ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي
دراسات مقارنة
دراسة مقارنة
احمد ازغ سيد أسعد شيخ الإسلامي، محمد عادل ضيائي ، حسن باديني (lock)
الملخص
تتبع الآراء الفقهية حول موضوع الضمان يبين اتفاق الفقهاء حول ضمان العين، ولكن هناك خلاف ملحوظ بين الفقهاء حول ضمان المنافع عامة وضمان منافع الإنسان الحر خاصة على النحو الآتي:
يعتقد المتقدمون من الحنفية وقسم من الإمامية والمالكية فيما تتعلق بالمنافع غير المستوفاة أن المنافع لا تضمن لكن الجمهور بما فيهم الشافعية والحنابلة ومعظم فقهاء الشيعة يعتبرون المنافع مالاً فيعتقدون بوجوب ضمانه.
ويرجع هذا الخلاف إلى أن أصحاب الرأي الأول لا يعتبرون المنافع مالاً ويدرجون في تعريف الغصب شرط الانتقال إضافة إلى التصرف العدواني. ولتعزيز ما ذهبوا إليه يستدل هؤلاء بأن المنافع أعراض، كما يستدلون بقاعدة "الخراج بالضمان"، و"من عليه الغرم فله الغنم ".
بينما يعتقد الآخرون بأن المنافع مال وقد ثبت هذا في عرف العقل والشرع، واعتبارها ركناً في عقود المعاوضات خير دليل على ذلك، ثم إن القواعد الفقهية السابقة المستنبطة من أحاديث الرسول تتعلق بالبيع ولا يستند إليها فيما يتعلق بالضمان.
وحول ضمان منافع الانسان الحر قال بعض الفقهاء - إضافة على عدم اعتبار المنافع
(*) طالب دكتراه في الفقه الشافعي، كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية جامعة زاد الإسلامية.
assad sheikholeslami@.com مسئول المكاتبات )**(
(۲۰۰) استاذ مشارك في فرع الفقه الشافع كلية الهيات والمعارف الاسلامية جامعة طهران.
(****) استاذ مشارك كلية القانون جامعة طهران
دراسات مقارنة
أموالاً بعدم ضمان منافع الحر، مستدلين بقاعدة الحر لا يدخل تحت اليد"، في حين أن البعض الآخر - إضافة على اعتبار المنافع أموالاً - قالوا بعدم الفرق بين العبد والحر فيما يتعلق بضمان المنافع وبأن قاعدة المصلحة تقتضى ضمان منافع الحر بكلا قسميه المستوفاة وغير المستوفاة، كما يستدل بحديث على اليد ما أخذت حتى تؤديه.
الكلمات الرئيسية الضمان المال المنفعة الغصب المنافع المستوفاة، المنافع غير المستوفاة، الإنسان الحر.
1 - مسألة البحث
من المواضيع الهامة في الفقه الإسلامى هى موضوع الضمان، وقد تحدث عنه الفقهاء في الأبواب الفقهية المختلفة كالغصب والديات والبيع والإجارة؛ اتفق فقهاء جميع المذاهب فى موضوع الضمان القهري حول ضمان الأعيان، بمعنى إذا أتلف المرء العين فهو ضامن له، وإذا كان له مثل ألزم برد المثل، وإذا كان قيمياً فيرد القيمة. وأما ضمان المنافع فلا إجماع للفقهاء بشأنه، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنافع الحر.
اتفق جميع الفقهاء ما عدا الحنفية حول منافع الرقيق، بمعنى أن جميع هذه المنافع يتم
ضمانها سواء استخدمت هذه المنافع كاستخدام الرقيق للعمل) أو لم تستخدم (كحبس
الرقيق وحرمان المالك من منافعه. ولكن المسألة تختلف بالنسبة للإنسان الحر، لأن الحر
لا يعتبر مالاً، خلافاً للرقيق، وهذا الأمر أدى إلى عدم اعتبار منافع الحر مالاً عند بعض
الفقهاء تبعاً لعينه، وبالتالي لا يعتبرون خسارة منافع الحر جزء الضمانات. فعلى أساس رأي
هؤلاء الفقهاء كما أن غصب الإنسان الحر وسرقته لا معنى له لعدم اعتباره مالاً وعدم
ضمانه، وكذلك لا ضمان لمنافعه، لأن منافعه تابع لذاته ولا ضمان له.
في المقابل يقول بعض آخر من الفقهاء: صحيح أن ذات الإنسان ليست مالاً ولكن منافعه في حكم المال ولها ضمان، لأن العرف بين الناس يعتبر المنافع مالاً من المنظر العقلي وأن الشرع أيده. وبطبيعة الحال وبناء على الرأي الأول إذا قام أحد بحبس رجل
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
١٢٦٠
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
و حال دون كسبه وعمله فلا يضمن منافعه المادية الفائتة. فعلى سبيل المثال إذا كسر يـ طبيب للأسنان وبقى الأخير عاطلاً لمدة من الزمن فلن يكون الجاني إلا ضامناً للخسارة اللاحقة بيده ولا يكون مسؤولاً أمام عدم قدرته على الكسب والدخل بينما في كلا المثالين تقدر المنافع الفائتة ويدفع التعويض عنها وفقاً للمجموعة الثانية.
وتقتضى هذه الخلافات والآثار المترتبة عليها دراسة مستقلة في هذا المجال خاصة أن الفقهاء لم يبحثوا عن موضوع ضمان حياة الحر بشكل مستقل ولم يدرس دراسة موضوعية وشاملة.
- المفاهيم التمهيدية
قبل أن ندخل في صلب الموضوع، لابد من شرح المصطلحات الرئيسية المستخدمة في هذه الدراسة.
٢ - ١: المال
المال في اللغة كل شيء يمتلكه الإنسان (ابن منظور (۱۹۹۷). يقول ابن الأثير: المال من حيث المبدأ كان يطلق على الذهب والفضة ثم تم استخدامه لكل شيء مملوك محروز، وأن العرب كان يستخدم المال للإبل عادة (ابن الأثير (٣٧٣٫٤).
إن الفقهاء يختلفون في التعريف الاصطلاحي للمال؛ فالأحناف يعتبرون إمكانية الانتفاع والادخار عنصرين أساسيين؛ يقول هؤلاء: المال يطلق على كل ما يمكن الحفاظ عليه حتى يتم توظيفه عند الحاجة. (السرخسي ۷۹٫۱۱؛ مجلة الأحكام العدلية (٣٥).
يقول الشافعية: إن المال ما له ثمن وسعر مع إمكانية الانتفاع به وأن إتلافه يوجب الضمان ولو كان قليلاً وغير مطمع فيه السيوطي، ۱۳۱، ۲۰۰۸؛ الماوردي، ۲٫۷، ١٤١٩؛ الشربيني ١٤٣٠٫٣ ، (١٦٣). ويقول بعض آخر منهم المال يقال لكل شيء غير الإنسان خلق من أجل مصالح الناس سواء كانت عيناً أو منفعة. (السمعاني ١١٥، ١٤١٧) والفقهاء الآخرون يعتبرون إجمالياً صفتي الانتفاع والثمن شرطاً لكون الشيء مالاً.
دراسات مقارنة
(البجنوردي ۲٫۹۲، ۱۴۱۹ ؛ المجاجي ٣٫٧١، ١٤٣١).
ومن الناحية القانونية لابد أن يكون للمال شرطان أساسيان: 1 - أن يكون مفيداً ورافعاً للحاجة سواء كانت مادية أم معنوية؛
- أن يكون له إمكانية التخصيص لشخص أو شعب محدد. (کاتوزیان (۹).
٢ - ٢ - المنفعة
النفع في اللغة ضد الشر؛ والمنفعة يطلق على شيء يستفاد منه، كما ورد أيضا بمعنى الربح والاستغلال والاستخدام المفيد. ابن منظور، (۲۳۲٫۶، ۱۹۹۷)
٢ - ٣ - المنافع المستوفاة
نعنى بالمنافع المستوفاة المنافع التي يتنفع بها المرء بعد استيلائه على مال الغير، والمنافع غير المستوفاة في مقابله.
٢ - ٤ - المنافع غير المستوفاة
وهي المنافع التي لا يتنفع بها المرء بعد استيلائه على مال الغير؛ فمن يغصب داراً مثلاً فهو أمام ثلاث حالات إما يسكن فيها، وإما يؤجرها لشخص آخر، أو يتركها غير مستخدمة. الحالة الأولى تسمى انتفاعاً أو استخداماً، والحالة الثانية تسمى استغلالاً، والحالة الثالثة تسمى تعطيلاً أو تفويتاً. (المجاجي، (۷۳٫۳ (۱٤۳۱) الحالتين الأولى والثانية تسمى المنافع مستوفاة، وفي الثالثة غير مستوفاة.
٢ - ٥ - فوات المنفعة
نعنى بفوات المنفعة إذا فاتت المنفعة دون أي تمتع بها كإغلاقه باب الدار. (الرملي،
(١٤٢٤، ١٧٠
٢ - ٦ - تفويت المنفعة
١٢٦٢
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
التفويت يعنى الاستخدام والتوظيف والمقصود به التمتع منه الرملي نفس المصدر) يقول عز بن عبد السلام في الجملة أن تفويت المنافع إنما يتم بحالتي الإتلاف والحيلولة (عز بن عبد السلام (۱٤۲۸٫۱ (۲۷۲) رغم صحة اعتبار الحيلولة من مصاديق الفوات دون التفويت.
٢ - ٧ - الغصب
الغصب في اللغة بمعنى الظلم والقهر، وقد يطلق على الاستيلاء القهري على مال الغير (ابن منظور، ۱۹۹۷ ، ۳۹٫۵، الرازي، ١٤٢٥، ٢٣٤)
يقول السرخسي : اعلم بأن الاغتصاب أخذ مال الغير بما هو عدوان، واللفظ مستعمل لغة في كل باب مالاً كان المأخوذ أو غير مال، ولكن في الشرع تمام حكم الغصب يختص بكون المأخوذ مالاً متقوماً. (السرخسي، ٤٤٫١١١)
للفقهاء في تعريف الغصب آراء متباينة، ولكن يمكن القول باختصار؛ هناك ثلاثة أقوال في تعريف الغصب:
القول الأول للحنفية وهو أن الغصب عندهم عبارة عن أخذ مال متقوم محرز دون حصول الإذن من الذي له حق الإذن بنحو تقطع يد المالك من التصرف بعد التصرف في عين المال. (السرخسی ٤٩٫١١ بی تا، البغدادي، ١٤٢٠، ٢٨٧)
القول الثاني للحنابلة وهو يفيد بأن الغصب عندهم عبارة عن التعدي والاستيلاء على الرقبات؛ بناء على هذا فإن الاستيلاء على المنافع يكون تعدياً ولا غصباً، وكلا الفعلين منهى عنهما وحرام البتة. (الشاطبي، ١٤٢٩، ٥٤٣)
وبناء على القول الثالث إن الشافعية والمالكية والإمامية يرون أن أي تصرف غير مرخص به في حق الغير غصب سواء كان مالاً أو منفعة أو منقولاً أو غير منقول. (١٤٢) ابن جزي، ۳۳۱؛ الشربيني ۱۳۸٫۳ ، ۱٤۳۰؛ الإمام الخميني، ١٢٧٫٢؛ الإمامي، ٣٦٦؛ العاملي، ١٤١٣، ١٤٦٫١٢)
بناء على هذا فمن وجهة نظر أبى حنيفة إنما يحقق الغصب إذا توفر العنصران التصرف القهري على مال الغير ونزعه من يد المالك بينما أن الجمهور يقولون الغصب
دراسات مقارنة
يتم بأي تصرف عدواني على مال الغير أو حقه سواء كان التصرف مادياً أو بالحيلولة دون الحق وصاحبه الموسوعة الكويتية (٢٣٠٫٣١)
٢ - ٨ - الضمان
يرى الخليل وسيبويه بأن الضمان من ضمن بمعنى الكفالة والإلزام (ابن منظور،
۱۳٩٫٤، (۱۹۹۷) ویری بعض آخر هو من الضم لضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه.
ومن الناحية اللغوية القول الأول هو أقوى لأن لام الفعل في كليهما (الأصل والفرع) هو النون، ولكن في الأخير يختلف، بينما أن صحة الاشتقاق خاضعة لتوافر الحروف الجذرية والأصلية في اللغة الفرعية. (ابن منظور، نفس المصدر).
الضمان بمعنى الالتزام والكفالة وتضمين المبيع الزبيدي، ١٤١٤، ٢٥٢٫٢؛ النووي، روضة الطالبين، ٤٠٧٫٢ ، ١٤٣٣؛ الماوردي، ۲۲۷٫۱).
ومن وجهة نظر الإمامية الضمان عقد شرع لتعويض الخسارة اللاحقة بالأموال والأنفس. (الحلي، جعفر بن الحسن ٨٩٫٢ ١٤٠٨)
- ضمان المنافع في الفقه الإسلامي
اختلف الفقهاء في موضوع الغصب وشموله على العين والمنافع، أو تحديد مدى مسؤولية الغاصب حول عين مال المغصوب. وبما أن الموضوع الرئيسي للمقالة هو ضمان حياة الإنسان، نشير في البداية إلى ضمان المنافع بصورة عامة ثم ندرس بالتفصيل الآراء المختلفة حول ضمان الحر ومنافعه والأدلة التي استندوا إليه.
٣ - ١ - القول بوجوب ضمان المنافع وأدلته
يرى الجمهور منهم الشافعية ومعظم الإمامية والحنابلة أن المنافع تعتبر مالاً، واحتجوا لإثبات مدعاهم بالأدلة التالية: (القدوري، ١٤٢٤، ٣٣٢٥٫٧)
أولاً: يحدد الشارع مالية الشيء، وقد اعتبر الشارع المنافع مالاً في كثير من الحالات ابن عبد السلام، ١٤٢٨، ١٫ ٢٦٩) فعلى سبيل المثال: رخص الشارع بجعل المنافع صداقاً
(٢٦٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
دليل على ماليتها، كما أن التصريح بجعل المنافع كجزء من أركان العقود المعاوضية دليل على ماليتها السمعانى ١١٥٫٤، ١٤١٧؛ الماوردي ١٦٠٫٧، ١٤١٤؛ عبد السميع الابي، ١٤٨٫٢، ١٣٦٦ ؛ الدسوقي ، ٤٤٤٫٣ بي تا؛ النووي ٥٩٫١٤، بيتا؛ السيوطي، ٢٥٨؛ البغدادي، ٣٠٦؛ البجنوردي، ٦٢٫٤، ١٤١٩).
ثانيا: الناس لا يعنون بالأعيان ولا يدخرونها إلا للانتفاع بها؛ وفي الواقع ليست الأعيان إلا أداة والغرض منها الحصول على المنافع ابن عبد السلام ، ١٤٢٨، ٢٦٩٫١) لذلك إذا أدى تلف الأداة إلى الضمان فتلف الثمرة والمنافع مكفولة بالضمان بالطريق الأولى (ابن عبد السلام، ۱٤۲۸ (۲۶۹٫۱) قال المراودي الحنبلي: إذا كان المغصوب ذا أجرة يجب على الغاصب تأدية أجرة مدة الغصب إلى المالك. وأضاف: المنافع المقبوضة بعقد فاسد مكفولة بالضمان كمنافع المغصوب (المرداوي، ۲۰۱٫۶؛ البجنوردي، ١٤١٩٫٤، ٦٢، ابن قدامة، ۲۰۹٫٥، ۱۳۸۸)
٣ - ٢ - القول بعدم وجوب ضمان المنافع وأدلته
يرى عدد من الفقهاء أن الضمان يتعلق بالعين فقط. ومن وجهة نظر هؤلاء إن تلف المنافع لا يتبعه ضمان ولا مسؤولية مدنية، وفي قضية الغصب أن الغاصب يضمن العين فقط دون منافعه (الحصكفي، ١٤٢٣، ٦١٩)
ومن أتباع هذه النظرية أبو حنيفة والمتقدمين من أتباع مذهبه وبعض الإمامية إطلاقاً والمالكية في المنافع غير المستوفاة السمعاني، ١٤١٧، ۱۱٦؛ المجاجي، ١٤٣١، ٧٣؛ على حيدر، ٦٧٨؛ الخفيف، ۸۴ ۲۰۰۰؛ ابن النجيم ٣٠٧،١٤٣٣؛ المرغيناني، ١٤١٧، ٥١٤؛ محقق داماد (۱۳۶۱ ، ۱ (۶۹) واحتج هؤلاء في تعزيز آرائهم إلى الأدلة التالية:
أ: عرضية المنافع: إن المال يجب أن يتصف بصفة الادخار، بمعنى أن يكون له إمكانية الادخار؛ لأن المنافع أعراض ويحصل عليها الإنسان بالتدريج ثم تنعدم فلا بقاء لها. (المرغيناني، ١٤١٧، ٥١٦٫٦؛ قدوري، (١٤٢٤ ، (۷ ، ۳۳۲۵) فعلى هذا لابد أن يتصف
(٢٦٥
دراسات مقارنة
المتلوف بصفة البقاء حتى يتحقق التلف. بعبارة أخرى يرى أبو حنيفة أن الضمان يتعلق باليد التي تفوت يد المالك ولتحقق ذلك يجب وجود يدين السمعانی، ١٤١٧، ١١٤) بينما أن وجود المنافع يساوي تلفه ولأنه لا يمكن تحقيق يدين له فلا يمكن الاعتماد على صفة التلف التي هي شرط وجوب الضمان السمعاني، نفس المصدر؛ السرخسي،
۷۸٫۱۱ و ۸۰ بی تا؛ الزرقا، ٩٥٤٫٢، ١٤١٨).
وأجاب الجمهور : أولاً: المستفيد من المنافع هو الذي أوجدها وإنما يتم التلف بعد الإيجاد فعرضية المنافع لا تمنع إسناد التلف اليها ثانياً: الناس لا يهتمون بالأعيان إلا بغرض الحصول على المنفعة فالعين آلة والمنفعة غرض؛ فاذا كان تلف العين يتبعه الضمان فتلف المنفعة مكفولة بالضمان بالطريق الأولى (السمعاني، ١٤١٧، ٤ ٫ ١١٥ إلى (١٢٥) ثالثا: المنافع متقومة وكما أن عقدها يتبعه الضمان فغصبها مكلولة بالضمان أيضاً (الرملی ۱٤٢٤ ، ۱۷۰۵؛ مرغيناني، ١٤١٧، ٥١٥٫٦)
ب المنافع ملك لا مال
يقول الحنفية: التلف من صفات المال بينما أن المنفعة ملك لا مال (الكاساني، ۲۰۰۳، ٦١)،. يختلف عندهم المال والملك، فالملك هو الذي يمكن الانتفاع به بأي طريق ممكن بينما المال هو الذي يمكن ادخاره كى يستطيع المالك أن يستفيد منه وقت الحاجة. (السرخسی ۷۸٫۱۱، ۸۰ بی تا؛ السمعانی، ۱۱۳٫۴ ، ١٤۱۷؛ مجلة الأحكام، المادة ١٢٥ و ١٢٦،، (۱۳۰۲) يقول القائلون بضمان المنافع ثبوت مالية الشيء لا يحققها إلا الشارع، وأن الشارع اعتبر المنافع مالاً في كثير من الحالات، ومن أمثلتها جواز جعل المنفعة صداقاً أو جعلها كأحد مكونات عقد الإيجار السمعاني، ١١٥٫٤، ١٤١٧؛ الماوردي ١٦٠٫٧ ؛ البجنوردي، ١٤١٩، ٦٢٫٤)
ج الاستناد إلى القاعدة الفقهية من عليه الغرم فله الغنم"
بناء على هذه القاعدة الفقهية المذكورة المأخوذة من الأحاديث النبوية: أن من تعهد ضمان العين فإن المنافع تكون له، ولأن آخذ المال هو ضامن للعين فمنافعه ستكون له
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
٠٢٦٦
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
أيضاً وبالتالي فلا ضمان له أمام تلف المنافع. (سراج، ٢٠١٥، ٢١٥)
وأجاب الجمهور: الأحاديث والقواعد الفقهية التي تم الاستشهاد بها عند الحنفية تختص بالبيع (الشافعي، ١٤٠٣، ٢١٦٫٧ ، السيوطي، ۲۰۰۸، ۱۸۸ ؛ الماوردي، ١٤١٤، ١٦٠٫٧)
د الاستناد إلى القاعدة الفقهية الخراج بالضمان
هذه القاعدة الفقهية المأخوذة من الأحاديث النبوية هي إحدى مستندات أبي حنيفة (التهانوي، ١٤١٥، ٣٤٧) وأن كلمة الخراج تطلق على كل منفعة تحصل عن العين الزبيدي، ١٤١٤، ٣٤٠٣)، فخراج الشجرة ثمارها، وخراج الحيوان لبنه وولده (ابن النجيم، ١٦٨، ١٤٣٣ ؛ السيوطي، ۲۰۰۸، ۱۸۸ ؛ السراج، ۲۰۱۵، ٢١۵) بناء على هذا من ضمن عيناً فمنافعه ستكون له، ولذلك يرى أبو حنيفة أن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب الفائتة لأنه يضمن العين بعبارة أخرى إن ما يوجب ضمان العين، يسقط ضمان المنفعة إلا إذا كانت المغصوب وقفاً أو مالاً لليتيم أو جعلت الزراعة الحبوب فقط، وفي هذه الحالات الثلاثة تلف المنافع مكفول بالضمان ابن العابدين، ١٤١٢ ١٨٦؛ ابن النجيم، ١٤٣٣ ، ١٦٨ ؛ الماوردي، ١٤١٤، ١٦٠٫٧) والظاهر أن ابن النجيم الحنفي اختلف مع أبي حنيفة في هذه النظرية، وقد طرح سؤالين حول القاعدة الآنفة الذكر
قائلاً: لم يجب عليهما أحد من اصحابه حتى الآن، وهو يجيبهما.
السؤال الأول: إذا كان الخراج أمام الضمان فيجب أن تكون زوائد المبيع ومنافعها للبائع قبل الأخذ؛ لأنه ضامن للتلف، في حين لم يقل هذا أحد. ويجيب نفسه: المالكية قبض، القبض هي علة اختصاص الخراج بالبائع، ولكن الاختصاص بعد القبض معلل بالمالكية والضمان معاً.
السؤال الثاني: إذا كان الخراج معللاً بالضمان فيجب أن تكون زوائد المغصوب ونمائاتها للغاصب، كما استدل أبو حنيفة بهذه العلة وقال: الغاصب ليس ضامناً للمنافع. ولكن يجيب ابن النجيم: بأن حديث الخراج بالضمان يتعلق بالبيع ولا يستند إليه في الغصب. (ابن النجيم، ١٦٨، ١٤٣٣)
ويقول أتباع نظرية ضمان المنافع رداً على هذا القول: الاستناد إلى القواعدة
(٢٦)
دراسات مقارنة
المذكورة لعدم ضمان المنافع مردود لأن القواعد والأحاديث المستندة إليها تختص بباب البيع. (الشافعي، ۱۴۰۳، ۲۱۶٫۸؛ السيوطي، ۲۰۰۸ (۱۸۸)، ومعناه إذا اشترى أحد مالاً وتلف المال قبل القبض بحادث قهري أو غير قهري ليس بإمكان المشتري مطالبة الخسارة من البائع لأنه إذا بقى المال سالماً كانت منافعه للمشتري. قال السيوطي: لا يصح الاستناد إلى حديث الخراج بالضمان لعدم ضمان الغاصب كما فعل أبو حنيفة لأن الغرض من الخراج هو المنافع وأن مفاد الرواية يشير إلى محل الملكية. وقد أعطى رسول الله منافع المبيع في البيع المنفسخ للمالك لأن المشتري أصبح مالكاً للمبيع قبل الفسخ وأن عقد البيع ناقل للملكية وأن المبيع يكون للمشتري بنفس العقد، بينما الإجماع يقول إن الغاصب ليس مالكاً للمغصوب، فمدى شمول القاعدة المذكورة إنما في محل تكون ملكية المنتفع محرزاً فيه كعقد البيع. السيوطي، ۲۰۰۸، ۱۸۸) بناء على هذا إذا كان للمبيع منفعة في الفترة الفاصلة بين العقد إلى وقت إعمال الخيار وفسخ المعاملة كلبن الحيوان أو الحبوب المحصودة من الأرض فكلها للبائع لأن تصرفه في تلك الفترة كان تصرف المالك، كما أنه إذا تلف المبيع في تلك الفترة كان ضامناً له (الزلمي، (۱۷۳، ۲۰۱۴) بعبارة أخرى ليس الغصب من أسباب التمليك في رأي الجمهور والغاصب ليس مالكا للمغصوب (السمعاني، ٨٩٫٤ ١٤١٧).
قال الشافعية: يجب أن تكون أسباب التمليك مشروعة، والغصب جناية فلا يمكن أن يكون سبباً للتمليك، ولكن الحنفية يعتبرون الغصب من أسباب التمليك. (المرغيناني ١٤١٧، ٦، ٥٠٦ إنهم يقولون: بما أن الغاصب مالك للبدل فيكون مالكاً للمبدل منه أيضاً وإن حصلت تلك الملكية بعد حكم القاضي السرخسی بی تا ٦٧٫١١؛ السمعاني نفس المصدر المرغيناني نفس المصدر). واستدل الجمهور بدليل آخر وهو ما روي عن النبي : ليس لعرق ظالم حق (الصنعاني، ۱٤٢٥ ، ۶۱۹؛ التهانوي، ١٤١٥، ٣٣٧٫١٦) فالعرق يعنى الجذر بمعنى أن الجذر الذي يزرعه الظالم فى ملك غيره لا يأتي له بحق؛ بناء على هذه الرواية فالتصرف العدواني في ملك الغير لا يأتي بحق للظالم. (القرطبي، ابن
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٢م
٢٦٨
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
رشد، ۶۰۳، ۲۰۱۲؛ الصنعاني، ١٤٢٥، ٦١٨)
ويرى المالكية أن غصب العين إطلاقاً لا يجب ضمان المنافع وأن المنافع المستوفاة مكفولة بالضمان فقط ولكن التعدي على المنافع مكفول بالضمان إطلاقاً والتعدي أعم من الغصب. (ابن جزي الكلبي (٤٩٩)
يبدو أن مصدر اختلاف الحنفية مع الجمهور يكمن في أمرين:
الأول الاختلاف في مالية المنافع وقد تحدثنا عنه.
والثاني الاختلاف في ماهية الغصب؛ وهناك تعاريف متعددة للغصب عند الأحناف لا يسع المجال هنا لدراستها ومناقشتها، ونكتفى هنا بتعريف السرخسي والبغدادي يقولان: الغصب عبارة عن قبض مال متقوم محرز دون الإذن من الذي له حق الإذن حيث قطعت يد المالك من التصرف فيه بتصرف الغاصب في عين المال (السرخسي ٤٩٫١١ بی تا؛ البغدادي (۲۸۷ (۱۴۲۰) وأضاف البغدادي وبقيد المتقوم يخرج الحر والميت البغدادي، نفس المصدر) بناء على نظرية أبي حنيفة وأبي يوسف لأن يتحقق الغصب نحتاج بالضرورة إلى عنصري التصرف والنقل، أي لا يتم الغصب إلا بالنقل والتحويل، فان كان مما لا ينقل كالدور والعقار لم يصح غصبه ولم يضمن استدلالاً بأن غير المنقول مختص بالمنع دون التصرف. (السرخسي (۷۳٫۱۱) كما يشترط نقل المال لتحقيق السرقة لأن الأموال غير المنقولة من مصاديق منع المالك لا غصب الملك فصار كحبس الانسان عن ملكه ومنعه من التصرف فى أمواله، وهذه الحالة لا توجب الضمان مضافاً أن المسروق لا يكون مسروقاً إلا بالنقل عن الحرز فكذا المغصوب لا يكون مغصوباً إلا بالنقل الكليبولي عبد الرحمن، ۱۴۱۹، ۸۱؛ النووي، ٢٣٢٫١٤، بی تا؛ المجلة، ماده ۸۸۱؛ البغدادي نفس المصدر؛ علي حيدر ٤٩٤، ١٩٩١؛ الماوردي
(١٣٥٫٧، ١٤١٤
يشير الماوردي رداً عليه قياس الغصب على السرقة كما فعل أبو حنيفة قياس مع الفارق استدلالاً بأن القطع في السرقة معتبر بهتك الحرز وإخراج المال عنه حتى لو نقل
دراسات مقارنة
غير محرز لم يكن سارقاً يقطع الماوردي، نفس المصدر ولكن يرى الجمهور أن الغصب عبارة عن التصرف في حق الغير دون إذن صاحبه أو نائبه، ويعنون بالحق المال الذي يشمل العين والمنفعة وغيره. الشربينی ۱۳۸٫۳ ۱۴۳۰؛ آل مبارك، الحنبلي، ۲۰۱ ١٤٢٧؛ ابن الجزي، ۲۱٦؛ العاملي، ۱۴۹٫۱۲ ، ۱٤۱۳) لعل الماوردي قدم أفضل دراسة حقوقية في هذا المجال وهو يقول: الغصب عبارة عن منع الإنسان من التصرف في ملكه والتصرف غير الحق في ملكه بالتالي أن الغصب يكتمل بعنصري منع المالك وتصرف الملك فإذا منع الشخص من التصرف في ماله ولم يتصرف نفسه فيه هذا من التعدي على مال الغير ومكفول بالضمان فالتعدي على المالك دون التصرف في الملك مكفول بالضمان أيضاً كما إذا لم يمنع تصرف المالك وتصرف بنفسه في ماله فيكون من التعدي ومكفول بالضمان لأن التعدي على الملك دون المالك مكفول بالضمان أيضاً وإذا اجتمع منع المالك وتصرف الملك فيصبح غصباً تاماً رغم أنه لم يقم بنقل الملك من مكانه الأول. (الماوردي، ١٣٥٫٧، ١٤١٤).
- ضمان الحياة الفائتة
فالخسارة اللاحقة بالشخص المتضرر قد تنشأ عن حرمانه من منافع المهنة أو قوته العاملة، ولهذا الأمر حالتان الحالة الأولى: حرمان الشخص من العمل جراء جناية عليه لمدة محددة أو غير محددة. والحالة الثانية: حرمان الشخص من العمل أو منعه من استمرار مهنته أو مواصلة دراسته بحبسه ففى الحالة الأولى تختص الدية بالعضو المجنى عليه، وهذا أقل ما تم الاتفاق عليه، ولكن يختلفون فيما يتعلق بالتعويض واحتساب أيام البطالة وحق العلاج، كما يختلفون في تفويت المنفعة أو أيام حبس الشخص.
في هذا القسم من الدراسة يتم مناقشة آراء المذاهب الفقهية في هذا المجال؛ وبشكل عام أن هؤلاء الفقهاء الذين يقولون بصحة إطلاق الغصب على المنافع يرون أن كل منفعة تصح إجارتها فغصبها أو إتلافها يوجب ضمانها. (الرملي، ١٤٢٤، ١٧٠)
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
٤ - ١ - أقسام تفويت المنفعة
المنفعة التي تفوت نتيجة القيام بعمل أو ترك فعل تنقسم إلى قسمين: المحققة والمحتملة.
٤ - ١ - ١ - المنفعة المحققة
وهي عبارة عن منفعة إذا لم يتحقق الفعل المحدد كان يحصل المتضرر على تلك المنفعة بالتأكيد، كمن حبس عاملاً وحرمه من عمله اليومي. (الإمامي، ٤٠٨٫١، بي تا)
٤ - ١ - ٢ - المنفعة محتملة الحصول
وهي منفعة إذا لم يتحقق الفعل المحدد من المحتمل حصول الشخص عليها، وفي هذه الحالة ليس الفاعل ضامناً؛ لأن علاقة العلية بين الفعل وعدم حصول المنفعة غير موجودة. (الإمامي، نفس المصدر)
٤ - ٢ - الآراء الفقهية القائلة بتفويت منفعة الحر
بما أن منافع العبد تتعلق بسيده اتفق الفقهاء على أن فوت منافع العبد أو تفويتها يوجب الضمان خلافاً للحنفية (البغدادي، ۱۴۲۰ ، ۲۹۸) ولكن اختلف الفقهاء في حكم تفويت منفعة الحر وذلك لأن الحر لا يتصرف أحد في أموره وأن منافعه بيده وأن منافعه تكون في تصرفه. وسنقوم بمناقشة كل من هذه الآراء الفقهية.
٤ - ٢ - ١ - نظرية الحنفية
مناقشة رأي الحنفية تكشف عن اختلافهم في هذه القضية، كما أنهم يختلفون في مسألة الحرمان من العمل جراء الجناية التي جنيت على العضو والحرمان الناشئ عن الحبس أو الغصب.
وحول المنافع التالفة إثر الجناية على الشخص يقول الحصكفي: إذا قام شخص بجرح الآخر وحرم الشخص من استمرار الكسب بسبب ذلك الجرح، على الجارح دفع النفقة وتكلفة علاج الجريح. (الحصكفي، ۱۴۲۳، ۷۰۵) ونقل مثل هذه النظرية عن ابن
دراسات مقارنة
العابدين، والفارق أنه يقول الأخير: إذا قام بجرح يد أحد وحرم من استمرار العمل بسبب ذلك الجرح، على الضارب دفع النفقة وتكلفة العلاج حتى يشفى الجريح؛ لأن تفويت المنافع نشأ عن تسبيب الجاني، ولكن إذا شلت يده بعد الشفاء وحرم من العمل إلى الأبد تجب على الضارب الدية فقط ابن العابدین (۳۱۸٫۷۰)
وحول ضمان الشخص المغصوب يرى الحنفية كالشافعية والإمامية أن الحر لا يمكن غصبه حتى يوجب الضمان للغاصب السرخسی بی تا ٦۹٫۱۱ المرغيناني، ١٤١٧، ٦ (٥١٤) وذلك استناداً بالقاعدة الفقهية "الحر لا يدخل تحت اليد" السيوطي، ۲۰۰۸، ۱۷۳؛ النجفي، ١٣٦٥ ، (۳۷، (٤٠) وهكذا وردت القاعدة المذكورة أعلاه في الكتب الفقهية للحنفية: "الحر لا يدخل تحت اليد فلا يضمن بالغصب ولو صبياً (ابن النجيم، ١٤٨، ١٤٣٣) بناء على هذا إذا غصب شخص صبياً ومات الصبى فجأة أو نتيجة الحمى فلا ضمان عليه، ولكن إذا مات نتيجة الأسباب القهرية كالصاعقة أو لذع الثعبان وأمثالها فيوجب الضمان البغدادي، ۱۴۲۰، ۳۱۳) وأن ديته على عاقلة الغاصب وفقا لقاعدة الإتلاف؛ لأن ضمان الإتلاف يشمل الحر أيضاً خلافاً لضمان الغصب. (ابن النجيم ١٤٨، ١٤٣٣؛ الكليبولي، ۱٤۱۹۸۱٫۴؛ على حيدر، ٤٩٧، ١٤١١) ويرى الحنفية إن قام شخص بحبس إنسان أعم من الحر أو العبد وتسبب في تلف منفعته أو استعمله واستوفى منه المنفعة فلا ضمان له في أي حال (البغدادي، ١٤٢٠، ٣١٣)
٤ - ٢ - ٢ - رأى المالكية
للمالكية في هذا الخصوص نظريتان: النظرية الأولى أن الجاني ضامن للمنفعة التالفة للمجنى عليه. وجاء في هامش الرهوني على الزرقاني: إذا فقد الشخص أعضاءه إثر جناية وحرم من منافعها وليس له طريقاً آخر للمعاش فعلى الجاني توفير تكلفة معاشه؛ لأن إدانة المعتدي على تعويض الخسارة أولى من تحميله على المتضرر. (الرهوني، ۳۲۰٫۷۰)
وفي المقابل أن كثيرا من المالكية يرون أن المنافع المستوفاة فقط مكفولة بالضمان
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
بالنسبة للحر. عبد البر القرطبي، ۸٤۹٫۲ ۱۳۹۸ يقول أتباع هذه النظرية: منافع البضع ومنافع الحر مكفولة بالضمان مع التفويت فقط الدسوقى ٤٤٣٫٣، بيتا) أما باقي المنافع توجب الضمان والغرض من التفويت استيفاء المنافع مع ذلك المنافع التالفة لا يتم ضمانها بواسطة الجناية على الشخص أو حبسه الرهوني، ۳۲۱٫۷۰؛ النمري القرطبي، ۱۳۹۸۸٤٩٫٢ ، الدسوقي نفس المصدر، ٤٤٩ و ٤٥٤)
٤ - ٢ - ٣ - رأي الشافعية
للفقهاء الشافعية في هذا الخصوص نظريتان
أن معظم الشافعية يعتقدون أن منافع الحر مكفولة بالضمان مع استيفائه أو تفويته سواء
أدت إلى استيفاء عقد صحيح أو فاسد، كما أن إتلافها في العقد يوجب الضمان. (ابن
عبد السلام، ١٤٢٨ ، ١ ٫ ٢٦٩ ؛ الرملي، ١٤٢٤، ۱۷۱٫٥؛ الشيرازي ، ٣٧٤٫١) يقول الشافعي
أن الإمام إذا أكره مشركاً أو ذمياً على الجهاد معه فعليه أجرة مثله يوم إكراهه على
الخروج معه. (الماوردي، (١٦١٫٧، ١٤١٤) ولأن الحر لا يدخل تحت ملك أو يد إن تلف
منفعته لا ضمان لها لأن منفعته تلفت تحت يده كإتلاف منافعه بسبب حبسه أو حرمانه
من العمل، وفي هذا الخصوص لا ضمان له وفقاً للأكثرية وأن الحابس لا ضمان عليه
الرملي، (١٤٢٤، ١٧١٫٥)
بناء على هذا أن الأصح في الفقه الشافعي أن منافع الحر إنما تكفل بالضمان إذا تم
منها استيفاء المنفعة؛ بمعنى حين تم حبس صانع لفترة محددة أو تم استيفاء منفعته يجب
تعويض الخسارة اللاحقة به بدفع الأجرة، ولكن إذا تم حبس حر دون استيفاء منفعته
فلا ضمان له ولو كان المحبوس صغيرا لأن منافع الإنسان تتبع ذاته وليست مالاً مستقلاً؛
وكما لا يمكن غصب الحر وجعله تحت يد أو ملكية أحد كالعبد فأن منافعه كذاته لا
تقع تحت اليد الغزالي، ۳۷۹، ۱۴۱۸؛ الماوردي ١٦١٫٧ ١٤١٤، النووي، روضة
الطالبين، ٥٤١٫٣، ١٤٣٣)
واستدل هؤلاء لتعزيز رأيهم بالقاعدة الفقهية: "الحر لا يدخل تحت التصرف يقول
۲۷۳
دراسات مقارنة
السيوطي: بناء على هذه القاعدة إذا تم حبس حر دون منعه من الأكل أو الشرب ومات نتيجة تدمير الجدار أو بسبب آخر فلا يلزم الحابس الضمان؛ كما إذا لم يستوف منه منفعة فترة الحبس فلا يلزمه المنافع التالفة، وأما إذا كان المحبوس عبداً يلزم الضمان على الحابس في الحالات المذكورة بناء على هذا إذا ادعى أحد زوجية امرأة متزوجة الآخر فالزوجة هي المدعاة عليها لا الزوج؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد حتى يتم اعتباره محل الدعوى السيوطي، ۱۷۳، ۲۰۰۸؛ النووي ١٤٫٥، ١٤١٢؛ الشربيني، ١٦٥٫٣، (١٤٣٠) كما قالوا أن منفعة الحر قد يصح المعاوضة عليها بالبدل ولا تضمن بالغصب. (الماوردي، ١٦٢٫٧، ١٤١٤).
ب النظرية الثانية أن المنفعة مضمونة على من قوتها عليه بحبسه وتعطيله، استشهاداً بذلك من قول الشافعي السابق ( الماوردي ، ، (١٦١) سواء كانت من المنفعة المستوفاة أو غير المستوفاة لأن منافع الإنسان يتم تقويمها في الإجارة الفاسدة وفي هذه الحالة توجب الضمان كمنافع الأموال؛ فابن أبي هريرة من فقهاء الشافعية من أتباع النظرية الثانية. النووي، ١٤٫٤، ١٤١٢)
يقول النووي بعد نقل الخلاف الموجود في المسألتين الفقهيتين: سبب الخلاف في هاتين المسألتين يشبه الخلاف في قضية الحر، ولكن أجاب معظم الفقهاء في المسألتين المذكورتين أعلاه إيجابياً لأنهم يرون بأن منافع الإنسان بعيدة عن شخصه. وأجاب بعض آخر كقفال سلبياً لأن الإنسان حر ولا يستحق للمستأجر إجارة الحر إلى شخص آخر، كما أن منافعه ما لم تكن موجودة لا تدخل تحت يد آخر يرى النووي أنه لا يمكن اعتبار أساس هذا الاختلاف اختلافاً في الجواز أو عدم الجواز لجعل الحر تحت اليد؛ لأن الجميع يتفقون على أن الحر لا يدخل تحت اليد، بل سبب جواز إذن المؤجر في المسألة الأولى واستحقاق أجرة المثل له في المسألة الثانية مبنيان على قاعدة المصلحة والحاجة، ولكن أكد الغزالي على أن أصل الخلاف يرجع إلى جواز أو عدم جواز دخول الإنسان تحت يد الغير. (النووي، ١٤٫٤، ١٤١٢؛ الغزالي، ١٤١٨، ٣٨١).
(٢٧٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
يبدو أن النظرية الثانية هي الأقوى، وأن المنافع التالفة للحر تلزم الضمان كالعبد سواء استوفت المنفعة أم بقيت معطلة دون الاستيفاء؛ لأنه أولاً: يجوز دفع الأجرة للكفار والمشركين الذين شاركوا في الجهاد وفقاً للشافعي (الماوردي؛ نفس المصدر)
يمكن القول بأن نظرية الإمام الشافعي تشير إلى المنافع المستوفاة فقط بينما أن كلام الشافعي القائل "منذ الذهاب حتى العودة مطلق ويشمل الجميع سواء المستوفاة أو غير المستوفاة.
ثانياً : في تفويت المنافع لا فرق بين العبد والحر كما إذا قام عبد بحبس كاتب ومنعه من الكتابة، فعلى الغاصب أن يضمن للمغصوب أجرة مثل المنافع للأيام التي مرت، وبناء على هذا الفرق بين العبد والحر هو في غصب الشخص ولكن له حكم واحد في الغصب وتلف المنافع وقول غالبية الفقهاء في استحقاق الأجرة للشخص المستأجر وضمان المؤجر أمامه تعزز النظرية الثانية رغم عدم استيفاء المنفعة منه النووي، نفس المصدر) .
ثالثاً: جواز إجارة المستأجر بواسطة المؤجر وقبوله لدى الأكثرية تأييد آخر للنظرية الثانية بغض النظر عن مبنى الخلاف فيه النووي، نفس المصدر الماوردي، نفس المصدر).
٤ - ٢ - ٤ - رأي الحنابلة
فقهاء الحنابلة رغم اعتقادهم بضمان المنافع يرون أن كل شيء لا يمكن غصبه كالحر فإن غصبه لا يوجب الضمان ولكن إتلافه موجب للضمان؛ بالتالي فاذا استعمل حراً مع الإكراه فيلزمه ضمان مثل منافعه (ابن قدامة، ١٤١٧، ٧ ٫ ٤٢٩) ولكن إذا حبسه لفترة محددة دون أن يستفيد من منافعه فهناك نظريتان بخصوص ضمان أو عدم ضمان منافعه التالفة: فريق يرى عدم ضمان المنافع غير المستوفاة لأن المنافع في هذه الحالة تابعة لشخص لا يمكن غصبه، وفريق يعتقد بالضمان، وهم يقولون: بما أنه أتلف منافعه وأن المنفعة مال لا يجوز أخذ العوض قباله فإن تلفه موجب للضمان، ولكن إيقافه عن مواصلة العمل دون حبسه لا يوجب الضمان لأنه في هذه الحالة لا ضمان عليه إذا منع من عمل عبد ابن قدامة، ١٤١٧، ٤٣٠٫٧).
نقل ابن القيم لتعزيز هذا الرأي رواية عن البخاري بمضمون: أن رجلاً قال لرجل : أرحل
دراسات مقارنة
ركابك فإن لم أرحل معكم يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: "من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه . (ابن القيم، (۲۰۱۲) وفقا لرأي شريح أن الشخص يكلف بدفع مبلغ إزاء المنفعة التالفة لصاحب المركب ولو لم يستوف المنافع (العسقلاني ٢٠٠٨، ٤٥٧) وتجدر الإشارة إلى أن بيع العربون أو الدفع المسبق في الصفقات وتجارة الشركات الكبرى أمر شائع اليوم بحيث تشترط الدوائر أو المؤسسات الحكومية حين إجراء المناقصات أو عقد المزادات لبيع السلع والخدمات أن يدفع الزبائن مبلغاً كوديعة في حساب المناقص أو منظم المزادات، وإذا انسحب الفائز لأي سبب من القيام بالعمل أو شراء السلع المزادة فمبلغ الدفع المسبق غير قابل للاسترداد ويتم ضبط المزايدة للمنفعة التالفة وتعويض الخسارة لصالح المناقص أو منظم المزاد.
٤ - ٢ - ٥ - رأي الإمامية
اتفق معظم فقهاء الإمامية مع سائر الفقهاء فى عدم دخول الحر تحت اليد والتصرف
(العاملي، ١٤٦٫١٢، ١٤١٣؛ بجنوردي، ۳۷٫۲، ۱۴۱۹؛ الحلى جعفر بن حسن، ١٨٦٫٣،
١٤٠٨) كما اتفق الجميع على ضمان المنافع المستوفاة وهذا يعنى أن ضمان المنافع أو
عدم ضمان الحر في فقه الإمامية أمر مجمع عليه عند البعض وقريب من الإجماع عند
بعض آخر. (العاملي، (۱۵۷٫۱۲ (۱٤۱۳) ولكنهم يختلفون في منفعة الإنسان التالفة،
فأكثرهم يعتقدون بعدم ضمانها وذلك لأن الإنسان الحر لا يعتبر مالاً فهو غير قابل
للتمليك، بما أن منافعه تابعة لذاته ولا تعتبر مالاً مستقلاً فلا يمكن تمليكها للآخرين.
(العاملي، نفس المصدر الخميني، ۲٫ ۱۷۳؛ الحلى جعفر بن حسن، نفس المصدر) ونص
بعض مصادر الإمامية على أن غصب الذات ومنافع الحر لا يوجب الضمان ولو كان
صغيراً (نجفی ٣٦٫٣٧؛ طوسی، ٣٠٦٫٣، ١٣٨٧ ؛ الحلي، ٤٤٦٫١، ١٤١٠؛ العاملي، نفس
المصدر؛ الحلى جعفر بن حسن، نفس المصدر).
ويعتقد العاملي بأن السبب الوحيد لهذا الأمر هو عدم كون الإنسان مالاً (العاملي،
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
١٤٢٤، ٢٠) ويقول صاحب الشرائع: إذا تم حبس صانع فلا يلزم ضمان منافعه إلا إذا استوفى المنفعة؛ لأن منفعة الصانع تكون في قبضته العاملي، ١٥٩٫١۲، ١٤١٣؛ الحلي جعفر بن حسن، نفس المصدر وفي المقابل أكد عدد من فقهاء الإمامية كميرزا حبيب الله نجفى والمقدس الأردبيلي والسيد بحر العلوم على ضمان منافع الحر المستوفاة وغير المستوفاة ويقولون محتجين على حجج الفريق الأول: أولاً الغصب في اللغة بمعنى القهر والغلبة، وجاء في الشرع للقهر والغلبة على المال، وأن القهر والمالية أمران عرفيان ونسبيان، وأن إطلاق القهر والغلبة على الحر أيضاً صحيح. فلا يمكن جعل "حديث اليد" حجة لعدم صحة إطلاق الغصب على الحر (نجفی ١٤ ، بی (تا) ثانياً: لا نسلم بعدم مالية منافع الإنسان لأن الجميع متفقون على صحة إجارة الإنسان كما أن الصلح على المنافع صحيح أوليس فلسفة الإجارة هي استيفاء منافع الإيجار ؟ إضافة على ذلك فإن الجميع متفقون على أنه إذا قام أحد بإجارة رجل لعمل ما ولكن لم يستعمله المستأجر مع استعداد المؤجر وأبقاه دون استيفاء المنفعة، في هذه الحالة يستحق المؤجر أجرة المثل. (العاملي، (٣٤٢٫١) قال صاحب كتاب العروة الوثقى من أتباع الضمان المطلق: إذا قام بإجارة أحد لنزع الأسنان وبعد مضى فترة كافية للقيام بالعمل رغم استعداد المؤجر طبيب الأسنان لم يتم نزع السن فإن المؤجر يستحق أجرة المثل سواء كان المؤجر عبداً أو حراً.
يمكن القول بأن الفرق بين الحر هو أن منافع الحر يتم ضمانها في حالة الاستيفاء؛ في هذه المسألة أولاً بعد قبول المؤجر أن منافعه تكون في حيازة الشخص رغم أننا لا تسلم أن المنافع المستوفاة مكفولة بالضمان فقط بل إن المنافع توجب الضمان عند التفويت سواء كانت مستوفاة أو غير مستوفاة، كما إذا تم حبس تاجر أو صانع يمكن القول عرفيا، أنه قام بإتلاف تلك الكمية من منافعه (يزدي، ١٤٢٢، ٨٢٤). ثالثاً بغض النظر عن عدم دخول الحر تحت اليد ولكن الحابس حال دون استيفاء منفعة الصانع فهو ضامن لمنافعه التالفة وفقاً لقاعدة التسبيب (نجفی، ١٣٦٥، ٣٩٫٣٧).
يقول الآخرون مع أن القهر والسلطة أمر عرفي والحر لا يدخل تحت يد الآخر ولا
۲۷۷
دراسات مقارنة
يتم غصبه كالعبد، مع ذلك فان إتلاف منافعه لا يوجب الضمان لأن المنافع غير المستوفاة شيء معدوم والمعدوم لا يمكن غصبه؛ وإن كان المحبوس ذا مهنة صناعية محددة يستطيع أن يستمر في عمله أو يحصل على المنفعة من مهنته إذا أطلق سراحه، كما إذا كان الشخص رأسمال ومنعه شخص آخر من مواصلة عمله وحصوله على الربح فهولا يضمن أرباحه الفائتة. (الغروى، ٥٥٠).
بالإضافة إلى الموضوعات السابقة من القضايا التي تتعلق بموضوعنا وتوجب الضمان عند جميع الفقهاء هي قاعدة على اليد المأخوذة من الحديث النبوي (طوسي، ١٤٠٧، ٢٨٨٫٣؛ أبو داود، ١٤٣٦، ٤٤٩؛ تهانوی، ١٤١٥، ٣٤٧).
هناك سؤالان مهمان بخصوص هذه القاعدة وأن إجابتهما تكشف عن كثير من الغموض السؤال الأول حول معنى اليد وهل الغرض منها الحيازة المادية أو السيطرة والهيمنة ؟ والسؤال الثاني أن "ما" الموصولة في هذا الحديث أنها تشتمل على أي شيء؟ هل يجب للمتصرف فيه قابلية الملكية أم لا؟
للإجابة عن السؤال الأول نقول: إن الغرض من اليد ليس التصرف المادي فقط، بل الغرض منها الاستيلاء على مال الغير أو حقه، سواء كان الاستيلاء مع التصرف المادي أم لا، ومع ذلك بما أن الاستيلاء أمر عرفي الرملي، ١٤٢٤، ١٤٤). فلا فرق بين العبد والحر في هذه الحالة.
وللإجابة عن السؤال الثاني إذا قيل "ما" عبارة عن أشياء قابلة للتمليك فيخرج الحر من
موضوع الغصب بناء على قاعدة "لا يدخل الحر تحت اليد" لأن فلسفة الضمان رد المغصوب
إلى صاحبه بينما أن الحر لا مالك له. بناء على هذا لا معنى للغصب فيه ولكن بخروج الحر
من شمول قاعدة اليد، هل توجب منافعه التالفة غير المستوفاة الضمان؟ فإذا احتجنا في علة
عدم الضمان بعدم ماليته وقلنا بعدم مالية منافع الحر فلماذا يمكن عقد الإجارة أو الصلح أمام
منفعة الإنسان؟ بالتالي إن الادعاء بعدم مالية منفعة الحر مردود، وإذا قيل من خلال تقييد
قاعدة اليد بقاعدة الحر وخروج الحر من شمول اليد فتخرج منافع الحر تبعاً لها؛ لأن منفعة
الإنسان في اختياره كالقميص الذي ارتداه إذا مزق أو بلي في السجن فلا يضمنه الغاصب؛
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
نقول في الجواب: أولاً: بخروج الشيء لا يلزم خروج جميع توابعه؛ لأن ذات الحر ومنافعه أمران منفصلان ثانياً : قياس المنفعة التالفة على القميص قياس مع الفارق؛ لأن مسألة عدم ضمان القميص يشمل العبد أيضاً بينما اتفق الجميع على ضمان منافع العبد، فمنافع الحر تدخل تحت اليد والتعدي كالعبد وتوجب الضمان تبعاً لها.
النتيجة
1 - يعتقد الفقهاء جميعاً ماعدا الحنفية أن غصب المنافع وإتلافها يوجب الضمان كعينها.
- الغصب ليس من أسباب الملكية عند الجمهور لأن الفعل غير الشرعي والعمل الجنائي لن يكون مشروعاً، وبناء على هذا فإن الغصب لا يوجب التمليك ولكن الحنفية يقولون بما أن الغاصب مكلف بدفع المثل أو ثمن المغصوب فيكون مالكاً للمغصوب ولا يضمن منافعه.
- يعتقد جمهور الفقهاء بأن المنافع المستوفاة توجب الضمان ولكن اختلفوا في المنافع غير المستوفاة وكثير منهم يعتقدون أن الحر لا يدخل تحت اليد.
٤ - إذا كان التعريف القائل بأن المنافع غير المستوفاة لحياة الإنسان لا تعتبر مالاً،
تعريفاً مقبولاً في العصور السابقة، فإن قبول هذا التعريف ومتطلباته يكون صعباً في هذا
العصر؛ لأنه أولاً : يناقض مفهوم المسؤولية المدنية وفلسفتها. ثانياً لأن عرف المجتمع قد
اعتبر حياة الإنسان والوقت الذي في اختياره من أكبر رأسماله، وبناء على هذا لا يمكن
القول بأن منع الإنسان من العمل لا يوجب الضمان ولا يمكن تمليكه ولا يباع أو يكون
مكفولاً بالضمان عند استيفاء المنافع فقط. بناء على هذا ينبغى تعريف المال بطريقة
تشمل المنافع أيضاً وأن منع الإنسان من العمل يوجب الضمان كما فعل مجموعة من
الفقهاء منذ البداية.
ه - لا يصح قياس الإنسان الحر على ذاته من حيث عدم التمليك وبالتالي عدم الضمان؛ صحيح أن الحر لا يدخل تحت اليد والاستيلاء خلافاً للعبد، ولكن في الواقع لا فرق بينهما من حيث المنافع وأن عمل الحر ومنافعه يدخل تحت اليد كالعبد. وقد
دراسات مقارنة
اهتمت الشريعة بمنافع الحر في إطار عقود كالإجارة والجعالة وما شابه ذلك، فهذه المنافع مكفولة بالضمان كمنافع العبد.
٦ - من أسباب اختلاف الفقهاء في موضوع ضمان منافع الحر هو الاختلاف في ماهية الغصب؛ بناء على استقراء آراء الجمهور يتبين لنا أن الغصب له مفهومان خاص وعام؛
الغصب بالمفهوم الخاص هو نفس التصرف العدواني في ملك الغير، وأما الغصب بالمفهوم العام له معنى أوسع وهو التصرف غير المجاز به في حق الغير سواء من عين المال أو من المنافع، منقولاً كان أو غير منقول، أو حبس المالك ومنعه من التصرف في ماله، سواء قام بنقل الملك من مكانه الأول أم لا؟
بناء على نظرية جمهور الفقهاء فإن الغصب لا يقتصر على المال ويمكن أن يشمل
أشياء أخرى لا يطلق عليها المال عرفياً كحق التحجير ومثل ذلك، وفي جميع هذه
الحالات يعتبر الغاصب أو المتعدي ضامناً ولديه مسؤولية مدنية (الشربيني، ٢٧٥٫٢
الرملي، ١٤٢٫٥؛ ابن جزي ۳۳۱، الإمام الخمینی ۱۲۷٫۲؛ امامی (٣٦٦) بغض النظر عن
الخلاف في العنوان، حيث اعتبر عدد من فقهاء المالكية التصرف في العين غصباً
والتصرف في المنافع تعدياً، ولكن أي تعد على حق الغير يوجب الضمان ويحمل
المسؤولية المدنية على المتعدي. وأما من وجهة نظر الحنفية فان دائرة الغصب أضيق
وهي عبارة عن قبض المال المتقوم من يد المالك دون إذنه ونقله من المكان الأول؛
فأي شيء لا يمكن نقله كالأموال غير المنقولة أو لا يكون على احتمالين كالمنافع لا
يمكن اعتباره من مصاديق الغصب. يبدو أن رأي الجمهور هو أكثر اتساقاً مع الشرع
وأقرب إلى العرف، وبالتالي هو الرأي الراجح.
- من الأسباب المبررة لضمان منافع الإنسان رعاية المصلحة والضرورة، كما صرح النووي بأن وجوب ضمان منافع المؤجر التي تم تعطيلها من قبل المستأجر وجواز إجارة المؤجر من قبل المستأجر بسبب مصلحة المؤجر والمستأجر. (النووي، ١٤٫٥، ١٤١٢) كما يمكن الاستناد بقاعدة العرف التي اعتبرها كثير من الفقهاء حجة. *
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الاقتراح
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
يقترح الباحث إضافة قاعدة فقهية إلى القواعد الفقهية في باب الضمان تحت عنوان تعطيل منافع الحر يوجب الضمان لإصلاح هذه الثغرة والتنسيق على لزوم تعويض جميع الخسارات الناجمة عن تفويت منافع الشخص مستوفاة أو غير مستوفاة؛ لأن هذه القاعدة لها مستندات كثيرة منها قاعدة على اليد، ولا ضرر، ومثل ذلك، واتفق جميع الفقهاء إجمالياً في أحكامها.
دراسات مقارنة
المصادر
. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، المكتبة التوفيقية، ٢٠٠٨.
. ابن قدامة المقدسي الحنبلي موفق الدين أبو محمد المغني، جلد ، الرياض، دار عالم الكتب، ط ٢، ١٤١٧.
ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن ابي بكر، أعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتاب العربي، بيروت، ۲۰۱۲.
. ابن منظور، أبو الفضل ، جمال الدين، لسان العرب، بیروت، دار صادر، ۱۹۹۷.
ه. ابن نجيم المصري، زين الدين بن إبراهيم الحنفي، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الحنفية، المكتبة الأزهرية للتراث، ۲۰۱۳.
. آبي، عبد السميع، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، ١٤٨٫٢، الطبعة الثانية، مصر، مطبعة مصطفى الحلبي، ١٣٦٦، ١٩٤٧.
آل مبارك، فيصل بن عبد العزيز، كلمات السداد على متن الزاد، الرياض، دار كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع، ١٤٢٧، ٢٠٠٧.
. إمامي، سيد حسن الحقوق المدنية، طهران، الانتشارات الإسلامية، بي تا.
بجنوردي، السيد حسن القواعد الفقهية، قم، نشر الهادي، ١٤١٩.
١٠. البغدادي أبو محمد بن غانم، مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، دار السلام، ١٤٢٠.
١١. التهانوي ظفر، أحمد العثماني الحنفي، إعلاء السنن جلد ١٦، باكستان، إدارة القرآن والعلوم الاسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤١٥.
۱۲. تواني بن توائي، المبسط في الفقه المالكي بالأدلة، الجزائر، دار الوعي للنشر والتوزيع، ١٤٣٠.
١٣. الحصكفي محمد بن علي الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، للشيخ محمد بن عبد الله التمرتاسي، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢٣، ٢٠٠٢.
١٤. الحلي حسن بن يوسف الأسدي، إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، قم، مكتب الانتشارات المتعلقة بحوزة قم العلمية، ١٤١٠.
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
١٥. الحلي، المحقق، نجم الدين جعفر بن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تحقيق عبد الحسين بقال، قم، مؤسسة إسماعيليان، ١٤٠٨.
١٦. خفيف علي الضمان في الفقه الاسلامي، بيروت، دار الفكر العربي، ۲۰۰۰.
۱۷. دسوقي، شمس الدين محمد عرفه مالكي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، حلب، دار إحياء الكتب العربية، بي تا.
۱۸. الرازي زين الدين عبد القادر محمد بن محمد مختار الصحاح، دار الكتاب العربي، ١٤٢٥.
١٩. الرملي، شمس الدين محمد بن عباس، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على مذهب الامام الشافعي مجلد ۵ لبنان، دار الكتب العلمية، ١٤٢٤
٢٠. الزبيدي، محب الدين، واسطي السيد محمد تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤١٤.
٢١. الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، مجلد ٤ و ٦، دمشق، دار الفكر، ١٤٢٧.
۲۲. زرقاء، أحمد شرح القواعد الفقهية، دمشق، دار القلم، ١٤١٩
۲۳. زركشي بدر الدين محمد بن بهادر المنثور في القواعد تحقيق محمد حسن إسماعيل، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢١.
٢٤ . الزلمي، مصطفى إبراهيم، إيضاح الفوائد في شرح القواعد على نمط جدید، طهران، دار إحسان للنشر، ٢٠١٤.
٢٥. الزيدان، عبد الكريم، الوجيز في شرح القواعد الفقهية، بيروت، مؤسسة الرسالة ناشرون، ١٤٢٤.
٢٦. سراج، محمد أحمد، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي دراسة فقهية مقارنة بأحكام المسؤولية التقصيرية في القانون.
۲۷. السرخسي، شمس الدين المبسوط، بيروت، دار المعرفة، بي تا، دار المطبوعات الجامعية، ٢٠١٥.
۲۸. السمعاني، ابي المظفر منصور بن محمد المروزي، الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، دار المنار، ١٤١٧.
٢٩. السيوطي ، جلال الدين، الأشباه والنظائر في القواعد الفقهية، مكتبة الإيمان، ۲۰۰۸.
٣٠. الشافعي، أبو عبد الله محمد بن ادريس الأم، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثانية، ١٤٠٤.
دراسات مقارنة
٣١ الشربيني الخطيب، شمس الدين بن محمد، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، دمشق، دار الفيحاء، ١٤٣٠، ۲۰۰۹.
٣٢. الصنعاني، محمد بن إسماعيل، سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، دار الكتاب العربي، ١٤٢٥، ٢٠٠٤.
٣٣. الطوسي، أبو جعفر الخلاف فقه استدلالي تطبيقي، قم، مكتب الانتشارات الإسلامية المتعلقة بمدرسي الحوزة العلمية، ١٤٠٧.
٣٤. الطوسي، أبو جعفر محمد بن حسن المبسوط في فقه الإمامية، المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية، ۱۳۸۷.
٣٥. العاملي، السيد محمد حسن الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية، منشورات ذوي القربي، ١٤٢٤.
٣٦. العاملي، الشهيد الأول، محمد بن مكي، القواعد والفوائد مكتبة المفيد، طباعة أوفست، بي تا.
٣٧. العاملي، الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤١٣
۳۸. علي حيدر أمين أفندي قوانين الشريعة الإسلامية التي كانت تحكم بها الدولة العثمانية، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، دار الجبل، ۲۰۱۰.
٣٩. الغزالي، محمد بن محمد، الوجيز في فقه الإمام الشافعي، دار أرقم، ١٤١٨.
٤٠. القدوري البغدادي، أبو الحسين أحمد بن محمد موسوعة القواعد الفقهية المقارنة المسمى التجريد، التحقيق محمد أحمد.
٤١. القرطبي، ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد دار الكتاب العربي، جامعة طهران، ١٣٨٥.
٤٢. القرطبي، أبي عمر، يوسف بن عبد الله بن عبد البر، كتاب الكافي في فقه أهل المدينة، مكتبة الرياض الحديثة، الطبعة الأولى، ۱۳۹۸
٤٣. كاتوزيان، ناصر، الإلزامات الخارجة عن العقد، جامعة طهران، ۱۳۸۳.
٤٤. كليبوني، عبد الرحمن بن محمد بن سلمان، مجمع الأنهار في شرح ملتقى الأبحار للإمام إبراهيم الحلبي، مجلد ٤، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٩.
٢٨٤
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
٤٥. الماوردي، أبي الحسن علي بن محمد الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، تحقيق علي معوض ومحمد عادل، بيروت، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، ١٤١٤.
٤٦ . المجاجي، محمد سكحال المهذب من الفقه المالكي وأدلته، مجلد ٣، دار القلم، ١٤٣١، .۲۰۱۰
٤٧. مجلة الأحكام العدلية المطبعة الأدبية، بيروت، ۱۳۰۲.
٤٨. المرغيناني، برهان الدين أبي الحسن الهداية شرح بداية المبتدي، الطبعة الأولى، إدارة القرآن والعلوم الاسلامية، ١٤١٧.
٤٩. المزني، تحقيق على معوض عادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٤، .۱۹۱۹
٥٠. نجفي، محمد حسن جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٦٥.
٥١. النووي، المجموع شرح المهذب، ٥٩٫١٤. مطبعة الإمام بمصر، بي تا.
٥٢. النووي يحيى شرف الدين روضة الطالبين وعمدة المفتين، مجلد ٥ المكتب الاسلامي، ١٤١٢.
٥٣. اليزدي، السيد محمد كاظم الطباطبائي، العروة الوثقى مع تعاليق الإمام الخميني، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، ١٤٢٢.
دراسات مقارنة
الهوامش:
(۱) حديث الخراج بالضمان حديث صحيح ورواه أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان، ونقله أئمة الفقه كالشافعي وأبو حنيفة وغيرهما (الشافعي، محمد بن ادريس، الأم، ٦٦٥٫٧، دار الفكر، ١٤٠٠)، وأشار بعض الرواة إلى ذكر السبب وهو أن رجلاً ابتاع عبداً، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استعمل غلامي، فقال: الخراج بالضمان. (ابن ماجة القزويني، ابو عبد الله، سنن ابن ماجة تحقيق رائد بن صبري، دار الحضارة للنشر والتوزيع، حديث رقم ٢٢٤٣ ، الطبعة الثانية، ١٤٣٦؛ أبو داود سليمان بن أشعث السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق رائد صبري، دار الحضارة، حديث رقم ٣٥١٠، الطبعة الثانية، ١٤٢٦
(۲) رواه أبو داود بسند حسن ورواه الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام، دار الكتاب العربي والبخاري أيضاً في كتاب الحرث والترمذي في كتاب الأحكام باب ۳۸؛ ومالك في الموطا. كتاب الأقضيه حديث ٢٦؛ وأحمد في المسند ٣٢٧٫٥؛ الصنعاني، ١٤٢٥، سبل السلام شرح بلوغ المرام دار الكتاب العربي، ١٤٢٥، ٦١٩ والتهانوي، أعلاء السنن، ج ١٦، باكستان، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، ١٤١٥.
1 - بيع العربون عبارة عن أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهماً أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذ فذلك للبائع ولا يرد إلى المشتري؛ بناء على استدلالهم أن المبلغ المدفوع يحتسب التعويض الخسارة الناجمة عن منع المنفعة والتصرف في المال التواني، بن تواني، المبسط في فقه المالكي بالأدلة، ١٢٢٫٥، دار الوعي، ١٤٣٠؛ سنن ابي داود، ٤٤٤، دار الحضارة، ١٤٣٦)
۲ - مستندات القاعدة المشهورة على اليد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: على اليد ما أخذت حتى تؤديه فقهاء الإمامية وأهل السنة يختلفون حول سند الحديث غالبية الإمامية اعتبروه مرسلاً بسند ضعيف مع ذلك أن الأكثر يرون أن الحديث لديه سمعة الفتوى وهذه السمعة تغلبت على ضعفه، وبعض آخر منهم كابن إدريس الحلي يستشهد به كثيراً في كتابه السرائر وينسبه إلى رسول الله بشكل قاطع. (الحلي، ١٤٠٧) (٥) هناك مجموعة من القواعد الفقهية التي تدل على حجية العرف إطلاقاً أو العرف العام أو الخاص، أو تعتبر العرف حجة في تحديد المعايير والمقاييس القاعدة الأكثر شهرة هي قاعدة العادة محكمة للتفصيل حول هذا الموضوع أنظروا الندوي، ۲۹۳ وما بعدها، ١٤١٨؛ الزرقاء، ۲۱۹ وما بعدها، ۱٤۱۹؛ الزركشي، ٩٦٫٢ وما بعدها، ١٤٢١؛ الزيدان، ١٠٠ وما بعدها، ١٤٣٤؛ الأشباه والنظائر للسيوطي، ۱۲۷، ۲۰۰۸.
٢٨٦١
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م
حاضرون في الذاكرة
في الفترة ما بين العدد السابق من مجلة فقه المقارن والعددين الحاليين من المجلة فقدنا ثلاثة من الشخصيات العلمية الكبيرة ممن كان لهم إسهام فقهى مقارن وعطاء علمي إسلامي زاخر، وكانت المجلة تفتخر بالانتماء اليهم وهم بحسب تاريخ الوفاة الشيخ العلامة وهبة مصطفى الزحيلي والشيخ العلامة محمد على تسخيري، والأستاذ الدكتور محمد كمال إمام، رحمهم الله وجعلهم من أهل النعيم المقيم.
الشيخ العلامة وهبة مصطفي الزحيلي
شغل منصب رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة بجامعة دمشق، كما أنه عضو المجامع الفقهية بصفة خبير في مكة وجدة والهند وأمريكا والسودان، ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق، كلية الشريعة.
قدم خدمات كبيرة وجليلة للفقه الإسلامي في العصر الحديث، في التدريس و في إبداء الرأي والاجتهاد في القضايا المعاصرة من موقعه كخبير، ونال العضوية في مجامع فقهية وعلمية كثيرة، منها مجمع الفقه الإسلامي بجدة والمجمع الفقهي في مكة المكرمة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن (مؤسسة آل البيت)، ومجمع الفقه الإسلامي في الهند وأميركا، وعضوية مجلس الإفتاء الأعلى في سورية.
كما كان عضوا بلجنة البحوث والشؤون الإسلامية وهيئة تحرير مجلة نهج الإسلام بوزارة الأوقاف السورية، وعضو موسوعة فقه المعاملات في مجمع الفقه الإسلامي في جدة.
خدم الفقه وأصوله أيضا من خلال بحوثه ودراساته، وإشرافه على مئات رسائل الماجستير والدكتوراه، وتأليفه لعشرات الكتب ومساهماته العلمية في مؤتمرات وندوات ودورات دولية، ومشاركاته في برامج تلفزيونية وإذاعية.
حاضرون في الذاكرة .
الشيخ العلامة محمد علي تسخيري (فقيه الوحدة)
تميز الفقيد الكبير بجملة من الخصائص:
1. كان يتمتع بروح لطيفة، وسلوك ملىء بالإنسانية، وبشخصية جذابة، وأخلاق متواضعة، ونظرة صادقة، وأدبيات طيبة، وتفاعلات بناءة، وتعاملات فوق الطائفية، واحترام الغير من منطلق الكرامة ، والاهتمام بآراء الطرف الآخر بكل دقة.
. شارك في العديد من المؤتمرات العلمية على مستوى الأمة، وقد أظهرت وأثبتت تجربة حضوره ومشاركته فيها أن علماء الإسلام يستطيعون مناقشة القضايا المهمة بناء على الآراء المشتركة، أو استناداً إلى وجهات نظر مختلفة من المذاهب عبر عملية جمع آراءها معا.
. على وجه الخصوص، توضح وتثبت إنجازات حضوره في المؤتمرات الفقهية أن الشيعة والسنة بشكلأساسى يمكنهما بناء حوار فقهى بناء لخلق بنية أساسية فقهية مشتركة فيما يتعلق بالأمة، والحق أن الفقه الإسلامي له إمكانيات عديدة لمثل هذه الحوارات والنشاطات، لكن الطائفية لا تسمح بذلك.
في ميدان التقريب كانت في الواقع منافسة بين فكره وسلوكه؛ في بعض الأحيان، كان يتفوق فكره العميق على سلوكه في اللعب بالدور التقريبي، وأحيانا كان يتفوق سلوكه النقى المتأصل على أفكاره في اللعب بهذا الدور.
ببيان آخر، كان فكره وسلوكه مميزين، وكان الاثنان متقدمين على بعضهما البعض في اللعب بالدور التقريبي.
ه. كان يعتقد أنه في القرون الأولى للإسلام، كان المسلمون يحب بعضهم البعض كثيراً وكان أئمة أهل البيت ينشرون ويعمقون هذه المحبة، وكان الفقيه المصلح الراحل يستشهد مرارا - وفي مناسبات عديدة، وفى لقاءات كثيرة - برواية الشيخ الصدوق التي رواها في كتاب خصاله حول ما جرى بين الإمام الصادق الله والإمام مالك، وكان يركز على الجملة التي وردت فيها، قالها الإمام: يا مالك إني أحبك ".
TAA
الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م
الحاضرون في الذاكرة
سبب تركيزه على هذه الجملة هو أهمية الحب وعمقه ودوره، وأراد أن يقول: انظروا: الحب هو أساس المشاعر والعواطف، وهو بعيد كل البعد عن الكراهية والعناد والعصبية.
الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام
كان الدكتور محمد كمال؛ شخصية ذات أبعاد عديدة، يمكن بسطها كالتالي:
۱ - شخصية اخلاقية اتسمت بالتواضع والصدق والنصح واللافت أن تواضعه كانت
ترافقه الرزانة والوقار.
۲ - شخصيه اصولية
كان مهتماً جداً بعلم الأصول وقد تبلور هذا تماما في نظراته ومتابعاته وتاليفاته، لكن اصوله صاحبت نظرة تجديدية؛ غير أن هذه النظرة انبثقت من واقع وطبيعة علم الأصول وأسسه وإطاره، ولم تكن وجهة نظره التجديدية بما يؤدي إلى تدمير أسس الأصول.
٣ - شخصية ذات افكار فقهية وحقوقية
كان يتبع في دراساته ونقاشاته منهجا فقهيا وقانونياً، وهذا ما تبلور في كتبه وآثاره.
- شخصية موسوعية
بالإضافة إلى العديد من الكتب والمقالات التي ألفها وكتبها، كان أيضاً شخصية موسوعية، وكتب موسوعة مهمة حول المقاصد.
ه - شخصية مقارنة
كانت له اتجاهات ومتابعات علمية في فقه المقارن. لقد كان مهتماً حقاً بمقارنة
الآراء بين المذاهب، وكان جاداً جداً في هذا المجال.
٦ - شخصية صاحبة مكتبة متطورة
كانت لديه مكتبة كبيرة وفّر فيها أنواعا من الكتب بإصدارات مختلفة وبتصنيف جيد، وفي مساحة واسعة. واللافت أنه لم يكن يريد مكتبته لنفسه، فقد أخبر أن مكتبته
مفتوحة للطلاب للحضور والاستفادة منها.
رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والأمة خير الجزاء.
(٢٨٩