دراسات مقارنة
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
الشيخ محمد علي التسخيري
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
نظرية نفي الغرر في المعاملات تمتلك بعداً واسعاً في البحوث الفقهية المعاملية لدى علماء المسلمين، وتمتد إلى مختلف الأبواب، ويستند إليها في شتى الفروع المعاملية وبشكل مستمر.
وربما أمكن القول بأن نفي الغرر هو من إحدى ميزات المعاملات الإسلامية المشروعة، بعد أن اعترفت القوانين الوضعية صريحاً بعقود الغرر كالرهان والقمار وهي بعد هذا تعترف بدرجات الغرر الأقل منها.
ومما زاد من أهمية دراسة (الغرر ) أن موارده مشتبهة كثيراً بفعل أننا مهما فسرناه فإننا نجد له درجات مختلفة، توجد الدرجة الأدنى أو حتى المتوسطة منها في معاملات كثيرة مقبولة شرعاً، فيجب إذن التمييز بين كل الموارد.
هذا بالاضافة إلى أن هناك عقوداً يسميها الفقه الوضعى بعقود الغرر، ولكنها وجدت طريقها إلى الفقه الاسلامي، فقبلها الكثير من الفقهاء، ووقف منها الآخرون موقف الحذر باعتبار ما فيها من غرر» وهو ما حدث بالفعل بالنسبة لعقد التأمين أو ما طرح قبل قرون لدى فقهاء أهل السنة حول مسألة بيع الوفاء، أي البيع بشرط
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
الاسترداد عند رد الثمن، إذ اعتبروا أن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد أو أن فيه غرراً، وعلى أي حال، فإن دراسة موسعة يجب أن تجرى حول مسألة الغرر نتناول فيها بالتحليل الأمور التالية:
أولاً: تعريف الغرر تعريفاً عرفياً بعيداً عن التصنع.
ثانياً: ملاحظة المقصود منه اصطلاحاً فقهياً، إن كان هناك مصطلح فقهي خاص.
ثالثاً: ملاحظة الدرجات المقبولة والأخرى المردودة فيها.
رابعاً: ملاحظة آثار ذلك على مجموع العقود والإيقاعات المعروفة، أي ملاحظة أسباب النهي المتعلقة بالغرر في العقود، ومنها مثلاً: بيع الثمار، ضربة الغائص، ضربة القانص بيع السنين، بيع السمك في الماء، بيع اللبن في الضرع، بيع متساوي الأجزاء، بيع الصاع من صبرة، وأمثالها.
خامساً: ملاحظة آثار ذلك على بعض العقود المستحدثة كعقد التأمين، وإعادة التأمين واليانصيب وغيرها، وهي بحوث مفصلة نكتفي منها بالإشارة الموجزة كما نشير إلى رأى الإمام الخميني (قدس سره) وبعض كبار الفقهاء الشيعة، مع مقارنة لها ببعض الآراء السنية الحديثة، سائلين المولى جل وعلا أن يوفقنا لتوسعة هذه الدراسة في المستقبل.
الغرر في كتب اللغة والفقه
التالية: جاء في لسان العرب في مادة (غرر) بحث مفصل تنقل منه المقاطع
غره يغره غراً وغروراً وغرةً فهو مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -
۱۷۹
دراسات مقارنة
وفي الحديث: «المؤمن غر كريم أي ليس بذي نكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، والغرور ما غرك من إنسان وشيطان وغيرهما، وخص يعقوب به الشيطان.
قوله تعالى: ولا يغرنكم بالله الغرور ..... قال الفراء: يريد به زينة الأشياء في الدنيا، ويقال: وأنا غريرك من فلان أي أحذركه.
وقيل: بيع الغرر، ما كان له ظاهر يُغر المشتري وباطن مجهول
هذا وقد ذكرت الموسوعة الفقهية الكويتية أن كتب اللغة تفسره بالخطر ) وجاء هذا التفسير في «المكاسب» للشيخ الأنصاري حيث نقل رواية عن الإمام علي (ع) تفسره بأنه عمل ما لا يؤمن معه من الضرر، ثم ذكر أن الصحاح تفسر الغرة بالغفلة، واغتر بالشيء أي خدع به، والغرر الخطر، كما ذكر أنه جاء في القاموس» ما ملخص تفسيره غرره بأنه خدعه وأطمعه في الباطل .... إلى أن قال: غرر بنفسه تغريراً أو تغرة عرضها للهلكة، والإسم الغرر محركة، إلى أن قال: والغار الغافل واغتر غفل، والإسم: الغرة بالكسر.
وعن «النهاية» بعد تفسيره الغرة بالكسر بالغفلة أنه نهي عن . بيع الغرر، وهو ما كان له ظاهر يُغر المشتري وباطن مجهول، وقال الأزهري: بيع الغرر ما كان على غير عهدة ولا ثقة، ويدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول. ويعقب الشيخ الأنصاري على ذلك بقوله: «والكل متفقون على أخذ الجهالة في معنى الغرر سواء تعلق الجهل بأصل وجوده أو بحصوله في يد من انتقل إليه، أم بصفاته كماً وكيفاً (٢).
ويقول ابن حمزة في كتاب الوسيلة) الغرر: ما لا يمكن ضبطه وتحصيله بالمقدار، أو لا يؤمن فيه التلف قبل التسليم. ويدخل الغرر في بيع الأعيان المرئية وبيع خيار الرؤية وبيع السلف .
۱۸۰
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م :
إلا أن الإمام الخميني (قدس سره) يقول:
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
وليس في شيء من الكتب اللغوية تفسيره بالجهالة، ضرورة أن العناوين المذكورة حتى الغفلة غير عنوان الجهالة، فإرجاع الجميع إليها ثم تعميمها إلى الجهالة في الحصول مما لا تساعده اللغة ولا العرف».
ثم راح يناقش في مسألة إرجاع كل المعاني إلى معنى واحد وضرورته بأنه لعل منشأه الاحتراز عن الاشتراك اللفظي بتوهم أنه خلاف الحكمة في اللغات ومنشأ هذا التوهم تخيل أن وضع لغات مشتركة ومترادفة كان في محيط واحد أو من شخص واحد، مع أن الأمر ليس كذلك. فإن المظنون - لو لم نقل أنه المقطوع به - أن الطوائف المختلفة في البلاد النائية أو البراري المتشتتة البعيدة كان لكل منها لغة خاصة بها، فلما اختلطت الطوائف اختلطت اللغات، فربما بقي بعضها وصار لغة للجميع، وربما نسيت لغات الأصل، كما حصل في اختلاط العرب بالفرس، ومنشأ الترادف والاشتراك ذلك، لا ما توهم من التفنن في الوضع (4). (٤)
والظاهر من التأمل في شروح اللغويين:
هو أنها ترجع إلى معنى واحد وإن كانت له مصاديق مختلفة، ولكنه ليس المعنى الذي استفاده المرحوم الشيخ (الأنصاري) في المكاسب» وهو الجهالة بل هو «الخديعة» ولكنها لما أضيفت إلى البيع فقد حملت معنى معيناً من الخداع يمكن تلخيصه بأنه:
ما كان له ظاهر يغر وباطن مجهول يجعله في معرض الخطر المعاملي، وهو الاختلاف بعد ذلك بشكل لا يمكن معه تعيين الموقف عند النزاع فيحصل الضرر والهلكة والخطر كلازم غالب له (0)
وهذا يشمل المتبايعين معاً فيجب أن يرتفع الإبهام المؤدي لذلك.
ولما كان الجهل بمحط العقد أو بأهم الصفات فيه مؤدياً لذلك، فقد رأينا من
۱۸۱
دراسات مقارنة
يرجع المعاني كلها إلى الجهالة، وقد أيدته بعض الروايات في تطبيقاتها أو في تعليلاتها كما سيأتي ذلك.
أما الروايات فأهمها ما يلي:
الأولى: ما رواه الشيخ الصدوق في عيون الأخبار» بأسانيد ذكرها في الوسائل» في إسباغ الوضوء عن الرضا عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: يأتي على الناس زمان عضوض يعض كل امرئ على ما في يده وينسى الفضل وقد قال الله: ولا تنسوا الفضل بينكم ثم ينبري في ذلك الزمان أقوام يبايعون المضطرين أولئك هم شر الناس، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع
المضطر وعن بيع الغرر . (1)
الثانية: ما في مستدرك الوسائل عن صحيفة الرضا بإسناده عن الحسين بن
علي (عليهما السلام) قال:
خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر إلى أن قال: وسيأتي على الناس زمان يقدم الأشرار وليسوا بأخيار، ويباع المضطر وقد نهى رسول (صلى الله عليه وآله) عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وعن بيع الثمار حتى تدرك .
الثالثة: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله (صلى
الله عليه وآله) عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر . (۸)
الرابعة ما جاء في سنن البيهقي من أنه نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر .
الخامسة: الرواية المرسلة التي جاء فيها «نهى النبي عن الغرر (١٠).
السادسة: ما ورد في بيع السمك في الماء في حديث ابن مسعود (رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر (۱۱)
۱۸۲
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
السابعة ما في كتاب دعائم الاسلام» عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سئل عن بيع السمك في الأجام واللبن في الضرع والصوف في ظهور الغنم قال: هذا كله لا يجوز لأنه مجهول غير معروف يقل ويكثر وهو غرر (١٢).
وهذه الروايات كما يبدو من عبارات فقهائنا لم تمتلك أسانيد موثوقة لديهم، إلا أن اشتهار الخبر بين السنة والشيعة يُجبر إرساله لديهم.
يقول المرحوم الشيخ الأنصاري: واشتهار الخبر بين الخاصة والعامة يُجبر إرساله (۱۳)
ويقول الإمام الخميني (قدس سره) وهو في معرض الحديث عن أصل اعتبار القدرة على التسليم في العوضين ما نصه: وقد استند الفريقان - على ما حكي - إلى النبوي المعروف، وهو محكي مسنداً في الوسائل والمستدرك بأسانيد عديدة ولا إشكال في صحة الاستناد إليه (١٤)
بعدها. وهو الحق فالخبر مشهور شهرة عظيمة بحيث لا يمكن التشكيك فيه
والملاحظ أن الروايات تنقل النهي بالمعنى، وهو قد يعني عدم إمكان التمسك بالإطلاق، كما أنها على الظاهر لا تريد أن تعطي معنى جديداً إضافياً للغرر، وإنما تعتمد على الفهم العرفي اللغوي منه - وما استفدناه من كتب اللغة منسجم معها على الظاهر - بل لو استعرضنا كل ما ذكره الفقهاء من تطبيقات لرأيناها منسجمة مع ما ذكرناه من الخداع المعاملي، وذلك يحصل في مورد يكون له ظاهر يغر وباطن مجهول يجعله في معرض الخطر المعاملي، وهو الاختلاف بعد ذلك بشكل لا يمكن معه تعيين الموقف عند النزاع فيحصل الضرر والخطر.
إلا أن البحث الأساس وقع في نوع الاستفادة منها، وما المقصود بذلك، وهل
۱۸۳
دراسات مقارنة
تشمل إبهام البيع حتى في نتائجه ؟ وهل تعم البيع وغيره من العقود؟ وغير ذلك من البحوث.
مدى الإبهام الممنوع الذي يشمله حديث المنع من الغرر
لا ريب في أن الإبهام يجب أن لا ينال مصب العقد الثمن، والمثمن، وكيفية انتقالهما فإن أي إبهام في ذلك يشمله حديث الغرر، وذلك بمقتضى الفهم العرفي اللغوي الأنف، وهو ما فهمه كل الفقهاء من ذلك.
كما أنه لا ريب في أنه لا يشمل النتائج المستقبلية المبهمة للعقود، كما في المزارعة والمساقاة والمضاربة والشركة وأمثالها، فهي عقود مشروعة يقصد منها الإبهام في النتائج، ولذا قدرت على أساس النسب المئوية.
وإنما وقع البحث في أمور أخرى من قبيل:
أ - هل يشترط في هذه المعاملة القدرة على التسليم للعوضين بمقتضى هذا الحديث؟
ب - هل يمكن أن يكون هناك إبهام في الأوصاف الكيفية أو يقتصر الأمر على الأمور الكمية؟
ج - هل يجري الغرر في الشروط ؟
وأمثال ذلك من فروع لا نستطيع هنا استيعابها، فلنقتصر على بيان بعض الآراء المهمة.
المسألة الأولى: هل يمكن الاستناد للمنع عن بيع الغرر لإثبات شرط القدرة
على التسليم ؟
استند الشيخ الأنصاري (رحمه الله) لذلك قائلاً - بعد استعراض آراء أهل اللغة - : وبالجملة فالكل متفقون على أخذ الجهالة في معنى الغرر، سواء تعلق الجهل بأصل وجوده، أم بحصوله في يد من انتقل إليه، أم بصفاته كما أو كيفاً.
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣ م -
١٨٤
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
وربما يُقال: إن المنساق من الغرر المنهي عنه الخطر من حيث الجهل بصفات المبيع ومقداره لا مطلق الخطر الشامل لتسليمه وعدمه، ضرورة حصوله في بيع كل غائب، خصوصاً إذا كان في بحر ونحوه، بل هو أوضح شيء في بيع الثمار والزرع ونحوهما، والحاصل عدم لزوم المخاطرة في مبيع مجهول الحال بالنسبة إلى التسلم وعدمه، خصوصاً بعد جبره بالخيار لو تعذر.
وفيه أن الخطر من حيث حصول المبيع في يد المشتري أعظم من الجهل بصفاته مع العلم بحصوله، فلا وجه لتقييد كلام أهل اللغة خصوصاً بعد تمثيلهم بالمثالين المذكورين بيع السمك في الماء والطير في الهواء). واحتمال إرادة ذكر المثالين لجهالة صفات المبيع لا الجهل بحصوله في يده يدفعه ملاحظة اشتهار التمثيل بهما في كلمات الفقهاء للعجز عن التسليم لا للجهالة بالصفات. هذا، مضافاً إلى استدلال الفريقين من العامة والخاصة بالنبوي المذكور على اعتبار القدرة على التسليم... .
ثم ذكر (رحمه الله) أن البعد كبير بين هذه الدعوى أي دعوى انحصار الخطر بالجهل بصفات المبيع فقط وما نقل عن قواعد الشهيد (رحمه الله) حيث فسر الغرر بما كان له ظاهر محبوب و باطن مكروه قال بعضهم: ومنه قوله تعالى متاع الغرور وشرعاً هو جهل الحصول. أما مجهول الصفة فليس غرراً، وبينهما عموم وخصوص من وجه لوجود الغرر بدون الجهل في العبد الآبق إذا كان معلوم الصفة من قبل أو وصف الآن، ووجود الجهل بدون الغرر في المكيل والموزون والمعدود إذا لم يعتبر، وقد يتوغل في الجهالة كحجر لا يدرى أذهب أم فضة أم نحاس أم صخر، وقد يوجدان معاً في العبد الآبق المجهول الصفة ويتعلق الغرر والجهل تارة بالوجود كالعبد الآبق المجهول الوجود، وتارة بالحصول كالعبد الآبق المعلوم الوجود، وبالجنس كحب لا يدرى ما هو، وسلعة من سلع مختلفة، وبالنوع كعبد من عبيد، وبالقدر ككيل لا يعرف
١٨٥
دراسات مقارنة
قدره، والبيع إلى مبلغ السهم، وبالعين كثوب من ثوبين مختلفين، وبالبقاء كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح عند بعض الأصحاب، ولو اشترط أن يبدو الصلاح لا محالة كان غرراً عند الكل، كما لو شرط صيرورة الزرع سنبلاً. والغرر قد يكون بماله مدخل ظاهر في العوضين، وهو ممتنع - إجماعاً - وقد يكون بما يتسامح به عادة لقلته، كاس الجدار وهو معفو عنه إجماعاً، ونحوه اشتراط الحمل، وقد يكون مردداً بينهما وهو محل الخلاف كالجزاف في مال الإجارة والمضاربة والثمرة قبل بدو الصلاح والآبق لغير ضميمة.
ثم انتقل المرحوم الشيخ إلى كلام الشهيد نفسه في الإرشاد، حيث ذكر أن الغرر احتمال مجتنب عنه في الغرف، بحيث لو تركه وبخ عليه. وقد ذكر الشيخ معقباً على هذين الكلامين للمرحوم الشهيد بأن مقتضاه أنه لو اشترى الآبق والضال المرجو الحصول بثمن قليل لم يكن غرراً، لأن العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاء للنفع الكثير. وكذا لو اشترى المجهول المردد بين الذهب والنحاس بقيمة النحاس بناء على المعروف من تحقق الغرر بالجهل بالصفة، وكذا شراء مجهول المقدار بثمن المتيقن منه، فإن ذلك كله مرغوب فيه عند العقلاء بل يوبخون من عدل عنه اعتذاراً بكونه خطراً.
وعقب على ذلك كله بقوله: «فالأولى أن هذا النهي من الشارع السد باب المخاطرة المفضية إلى التنازع في المعاملات، وليس منوطاً بالنهي من العقلاء ليختص مورده بالسفهاء، أو المتسفهة (١٥).
ومما ينبغي ملاحظته هنا أن ما ذكره المرحوم الشهيد الأول في الإرشاد هو نفس المعنى الذي استنتجه الشيخ، فالغرر المنهي عنه هو الإبهام المؤدي للمخاطرة والنزاع المعاملي، أما إذا لم يحتمل فيه ذلك كما في الموارد المذكورة، كشراء مجهول المقدار بثمن المتيقن منه فلا يتصور الغرر المؤدي للمخاطرة.
وحينئذ فلا معنى للتمسك بهذا الحديث النبوي لاعتبار القدرة على التسليم
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
١٨٦
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
كشرط في العوضين، خلافاً لما ذكره المرحوم الشيخ من أنه لا إشكال في صحة هذا التمسك.
أما الإمام الخميني (قدس سره) فإنه يُشكل على هذا الاستدلال، فيستعرض أقوال اللغويين، ويُشكل على إرجاع الشيخ الأنصاري لها إلى قول جامع هو الجهالة، ويقرر أنه ليس من الضروري أن ترجع إلى معنى جامع فيقول:
وبالجملة، الغرر مستعمل في معان كثيرة لا يناسب كثير منها للمقام والمناسب منها هو الخدعة، والنهي عنها - كالنهي عن الغش - أجنبي عن مسألتنا هذه، فإرجاع المعاني إلى معنى واحد أجنبي عن معانيه ثم التعميم لما نحن فيه (أي اشتراط القدرة على التسليم مما لا يمكن المساعدة عليه، إلا أن يتمسك بفهم الأصحاب، وهو كما ترى أو تكشف قرينة دالة على ذلك، وهو أيضاً لا يخلو من بعد، لكن مع ذلك تخطئة الكل مشكلة، والتقليد بلا حجة كذلك».
هكذا نجده (رحمه الله) يتردد في الوصول إلى معنى واحد أو إلى معان متعددة، ثم يستعرض بعض الروايات الواردة في الغرر ويُشكل على الاستفادة منها فيقول في النهاية: والإنصاف أن الحكم شرط القدرة على التسليم ثابت وإن كان المستند مخدوشاً (١٦)
وعليه فالإمام (قدس سره) لا يرى أن الإبهام في القدرة على التسليم هو من الغرر. وهو بهذا يؤيد المعنى الذي استفدناه من قبل.
وقد قلنا إن الظاهر أننا لو لاحظنا المحصل من كلام الشيخ الأنصاري وهو أن هذا النهي إنما هو لسد باب المخاطرة المفضية إلى التنازع في المعاملات) أمكننا أن ندرك بسهولة أن مسألة القدرة على التسليم من هذه الجهة ليست مما يفضي إلى التنازع المستحكم، خصوصاً مع فرض وجود الخيار، فلا يمكن الاستناد إلى هذا الحديث لتقرير هذا الشرط رغم أنه صحيح. وهذا الأمر لو تم
۱۸۷
دراسات مقارنة
الأمكن رفض الاستناد إلى قاعدة الغرر في كثير من الموارد غير المنسجمة مع هذا المعنى.
المسألة الثانية: هل يشمل المنع من الغرر الإبهام في الصفات الكيفية؟
وقد طرحت هذه المسألة تحت عنوان «ضرورة وجود الاختبار بالنسبة للأوصاف التي تختلف القيمة باختلافها.
وقد ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله) أنه لا فرق في توقف رفع الغرر على العلم بين هذه الأوصاف وبين تقدير العوضين بالكيل والوزن والعد، ويغني الوصف عن الاختبار فيما ينضبط من الأوصاف دون ما لا ينضبط، كمقدار الطعم والرائحة واللون وكيفياتها».
نعم لو لم يرد من اختبار الأوصاف إلا استعلام الصحة والفساد جاز شراؤها بوصف الصحة، وعلى هذا حمل إطلاق كلمات الأصحاب في جواز شراء ما يراد طعمه ورائحته بالوصف.
وبعد أن نقل كلماتهم وما يستفاد منها لخص موقفه قائلا:
ولكن الإنصاف أن مطلق العيب إذا التفت إليه المشتري وشك فيه فلا بد في رفع الغرر من إحراز السلامة عنه إما بالاختبار وإما بالوصف وإما بالإطلاق إذا فرض قيامه مقام الوصف، إما لأجل الانصراف وإما لأصالة السلامة من غير تفرقة بين العيوب أصلاً». (١٧)
في حين طرح الإمام إمكان إبداء الفرق بين الأوصاف الكمية والأخرى الكيفية بدعوى شمول الغرر للإبهام في الكمية دون الكيفية.
وذلك بالقول: إن الظاهر من النهي عن بيع الغرر هو ما كان الغرر في نفس ما تقع المبادلة عليه، أي ذات الثمن وذات المبيع، أي ما يقع بإزائه الثمن فالأوصاف التي هي من قبيل الكيفيات لما لم تكن دخيلة في التبادل خرجت
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫٢٠١٣م
۱۸۸
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
عن ماهية المبيع - بما هو مبيع - وعن ماهية البيع بخلاف ماهي من قبيل الكميات، فإن الزيادة والنقيصة توجب الزيادة والنقيصة في ذات المبيع، ولهذا يبطل البيع في مقدار التخلف في الكم ولا يبطل بالتخلف في الكيف، بل يثبت الخيار أحياناً (١٨).
ولتوضيح الحال في هذا الأمر يشقق الموضوع إلى الأمور التالية:
أ - الجهل بذات المبيع مع العلم بصفاته وقيمته، ولكنها يمكن أن تنطبق على فرس أو بغل.
ب - الجهل بالكمية المتصلة أو المنفصلة.
ج - الجهل بالكيفية كالطعم والرائحة واللون مع وحدة القيمة.
د - الجهل بالأثر المترتب عليه.
هـ - الجهل بالقيمة مع العلم بسائر الجهات.
ثم يقول: إن النهي عن الغرر إن كان ينصب على ذات الثمن والمبيع) فلا يشمل إلا الأول والثاني، وإن عممناه فلا وجه للتفصيل بين الأوصاف الكيفية التي تختلف القيمة بها وعدمها. ثم يعمل على استنباط الأمر من الروايات.
فهل النهي هو عن بيع فيه الغرر، أو عن بيع في مبيعه الغرر؟ وحينئذ يكون المعنى: النهي عن بيع المجهول، أو عن بيع يكون الغرر في متعلقه، بحيث يكون المراد به نفس الأعيان التي وقعت مورد البيع ؟
فعلى الاحتمالين الأول والثاني يقتصر على الجهل بالذات والصفات الكمية وعلى الثالث تدخل كل الفروض السابقة.
ثم يستظهر الاحتمال الأول لعدم احتياجه إلى التقدير ويليه الاحتمال الثاني.
۱۸۹
دراسات مقارنة
ثم راح يستعرض جملة من الروايات التي يمكن أن يستأنس بها لبطلان البيع مع الجهل بالأوصاف التي هي مورد رغبة العقلاء، وإن لم تكن من الكميات، دون أن يعثر منها على ما يشفي الغليل، لينتهي بالتالي إلى النتيجة التالية قائلاً:
والإنصاف أن اعتبار العلم في غير ذات البيع والأوصاف التي ترجع إليها لا دليل - معتد به ـ عليه، غاية الأمر إلحاق الأوصاف التي هي دخيلة في معظم المالية كالريح والطعم واللون فيما يراد منه ذلك بها، دون مراتب الكمال والصحة والعيب إذ لم يذهب بمعظمها، نعم لا إشكال في لزوم إحراز عدم الفساد المذهب للمالية لا للغرر، بل لإحراز تحقق البيع بعد تقومه بالمالية (١٩).
وعليه فإن هذا المقدار من الإبهام أيضاً لا يضر في البيع عنده.
والواقع إن هنا حالتين قد يختلف الحكم باختلافهما:
الأولى: أن يكون الوصف مقوماً للصحة والفساد، وحينئذ يمكن الاعتماد فيه على الإطلاق، فإذا تبين التخلف ثبت الخيار الرافع للنزاع والخطر.
الثانية: أن يكون الوصف مقصوداً لذاته، ثم إنه مما يزيد على مراتب الصحة والفساد، فهو من الموارد التي قد يؤدي الجهل فيها إلى النزاع المعاملي، فيجب فيها الاختبار أو الوصف الدقيق إذا أمكن، وإلا فالغرر متحقق. وقد ذكر الفقهاء أنه إذا تعذر الوصف الدقيق وكان الاختبار مفسداً للعين جاز ابتیاعه دون اختبار
والظاهر : لزوم وصف الحالة إلى الحد الممكن الرافع للنزاع بعد ذلك، هذا في الأوصاف، أما في الكميات فلا خلاف في لزوم تعينها لما دل على ذلك من الأدلة اللفظية.
المسألة الثالثة: هل النهي عن الغرر يشمل كل العقود أو يختص بالبيع ؟
يكاد أهل السنة يجمعون - فيما نعلم - على أن حكم الغرر يشمل كل العقود، في حين أن علماء الإمامية يختلفون في هذا الأمر بين مقتصر على البيع، ومعمم
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
۱۹۰
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
على العقود كلها. والسر في ذلك أن ما ثبت لديهم هو النهي عن بيع الغرر، وهم يرفضون القياس فلا يعممون عن طريقه.
اللهم إلا أن يقول أحد بإلغاء الخصوصية البيعية قطعاً، أو يدعي انجبار المرسلة النبوية الناهية عن مطلق الغرر بعمل الفقهاء، دون أن يأبه لاحتمال أن النهي هنا إنما هو عن مطلق الخديعة، فهو نهي مولوي عنها، ولا علاقة له بإبطال المعاملات الغربية.
وعلى أي حال فقد استند شيخ الطائفة الطوسي - في كتاب الضمان المسألة (۱۳) وفي كتاب الشركة المسألة (٦) وابن زهرة في كتاب الشركة - لهذه المرسلة المطلقة، فيمكن ادعاء الانجبار. كما أنه ورد في رواية «دعائم الإسلام» التعليل القائل: لأنه مجهول غير معروف يقل ويكثر وهو غرر.
وقد أشكل الإمام على هذه الاستفادة سنداً ودلالة، إلا أن الفقهاء عموماً التزموا باعتبار المعلومية في جميع الجهات المتعلقة بالعقود خصوصاً فيما هو الرائع إلى الأركان (٢٠).
هذا التسالم ربما بعث على الاطمئنان بإلغاء خصوصية البيع وتعميمه على كل العقود، خصوصاً مع ملاحظة كثرة تطبيقاته في الأحاديث النبوية بالمعنى لا باللفظ.
وقد ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله): «أن الدائر على ألسنة الأصحاب نفي الغرر من غير اختصاص بالبيع، حتى إنهم يستدلون به في غير المعاوضات كالوكالة، فضلاً عن المعاوضات كالإجارة والمزارعة والمساقاة والجعالة، بل قد يرسل في كلماتهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه نهى (۲۱) عن الغرر (٢١).
۱۹۱
دراسات مقارنة
والذي يبدو من كلماتهم (رحمهم الله) ويظهر من ملاحظة عمومات الصلح وما علم فيها من التوسع هو أن الغرر لا يجري في عقد الصلح، فالبناء فيه على تجاوز الغرر، ثم أنه قد لا يتصور حدوثه بالمعنى الذي استفدناه لأن الصلح لا
يستتبعه بطبيعته خطر نزاع معاملي.
رأي أهل السنة في الغرر:
ذكرت الموسوعة الفقهية» بعض تعاريف المذاهب على النحو التالي: «وله
في اصطلاح الفقهاء تعريفات شتى:
فهو عند الحنفية: ما طوي عنك علمه.
وعند بعض المالكية: التردد بين أمرين أحدهما على الغرض والثاني على
خلافه
وعند الشافعية ما انطوت عنا عاقبته، أو ما تردد بين أمرين أغلبهما أخوفهما.
ويرى بعض المالكية: أن الغرر والخطر لفظان مترادفان بمعنى واحد، وهو ما
جهلت عينه.
ويرى المحققون منهم أنهما متباينان.
فالحضر ما لم يتيقن بوجوده كما لو قال: بعني فرسك بما أربح غداً.
والغرر ما يتيقن وجوده ويشك في تمامه كبيع الثمار قبل بدو صلاحها. ثم
ذكرت الموسوعة أن الغرر نوعان:
أحدهما ما يرجع إلى أصل المعقود عليه أو ملكية البائع له أو قدرته على تسليمه، فهذا يوجب بطلان البيع، والآخر ما يرجع إلى وصف في المعقود عليه أو مقداره، أو يورث فيه وفي الثمن أو في الأجل جهالة فهذا محل خلاف (۲۲)
۱۹۲
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣ م -
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
وقد ذكر الأستاذ مصطفى الزرقاء وهو من أكابر الفقهاء المعاصرين أنه: «بالنظر لما نهى عنه النبي (صلى الله عليه وآله) من البيوع تطبيقاً لما نهى عنه من الغرر، كالنهي عن بيع المضامين أولاد فحول الإبل والملاقيح (أولاد إناث الإبل) وضربة القانص أي ما تخرجه شبكة الصياد وضربة الغائص (ما يخرجه الغواص من لؤلؤ) وبيع الثمار على الأشجار قبل بدو صلاحها، وكذلك ما قرره الفقهاء من اشتراط القدرة على التسليم رغم عدم وجود الجهالة عند العقد، وهي كلها تطبيق للنهي عن الغرر وتدل على نوع المقصود، وبملاحظة أن عنصر المغامرة والمخاطرة قلما تخلو منه أعمال الإنسان وتصرفاته باتفاق المذاهب.
بالنظر لكل ذلك قرر أن الغرر المنهي عنه هو نوع فاحش متجاوز للحدود الطبيعية، بحيث يجعل العقد كالقمار المحض، اعتماداً على الحظ المجرد في خسارة واحد وربح آخر دون مقابل.
أما بالنسبة للجهالة فقد ركز على رأي الحنفية، إذ إنهم لا يحكمون ببطلان العقد أو فساده متى داخلته الجهالة مطلقاً دون تمييز، كما يفعل سواهم، بل يميزون بين جهالة تؤدي إلى مشكلة تمنع تنفيذ العقد، وجهالة لا تأثير لها في التنفيذ، فالأولى: كما لو قال أحد: «بعتك شيئاً وكذا لو باع شاة غير معينة من قطيع، لأنه متفاوت آحاده، فهذا كله وأمثاله لا يصح، لأن هذه الجهالة تتساوى معها حجة الفريقين. والثانية: كما لو صالح شخص على جميع الحقوق التي له أو عليه كافة (ولا يعرفان مقدارها وأنواعها) لقاء بدل معين، فإن الصلح يصح وتسقط الحقوق، ذلك لأن الجهالة فيها غير مانعة، لأن الحقوق في سقوطها لا تحتاج إلى تنفيذ، وعليها بنوا صحة الوكالة العامة خلافاً للشافعية (۲۳).
شيء من المقارنة
وهنا علينا أن نسترجع ما استنتجناه من البحث اللغوي ونستذكر ما ذكره
۱۹۳
دراسات مقارنة
الشيخ الأنصاري من أن المحصل هو أن هذا النهي من الشارع لسد باب المخاطرة المفضية إلى التنازع في المعاملات، وما ذكره السيد الإمام من أن النهي يختص بمصب العقد أي ذات الثمن والبيع وصفاتهما الكمية.
فإذا شئنا التوسع فالشروط التي هي محط النظر من العقد، فسنجد أن هناك تقارباً بين الرأيين رغم وجود فوارق بينهما.
ومن هنا رأينا كلاً من الامام الخميني (رحمه الله) والأستاذ الزرقاء يفتيان بصحة عقد التأمين، بل وإعادة التأمين كما يقول الإمام في المسألة 10 من المسائل المستحدثة. (٢٤)
ومن الواضح أن عقد التأمين فيه مخاطرة واحتمالات كثيرة، لكن لما كانت كل الأمور التي ذكرها الإمام معينة فلا مجال للغرر المبطل وهي:
تعيين المؤمن عليه، وطرفي العقد، والمبلغ المدفوع من قبل المؤمن له، ونوع الخطر، وزمان التأمين ابتداء وانتهاء. ولا يجب تعيين مبلغ المستقلة وإن أمكن تخريجه على أساس الضمان بالعوض، وقال بإمكان الإيقاع بنحو الصلح والهبة المعوضة (٢٥).
وكذلك نجد الزرقاء يقبل عقد التأمين للسبب نفسه فيقول:
إن الجهالة فيها (أي في أقساط التأمين هي من النوع غير المانع، كما هو واضح، لأن مبلغ كل قسط عند حلول ميعاده هو مبلغ معلوم، أما كمية مجموع الأقساط فهي التي فيها الجهالة، وهي لا تمنع التنفيذ ما دام المؤمن قد تعهد بأنه يدفع التعويض المتفق على دفعه عند وفاة المؤمن له إلى أسرته مثلاً في أي وقت حصلت الوفاة ضمن المدة المحددة في العقد، ومهما بلغ عدد الأقساط قلة وكثرة».
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣ م :
١٩٤
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
مقتضى القواعد الأصولية
فإذا احتدم الخلاف في مفهوم الغرر فإن الحقيقة هي أن موردنا يرتبط تمام الارتباط بالمسألة الأصولية المعروفة بـ (جواز التمسك بالعام في الشبهة المفهومية للمخصص المنفصل عند الدوران بين الأقل والأكثر).
والخلاصة فيه
إنه قد ترد أدلة عامة من قبيل:
ما لو قال: (المولى أكرم كل عالم ) ثم جاء دليل منفصل يقول: (لا تكرم الفاسق من العلماء وترددنا في مفهوم الفاسق بين (خصوص مرتكب الكبيرة) أو (ما يعمه ويشمل مرتكب الصغيرة أيضاً فالدوران هنا بين الأقل والأكثر، وقد ذكر العلماء هنا أنه يصح التمسك بالعام لإدخال ماعدا الأقل (المتيقن) في حكم العام .
يقول المرحوم الميرزا النائيني - وهو من كبار الأصوليين - في هذا الصدد: «وأما لو دار أمر المخصص المنفصل بين الأقل والأكثر: فبالنسبة إلى الأكثر، العام باق على حجيته، وأصالة العموم جارية فيه، وإنما سقطت حجية العام في خصوص الأقل المتيقن التخصيص، لأنه بالنسبة إلى الأكثر يكون شكاً في التخصيص والمرجع حينئذ هو أصالة العموم وعدم التخصيص بعد ما انعقد ظهور للعام فلو قال: أكرم العلماء ثم ورد: لا تكرم فساق العلماء، وتردد الفاسق بين أن يكون خصوص مرتكب الكبيرة، أو الأعم منه ومن مرتكب الصغيرة فبالنسبة إلى مرتكب الكبيرة العام سقط عن الحجية، للعلم بخروجه على كل حال، وأما بالنسبة لمرتكب الصغيرة فيشك في خروجه، ومقتضى أصالة العموم عدم خروجه.
وتوهم: أن الخارج هو عنوان الفاسق لاخصوص مرتكب الكبيرة، والعام ليس
۱۹۵
دراسات مقارنة
كبرى كلية بالنسبة إلى عنوان الفاسق للعلم بخروج هذا العنوان عن العام فلا مجال للتمسك بأصالة العموم بالنسبة إلى من شك في دخوله تحت عنوان الفاسق، فاسد، لأن الخارج ليس مفهوم الفاسق بل واقع الفاسق، وحيث لم يعلم أن مرتكب الصغيرة مندرج في الفاسق الواقعي يشك لا محالة في تخصيص العام واقعاً بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة، والمرجع هو أصالة العموم (٢٦). (LA)
ويقول المرحوم العلامة المظفر:
في الدوران بين (الأقل) و (الأكثر) إذا كان المخصص منفصلا فإنه الحق فيه أن إجمال الخاص (الشبهة المفهومية فيه لا يسري إلى العام، أي أنه يصح التمسك بأصالة العموم لإدخال ما عدا الأقل في حكم العام والحجة فيه واضحة بناء على ما تقدم... من أن العام المخصص بالمنفصل ينعقد له ظهور في العموم، واذا كان يقدم عليه الخاص فمن باب تقديم أقوى الحجتين، فإذا كان الخاص مجملاً في الزائد على القدر المتيقن منه، فلا يكون حجة في الزائد، لأنه - حسب الفرض - مجمل لا ظهور له فيه وإنما تنحصر حجيته في القدر المتيقن وهو الأقل، فكيف يزاحم العام المنعقد ظهوره في الشمول لجميع أفراده التي منها القدر المتيقن من الخاص، ومنها القدر الزائد المشكوك دخوله في الخاص، ومنها القدر الزائد المشكوك دخوله في الخاص، فإذا خرج القدر المتيقن بحجة أقوى من العام يبقى القدر الزائد لا مزاحم الحجية العام وظهوره فيه (٢٧). (۲۷)
هذا فيما إذا كانت الشبهة مفهومية. أما إذا كان المفهوم من الخاص واضحاً وشككنا في تحقق مصداقه في موردنا المبحوث عنه فإنه وقع الخلاف في جواز التمسك بالعام في المورد المشكوك، فقال البعض بصحة التمسك بالعام كما في دليل قاعدة اليد على اليد ما أخذت حتى تؤدي) ويشك في يد مستولية على مال هل هي يد عادية أو يد أمانة، فانه تمسك بالعام فأفتى
١٩٦
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫٢٠١٣م
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
بالضمان في اليد المشكوكة. ولكن المرحوم المظفر يحكم بعدم الجواز ويقول: ودليلنا على ذلك أن المخصص لما كان حجة أقوى من العام، فإنه موجب القصر حكم العام على باقي أفراده، ورافعاً لحجية العام في بعض مدلوله. والفرد المشكوك مردد في دخوله فيما كان العام حجة فيه، وبين خروجه عنه، مع عدم دلالة العام على دخوله فيما هو حجة فيه، فلا يكون العام حجة فيه بلا مزاحم - كما قيل في دليلهم - ولئن كان انطباق العام عليه معلوماً، فليس هو معلوم الانطباق عليه بما هو حجة والحاصل، إن هناك عندنا حجتين معلومتين حسب الفرض؛ إحداهما العام وهو حجة فيما عدا الخاص، وثانيتهما: المخصص، وهو حجة في مدلوله، والمشتبه مردد بين دخوله في تلك الحجة أو هذه الحجة» (۲۸) وهناك تفصيلات تراجع في مظانها.
فإذا تحقق هذا عدنا إلى بحث الغرر وقلنا:
إن هناك أدلة عامة دلت بوضوح على صحة العقود العرفية؛ من قبيل قوله تعالى: «أوفوا بالعقود (٢٩) ومن الواضح أن الخطاب موجه للعرف، فكل تعامل (۲۹) رأه العرف عقداً يدخل تحت هذا الخطاب.
وقد جاءت مخصصات منفصلة تخرج من تحت هذا العموم العقود الربوية، والعقود الغربية، والعقود الصورية والعقود التي فيها أكل للمال بالباطل وغير ذلك.
وإزاء هذه الحالات فإن كان المفهوم واضحاً فلا مشكل في البين كما في موضوع الربا بعد أن اتفقوا على كون المراد منه كل قرض جر نفعاً)، فإذا حدث تشكيك فإنه شك في المصداق، أي أنه شبهة مصداقية وحينئذ لا يمكن التمسك بالعام في مثل هذا المورد، ومثله مورد العقود الصورية - مثلا - فإنه لا شك في المفهوم.
۱۹۷
دراسات مقارنة
أما إذا كان الشك في المفهوم وكان مُردداً بين الأقل والأكثر - لا بين المتباينين - فإنه يمكن التمسك بالعام فيما عدا القدر المتيقن، وهذه الحالة تنطبق بدقه في مورد أكل المال بالباطل إذ لا يُعلم مورده بالدقة، وكذلك في مورد (الغرر) بعد أن رأينا الاختلاف الكبير في مفهومه؛ أهو مثلاً الجهالة المفضية للنزاع، أم هو الأعم منها ليشمل كل جهالة، أو كل جهالة معها خداع وأمثال ذلك كما ذكرنا من قبل.
وإذا عدنا إلى عقد التأمين مثلا، فلا شك في وجود جهالة في بعض أطرافه؛ ولكن دقة الحسابات الإكتوارية، وتعيين حد أعلى للتعويضات وشروط دقيقة للحالات بحيث تجعلها جهالة شبه منضبطة، بالإضافة إلى عدم أدائها إلى التنازع قطعاً، ثم إن طبيعة عقد التأمين - وإن كان تجاريا هي طبيعة تعاونية...
أحدهما وللتأكد من ذلك لنقم بمقارنة إجمالية بين مجتمعين يتمتع بشيوع التأمين فيه، وآخر لا تأمين فيه، فهل تقاس الحالتان إلى بعضهما من حيث التعاون؟! ونحن نعلم أن الغرر نفسه مسموح به في العقود التعاونية كالهبات والتكافل...
كل هذا يبين لنا أن الجهالة في عقد التأمين مثلاً ليست من القدر المتيقن الذي يخصص العام قطعاً فيمكن التمسك به في هذا المورد.
ثم إن الفقهاء الذين أجازوا التأمين لهم أدلتهم على صحته بعد أن أمكن تخريجه على أساس هبة الجزاء أو الهبة المعوضة) (۳۰) أو الصلح أو حتى على أساس المبادلة بين الأقساط وعنصر الأمان، وهو أمر مطلوب عرفاً، وله نظائر من قبيل عقد الحراسة، والله أعلم.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م -
۱۹۸
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
معيار صورية العقد وعدمها
أما بالنسبة لمسألة صورية العقد وعدمها، فإن المعيار في تشخيص ذلك هو العرف.
والعرف كما هو معروف يرجع إليه في مجالات هي:
١ - ما يستكشف منه حكم شرعي فيما لا نص فيه، مثلاً عقد الاستصناع
وذلك بالامتداد بهذا العرف إلى زمان المعصوم، ومعرفة تقريره له.
ما يرجع فيه لتشخيص المفاهيم (كالعقود والغنى والإسراف).
٣- ما يرجع فيه لاستكشاف مراد المتكلمين من قبيل استكشاف الدلالات
الالتزامية العرفية مثل (ملازمة طهارة أطراف إناء الخمر للحكم بطهارة الخمر إذا انقلب خلا).
- ما يُستكشف منه ما يمكن الاحتجاج به كبناء الغرف العام على حجية الظواهر أو حجية قول الثقة. وموردنا (الصورية) هو من القسم الثاني بلا ريب.
فالمعنى واضح وهو (كون التعامل ظاهرياً للوصول لمقصود آخر لا يظهر
منه ولا يقصده المتعاملان ولكن تحقق هذا الأمر هو المشكوك فيه فالشبهة مصداقية.
وحينئذ فلا بد من ذكر فوارق حقيقية يقبلها الغرف لكي يطمئن إلى عدم الصورية هنا؛
ويتوضح هذا بذكر مثال له.
ففي مجال مشروعية (عقد الوفاء) - وهو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن
رد المشتري المثمن إليه - اختلف الفقهاء فقد رده أكثر علماء المذاهب الأربعة وذهب بعض متأخري الحنفية وبعض الشافعية وكل الإمامية إلى جوازه.
۱۹۹
دراسات مقارنة
والذين نفوه استندوا إلى أمور منها.
١ - إن الشرط يخالف مقتضى العقد.
- إن في الشرط منفعة للبائع ولا دليل على جوازه.
- صورية العقد والمراد هو الربا (٣١).
ورد الذين أثبتوه بأنه:
1 - التنافي إنما هو بين الشرط وإطلاق العقد لا مقتضاه .
٢ - إن كون الشرط نافعاً لأحدهما حالة طبيعية ولا تحتاج إلى ما يصححها.
- إن العقد ليس صورياً بدليل:
أن البائع له أن لا يرد الثمن فيستقر العقد،
وأن العين لو تلفت في الأثناء تلفت من المشتري، وهذا يوضح أن انتقال الملكية تم حقيقة لا بشكل صوري . هذا وللإمامية أدلتهم الخاصة المصححة.
فإن تم هذا ص تحنا هذا البيع من حيث الأصل، وإلا كان من باب (الشبهة المصداقية التي لا يمكن فيها التمسك بالعام لتصحيح العقد.
الفقه المقارن العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ٤ ١٤٣ هـ ٫ ٢٠١٣ م -
الهوامش :
مدى أثر دليل نفي الغرر في صحة المعاملات
1 - الموسوعة الفقهية ٩ ١٨٦.
- المكاسب طبعة تبريز سنة ١٣٧٥ هـ ص ١٨٥.
- الوسيلة، ص ٢٤٥.
- البيع، ج ٣ ص ٢٠٥ - ٢٠٦ .
ه - قال المرحوم المحقق الأصفهاني الكمباني معلقاً على ما ذكره الشيخ في المكاسب ما نصه: ما ذكره أهل اللغة في تفسير الغرر راجع إلى الغفلة والخديعة والخطر، وعمل ما لا يؤمن معه من الضرر، وما كان على غير عهدة وثقة، وماله ظاهر محبوب وباطن مكروه والمظنون قويا أن هذه التفاسير ليست كلها بيانا لمعناه الحقيقي، بل بعضها بيان مفهومه وبعضها الآخر بيان لازمه الدائمي وبعضها بيان لازمه الغالبي وبعضها بيان لمورده والظاهر كما تساعده موارد استعمالاته ما يقرب من الخديعة ولازمها الدائمي هو الغفلة ولازمها غالبا هو الخطر والوقوع في الضرر، والمنخدع لا يكون على عهدة وثقة، وإلا لما كان منخدعا كما أن مورد الخدعة ما كان له ظاهر محبوب وباطن مكروه، فالنهي عن الغرر بمعنى الخديعة نهي عن تغريره بنفسه في المعاملة التي لا تكاد تصدر إلا من الغافل المغرور (الحاشية على المكاسب طبع مدينة قم ص ۳۰۰) .
٦ - وسائل الشيعة، ج ٦ ص ٣٣٠ .
- مستدرك الوسائل، الباب ۳۳ من أبواب آداب التجارة الحديث ..
- صحیح مسلم، ٣: ١١٥٣. طبعة الحلبي.
- سنن البيهقي، ٥: ٣٣٩
۱۰ - البيع، ٣: ٢٣٦، وقد تمسك بها الشيخ الطوسي في الخلاف في كتاب الضمان مسألة ١٣، وفي
كتاب الشركة مسألة ٦ وكذا ابن زهرة في الشركة.
۱۱ - أخرجه أحمد ۱: ۳۸۸ طبعة الميمنية، وصوب الدارقطني والخطيب وقفه التلخيص لابن حجر : ۷ ط. شركة الطباعة الفنية) نقلاً عن الموسوعة الفقهية، ۹: ۲۰۱.
۱۲ - مستدرك الوسائل الباب ٧ من أبواب عقد البيع الحديث ..
۱۳ - المكاسب، ۱۸۵
١٤ - البيع، ج ٣: ص ٢٤٠.
١٥ - المكاسب، طبعة تبريز، ص ١٨٥ - ١٨٦.
١٦ - البيع، ج ٣ ص ٢٠٦ - ٢٠٧.
۱۷ - المكاسب، ص ۲۰۱.
٢٠١
دراسات مقارنة
۱۸ - البيع، ج ۳ ص ٣٥١
۱۹ - البيع، ج ٣ ص ٣٥٩.
۲۰ - مستند تحرير الوسيلة المسائل المستحدثة، ص ۲۹
۲۱ - المكاسب، ص ۱۸۸
٢٢ - الموسوعة الفقهية الكويتية، ١٨٦٩ نقلاً عن فتح القدير ٦ ١٣٦ ، وشرح العناية على الهداية، ٦:
١٣٦، ١٣٧. وحاشية الدسوقي على شرح الكبير، ٣: ٥٥ وغيرها.
۲۳ - نظام التأمين، ص ٥١ - ٥٢.
٢٤ - تحرير الوسيلة، ج ٢ ص ٦١١.
٢٥ - المصدر نفسه، ص ٦٠٩
٢٦ - فوائد الأصول: تأليف المرحوم الكاظمي مقررا به دروس المرحوم الميرزا: ج ٢ ص ٥٢٤، طبع جماعة المدرسين بقم.
۲۷ - أصول الفقه، منشورات القصير عام ۱۹۵۹، ج ۱ ص ۱۳۰ ، وكذلك راجع المحكم في أصول الفقه، للسيد الحكيم، ج ۲ ص ۸۱ وغيره من كتب الأصول.
۲۸ - المصدر نفسه، ص ۱۳۲ .
۲۹ - سورة المائدة: 1.
٣٠ - والغريب أن كل البدائل الإسلامية لعقد التأمين تعتمد على هذا الأساس، فلم لا تطبقه على التأمين التجاري نفسه، طبعاً بعد أن نظهره من الريا؟
۳۱ - راجع الموسوعة الفقهية الكويتية، ج ٩ ص ٢٦٠ .
٢٠٢
الفقه المقارن العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٠١٣م -