2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 8-9قراءة البحث

آليات السياسة الجنائية في الإسلام ورفع مستوى أداء نظام العقوبات الإسلامية

العدد 8-9
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 8-9
بحث منهجي

آليات السياسة الجنائية في الإسلام ورفع مستوى أداء نظام العقوبات الإسلامية

حسنعلي علي أكبريان

لا ريب أنّ اقتراف أيّ جريمة أو خرق للموازين الأخلاقية والأعراف الثقافية في المجتمع البشري، سيؤول إلی الفوضی ويخلّ بالأمن الاجتماعي. فما هي السياسات المثالية التي تُساعد على تخفيف أضرار الجرائم، ولا تمسّ بأمن المجتمع؟ وما هي السياسة التي بمقدورها تقديم أنجع طرق للإصلاح، في حال اقتُرفت مثل هذه الجرائم، أو حدث اعتداء على القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية؟
إذا توسّعنا في مدلول السياسة الجنائية بقليل من التساهل في مداليل اللفظ، فإنّ هذه الوظيفة تندرج ضمن إطار السياسة الجنائية، وهي مُخوّلة بالرد علی هذه الإشكالية. فالسياسة الجنائية بمدلولها الواسع من جانب، تضمّ في طياتها الجرائم القانونية والسلوك اللاأخلاقي، ومن جانب آخر، تُشرف علی وظائف الحكومة، ومسؤوليات الأفراد والمؤسسات العامة، وتضع قوانين جزائية صارمة للتّصدي لظاهرة الجريمة.
كما يُمكن صياغة السياسية الجنائية، صياغةً عنيفةً أو مرنة، أو مصحوبة بالصدام والمواجهة، صياغة قد تتحلّی بالهدوء والسكينة، أو تكون جافة وصارمة أو شديدة المرونة.
كل هذه الصفات، يمكن أن تتحلّی بها السياسة الجنائية، بفضل التعاليم الإسلامية التي تقدّمها لمنظومة القضاء، وتحديداً للسياسة الجنائية، ما يجعلها سياسة ذات طابع مرن وسلس. ومن أبرز هذه الآليات، تجدر الإشارة إلی فريضة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كواجب اجتماعي.
إنّ التدرج في التجريم وإنزال العقوبة، والصمت تُجاه الجريمة، وفرض التزاحم، فبِفضل هذه الآليات تطرأ عدّة تغييرات علی السياسة الجنائية، أولاً: تتحوّل السياسة الجنائية من واجب حكومي إلی منهج للحكم. وثانياً: ستُطبّق معظم الأحكام الثابتة في الإسلام بشكل صحيح، وفقاً للظروف المتغيرة والسيرورة الزمنية. وهنا تتجلّی لنا جدلية الثابت والمتحوّل.
تسعی هذه المقالة، ومن خلال منهج تحليلي، تسليط الضوء علی تأثير هذه الآليات الثلاثة، في سبيل الوصول إلی الأهداف الآنفة الذكر، كما تقدم دراسة مستفيضة لشروط اعتبار هذه الآليات.

عنوان المقال:

آليات السياسة الجنائية في الإسلام ورفع مستوى أداء نظام العقوبات الإسلامية

الكاتب:

د. حسنعلي علي أكبريان باحث في الفقه والقانون الجنائي الإسلامي

هيكل المقال:

يتكوّن المقال من مقدمة ومحاور تحليلية تنتهي بخاتمة واستنتاجات:

مقدمة: تعريف الإشكالية وأهمية السياسة الجنائية

محور أول: توسيع مفهوم السياسة الجنائية وموقعها من الدين

محور ثانٍ: مقومات نظام العقوبات في الشريعة الإسلامية

محور ثالث: سبل تطوير الأداء العقابي ورفع فاعليته

أهم محاور المقال:

1. الإشكالية المركزية:

كيف يمكن التوفيق بين العقوبة الشرعية ومقاصد الإصلاح الاجتماعي؟

هل السياسة الجنائية الإسلامية تُعنى فقط بالردع والعقاب أم تشمل الإصلاح والتقويم؟

2. السياسة الجنائية بمفهومها الواسع:

السياسة الجنائية لا تقتصر على المعالجة القانونية، بل تشمل:

الأخلاق العامة

الأعراف الاجتماعية

التربية الدينية

مسؤولية الحكومة والمؤسسات

3. مقومات العقوبة الإسلامية:

العقوبات في الإسلام قائمة على مراعاة:

الضرورات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)

رفع الحرج وقاعدة نفي الضرر

مراعاة العدالة والرحمة في التطبيق

يُستفاد من قاعدة «نفي الظلم» و«الحدود تدرأ بالشبهات»

4. التحسينات المقترحة لتفعيل العقوبة:

إعادة النظر في تطبيق الحدود في ظل الظروف المعاصرة

الاستفادة من تجارب الفقه المقارن والآراء الاجتهادية المختلفة

ضرورة الجمع بين الردع والوقاية والإصلاح

النتائج والتوصيات:

العقوبة في الإسلام ليست انتقامية، بل تهدف إلى حماية المجتمع وإصلاح الجاني

لا بد من تطوير السياسة الجنائية وفق المعايير الشرعية والمقاصدية

ضرورة تفعيل الفقه الاجتهادي لتكييف العقوبة مع تحولات الزمان والمكان

إصلاح النظام العقابي يتطلب توازنًا بين النصوص والمقاصد، وبين الردع والرحمة

الكلمات المفتاحية:

السياسة الجنائية، العقوبة الإسلامية، رفع الحرج، نفي الظلم، الردع والإصلاح، الفقه المقارن

آليات السياسة الجنائية في الإسلام ورفع مستوی أداء نظام العقوبات الإسلامية

الشيخ د. حسنعلي علي أكبريان)*)

الخلاصة

لا ريب أنّ اقتراف أيّ جريمة أو خرق للموازين الأخلاقية والأعراف الثقافية في المجتمع البشري، سيؤول إلی الفوضی ويخلّ بالأمن الاجتماعي. فما هي السياسات المثالية التي تُساعد على تخفيف أضرار الجرائم، ولا تمسّ بأمن المجتمع؟ وما هي السياسة التي بمقدورها تقديم أنجع طرق للإصلاح، في حال اقتُرفت مثل هذه الجرائم، أو حدث اعتداء على القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية؟

إذا توسّعنا في مدلول السياسة الجنائية بقليل من التساهل في مداليل اللفظ، فإنّ هذه الوظيفة تندرج ضمن إطار السياسة الجنائية، وهي مُخوّلة بالرد علی هذه الإشكالية. فالسياسة الجنائية بمدلولها الواسع من جانب، تضمّ في طياتها الجرائم القانونية والسلوك اللاأخلاقي، ومن جانب آخر، تُشرف علی وظائف الحكومة، ومسؤوليات الأفراد والمؤسسات العامة، وتضع قوانين جزائية صارمة للتّصدي لظاهرة الجريمة.

كما يُمكن صياغة السياسية الجنائية، صياغةً عنيفةً أو مرنة، أو مصحوبة بالصدام والمواجهة، صياغة قد تتحلّی بالهدوء والسكينة، أو تكون جافة وصارمة أو شديدة المرونة.

كل هذه الصفات، يمكن أن تتحلّی بها السياسة الجنائية، بفضل التعاليم الإسلامية التي تقدّمها لمنظومة القضاء، وتحديداً للسياسة الجنائية، ما يجعلها سياسة ذات طابع مرن وسلس. ومن أبرز هذه الآليات، تجدر الإشارة إلی فريضة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كواجب اجتماعي.

إنّ التدرج في التجريم وإنزال العقوبة، والصمت تُجاه الجريمة، وفرض التزاحم، فبِفضل هذه الآليات تطرأ عدّة تغييرات علی السياسة الجنائية، أولاً: تتحوّل السياسة الجنائية من واجب حكومي إلی منهج للحكم. وثانياً: ستُطبّق معظم الأحكام الثابتة في الإسلام بشكل صحيح، وفقاً للظروف المتغيرة والسيرورة الزمنية. وهنا تتجلّی لنا جدلية الثابت والمتحوّل.

تسعی هذه المقالة، ومن خلال منهج تحليلي، تسليط الضوء علی تأثير هذه الآليات الثلاثة، في سبيل الوصول إلی الأهداف الآنفة الذكر، كما تقدم دراسة مستفيضة لشروط اعتبار هذه الآليات.

الكلمات المفتاحية: العقوبة، السياسة الجنائية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التدرّج في التجريم والعقوبة، الصمت حيال التجريم.

المقدمة

السياسة الجنائية اصطلاحاً

لقد حُشر مصطلح السياسة الجنائية منذ ظهوره في إطار ضيق، واقتصر علی قرارات الحكومات حول الجرائم القانونية. لكن توسّعت دلالاته من ثلاث نواح: أولاً: فضلاً عن قرارات الحكومة، كانت وظائف الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني تندرج ضمن هذا الإطار، ثانياً: فضلاً عن الجرائم القانونية، كانت السياسة الجنائية تعتني بمواجهة السلوك اللاأخلاقي، وخرق الأعراف العامة، ثالثاً: فضلاً عن العقوبات التي تعقب ارتكاب أي جريمة، تتطرّق هذه السياسة إلی تفادي الجريمة قبل وقوعها،(1) والسياسة الجنائية بهذا المدلول الواسع، يجب أن تُحكم سيطرتها علی السلوك الإجرامي وخرق الأعراف العامة والسلوك اللاأخلاقي.

الأحكام الثابتة والسياسة الجنائية

وضع الإسلام بعض العقوبات المتعلقة بالمحرمات. حيث وضع (حدّاً) ثابتاً خالداً عند ارتكاب بعض المحرمات، ووضع في البعض الآخر (التعزيز) الذي يترك مساحة من الحرية للقاضي كي يتخذ قراره حسب تقييمه للمحرّم. لكن هذه التعزيرات مثقلة بالاختلافات العديدة بين الفقهاء. ومن أبرز هذه الاختلافات تجدر الإشارة إلى: أولاً: يری البعض أنّ جميع المحرمات تتمتع بحيز من التعزير(2)، في حين يری البعض الآخر أن التعزير يقتصر علی كبائر المحرمات(3)، ثانياً: تری مجموعة من الفقهاء أنّ التعزير ثابت لكن مقداره متغير، حيث يحق للقاضي تحديد ذلك المقدار، وقد يری البعض الآخر حرية القضاة في تحديد نوع التعزير أيضاً، وقالوا إنّ تحديد نوع التعزير ومقداره متروك للقاضي، فهو المخوّل بتحديد النوعية والكمية. ثالثاً: لم تسلم ضرورة تنفيذ التعزير من الاختلاف. حيث يری البعض أنّ فرض ثبوت الحرام، يستوجب التعزير ويُلزم الحاكم بتنفيذ التعزير(4). كما يعتقد البعض الآخر أنّ أصل تنفيذه متروك للحاكم.(5) هذه هي حالة الأحكام الثابتة والمتغيرة في الجنايات.

إنّ وجود الأحكام الثابتة، ستحدّد إطار السياسة الإسلامية في السياسات الجنائية، وتضعها في اطار محدّد. ولا توجد هذه الأبعاد في السياسات غير الإسلامية.

أساس تبعية الأحكام للمصلحة والمفسدة الحقيقية في السياسة الجنائية

لا تستثني قوانين العقوبات الإسلامية من مبنی تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، فهذه المصالح والمفاسد، وبناء علی النظرة الصائبة، تتجلی في مستوی حكمة تشريع الأحكام دون مستوی علتها.(6) لهذا ليس بالضرورة أن توجد هذه المصالح والمفاسد في جميع حالات الأحكام الشرعية. لكن هذا لا يعني أنّ معظم مصاديق الحكم الشرعي فارغة من المصلحة والمفسدة. بمعنی آخر، هذه الحكمة يجب أن تتجلّی في معظم مصاديقها،(7) أو لا أقل في كثير من مصاديقها.(8) ومن بين أبرز تجليات الحِكمة من تشريع العقوبات الإسلامية ينبغي الإشارة إلی الردع، وتهذيب وتربية المجرم وإعادة تأهيله، والحفاظ علی أمن المجتمع الذي يُعاني من الجرائم.(9)

هذه الحكمة العامة تتجلّی في جميع أو معظم حالات العقوبات الإسلامية. فإن خلت عقوبة من منظومة العقوبات الإسلامية من حكمتها بسبب الشرط الزمني المتغير، ولم تستطع مقاومة السيرورة الزمنية المتحولة باضطراد، أو عانت من ضمان حكمتها، يأتي الدور لمهارة وحنكة السياسة الجنائية لضمان المصلحة العامة، كي تنجح في ضمان أغلب (من ناحية الكم)، وأهم (من ناحية النوع) المصالح وأكثرها ضرورة.

علاقة السياسة الجنائية بالسلوك اللاأخلاقي والاعتداء على الأعراف العامة

الأحكام المباحة بمدلولها العام، من منظور الشريعة، تعني المستحبات والمكروهات، والمُباحات علی وجه الخصوص، ليس لها (حدّ) ولا (تعزير) (10). فالسلوك اللاأخلاقي يكون كالمكروه، طالما لم يتجاوز المسموح به ويدخل ساحة المحرمات، فلا تترب علی هذا السلوك أيّ عقوبة. كما نری ثمّة سلوكاً ثقافيّا في المجتمعات البشرية، لا يُعد اختراقها فعلاً محرماً ولا مكروهاً، ولا يُعد الفعل بحد ذاته لاأخلاقياً. لكن قد يُفضي إلی حالة استياء وصدام اجتماعي. علی سبيل المثال وليس الحصر، احترام الأعراف والتقاليد المحلية في مراسيم الزواج، التي لا تُعتبر بحدّ ذاتها عملاً مستحباً، وتُعد سلوكاً سليماً لدى سكان تلك المنطقة.

كما سبق القول، السلوك اللاأخلاقي قد يفضي إلی حالة استياء اجتماعي، وينال من أمن المجتمع، ويتضمن تطاولاً علی العُرف العام. فهل في مثل هذه الحالة التي تخلو من العقوبة الشرعية، تستطيع السياسة الجنائية أن تقدّم حلولاً للحفاظ علی أمن المجتمع وسكينته؟ هذه الحالة أيضاً تتطلّب مهارة وتخطيط من السياسة الجنائية وكيفية مواجهة التحديات.

رسالة السياسة الجنائية في تسيير وتسهيل تطبيق الحُكم

يندرج التجريم القانوني وتحديد العقوبات القانونية ضمن وظائف وواجبات الحكومة. وتطبيق هذه القوانين علی المجتمع وتنفيذ العقوبات بواسطة الحكومة، يحمل بين طياته العنف والمواجهة، حيث تفرض علی الحكومة انتهاج سياسات صارمة ومشوبة بالعنف تجاه ذلك المجتمع. وهذا العُنف يؤدي بحدّ ذاته إلی الصدام والمواجهة بين الحكومة والشعب. وتزداد حدّة الصدام بقدر انتشارها في المجتمع. ومن مهارات السياسة الجنائية تحجيم آثار العنف، وتطويق حالات الصدام وضمان أمن المجتمع النفسي. فهذه من أهم ضرورات القانون الجنائي الذي يجب أن تتوفّر.

أما الآليات الإسلامية التي نتطرّق إليها في هذا البحث، فهي مهارة السياسة الجنائية في الإسلام، وتحديداً في الحالات الآنفة الذكر.

آلية تنزيه الثقافة الاجتماعية العامة

لقد وردت في الفقه ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشروط وجوبهما، ومراتبهما(11). لذلك، فلن نأتِ بجديد في هذه المقالة حول ثلاثية: الماهية، والشروط، والمراتب. لكن ما تسعی المقالة لتسيلط الضوء عليه، هو تأثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تنزيه الثقافة الاجتماعية العامة، كوسيلة ناجعة في السياسة الجنائية.

لا غرو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القلبي واللساني فريضة واجبة علی أفراد المجتمع كافة. وهي آلية ناجعة بيد السياسة الجنائية لتنزيه الثقافة الاجتماعية العامة، وهي مخوّلة بتقليص العنف وتطويق الصدام الذي يُعدّ من ضرورات وشروط تنفيذ القانون الجنائي. وهذه الجهات هي: 1. العمل على ثبوت ماهية المعروف والمنكر في الثقافة العامة للمجتمع. 2. ضمان القبول العام في السياسة الجنائية الإسلامية بتجريم ومجازات المنكر. 3. تنزيه المجتمع عن المخالفات الأخلاقية وانتهاك العُرف العام، من دون تطبيق قانون حكومي. وفي ما يلي نتطرّق إلی هذه الجهات الثلاثة بصورة موسّعة:

ثبوت ماهية المعروف والمنكر في ثقافة المجتمع

إذا حكمت السياسة الجنائية بتجريم سلوك ما في المجتمع، في حين لا تعتبره الثقافة العامة في المجتمع المزعوم منكراً لكي تترتب عليه جريمة، فإن كان هذا السلوك من منظور الشريعة منكراً ومحرماً، وكان أساس تجريمه وتطبيق العقوبة تجاهه يؤدِّي إلى نوع من العنف تمارسه الحكومة ضد المجتمع. فإنّ هذه السياسة الجنائية لن تحظى بقبول عام في ثقافة المجتمع. لكن إذا اعتبرته الثقافة العامة سلوكاً منكراً، فهي تبادر بالمطالبة بتجريمه وإنزال العقوبة علی مرتكبه علی أساس الأحكام القضائية.

فهذه الحالات السلسة والمرنة في تنفيذ العقوبة تخلو من تلقّي عنف الحكومة تجاه المجتمع. كما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يمهّد الثقافة العامة لقبول السياسة الجنائية. لكن إذا تُرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، سوف يتحوّل المنكر بعد جيل، إلی معروف، وسيكون المنكر سيد الموقف، وسلوكاً عاماً لا تترتب عليه عقوبة. وقد رُويت عن الرسول الأكرم9 رواية تدلّ علی صحة هذه المزاعم. وقد نقلها الكليني في الكافي والرواية هي: «عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله7 قال: قال النبي9: كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم، وشرٌّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: نعم، وشرٌ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً». (12)

ضمان مقبولية في السياسة الجنائية الإسلامية بتجريم ومجازاته

إذا تلاءمت القيم والقيم المضادة في الثقافة العامة مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطابقت مع قوانين الشريعة، فإنّ السياسات الجنائية لذلك المجتمع ستحظى بالقبول العام وسيتحوّل الناس إلى مواطنين فاعلين يطالبون بتنفيذ السياسة الجنائية وتطبيق قوانين الشريعة.

تنزيه المجتمع عن المخالفات الأخلاقية

إنّ السلوك المخالف للأخلاق العامة، وانتهاك المعايير الأخلاقية السائدة في المجتمع، تهدد سلامة المجتمع النفسية من جانب، ومن جانب آخر، تعجز الحكومة عن تجريم السلوك غير المُحرم من منظور الشريعة، ولا طاقة لها بإنزال العقوبة وتحديدها. لهذا، يقف القانون مكتوف الأيدي تجاه تنزيه المجتمع. بيد أنّ السياسة الجنائية في الإسلام أوسع نطاقاً من القانون. فقد يشتمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المستحب والمكروه. مع الفرق أنّ الأمر بالمستحب والنهي عن المكروه، مستحب وليس واجباً ويقتصر على المرحلة القلبية واللسانية. وقد أسهب الفقه في شرح هذه المسألة(13)، ونختصرها في هذا المضمار ونكتفي بذكرها من حيث تأثيرها على تنزيه نفسيات المجتمع، مراعاة لمقتضی المقال.

يبدو أن شمول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى بشكله الاستحبابي يفترض التبيين والشرح في حالات انتهاك السلوك الثقافي السائد، الذي لا هو بمحرّم ولا هو بمكروه. إذن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتطلّب تبييناً في أدقّ حالاتهما. علی سبيل المثال، هل الأمر باحترام التقاليد المحلية السائدة، والنهي عن انتهاكها أمر مستحب؟ بتعبير آخر، هل المعروف والمنكر مفهومان يقتصران على الشرع، أم أنّ هناك معروف ومنكر عُرفيان وثقافيان يتعلقان بالأعراف والتقاليد السائدة في المجتمعات، بشرط ألّا يمسّان بشروط الشّرع المقدس.

لا بدّ لنا في هذا المضمار من استحضار حديث الإمام علي7 الذي وجّهه إلى عامله مالك الأشتر والذي قال فيه: «ولا تنقض سُنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلُحت عليها الرعية. ولا تُحدثنّ سُنة تضر بشيء من ماضي تلك السُّنن، فيكون الأجر لمن سنّها والوزر عليك بما نقضت منها».(14)

المقصود بقوله: «سنّة صالحة» في هذ العهد، يشمل الأعراف والتقاليد المعنية بموضوعنا. فقد نهى الإمام علي مالكاً ألّا ينقض سنّة صالحة بصورة مباشرة، وألّا يستحدث سنّة جديدة تضرّ بالسنّة الصالحة بطريقة غير مباشرة. فهذا التأكيد على احترام السُّنن الصالحة السائدة في المجتمعات إنّ دلّ علی شيء، فإنما يدلّ على موقف الإسلام تجاه هذه السُّنن، فلم يكن موقفاً حيادياً ولم يعتن بالأعراف الصالحة، بل يؤكد على ديمومتها وإحيائها وتعزيز مكانتها الاجتماعية.

فإن رأی المجتمع أن تلك السنّة الصالحة معروفاً ـ وهو كذلك ـ ولا غرو أن تشتمل أدلّة الاستحباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علی هذه الحالات أيضاً. وسبب اعتبارنا هذا النوع من الأمر والنهي مستحباً لا واجباً، في حين أنّ النهي كان ظاهراً في التحريم، عائد إلى أنّ موضوع النهي المذكور في حديث الإمام هو الحاكم ولا يشمل الرعية، وأنّ النهي يتعلّق باجتثاث السُّنة الحسنة واقتلاعها من ساحة الأعراف السائدة. في حين نجد أولاً: إنّ موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي نتحدث عنه في مقالنا هو الرعية، وثانياً: إنّ متعلق النهي في بحثنا هو ما إذا كانت هذه الرعية لا تمتثل للسنن الصالحة كأفراد وليس كجماعات. زِدْ علی ذلك، إنّ حكم الأمر والنهي في مثل هذه الحالات لا يُمكن أن يكون أشد من حكم الأمر بالمستحب والنهي عن المكروه.

التدرج في التجريم والجزاء

المقصود بالتجريم والجزاء التدريجيين، هو أن تتخذ الحكومة خطوات تدريجية في ما يتعلق بتجريم عمل شرعي حدّد له الشرع المقدس (حدّاً) أو (تعزيراً)، وذلك لوجود عقبات وأسباب تحول دون اتخاذ قرار صارم في الوهلة الأولی؛ لأنّ التجريم في المراحل الأولية والسطحية للعمل المخالف، إما لكونه یشكل ظلما في بعض الأحيان أو یفضي إلى المزيد من الفساد، أو لم یلبّي التجريم الحدّ الأدنی من فلسفة العقوبة الإسلامية. فهذه الخطوة التدريجية في التجريم، تمكن الحكومة من إزالة العقبات التي تقف عائقاً أمام القرارات القضائية وتمهّد الأرضية اللازمة لاتخاذ التجريم لما هو محرم شرعاً.

التدرّج في العقوبة، يعني أنّ الحكومة تلتزم جانب الصمت بصورة مؤقتة حيال تنفيذ العقوبة الشرعية المتعلقة بالجرم، لأسباب خاصة تفرض عدم البتّ في القرار واتخاذ قرارات اُخر؛ لكي تتمكن من تمهيد الأرضية المناسبة لاتخاذ قرارات صحيحة آخذةً حالة المجتمع بعين الاعتبار.

ممن أهم العوامل في لزوم اتخاذ مثل هذه القرارات التدريجية، هو أن تشعر المتشرعة (وليس غير المُتشرعين) بارتكازهم المُتشرِّعي ، بنوع من العسف في تطبيق الأحكام الشرعية. ومن هذه العوامل أيضاً، كون المجتمع حديث عهد بالإسلام. وفيما يلي نستعرض هذين العاملين:

التدرج بسبب تلقِّي الظلم:

1. إنّ لم تتوفّر شروط الامتثال إلى حكم شرعي في المجتمع بصورة عامة، فإنّ فرض احترام ذاك الحكم علی الناس من قبل الحكومة وحملهم علی الامتثال للشرع وإنزال العقوبة الشرعية عند انتهاكه، تتضمن الظلم والعسف عند الارتكاز المُتشرعي.

علی سبيل المثال لا الحصر، إذا شهد المجتمع الترويج للشُّبهات العقائدية من قبل الإعلام المناهض للشرع أو الدعاية المناهضة للشريعة في ذلك المجتمع، ولم توجد أيّ جهة، لا مدنية ولا حكومية، ولا دينية، قادرة على الرد على الشبهات المطروحة أو تحمل على عاتقها الرّد علی الشبهات والدعايات، بحيث يتخلی الناس عن تلك الشبهات تماماً أمام هجمتها، فإنّ تنفيذ حكم عقوبة الإعدام للمرتد في هذا الافتراض يكون ظلماً. ففي هذه الحالة إن علی الوقت السياسة الجنائية أن لا تجرِّم الارتداد بشكل مطلق، بل تجرم المرتبة الشديدة له فقط علی سبيل التدریج في إنزال العقوبة (التدرج في التجريم)، فلا تُطبق عقوبة الإعدام بحقه، بل يجعل له عقوبة أخف (التدرج في العقوبة).

وقد ذهب البعض إلى أنّ تلقي الظلم يفضي إلى تقييد الحكم الشرعي قبل أن يؤثر في التشريع الحكومي، يعني أن الشريعة لا تنفذ الحكم حيال المُرتد ومعاقبته،(15) بتعبير آخر، يری هؤلاء أن تلقي الظلم مؤثر في استنباط الحكم الشرعي، بيد أنّنا نرى أنّ العقوبة الشرعية تُجاه المرتد حكم شرعي ثابت لا رجعة فيه، وتلقي الظلم إنما يؤثر سلباً في القانون الحكومي،(16) بعبارة اُخری، يرجع تلقي الظلم إلى مقام التشريع الحكومي، وليس إلى مقام الاستنباط، ولهذا نرى أن هذا التدرج متروك إلى الفقيه بما هو ولي، لا إلى الفقيه بما هو مفتٍ. وهنا يقف المشرع الحكومي أمام مبدأ (التدرج في العقوبة)؛ لكي يعزّز من قدراته الثقافية والتثقيفية ويصبح قادراً للردّ علی الشبهات، حتى يعود المجتمع إلی ما كان عليه من اتّزان، وتمهّد الأرضية اللازمة لتطبيق العقوبة الشرعية للمرتد من غير أن تحوم حولها شكوك الظلم والعسف.

التدرج بسبب كون المجتمع حديث العهد بالإسلام:

إذا كان المجتمع حديث عهد بالإسلام، ولم يكن يعرف شيئاً عن الثقافة الإسلامية، ولم يكن قانونه مسنوناً علی أساس الشرع، و هو في طور أسلمة القوانين والأحكام، فقد يعجز عن أسلمة قوانينه بحذافيرها ويضعها تحت غطاء الشرع. ذلك لأنّ إقناع الرأي العام ضرورة لا بدّ من توفّرها كشرط لديمومة الحكومة والقوانين. فالرضا العام يجعل القوانين سارية المفعول في المجتمع.

بتعبير آخر، يُمكن أن تواجه الحكومة تزاحم القوانين، فتصبح علی مفترق طرق، ولن تجد بدّاً من الحسم، فإمّا أن تتخذ قراراً صارماً وتحكم بتنفيذ حكم شرعي يعارضه الرأي العام ولا يرضى بتطبيقه، فتنفّر الرأي العام من الإسلام، وتفقد قاعدتها العامة وشعبيتها وتصدّع صرح الحكومة الوليدة، وإمّا أن تتوخّی الحيطة والحذر، وتلتزم جانب التدرج حيال هذا الحكم أو ذاك وتتريث في تنفيذه لتهدئة الرأي العام وتمهيده لقبول تطبيق قانون الشرع. وإذا فضّلت الحكومة الحالة الثانية علی الأولی، فإنّها ستكون مضطرة لاتخاذ التدرج طريقاً لتمهيد الرأي العام والتدرّج نحو تهيئة الأفكار والنزعات لقبول قوانين الشرع وتطبيقها على المجتمع.

وهنا يقتضي التنويه، أنّ هذا التدرج لا علاقة له البتّة بمقام استنباط الحكم الشرعي. وهو يتعلّق فقط بمقام التنفيذ والتطبيق. بتعبير آخر، لا یتعلّق التدرج بفتوی الفقيه، وإنما علاقته بشأن ولايته.

مقايسة التدرج في الاستنباط والإفتاء، والتدرج في التطبيق والولاية

وردت قضية تتعلّق بتطبيق حكم السرقة في أيام مجاعة، حيث أفتى فيها الفقهاء بسبب ورود روايات تتحدث عنها.(17) فقد روى الشيخ الكليني ثلاث روايات حول هذا الشأن(18):

الاُولی: «عن أبي عبد الله7 قال: لا يقطع السارق في سَنة المحل، في كل شئ يؤكل مثل الخبز واللحم وأشباه ذلك».

والثانية: «عن أبي عبد الله7 قال: لا يقطع السارق في عام سَنة، يعني في عام مجاعة».

والثالثة: «عن أبي عبد الله7 قال: كان أمير المؤمنين7 لا يقطع السارق في أيام المجاعة».

ونرى ـ دون أن نكون في موقع تقييم الفتوى في هذه الروايات ـ أنّه من المحتمل أن هذه الروايات الثلاثة، والرواية الثالثة على وجه الخصوص، ذات صلة وثيقة بولاية المعصوم.

وقد أفتى البعض حول تطبيق الحدود جميعها، بأنّ تطبيق جميع الحدود لا يصح إلّا بعد تطبيق جميع أحكام الإسلام في المجتمع، أيّ بعد استتباب الشرع فيه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، فقال:

مسألة: الظاهر أنّ في مثل هذا الزمان الذي لم يُطبق الإسلام بكامله، لا تجري الحدود على ما فصلناه في بعض كتبنا، والذي يبدو للنظر، وإن كان اللازم في هذا الباب الرجوع إلى شورى الفقهاء المراجع، أنّ على الدولة الإسلامية أن تستبدل العقوبات إلى التأديب بالسجن ونحوه، ممّا يُصلح أن يكون رادعاً، لعدّة سنوات، إلى أن يطبق الإسلام في كافة جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، فانّ رسول الله9 لم يطبق قانون العقوبات، إلّا بعد أن طبق الإسلام في المدينة المنورة كاملاً، وبعد ما قلع أسباب الفساد وجذوره. قال تعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفاً وطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].(19)

وهو لا يدّعى عدم حرمة الفعل قبل الإصلاح(20)، وإنّما يُقال بعدم تطبيق الحدود قبل الإصلاح.

التدرُّج بسبب التعطيل العام للأحكام الشرعية المتعلقة بالحكم المقصود

لا غرو أنّ فلسفة بعض أحكام الإسلام الشرعية ذات علاقة وطيدة ببعضها، بحيث تشكل حبكة متماسكة الأجزاء. علی سبيل المثال، فلسفة الفرق في قانون الإرث بين الرجل والمرأة عائد حسب الروايات إلی أحكام المَهر، والنفقة، والجهاد، وضمان الدية في الخطاء المحض علی العاقلة. بتعبير آخر، تُبرر أسباب اختلاف قانون الإرث بين الرجل والمرأة، بامتيازات اُخر منحها الإسلام للمرأة مثل المهر، ووُجوب تسديد النفقات، والجهاد الواجب علی الرجل، وثبوت ضمان الديات علی العاقلة. فإذا قلنا بترابط فلسفة هذه الأحكام وفلسفة اختلاف دية الرجل والمرأة أيضاً، ويفترض علی سبيل المثال في مجتمع ما، أنّ أحكام المَهر ووجوب النفقة وضمان العاقلة في الثقافة العامة للمجتمع غير مطبقة عمليّاً بالكل، ومن جهة اُخری تنتفي ضرورة الجهاد، ويؤكد المجتمع علی تعطيل هذه الأحكام، (يعني افتراض أنّ قوانين المهر والنفقة غير موجودة على الإطلاق في ثقافة ذلك المجتمع، وقد تركت تماماً من عادات المجتمع وتقاليده) فإنّ تنفيذ الأحكام المتعلقة باختلاف الدية بين الرجل والمرأة في ذلك المجتمع يبدو ظلماً. وحتی إذا بادر المشرّع الحكومي بتقنين الأحكام المعطّلة، فما دام لا تطبق هذه الأحكام في المجتمع خارجيّاً وواقعيّاً، فإنّ تنفيذ أحكام فرق الدّية بين الرجال والنساء سيكون ظلماً.

وقد يؤثّر هذا التعطيل علی لزوم سنّ القوانين بصورة متدرجة، ويترك تأثيره علی تلائم القوانين المدنية مع الأحكام الإسلامية.

توضيحه:

مثلما يتوجّب علی الحكومة تطبيق الأحكام الإسلامية في المجتمع المسلم، فهي مسؤولية أيضاً حيال مقاصد الشريعة وأهدافها، خاصة في ما يتعلّق بالعدالة. فإذا ثبتت علاقة فلسفة بعض الأحكام ببعضها، ورأت الحكومة أن المجتمع قد عطّل بعض الأحكام الشرعية بصورة عامة (وليس فردية)، وأدركت أنّ تطبيق حكم شرعي آخر، بسبب تعطيل تلك الأحكام، سوف لا يحقق الأهداف التي وُضع من أجلها، ويبدو تطبيقه تعسفياً، فعلی الحكومة أن تبذل سعيها لتطبيق تلك الأحكام المعطلة في المجتمع، أولاً بتمهيد البيئة اللازمة لتطبيق ذلك الحكم، من دون أن يُوحي تطبيقه بالظلم والعسف، عندها يجب للوهلة الاُولی التزام الصمت حول ذلك الحكم أو التصريح بعدم تطبيقه أو تقييده بحالات خاصة، للحيلولة دون تبنّي الأحكام المؤقتة التعسفية.

وفي الخطوة الثانية، تبادر بتعميم تلك الأحكام المعطلة علی المستوی العام، وإزاحة مسحة الظلم من تطبيق ذلك الحكم وإضفاء الطابع القانوني عليه.

ويری كاتب هذه السطور، أن مثل هذا التدرّج لا علاقة له باستنباط الحكم الشرعي؛ لأنّه مع انتهاء الرسالة النبوية، فقد اكتملت الرسالة وأُتْمم الدين، وعلی الفقيه أن يستخرج ويستنبط الأحكام ويعرضها علی عامة المسلمين.

ومع ذلك، فالتدرج في تطبيق الأحكام الشرعية في المجتمع ـ الذي أصبح يسنّ القوانين من خلال التقنين الحكومي ـ قد يكون له تأثير في وضع القوانين الحكومية. إذن، يجب علی المشرع الحكومي أن يحرز أسباب هذا التدرج.

بتعبير آخر، إذا افترضنا تحقيق مثل هذه الحالة، وكان الفقيه يرفض علاقة عالم ملاك هذه الأحكام بوصفها (علة)، فمثلاً يُفتي بأنّ حكم اختلاف الدِّية لا يكون مرهوناً بتطبيق الأحكام الاُخر، لكنه يُؤمن بعلاقة عالم ملاك هذه الأحكام بوصفها (حكمة)، وعند تعطيل هذه الأحكام في المَهر والنفقة والجهاد والضمان كليّاً، لا تتجلّی لنا حكمة اختلاف الدِّيات، ويُفضي تطبيق حكم اختلاف الديات إلی نوع من تلقي الظلم. عندئذٍ، بما أنّ الفقيه في مقام سنّ القوانين (وليس في مقام الاستنباط)، مسؤول عن إظهار حكمة الأحكام ومقاصد الشريعة أيضاً، فإنّه يجب أن يُلاحظ هذه الاُمور عند عملية سنّ القوانين.

وبعبارة اُخری إن تحقيق مثل هذه الحالة، یؤدّي إلی تبنّي عنوان ثانوي، وبما أنّ هذا العنوان الثانوي يظهر في الساحة الاجتماعية، فإنّ تطبيق حكمه بحاجة إلی حكم ولائي؛ لتحاشي الفوضی في المجتمع. وآلية تطبيق هذا الحكم الثانوي هو القانون. إذن، وإنْ كان الفقيه في مثل هذه الحالات يتفادى تقنين الحكم الشرعي الأولي بسبب إضفاء طابع التعسف عليه، بيد أنّه ينفّذ الحكم الشرعي الثانوي أخذاً باقتضاءات الزمان وما يفرضه الشرط الزمني بعين الاعتبار.

آليات التدرّج ودلائلها

فيما يلي نتطرّق إلى الأدلة والمُؤيدات التي تثبت صحة اعتماد آلية التدرج:

أولاً: الأدلة التي تعتبر تطبيق العدالة ضمن أهداف الدين ومقاصد الشريعة، وتخوّل الحكومة بتطبيقها إلی جانب أهداف اُخر.

ثانياً: تعميم حكمة سلوك الشارع في نزول القرآن وتشريع الأحكام، فقد تبنّى الشارع منهج التدرج في تشريع الأحكام ونزول الآيات. ويُمكن سحب هذا المنهج علی التقنين.

ويُمكن أن يقول قائل: إنّ حكمة الأحكام عند جميع الفقهاء لا تُخصص، وعند المشهور لا تعمم،(20) لذا، فإنّ تعميم الحكمة هذه، في غير محله.

وفي معرض الردّ علی هذه الإشكالية، نقول:

إنّ عدم تعميم وتخصيص حكمة الحكم تتعلّق بحكمة الحكم أولاً، وأنّ (حكمة سلوك الشارع) لا علاقة لها بحكمة الحكم بحد ذاته، ثانياً، وإنّ عدم التخصيص والتعميم بالحكمة هو في (استنباط الأحكام)، وأنّ (سنّ القوانين) ليس من استنباط الأحكام في شيء، بل هو نحو إدارة لتطبيق الأحكام في المجتمع، وكان السلوك المذكور لتشريع الأحكام أيضاً يعطي نوعاً من الإدارة في نشر الدين والشريعة. ولا غرو أنّ الحكم المشّرع يجب تطبيقه، وأنّ الشارع الذي يشرّع الأحكام لغرض لتطبيقها، يتدرج في الشريعة، بُغية قبول هذه الأحكام وتطبيقها في المجتمع. وهذا ما نجده في سنّ القوانين، بمعنی أنّ القوانين تسنّ من أجل تطبيقها ليس إلّا. إذن، وكما أنّ القوانين تُسنّ لتطبيقها، فلا بدّ من تمهيد الأرضية اللازمة لتطبيقها، وتوفير بيئة مناسبة لقبولها.

علی أيّ حال، حكمة سلوك الشارع في النزول التدريجي للقرآن الكريم، سببه «قراءة آياته والغور في معانيها بتريّث» ﴿وَقُرْآَناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: 106] و«وثبوت قلب الرسول عليها»، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: 32]. وهذه الاُمور تتعلق بقدرة استيعاب متلقّي الوحي، وهم الناس والرسول الأكرم. وكلاهما كانا بحاجة إلی التدرّج.

إنّ اعتماد التدرّج في تشريع الأحكام (وليس نزول القرآن)، يتعلّق بالأحكام التي تضرب بجذورها في العادات والتقاليد الشعبية، وأنّ الشارع تدرّج في تغيير نمط حياة الناس، ولم يقم باجتثاث العادات والتقاليد مرّة واحدة. وبهذا الصدد يمكن أن نضرب مثلاً: تحريم الخمر، فقد تدرّج الشارع في تحريمه،(21) بالنهي أولاًحتی يعمل به المسلمون، ثم تدرّج في تشديد تحريم الخمر.(22) إنّ الهدف من وراء التشريع التدريجي هو تمهيد الأرضية الاجتماعية اللازمة لتغيير المجتمع بصورة تدريجية وإعداد الأفكار والعقول لقبول القوانين النهائية.

ثالثاً: جاء في (كنز العمال) رواية عن النبي الأكرم(ص) يُخاطب فيها عائشة ويقول: «لولا أنّ قومك حديث عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين».(23) تُثبت لنا هذه الرواية، أنّ الرسول تفادى ما يراه صحيحاً بسبب حداثة عهد الناس بالإسلام، وعدم قدرتهم علی استيعاب التغييرات الجذرية. لكن هذه الرواية لم تكن موثوقة تماماً من ناحية السند، لكن ثمّة الكثير من الروايات التي تروي لنا ما أحدثه المشركون من تغييرات في بناء العكبة ونمط بناء جدرانها وملحقاتها.

لكن لم يُرو من تلك الإصلاحات سوی ما قام به الرسول الأكرم في إعادة مقام إبراهيم إلی جدار الكعبة بعد فتح مكة.(24) وحتی بعد إعادة مقام إبراهيم إلی موضعه في الجاهلية، في عهد الخليفة الثاني، تراجع أمير المؤمنين عن إصلاح موضعه، بسبب إصرار الناس علی السنّة التي سنّها عمر بن الخطاب.(25) مثلما غضّ النظر عن إصلاح إقامة نافلة رمضان لهذه الأسباب نفسها.(26)

كما كان الرسول الأكرم(ص) يخشی من نقض العهد، فيما يتعلق بإعلان ولاية علي بن أبي طالب7 في غدير خم. لكن الرسول لم يعتد بهذا الهاجس الذي كان يقضّ مضاجعه، نزولاً عند أمر الله تعالی.(27) وربّما سبب عدم الاستجابة لهذا الهاجس عائد إلی الأهمية البالغة التي تحظى بها الخلافة.

الخاتمه

صمت القانون المتعمّد تُجاه التجريم

إنّ العوامل التي ذُكرت حول حكمة التدرج في التجريم، تبلغ بعض الأحيان درجات بالغة الشدة، بحيث تحمل الحكومة علی غضّ النظر عن تجريم أضعف مراتب الفعل المحرّم. ففي مثل هذه الحالات تلتزم الحكومة الصمت كلياً ولا تُعلن تجريم الفعل.

هذا الصمت في التجريم، هو نوع من التدرج في سنّ القوانين. لكنّنا ذكرناه بصورة منفصلة؛ لأنّه يختلف عن التدرج في التجريم. ففي التدرج في التجريم تقوم الحكومة بتجريم بعض درجات الفعل الحرام، لكن في الصمت المُتعمد لم تعلن عن تجريم أي درجة من درجات الفعل الحرام.

إذن، في هذا الصمت المتعمد، تتراجع الحكومة عن تطبيق الحكم الشرعي، بيد أنّها تبذل مساع حثيثة في سبيل تمهيد الأرضية اللازمة لتطبيق الأحكام الشرعية في المجتمع. لأنّ العوامل والأسباب التي تؤدي إلی مثل هذا الصمت، تُوجد عنواناً ثانوياً يكون واجب الحكومة الشرعي فيها هو نفس هذا الصمت. لكن بما أنّ هذه الأسباب عَرَضية ومؤقتة، لهذا يجب علی الحكومة أن تبذل مساعيها لإزالة هذه العوامل؛ لكي تتمكن فيما بعد من تجريم الفعل الحرام في المجتمع. 

الهوامش

(1) فائزه عظیم زاده اردبیلی وساره حسابی، «سیاست جنایی و تطور مفهومی آن»:113-133.

(2) ابن زهرة، غنیة النزوع: 435.

(3) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام،41: 448.

(4) العلامة الحلي، تحریر الأحکام الشرعيّة على مذهب الإمامية، 5: 410.

(5) حسینعلي منتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية،2: 318ـ361.

(6) حسنعلی علی‌اکبریان، درآمدی بر فلسفه احکام: 67ـ69.

(7) شیخ الشریعة الإصفهاني، قاعدة لاضرر: 17.

(8) ناصر مکارم شیرازي، سلسلة القواعد الفقهية،1: 50.

(9) رحیم نوبهار، أهداف مجازات های اسلامی در جرایم جنسی: 92-124.

(10) قدرت الله انصاری، تعزیرات از دیگاه فقه و حقوق جزا: 88.

(11) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام،21: 352.

(12) الکلیني، الكافي، 5: 59، ح14.

(13) ابن حمزة الطوسي، الوسیلة، تحقيق: محمد الحسون: 207.

(14) السید الرضي، نهج البلاغة، تحقیق: صبحي الصالح89.

(15) سیف الله صرامی، حسنعلی علي أکبریان، «قاعده نفي ظلم»، مطالعات فقه معاصر:123 ـ 150.

(16) نفس المصدر، حسنعلی علی‌اکبریان: 19 ـ 47.

(17) الميرزا جواد التبريزي، تنقيح مباني الأحكام (الحدود والتعزيرات): 302.

(18) الکلیني، الكافي،7: 232، باب إنه لا یقطع السارق في المجاعة.

(19) محمد الحسیني الشیرازي، محمد، الفقه (البیئة): 285.

(20) المصدر نفسه: 20.

(21) علي‌أكبريان، «بررسی اختلاف در تعمیم دلیل به حکمت حکم»: 77 ـ 92.

(22) الوهبة الزحیلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته (الشاملة للأدلة الشرعیة والآراء المذهبیة وأهم النظریات الفقهیة وتحقیق الأحادیث النبویة وتخریجها)،7 : 422.

(23) الطباطبائي، محمدحسین، المیزان في تفسیر القرآن،6: 117.

(24) المتقي الهندي، کنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، 12: 201 ـ 202، ح 34663 و34666.

(25) البروجردي،، جامع أحاديث الشيعة،10: 57.

(26) البروجردي، جامع أحاديث الشيعة،3: 57.

(27) البروجردي، جامع أحاديث الشيعة،7: 212 ـ 213، ح6511.

(28) الكليني، الكافي،1: 290 ـ 291، ح6.

المصادر والمراجع

1. القرآن الکریم

2. «بررسی اختلاف در تعمیم دلیل به حکمت حکم»، علي‌اکبریان، حسنعلي، کاوشی نو در فقه اسلامی، رقم79، 1394ش.

3. «سیاست جنایی و تطور مفهومی آن»، عظیم زاده اردبیلي، فائزه؛ حسابي، ساره، تعالی حقوق، سال چهارم، شماره 15، بهمن و اسفند 1390.

4. «قاعده نفي ظلم»، صرامي، سیف الله؛ علي أکبریان، حسنعلي، مطالعات فقه معاصر، سنة1396ش. رقم4

5. «نقش عدالت در قانون‌گذاری در حکومت إسلامی»، علي أکبریان، حسنعلي، فقه، سنة23.

6. أهداف مجازات های اسلامی در جرایم جنسی؛ رحیم نوبهار، تهیه: پژوهشکده فقه وحقوق، پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلامی، چ1، قم، 1389ش.

7. تحریر الأحکام الشرعيّة على مذهب الإمامية، الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهّر، ج5، تحقيق: إبراهيم بهادري، إشراف: جعفر سبحاني، چ1، ناشر: مؤسسة الإمام الصادق7، چاپخانه: اعتماد، قم، 1422ق.

8. تعزیرات از دیگاه فقه و حقوق جزا؛ أانصاري، قدرت الله؛ طباطبائي، سیدعلی أکبر؛ انصاري، محمد جواد؛ بهشتی، إبراهیم؛ چ1، پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، 1385.

9. تنقيح مباني الأحكام (الحدود والتعزيرات)، التبريزي، الميرزا جواد، چ3، دار الصديقة الشهيدة 3، چاپخانه: وفا، 1429ق.

10. جامع أحاديث الشيعة، الطباطبائي البروجردي، حسين، ج10، إشراف: آية الله العظمى حاج حسين الطباطبائي البروجردي، المطبعة العلمية، قم، بلاتاریخ؛ وج7، مطبعة مهر استوار.

11. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، النجفي، محمد حسن، تحقيق وتعليق وتصحيح: محمود القوچاني، چ6، دار الكتب الإسلامية، 1363؛ وج21، 1362.

12. دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، منتظري، حسینعلي، مكتب الإعلام الإسلامي، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، چ2، قم، 1409ق.

13. درآمدی بر فلسفه احکام، علي‌اکبریان، حسنعلي، تهیه: پژوهشکده فقه وحقوق، پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلامی، چ1، قم، 1395ش.

14. سلسلة القواعد الفقهية، مکارم شیرازي، ناصر، ج1، چ3، مدرسة الإمام أمير المؤمنين7، 1411ق.

15. غنیة النزوع، ابن زهرة، تحقيق: إبراهيم بهادري، إشراف: جعفر سبحاني، چ1، ناشر: مؤسسة الإمام الصادق7، چاپخانه: اعتماد، قم، 1417ق.

16. الفقه (البیئة)، حسیني شیرازي، محمد، مؤسسة الوعي الإسلامي ـ بيروت، چ1، 1420ق.

17. الفقه الإسلامي وأدلته (الشاملة للأدلة الشرعیة والآراء المذهبیة وأهم النظریات الفقهیة وتحقیق الأحادیث النبویة وتخریجها)، زحیلي، وهبة، ج7، دمشق، دارالفکر (من برنامج المكتبة الشاملة)، بلا تاریخ

18. قاعدة لاضرر، شیخ الشریعة الإصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، بلا تاریخ

19. الكافي، كليني، حمد بن يعقوب، تحقيق تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، چ3، المطبعة: حيدري، دار الكتب الإسلامية، تهران، 1367.

20. کنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، المتقی هندي، علی بن حسام الدین، ج12، الضبط والتفسیر: بکري حیاني، التصحیح والفهرسِ: صفوة السقا، بیروت، مؤسسة الرسالة. 1409ق.

21. المیزان في تفسیر القرآن، طباطبائی، محمدحسین، ج6، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، چ2، بیروت، 1390ق.

22. نهج البلاغة؛ الرضي، محمد، تحقیق: صبحي الصالح، چ1، بیروت، 1387ق.

23. الوسیلة، ابن حمزة الطوسي، تحقيق: محمد الحسون، إشراف: محمود المرعشي، چ1، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، مطبعة الخيام، قم، 1408ق.

نهاية البحث