تواجهنا وما تطرحه من تحديات أمام القانون الإنساني.

وسعياً منها لتشجيع هذا الحوار، تنوي أيضاً اللجنة الدولية، خلال الأشهر القادمة، الدخول في مناقشات ثنائية مع مجموعة من الدول، وهي مستعدة كذلك الإقامة حوار مع جميع الدول التي ترغب في ذلك. واستناداً إلى تلك المشاورات

١٤٥

دراسات مقارنة

سوف تتخذ قراراً بشأن إمكانية طرح مبادرات تهدف إلى تعزيز الإطار القانوني الواجب التطبيق في النزاعات المسلحة وكيفية إجراء ذلك.

وسوف تبلغ الدول بنتائج هذه العملية. وسيشكل المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر المزمع عقده في تشرين الثاني ٫ نوفمبر القادم خطوة مهمة في هذا السياق.

ربما بدا سعينا هذا مفرطاً في طموحه، ذلك أن العوائق أمامنا كثيرة حقاً. إلا أن المعاناة التي تسببها النزاعات المسلحة تفرض علينا أن نكون طموحين. وإذا لم نكن كذلك فكيف لنا أن نضمن أن يستمر القانون الإنساني في الاستجابة فعلاً لحاجات الذين يتحملون عبء الأضرار التي تسببها تلك النزاعات المسلحة؟ لقد أقنعتني التجارب الماضية أن من الممكن تجاوز العقبات التي تبرز أمامنا إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك. ولا يسع اللجنة الدولية إلا أن تعرب عن أملها في أن توحد الدول جهودها لصالح ضحايا النزاعات المسلحة.

فهذه التحديات في مجملها تحديات ومشاكل أخلاقية، وبالتالي لا تعالج إلا من خلال الالتزام الديني والأخلاقي والتربية الروحية الداخلية، والإحساس الداخلي والشعور برقابة الله تعالى على تصرفات الإنسان مهما كانت خفية يا بني إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَل فَتَكُن في صَخْرَة أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لقمان: ١٦].

وهذا ما يعبر عنه في الإسلام بالتقوى والخوف الداخلي من الله تعالى، وهذه مرتبة الإحسان التي تأتي بعد الإيمان والإسلام، حيث سأل جبريل (ع) عن الإحسان في حديث سيدنا عمر رضي الله عنه فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .

١٤٦

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

أو كما كان الآل الأطهار والصحب الأبرار يلتزمون بأحكام الشريعة في جميع الأحوال في السلم والحرب في حقوقهم، والتزاماتهم، فيما لهم، وفيما عليهم، بل هم لم يتعاملو احتى مع الأعداء بالعدل فقط، بل به وبالإحسان كما أمرهم الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٢٩٠ .

فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم قدوة في الرحمة في كل حالات الحرب والسلم، فقد تعامل مع من آذوه من أهل مكة وقتلوا بعض أصحابه بالتعذيب، وأخرجوه وآله الأطهار وصحبه الكرام من مكة المكرمة، وفعلوا ما فعلوا في غزوة أحد والأحزاب، حتى قتلوا عمه الكريم حمزة (رضي الله عنه)، ومثلوا به، ومع كل ذلك حينما انتصر عليهم في فتح مكة سامحهم وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء وقال في يوم الفتح: اليوم يوم المرحمة رداً على من قال: اليوم يوم الملحمة وقال أيضاً: ﴿قَالَ لَا تَتْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين [يوسف: ۹۲] وقد نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثْل مَا عُوقَبْتُم به وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] فاختار الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يغفر عنهم ويصبر فقال: «نصبر ولا نعاقب».

ثانياً: الأسس: جمع أساس، وهو قاعدة البناء التي يقام عليها، وأصل كل شيء، ومبدؤه، ومنه أساس الفكرة، وأساس البحث .

والمقصود بها هنا: الأصول التي ترجع إليها الفروع والمسائل الجزئية.

ثالثاً: والمبادئ جمع مبدأ، ومبدأ الشيء: أوله ومادته التي يتكون منها، أو يتركب منها، ومبادئ العلم أو الفن أو الدستور أو القانون: قواعده الأساسية التي يقوم عليها ولا يخرج منها، والمقصود بمبادئ الإسلام وأسسه هي القواعد الأساسية التي يقوم عليها الإسلام، والغايات والمقاصد العامة التي نزلت الشريعة

١٤٧

دراسات مقارنة

لأجل تحقيقها من حماية الكليات الأساسية الخمس، أو الست، أو الثمان وتنميتها ..

رابعاً: العلاقات الدولية والمقصود بها هي الأسس التي تحكم العلاقات بين الدول المختلفة دينياً أو عرقياً، أو إقليميا في حالات السلم والحرب، وحديثنا يتناول أيضاً بإيجاز العلاقات الإنسانية في ظل القانون الدولي الإنساني الذي يحاول الحد من الآثار التي تحدث أثناء الحرب، وتجنيب المدنيين آثار الحرب .

الإسلام والعلاقات الدولية نبذة من سيرة الرسول القائد (صلى الله عليه وسلم)

نزل الإسلام لتنظيم علاقة الإنسان بربه، وبأخيه الإنسان مسلماً أو غير مسلم، وبالكون الذي حوله، ووضع لذلك منهجاً متكاملاً، ومبادئ عامة، وقواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان، لما لها من قابلية للتطوير والمعاصرة مع الحفاظ على الأصالة والثوابت.

وفي الفترة المكية لم تكن هناك دولة، وإنما كانت العلاقة فردية، يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم جميعاً إلى الدخول في دين الله والاهتداء بصراطه المستقيم، وإلى التوحيد وبناء الإنسان على العقيدة الصحيحة، والتربية السليمة الشاملة لجوانب الإنسان الروحية والنفسية البدنية والاجتماعية.....

وقد تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الكثير والكثير من الأذى النفسي والبدني في سبيل تبليغ الدعوة الحقة، وكان شعارهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة [النساء: ] والدعاء لهؤلاء المشركين الذين يؤذونهم: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».

وعندما هاجر الرسول (صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وتأسست

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شناء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

١٤٨

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

دولة الإسلام الأولى سعى الرسول صلى الله عليه وسلم) إلى تقوية المجتمع المدني والجبهة الداخلية من جانبين أساسين:

أ - الجانب الخاص بالمسلمين حيث قام بتوحيد أواصر الأخوة الحقيقية فيما بينهم من خلال التآخي بين المهاجرين مع بعضهم البعض، ثم بين المهاجرين والأنصار حيث أشرك الأنصار حقاً إخوانهم المهاجرين في أموالهم، وفي نخيلهم وثمارهم.

ب - الجانب العام الشامل كل من يعيش على أرض المدينة من المسلمين واليهود وغيرهم من خلال الوثيقة التي كانت الدستور لتنظيم العلاقة بين أهل المدينة على أساس المساواة في المواطنة في الحقوق والواجبات والدفاع عن المدينة ونحوها .

ثم كانت العلاقة بين الدولة الإسلامية الفتية وقريش، والقبائل المحيطة بها علاقة هجوم وحرب من قبلهم عليها، وكان موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) موقف الدفاع عن الإسلام ودولته مع حرصه الشديد على الدعوة أولاً والتصالح معهم، ولكنهم كانوا لا يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم.

وأما موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع الدول المحيطة بالجزيرة فقد دعا (صلى الله عليه وسلم) رؤساءها من خلال إرسال رسائل إليهم إلى الدخول في الإسلام، وحينئذ يبقون على حكمهم مع إجراء الإصلاحات والعدالة التي يقتضيها الإسلام.

ويمكن تلخيص العلاقة الدولية في حالة السلم، وفي حالة الحرب في الآيات الثلاث في سورة الممتحنة وهي: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب

١٤٩

دراسات مقارنة

المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون الآيات: ۷ - ۱۹ ، فالآية الأولى تبين أن الإسلام يتطلع إلى إزالة العداوة، وتحقيق المودة بكل الوسائل المتاحة، وأما الآية الثالثة فتبين العلاقة بين المسلمين وغيرهم في حالة السلم وعدم الاعتداء حيث تقوم على ما يأتي: 1 - البر والإحسان ٢ - والعدل والميزان.

وأما الآية الثانية فتبين العلاقة مع غير المسلم في حالة الحرب والعداوة حيث تقوم على أن يتحد المسلمون ويكون ولاؤهم الله تعالى وللمؤمنين بالمحبة والنصرة، وأن لا تكون نصرتهم لهؤلاء الكفرة المحاربين، مع المحافظة على العدل والإنصاف حتى في حالة الحرب.

والعظيم في هذه الآية أنها جاءت في سورة تبدأ بما فعله أعداء الله تعالى مع المسلمين، وما يريدون أن يفعلوه معهم يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل [الممتحنة: ١] ثم يقول الله تعالى: إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون [الممتحنة: (٢] ومع ذلك أمر الله تعالى فيها بالعدل وعدم الظلم، كما أكد ذلك قوله تعالى: لا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى له [المائدة: ٤]

والأعظم من ذلك أن سورة الممتحنة نزلت بعد سورة البراءة مما يبعد كل البعد مسألة النسخ ونحوه، حيث برهنت السورة على أن هؤلاء المشركين كانوا لا

١٥٠

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫٢٠١٣م

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

يرعون عهودهم، بل إنهم قد خانوا الله وخانوا المؤمنين، ومع ذلك تؤكد هذه الآيات على أن يتعامل المسلمون مع غيرهم على قواعد العدل في جميع الأحوال، وعلى قواعد البر والإحسان أيضاً إذا لم يمارسوا ضد المسلمين الظلم والإخراج والقتل والإرهاب، فالقاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية هي جعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان وفيما عدا ذلك تكون العلاقة هي البر والإحسان، فالإسلام ليس براغب في الخصومة، ولا مقطوع بها كذلك، وهو في حالة الخصومة ستبقى أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة انتظاراً لليوم الذي تجتمع فيه النفوس على المحبة والسلام.

يقول سيد قطب: «وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود، الصادر عن إله واحد المتجه إلى إله واحد المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي، من وراء كل اختلاف وتنويع، وهي أساس شريعته الدولية، التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعاً هي الحالة الثابتة، لا يغيرها إلا وقوع الاعتداء الحربي وضرورة رده، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة، وهي تهديد بالاعتداء أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وهو كذلك اعتداء، وفيما عدا هذا فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس أجمعين.

ثم هي القاعدة التي تتفق مع التصور الإسلامي الذي يجعل القضية بين المؤمنين ومخالفيهم هي قضية هذه العقيدة دون غيرها ؛ ويجعل القيمة التي يضن بها المؤمن ويقاتل دونها هي قضية العقيدة وحدها، فليس بينهم وبين الناس ما يتخاصمون عليه ويتقاتلون إلا حرية الدعوة وحرية الاعتقاد، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله.

هذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إبراز قيمة العقيدة، وجعلها هي

١٥١

دراسات مقارنة

الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون، فمن وقف معهم تحتها فهو منهم، ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم، ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم ودعوتهم، ولم يصد الناس عنها، ولم يحل بينهم وبين سماعها، ولم يفتن المؤمنين بها، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه.

إن المسلم يعيش في هذه الأرض لعقيدته، ويجعلها قضيته مع نفسه ومع الناس من حوله، فلا خصومة على مصلحة، ولا جهاد في عصبية - أي عصبية - من جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب إنما الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولتكون عقيدته هي المنهج المطبق في الحياة...

فالإسلام لم يحمل السلاح الفرض عقيدته بالقوة والإكراه يقول تعالى: لا إكراه في الدين [البقرة: ٢٥٦) كما أن فكرة الهيمنة والاستعلاء فكرة مرفوضة في الإسلام، قال تعالى: وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً القصص: ۸۳] فالحرب في الإسلام هي للدفاع عن العدل ورفع الظلم يقول تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير [الحج: ٣٩) وأنها للدفاع عن المستضعفين يقول تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً [النساء: ٧٥]

وقد تشكلت أول دولة إسلامية في المدينة المنورة وقامت على قاعدة المؤاخاة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وأنهم أمة واحدة من دون الناس وأنهم كجسد واحد، وأن يدهم واحدة ضد من عاداهم، وعلى قاعدة العدل والمواطنة والحقوق والواجبات المتقابلة لغير المسلمين، حيث كتب فيما بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين اليهود صحيفة ووثيقة نصت على حوالي ٤٧ بنداً منها :

١٥٢

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

1- أن ذمة المسلمين واحدة يُجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس.

٢- وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.

وأن سلم المسلمين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

٤- وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضهم بعضاً.

ه وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله، وإلى محمد.

٦- وأن يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

وأن على يهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبردون الإثم.

وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.

وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

١٠- وأن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده

فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.

١١- وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.

۱۲- وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

۱۳- على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

١٤ - وان يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع

١٥٣

دراسات مقارنة

البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة، وأبره.

١٥- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو أثم، وانه من خرج آمن، ومن قعد أمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى.... .

كما أكدت الوثيقة على الحرية الدينية بكل وضوح فنصت على أن للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وحتى حينما حاول بعض الأنصار أن يجبروا بعض أبناء عشيرتهم الذين تهودوا على العودة إلى الإسلام أنزل الله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [البقرة: ٢٥٦] حيث نصت إحدى مواد الصحيفة على أن: «الليهود دينهم، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه.... كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الشخصية تأكيداً لقوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: ١٦٤] .

غير أن اليهود لم يحافظوا على هذه الوثيقة ومحتواها، ونقضوا عهودهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم فأصابهم ما أصابهم بظلمهم ونقضهم العهود.

وأما القبائل (وعلى رأسها قريش وأهل الأديان المحيطة بهذه الدولة، فلم تقبل بوجود هذه الدولة، بل قاومتها بكل وسائل البطش والعدوان، وبذلت كل جهودها للقضاء عليها قضاء مبرماً، ولذلك لم تكن العلاقة فيما بينهم وبين الدولة ذلك الإسلامية علاقة ود وتعاون بل كانت علاقة تخاصم وحرب وعداء، ومع استطاع الإسلام أن يربي أتباعه على اتباع العدل والقسط، فكان من الطبيعي أن تدافع هذه الدولة العقدية عن نفسها، حيث نلاحظ هذه الروح الدفاعية في أول آية نزلت بخصوص تشريع الجهاد أذن للذين يقاتلون في بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير [الحج: ٣٩].

١٥٤

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

ثم بينت الآية الثانية بأن مبررات الجهاد والقتال هو أنهم ظلموا وأنهم أخرجوا من ديارهم، وبالتالي فهم يدافعون عن أنفسهم، وعن درء الظلم، والدفاع عن العقيدة وأماكن العبادة حتى لغير المسلمين فقال تعالى: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله القوي عزيز [البقرة: ١٥١].

ولذلك فالحرب في نظر الإسلام ضرورة لا يلجأ إليها إلا عندما تضيق السبل، وتنسد الطرق على الدعوة وقبول الإسلام، أو الاعتراف بدولته من خلال ما يسمى بالجزية التي هي مشاركة من غير المسلم في تحمل أعباء الأمن والمواطنة، كما يتحمل المسلمون أكثر من ذلك من الواجبات المالية من الزكاة ونحوها ولذلك لا يبدأ المسلمون بالحرب ضد غيرهم بل بعرض الدعوة عليهم أولاً، فإن قبلوها فيها ونعمت، وإلا فالجزية، أي المسالمة والصلح.

ويدل على هذه الروح في أسمى معانيها صلح الحديبية حيث قبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الشروط التي في ظاهرها إجحاف واعتساف ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم): والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها وأعظم من ذلك سمى الله تعالى هذا الصلح بالفتح المبين نزلت فيه سورة سميت بسورة الفتح.

وقد أكد القرآن الكريم على هذا المنهج في أكثر من آية فقال تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ﴾ [الأنفال: ٦١]

حتى من الناحية الفقهية فإن جماهير الفقهاء الحنفية، والمالكية في قول والشافعية والحنابلة) يقولون بوجوب الدعوة إلى الإسلام قبل بدء الحرب استدلالاً بقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [الإسراء: ١٥] وكان منهج الرسول

١٥٥

دراسات مقارنة.

(صلى الله عليه وسلم ووصيته لصحبه الكرام عندما يرسلهم في مهمة حتى مع المشركين ... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، أو خلال، فأيهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام......

بل حسم ابن عباس (ترجمان القرآن وحبر الأمة هذه المسالة بصيغة الحصر فقال: «ما قاتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوماً قط حتى يدعوهم إلى الإسلام».

وقد أجيب عن إغارة الرسول صلى الله عليه وسلم) على بني المصطلق بأنهم هم بدؤوه بالقتال خلال إعدادهم القوة للإغارة على المدينة المنورة كما أنهم قد بلغتهم الدعوة.

الأسس الفكرية الإسلامية التي تساعد على التعايش وتعضده (بإيجاز)

أولاً - الإنسانية:

اعترف الإسلام بكرامة الإنسان باعتباره إنساناً مع قطع النظر عن فكره وعقيدته، فقال تعالى: ولقد كرمنا آدم [الإسراء: ۷۰]

كما جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وزوده بالإرادة والاختيار فقال تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: (۳۰] وحينما تدخلت الملائكة لبيان الحكمة من ذلك أثبت لهم بان الإنسان اعلم منهم في مجال الاستخلاف والتعمير.

وقد أكرم الله تعالى الإنسان بالحرية في مجال العقيدة فقال تعالى: لا إكراه في الدين [البقرة: ٢٥٦] وحرره من رق العبودية لغير الله، وسعى بكل ما في وسعه لإعتاق العبد ومنع المثلة والتعذيب وحتى الترويع وأعطى حرمة عظيمة لحرمات الإنسان وخصوصياته وحقوقه وممتلكاته، وساوى بين جميع البشر إلا من خلال العمل الصالح فقال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: ١٣].

الفقه المقارن العدد الأول المسنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

١٥٦

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

وجعل المسؤولية شخصية فقال تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

[النجم: (۳۹] وقال تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ [الأنعام: ١٦٤].

والتحقيق أن الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والأخوة الإيمانية هي الأساس، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون والدعوة، وتلك الدوائر هي:

أ - دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك يجيء الخطاب بن يا أيها الناس.

ب - دائرة القومية، حيث عبر القرآن (أخاهم صالح).

ج - دائرة من هم أهل الكتاب (سورة مريم).

د - وأخيراً دائرة الباحثين عن الحق (وإنا أو إياكم).

ثانياً - وحدة الأديان:

يرجع الإسلام الأديان السماوية كلها إلى أصل واحد وهو الوحي الإلهي، وأن شرائع الله تعالى قد انبثقت من مشكاة نور واحد، ولذلك يدعو الإسلام أتباعه إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين، والكتب السماوية، والكتب المنزلة السابقة، فقال تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [البقرة: ۲۸۵] وقال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [البقرة: ١٣٦].

١٥٧

دراسات مقارنة

ويبين الله تعالى بأنه شرع لهذه الأمة كل الشرائع الأساسية التي شرعها لبقية الأنبياء شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما أوحينا به إلى إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى: ١٣].

وقد ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم فقال تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء [الأنعام: ١٥٩].

بل إن القرآن الكريم يدعو أتباعه إلى اتباع سنن المرسلين يقول تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: ٩٠].

وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم جعل لفظ الإسلام اسماً مشتركاً لجميع الأديان وعلى ألسنة أكثر الأنبياء يقول في شأن إبراهيم إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) [البقرة: (۱۳۱] وقال في شأن يعقوب: إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون [البقرة: ۱۳۳] ويقول تعالى: إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ۱۹].

ونتج عن ذلك:

1- الاعتراف بالأديان السماوية الحقة، وبجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم القرآن أو الذين لم يذكرهم، وفسح المجال لأصحاب الأديان أن يعيشوا في ظل الإسلام.

٢- التعامل مع غير المسلمين بالتسامح دون الإكراه والاعتداء قال تعالى لا إكراه في الدين [البقرة: (٢٥٦] وقال تعالى: فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر [الغاشية: (۲۱] وقال تعالى محدداً وظيفة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما على الرسول إلا البلاغ [المائدة: ۹۹] وقال تعالى: فلذلك فادع واستقم كما

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

١٥٨

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير [الشورى: ١٥] وقال تعالى: لكم دينكم ولي دين [الكافرون: ٦] وقد أكد الله تعالى هذه المعاني في الآيات التي نزلت بالمدينة مثل قوله تعالى: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد [آل عمران: ۲۰].

ومن الناحية العملية كانت وثيقة المدينة التي تعتبر بمثابة دستور يحكم أهل المدينة الذين كانوا مختلفين من حيث الدين الإسلام) والشرك واليهودية) ومن حيث الجنس القحطانيون والعدنانيون واليهود حيث سوت بين الجميع في الحقوق العامة والواجبات من حسن الجوار والتناصر أو ما يسمى في عصرنا الحاضر بحقوق المواطنة.

ثالثاً - الأصل في الإسلام هو السلام لا الحرب:

الحرب في الإسلام لا يلجأ إليها إلا في حالة الضرورة، فهي ليست محبوبة من حيث المبدأ بل هي مكروهة في نفوس المؤمنين قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم.... [البقرة: ٢١٦].

وقد أكد القرآن الكريم ذلك حيث يقول: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم [الممتحنة: 7]. وقد من الله على رسوله محمد وصحبه بأن منعهم من الوقوع في الحرب فقال تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم [الفتح: ٢٤] ورد الله الذين كفروا لم ينالوا خيراً.

وتدل هذه الآية بوضوح على أن الإسلام دين سلام وعقيدة، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله

(١٥٩

دراسات مقارنة

إخوة متعارفين متحابين، وهذا الرجاء من الله تعالى معناه القطع بتحققه، وهذا ما تحقق فعلاً حيث أسلمت قريش ومعظم القبائل المحيطة، ووقف الجميع تحت لواء واحد، وطويت الثارات والمواجد.

رابعاً - تقديم الصلح على الحرب حتى ولو كان الصلح فيه بعض الغبن:

وقد أطلق الله تعالى الخير على الصلح فقال: والصلح خير [النساء: ١٢٨] وقال تعالى: .... أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس..... [البقرة: (٢٢٤) ولم يقل بين المؤمنين فقط، بل عمم الصلح والإصلاح بين الناس جميعاً، فذلك الخير والأنفع، وقال تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف تؤتيه أجراً عظيماً [النساء: ١١٤].

وقد بين الإسلام خطورة الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح فجعله من الكبائر المحرمات الموبقات، فقال تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [البقرة: ۲۰۵] وقال تعالى في وصف الكفرة المجرمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴾ [الشعراء: ١٥٢].

والإصلاح هو رسالة الأنبياء فقال تعالى على لسان شعيب عالية: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾ [هود: ۸۸] وقد جعل الله التوفيق حليف إرادة من يريد الإصلاح دائماً فقال تعالى: إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما [النساء: ١٣٥].

وربط الله تعالى بين الهلاك والإفساد، وبين النجاة والإصلاح فقال تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ﴾ [هود: ۱۱۷].

وليس الصلح والإصلاح في الإسلام مجرد شعار، وإنما طبقه الرسول (صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة حيث حينما جاء للعمرة ومعه عدد كبير من

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫٢٠١٣م

١٦٠

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

صحبه الكرام منعهم قريش على الرغم من أن كل الدلائل كانت تشير إلى أن الهدف الأساس هو أداء العمرة، ولذلك أتوا محرمين، وساقوا الهدي حتى وصلوا حديبية، حيث بركت ناقته القصواء ... ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم حاول الرسول (صلى الله عليه وسلم) دخول مكة، ولكن قريش منعته فأرسل رسله تترى لبيان موقفه لهم، حيث أرسل خراش بن أمية الخزاعي، فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش ثم أرسل عثمان بن عفان فأبلغهم رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن الهدف هو زيارة الكعبة وتعظيمها، غير أن قريشاً أخرته حتى ظن المسلمون أنها قتلته، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم) إلى البيعة تحت الشجرة فبايعوه جميعاً على الموت سوى الجد ابن قيس وكان منافقاً ثم انتهى الأمر بالصلح الذي في ظاهره تنازل من طرف المسلمين لصالح المشركين، فمثلاً كتب علي بن أبي طالب عقد الصلح، وسطر بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بن بسم الله الرحمن الرحيم فاعترض ممثل قريش سهيل بن عمرو فقال: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): اكتب باسمك اللهم.

ثم اعترض سهيل على عبارة: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله حيث قال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبدالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم): «والله إني الرسول الله وإن كذبتموني اكتب: محمد بن عبدالله فاعتذر علي بن أبي طالب عن مسح كلمة (رسول الله فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم) الكتاب فمحاها بیده

ثم اعترض سهيل على بند على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به حيث قال: والله لا تحدث العرب أنا أخذنا ضغطة».

١٦١

دراسات مقارنة

ثم اشترط شرطاً تعسفياً غير عادل وهو: أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا في حين أن من عاد من المسلمين إلى قريش فإنها لا ترده ..

ومع ذلك قبل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الاتفاقية مع تذمر المسلمين منها حيث ضاقوا ذرعاً ببنودها، وأسلوب الإملاء والصياغة، حتى قال عمر له: «ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.

ومما زاد الطين بلة أنه أثناء الاتفاقية جاء أبو جندل بن سهيل وهو مرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «إنا لم ننقص الكتاب بعد، فقال: والله إذا لم أصالحك على شيء أبداً، ففي صحيح البخاري وأبي سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم) إلا على ذلك، فكره المؤمنون ذلك والمعضوا، فتكلموا فيه، فلما أبي سهيل ... كاتبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)... ورد أبا جندل إلى أبيه... ولم يأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً ...

وقد غضب المسلمون نفسياً من رد المسلمين الفارين بدينهم حتى قالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً.

هذا الصلح الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم) وبهذه الشروط وفي ظل حنق المسلمين وغضبهم إن دل على شيء فإنما يدل على مدى أهمية الصلح لدى الرسول (صلى الله عليه وسلم بل لدى الإسلام حيث نزلت الآيات من فوق

١٦٢

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

سبع سموات سمته بالفتح إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً حتى قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً.

وحقاً كان هذا الصلح فتحاً عظيماً للقلوب حيث دخل في الإسلام بعد الصلح عام ست من الهجرة إلى عام فتح مكة ثمان آلاف، لقد جاء الرسول (صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية ومعه حوالي ۱۵۰۰، في حين جاء في فتح مكة ومعه ثمانية آلاف.

وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم من أشد المتمسكين بتنفيذ بنود الاتفاقية معه - كما سبق - والمحافظين عليها، حتى إن بعض شباب قريش الطائشين أرادوا أخذ معسكر المسلمين غرة، وكان عددهم ثمانين شاباً، لكنهم أسروا، فعفا عنهم الرسول (صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحهم مع أنه كان بالإمكان أن يجعل ذلك سبباً لنقض الاتفاقية، كما عفا عن سبعين أسيراً أسرهم المسلمون بعد الصلح، وعن أربعة حاولوا الإيقاع بالرسول فأخذهم سلمة بن الأكوع.

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك: أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسللين يريدون غرة النبي (صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم مسلماً فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفر كم عليهم [الفتح: ٢٤].

وفي هذه الآية دلالة أخرى على أهمية الصلح وعدم الوقوع في الحرب حيث إن الله تعالى امتن بذلك على المؤمنين، مما يدل على انه من النعم الكبرى وأن الحرب من حيث هي ليست محببة في الإسلام.

يقول الشيخ محمد عبد الله دراز: ومن هنا نرى أن الحرب في نظر الإسلام

١٦٣

دراسات مقارنة

شر لا يلجأ إليه إلا المضطر، فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح».

خامساً - مبدأ العدل والقسط:

يعتبر هذا المبدأ في الإسلام من أعظم المبادئ التي تقوم عليها الشريعة بل تقوم عليه السموات والأرض، ولذلك تكرر لفظ العدل ومشتقاته في القرآن الكريم ثمان وعشرون مرة، كما ذكر رديفه (القسط) في القرآن الكريم.... تناول القرآن الكريم خلالهما أهمية العدل والقسط، حيث أمر بالعدل والإحسان، فقال تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر [النحل: ۹۰] وقال تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله [المائدة: 8] وقال تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى: وأمرت لأعدل بينكم [الشورى: ١٥] وشدد في حرمة عدم العدل مع قوم ولو كانوا أعداء فقال تعالى: ولا يجر منكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى... [المائدة: ۸] وأمر المسلمين أن يكون حكمهم قائماً على العدل بين الناس جميعاً، بل جعل العدل أساساً للحكم الإسلامي، فقال تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [النساء: ٥٨] وحذر الإسلام من اتباع الهوى والرغبات والمصالح الشخصية لأن يؤدي ذلك إلى ترك العدل فقال تعالى: فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا [النساء: ١٣٥] وأمر بالعدل حتى مع البغاة الخارجين على الدولة المقاتلين فقال تعالى: فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين [الحجرات: 9].

بل إن الله تعالى نهى عن التعدد بين النساء إذا أدى إلى الجور وعدم العدل

١٦٤

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

فقال تعالى: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة [النساء: (٣) وجعل العدل شرطاً في قبول الشهادة والحكم ونحوهما، فقال تعالى واشهدوا ذوي عدل منكم

[الطلاق: ٢].

وتكرر لفظ (القسط) ومشتقاته في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة، حيث أمر الله تعالى فيها بالقسط مطلقاً أي العدل فقال: يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط [النساء: ۱۳۵ وبالقسط في الحكم فقال تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين [المائدة: ٤٢] وبالقسط في النزاعات حتى مع الخارجين عن القانون فقال تعالى: فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين [الحجرات: (٩) وجعل الله مصير هؤلاء الذين يقتلون العادلين إلى النار والعذاب الأليم فقال تعالى: ... ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [آل عمران: ۲۱] وامر ان يكون الوفاء في الكيل والوزن في الماديات والمعنويات بالقسط والعدل فقال تعالى: وأوفوا الكيل والميزان بالقسط [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى: وزنوا بالقسطاس المستقيم [الشعراء: ۱۸۲].

ومن الناحية العملية شهدت السيرة النبوية العطرة وتعامل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع الناس جميعاً أروع الأمثلة في العدل والقسط، وكذلك سيرة خلفائه الراشدين.

سادساً - الاعتراف بالاختلاف والتنوع:

من واقعية الإسلام اعترافه بالاختلاف في العقائد والأفكار والألوان والأطياف، على الرغم من أنه ينشد وحدة الأمة ويريد لهم الخير كله، حيث يقول القرآن: كان الناس أمة واحدة [البقرة: ۲۱۳] أي بعد ذلك اختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه... [البقرة:

١٦٥

دراسات مقارنة

۲۱۳] وبعد أن ذكر الله تعالى اليهود والنصارى واختلافهم قال: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات... [البقرة: ١٤٨].

وقد أكد القرآن الكريم أن الاختلاف أحد المقاصد المعتبرة للابتلاء، فقال تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود: ۱۱۸].

وهذه الآيات الكثيرة ومثلها من الأحاديث النبوية تهيئ نفوس المسلمين لقبول الآخرين المختلفين معهم عقدياً وفكرياً وأصولياً وفرعياً، والتعايش معهم بأمن وأمان، وهذا ما حدث طوال التاريخ الإسلامي، حيث عاش غير المسلمين في أكناف الدولة الإسلامية القوية، وهم يتمتعون بكامل حقوقهم بل تقلدوا مناصب رفيعة في ظلها، ولم يحدث مثل ذلك في ظل الإمبراطوريات الدينية الأخرى مثل الدولة الرومانية التي كانت تضطهد اليهود، وغير النصارى، ثم لا ينسى التأريخ ما فعله الصليبيون بالمسلمين واليهود في الأندلس.

سابعاً - الحوار بدل الشجار وقوة المنطق بدل منطق القوة:

يركز القرآن الكريم على تعويد الأمة على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالحوار، والجدال بالتي هي أحسن، دون القهر والاستبداد والصراع، حيث يقول القرآن الكريم: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: ١٢٥].

ويؤكد القرآن الكريم مرة أخرى بالنهي عن الجدال مع أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن فيقول: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [العنكبوت: ٤٦].

والقرآن الكريم بنفسه هو كتاب حوار، حيث استعرض مجموعة رائعة من الحوارات منها حوار الملائكة مع الله تعالى في استخلاف الإنسان، ومنها حوار

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -

١٦٦

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

الشيطان مع الله تعالى، ومنها حوار الأنبياء مع الله مثل حوار موسى، ومنها حوار الأنبياء مع أممهم وشعوبهم، ومنها حوارات أخرى مثل حوار صاحبي الجنة في سورة الكهف.

ثامناً - الدفاع بدل الصراع هو الأصل في التعامل:

ولم يستعمل القرآن الكريم لفظ الصراع، وإنما استعمل لفظ الدفع والدفاع والمدافعة بدل الصراع ، فقال تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور [الحج: (۳۸) وقال تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض الفسدت الأرض.... [البقرة: ٢٥١] وقال تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد) [الحج: ٤٠] حيث تدل هذه الآيات على سنة التدافع، وانها من سنن الله تعالى حيث يدفع الظالمين ولكنها لا تدل على تأصيل فكرة الصراع في قلوب المسلمين بأن يتخذوا الصراع منهجاً في تعاملهم، كما هو الحال بالنسبة لسنة الخلاف والاختلاف فهي سنة، ومع ذلك لا ينبغي للمسلمين أن يتخذوه منهجاً لهم في التعامل.

وإنما الذي اكد عليه القرآن في كيفية التعامل مع المخالفين هو منهج الدفع بالتي هي أحسن فقال تعالى في سورة المؤمنون: ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون المؤمنون: (٩٦) وفي سورة فصلت: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت: ٣٥].

فقد دلت هذه الآيات أن الواجب على الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن يقتدي به من الدعاة أن يقابل سيئة الكفرة والمنافقين والفسقة بالحسنة سواء كان في نطاق الأقوال حيث يقابل الأقوال حيث القول السيء بالقول الطيب، أو في مجال الأعمال والتصرفات حيث يقابل ذلك بالأعمال الصالحة والتصرفات النافعة

١٦٧

دراسات مقارنة

الطيبة فقال تعالى في وصف عباد الرحمن وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً [الفرقان: ٦٣] فالمسلم ينبغي أن يكون كالشجرة المثمرة التي يرميها الرامي بالحجر فتقابله برمي ثمرة، وهذا هو الأسلوب الناجح في التعامل وهو الذي له ثمار طيبة حيث تتحول العداوة إلى المحبة، والإساءة إلى الإحسان، والقطيعة إلى التواصل والأخوة، وإن كان هذا الأسلوب ليس سهلاً إلا على الصابرين الذين أعطاهم الله حظاً عظيماً من الصبر على الإيذاء، فيجزيهم الله تعالى بالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة.

التطبيقات العملية للعلاقات الدولية في حالة السلم والحرب

أولاً - في حالة السلم:

يحرص الإسلام كل الحرص على الحفاظ على الأمن والأمان، والسلام وعلى العهود والمواثيق التي تمت بين دولة الإسلام، أو المسلمين، وبين غيرهم دولاً وأفراداً، فجاءت مجموعة من النصوص الصريحة تأمر بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وقال تعالى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان عنه مسؤولاً [الإسراء: (٣٤) وجعل الوفاء بالعهود والمواثيق من صفات المؤمنين، ونقضها من صفات الكفرة والمنافقين فقال تعالى في وصف المؤمنين المصلحين والذين هم الأماناتهم وعهدهم راعون المعارج: (۳۲)، بل إن القرآن الكريم لا يجيز للدولة المسلمة نقض العهد مع دولة غير إسلامية بينهما عهود ومواثيق ما دامت لم تنقض عهدها.

وقد تضمنت الآيات العشرون (٥٥) - (۷۵) من سورة الأنفال التي هي من أواخر السور التي نزلت على الرسول الكريم صورة واضحة للعلاقات الخارجية بين الدولة المسلمة وما حولها من الدول والطوائف والمعسكرات، حيث تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ما أمكن وأن تصان هذه العهود من

١٦٨

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

النكث بها مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقة وذلك من خلال المفاهيم الآتية:

وجوب صون العهود والمواثيق من النقض والنكوث حيث سمى الناكثين بشر الدواب، فقال تعالى: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون [الأنفال: ٥٥].

٢- إن الدولة المسلمة التي لها عهود مع أناس آخرين إذا خافت من خيانتهم فإنها تنبذ إليهم عهدهم، وتخبرهم بذلك، ولا تخونهم، لأن الله تعالى لا يحب الخائنين، فالإسلام يريد من العهد الصيانة، ومن العقد الحفاظ عليه، ومن المواثيق الالتزام بها، فإذا وجد المقابل لا يحافظ على عهد، ولا يفي بعقده بل من طبعه الخيانة والمكر، فإن المسلمين لا يجوز لهم أن يقابلوا خيانتهم بخيانة، ونقضهم بنقض، بل يصارحونه، ولذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة، ويرتقي بهم إلى آفاق الأمن والطمأنينة والاستقرار، وعدم الخوف من الإغارة والخيانة.

  • - ضرورة إعداد القوة حتى لا يطمع الأعداء في الدولة الإسلامية، وهذه تسمى في الوقت الحاضر نظرية القوة الرادعة.

٤- إذا جنحوا للسلم فعلى الدولة الإسلامية أن تختار خيار السلام مع التوكل

على الله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم [الأنفال: ٦١).

وقد شدد القرآن الكريم في ضرورة الأخذ بالسلام العادل والجنوح له حتى ولو مع الخوف من الخيانة قال تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ [الأنفال: ٦٢].

ه ضرورة توفير الهيبة لهذا الدين والإرادة القوية، والاستعداد الدائم المستمر لحماية الأمة، وليست للاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين.

١٦٩

دراسات مقارنة

٦- ضرورة التأكيد على مبدأ الموالاة للمؤمنين في مقابل موالاة الكافرين بعضهم لبعض، فلا ينبغي للأمة المسلمة أن تبقى متفرقة ممزقة، وعدوها متحد يرميها من قوس واحدة، وأن الفتنة كل الفتنة هي أن لا يستوعب المسلمون قضية الولاء وإلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ﴾ [الأنفال: ۷۳).

هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم وشرورهم، جزاؤهم تخويفهم، والضرب على أيديهم بشدة حتى يتركوا هذا الصنيع الفاحش.

وجوب قيام العلاقات على الصراحة وحماية العهود والمواثيق، ونبذ الخيانة، والميكافيلية، يقول سيد قطب: إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع، ويريد للبشرية أن تعف، فلا تبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح الأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة، إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود، ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلماً كاملاً من يُبرر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية.

من دلائل حفاظ المسلمين على عهودهم مع غيرهم أن بعض المسلمين الذين لم ينضموا إلى الدولة الإسلامية لو استنصروا بها في الدين فعليها النصرة على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع المعسكر الآخر حتى ولو كان هذا المعسكر معتدياً على أولئك الأفراد في دينهم و عقيدتهم فقال تعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ [الأنفال: ۷۲].

۱۷۰

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٣١٣

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

ثانياً - في حالة الحرب:

من المعلوم أن الحرب المشروعة في الإسلام هو الجهاد في سبيل الله، وهو لأجل إعلاء كلمة الله، وليس لأجل أي غرض دنيوي، ولذلك فهو ديني أخلاقي في نظر الإسلام، وهو في حقيقته دفاع - بمعناه الواسع - عن الدين، والوطن ، وإذا حدث فقد وضع الإسلام قواعد عملية كثيرة تخفف من آثاره وتحدد بإنصاف ما يقتضيه الموقف الدفاعي البحث، فنهى عن قتل المرأة والراهب في معبده، والفلاح في مزرعته فقال تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [البقرة: (۱۹۰ ونهى عن الاعتداء حتى في حالة الحرب وأثناء الحرب فقال تعالى: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [البقرة: ١٩٠) وذلك من خلال الإجراءات الآتية:

1 - تصديق من يُعلن إسلامه ولو كان في ساحة القتال وهو منهزم وقد قتل من المسلمين، حيث قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإيمان، وحسابهم على الله وقد قال تعالى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرضاً من الحياة الدنيا [النساء: ٦٤] وبقبول المقاتل مسلماً يعصم دماء ذريته الصغار أيضاً.

  • ۲- عدم جواز قتل الرسل والرهائن مهما كانت طبيعة الدولة التي أرسلتهم، فقد روى الحاكم وصححه، وأبو داود بسندهما عن نعيم بن مسعود قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم يقول الرسولي مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة ما تقولان أنتما، قالا نقول كما قال، فقال صلى الله عليه وسلم): «لولا أن الرسل لا تقتل الضربت أعناقكما».
  • عدم قتل النساء والأطفال وكبار السن والرهبان والفلاحين والعمال

۱۷۱

دراسات مقارنة

والحراثين، ونحوهم ممن لم يشاركوا في القتال فقال تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا [البقرة: ١٩٠].

وقد ترجم الإمام مسلم في صحيحه باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، ثم روى بسنده عن عن عبد الله أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله (صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر (صلى الله عليه وسلم) قتل النساء والصبيان.

وروى أبو داود بسنده أن رسول الله قال: لا تقتلوا فانياً ولا طفلاً صغيراً وروى أحمد بسنده عن ابن عباس قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا بعث جيوشه قال: «اخرجوا بسم الله... ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع، وجاء في وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان: «إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم الله تعالى فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له. وروى ابن ماجه بسنده عن النبي (صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً، أي أجيراً.

٤- كراهة قتل الوالدين وذوي الأرحام إلا في حالة الضرورة أو الحاجة وهذا رأي الحنفية والشافعية والزيدية وذلك للأدلة المعتبرة، أما الوالدان فلقوله تعالى: وصاحبهما في الدنيا معروفا وذكر الإمام محمد بن حسن الشيباني في كتابه العظيم أن: حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن عبدالله بن أبي سلول استأذنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم في قتل أبويهما فنهاهما» ثم ذكر بعض روايات قتل الإبن أباه في الحرب وسكت عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مما يدل على أن الإبن لا يقصد قتل أبيه، ولكن إذا اقتضته الضرورة، أو الحاجة فلا يأثم بقتله

ه- عدم التحريق والإغراق وقطع الأشجار ونحوها إلا إذا اقتضتها ضرورة الحرب، أو يترتب على ذلك الإقلال من إراقة الدماء.

٦- عدم استعمال أسلحة الدمار الشامل التي يترتب عليها أضرار بغير

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :

۱۷۲

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

المقاتلين من النساء والأطفال والحيوانات والأجيال اللاحقة، حيث الأدلة الشرعية على عدم جواز ذلك متضافرة من الكتاب والسنة.

وقد نص بعض الفقهاء منهم المالكية على عدم جواز استعمال السم على الأعداء.

  • عدم قتل الحيوانات، وقد كانت وصية أبي بكر لمن يرسلهم إلى القتال: لا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكله».
  • عدم الإضرار بالبيئة بقدر الإمكان من عدم قطع الشجر ونحوه إلا إذا اقتضته ظروف الحرب، حيث جاء في وصية أبي بكر رضي الله عنه: «لا تحرقن شجراً، ولا تقطعن شجراً مثمراً».
  • الأمان والاستجارة، حيث أعطى الإسلام الحق لكل مؤمن أن يعطي حق الأمان لأي كافر من حيث المبدأ، حيث ذكرنا من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك منها قوله (صلى الله عليه وسلم): ويسعى بذمتهم أدناهم وقد قال الله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ... [التوبة: ٦]. وقد أفاض الإمام محمد الشيباني في هذا الموضوع إفاضة رائعة .

١٠- الصلح والهدنة حيث ذكرنا أهمية ذلك في نظر الإسلام، وتطبيقه في صلح الحديبية.

ثالثاً - في حالة انتهاء المعركة وانتصار المسلمين، يتدخل الإسلام في كيفية التعامل مع المهزومين وبالأخص مع الأسرى:

حيث يأمر بالإحسان إليهم، وتوفير حاجياتهم الأساسية من المأكل والمشرب والمسكن، حيث جعل الله تعالى إطعام الطعام للأسير من أفضل القربات إلى الله تعالى فقال تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتمياً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً [الإنسان: ٨ - ١٩، حيث نزلت

۱۷۳

دراسات مقارنة

هذه الآية في سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه حيث أعطى كل ما عنده لمسكين، ويتيم، وأسير، وترك أهله رضي الله عنهم يتضورون الجوع. وكذلك يتدخل الإسلام بفرض إكرام جثث القتلى بدفنهم، وعدم جواز أخذ المقابل للتسليم، أو الدفن أو نحوهما.

من أروع الأمثلة في هذا المجال موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أهل مكة الذين أذوه وعذبوا أصحابه، وفعلوا ما فعلوا طوال أكثر من عشرين سنة ومع ذلك لم يلجأ إلى الشماتة والتشفي، بل قال لهم قولته المعروفة: اذهبوا فأنتم الطلقاء».

المقارنة بين المبادئ الإسلامية والقانون الدولي الإنساني

يقصد بالقانون الدولي الإنساني - كما سبق - : مجموعة القواعد والمبادئ التي تضع قيوداً على استخدام القوة في وقف النزاع المسلح وذلك من أجل:

١- الحد من الآثار التي يحدثها العنف على المقاتلين بما يتجاوز القدر اللازم الذي تقتضيه الضروريات الحربية.

٢- تجنيب الأشخاص الذين لا يشتركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية.

ومصطلح القانون الدولي الإنساني حديث النشوء حيث استخدم أول مرة من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوثائق التي قدمتها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين الذي عقد في دورته الأولى بجنيف عام ١٩٧١ والسبب في استخدام هذا المصطلح الجديد هو إبراز الطابع الإنساني الخالص للقواعد الحربية .

ولم نجد في الفقه الإسلامي هذا المصطلح، ولا مصطلح القانون الدولي ولكن الفقه الإسلامي قد سبق القوانين الوضعية بوضع الأسس والمبادئ للعلاقات الدولية والقانون الدول الإنساني، ولكنه استعمل مصطلح الجهاد، أو السير، وكان

الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :

١٧٤

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

للأئمة الكرام، وبالأخص الإمام محمد بن حسن الشيباني المولود في ١٣٢هـ والمتوفى في ۱۸۹هـ الذي ألف سفراً عظيماً في خمسة أجزاء في السير أو بعبارة دقيقة في القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، حيث يعتبر أول رائد من رواد التأليف في القانون الدولي، حيث سبق بكتابه هذا غروسيوس الهولندي ١٥٨٣ - ١٦٤٥م الذي سمي أبا القانون الدولي في عصره.

ومن الإنصاف أن نقول: إن علماء القانون الدولي والمشتغلين به في مختلف بلاد العالم أسسوا جمعية في غوتنجن بألمانيا باسم (جمعية الشيباني للحقوق الدولية وانتخب لرئاستها في وقته الفقيه القانوني المصري الدكتور عبد الحميد بدوي، كما انتخب الدكتور صلاح الدين منجد الذي حقق كتاب السير الكبير للشيباني.

جاءت الحماية في الإسلام من خلال نصوص القرآن الكريم التي أمرت أولاً بالعدل والإحسان في السلم والحرب، وإذا اضطر المسلم أو الدولة الإسلامية إلى الحرب فيجب عليها أن لا تعتدي ولا تتجاوز العدل أبداً فقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: (١٩٤) وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا في سبيل الله الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدين [البقرة: ١٩٠] فقد دلت الآيتان على أن الحرب في الإسلام تأتي رداً على اعتداء المعتدين، وليست ابتداء، ومع ذلك فإن الرد يكون بالمثل، وأنه لا يجوز أن يقاتل إلا من يقاتل فعلاً من الأعداء، وبالتالي فإن الحماية في الإسلام تشمل كل من لم يقاتل فعلاً، سواء كان رجلاً أم امرأة لأي سبب كان، فما دام لم يدخل في ساحة القتال فلا يجوز قتله ولا الاعتداء عليه بنص القرآن الكريم.

وفي آية أخرى يعالج القرآن الجانب النفسي في الإنسان، وهو الكراهية

۱۷۵

دراسات مقارنة

والتصرفات السيئة من قبل الأعداء، والبغض لهم فيحذر من أن يكون ذلك دافعاً للظلم، والاعتداء فيقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا [المائدة: (٢) فأهل مكة منعوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن معه في صلح الحديبية وهم محرمون من العمرة بشكل مؤذ جداً، ومع ذلك يطلب القرآن منهم أن لا يكون لذلك أثر في العدل.

كما أمر الله تعالى بالعدل والقسط ومنع الظلم في أكثر من ثلاثمائة آية ليس هذا البحث مجال الخوض فيها، ولكنها تدل على أن العدل مبدأ عظيم، وقيمة لا تضاهى حتى جعل الله تعالم الظلم المرجعية للشرك فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ

عظيم [لقمان: ١٣].

وقد ذكرنا في السابق بعض التطبيقات العملية في السيرة العطرة لرسولنا العظيم (صلى الله عليه وسلم والخلفائه الراشدين وآله المطهرين.

فالقانون الدولي الإنساني - كما سبق - يشمل :

١- قانون لاهاي الذي أقر عام ۱۸۹۹ ، ۱۹۰۷م والذي ينظم حقوق وواجبات المقاتلين عند وقوع الحرب.

وقد ذكرنا أن الإسلام يوجب على المسلم مجموعة من الواجبات في جميع الحالات منها العدل وعدم الاعتداء على أحد إلا بالمثل وبالحق، كما أوصى الرسول (صلى الله عليه وسلم) مجموعة من الوصايا التي ذكرناها بشأن حالة القتال، تدل بوضوح على أنه لا يجوز للمقاتل المسلم أن يوجه سلاحه إلا إلى المقاتلين، وكان هذا مطبقاً في الحروب التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم)، وخلفاؤه الراشدون، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قانون جنيف الذي يستهدف توفير الحماية والمعاملة الإنسانية للمدنين الذين لا يشاركون في الحرب، حيث يشمل على اتفاقيات جنيف الأربع العام

١٧٦

الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

١٩٤٩م الخاصة بضحايا الحرب والبروتوكلين المضافين إليها اللذين أقرا في جنيف عام ١٩٧٧.

وهذه الاتفاقيات تستهدف حماية حقوق الإنسان في حالة الحرب، وحماية المدنين، وأن تكون الحرب نفسها مشروعة، وهكذا، وقد تحدثنا عن رأي الإسلام في هذه المجالات.

وبهذا يتبين لنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة أن الفقه الإسلامي سبق المجتمع الدولي في وضع الأسس والمبادئ العامة للتعامل في حالة الحرب، وطبقها بدقة وأمانة ومنتهى الشفافية في الحروب والغزوات التي خاضها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك أبلى سيدنا الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بلاء حسناً، وقدوة ومباركة في حالة الحرب والنزاعات الداخلية، حيث عامل الخوارج الذين قاتلوه معاملة المسملين على الرغم من أنهم شددوا القول في حقه، وكفروه، فمنع أخذ أموالهم وعامل أسراهم وجرحاهم معاملة في قمة الإحسان.

والله الموفق وهو أعلم بالصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.

نهاية البحث