2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 6-7قراءة البحث

تقييم فقهي لجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

العدد 6-7
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 6-7
دراسة فقهية

تقييم فقهي لجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

أحمد مبلغي

دراسات مقارنة

تقييم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

أ. الشيخ أحمد مبلغي (*)

هذه المقالة تتناول البحث الفقهي عن جملة من الطرق ذات الدور التحوطي في

المصرفية الاسلامية، وهي كالآتي:

أولاً: التزام طرف ثالث بالضمان

وهذا الطريق قد راج طرحه في الأبحاث العلمية ذات الصلة بموضوع التحوط، كما شاع تطبيقه في المصارف ولالتزام الطرف الثالث بالضمان قسمان:

. الالتزام الحاصل عن التبرع.

الالتزام الحاصل في قبال العوض.

القسم الأول: الالتزام التبرعي بالضمان:

والذي يعطي الى هذا الطريق اهمية خاصة، هو الدور الهام الذي يتضمنه من جلب المزيد من ثقة المودعين إلى التعامل مع البنك؛ فقد ثبت أن استقلال المؤسسة الضامنة للودائع ينعكس إيجاباً على رغبة أصحاب الودائع في تعاملهم مع البنك، وقد برز ذلك

بمثابة تجربة عالمية.

والمقصود من الطرف الثالث هو الذي خارج ومستقل عن الطرفين الذين يقومان بعقد المضاربة واللذان هما: المصرف ورب المال.

كما أن المقصود من ضمان الطرف الثالث التزامه وقبوله بالمسؤولية حيال الخسارات التي تتوجه إلى رأسمال المضاربة. وكما هو معلوم يكون مثل هذا القبول

(*) رئيس تحرير المجلة .

دراسات مقارنة

والالتزام وعداً يتبرع به الطرف الثالث.

دلیل مشروعيته

ان ضمان الطرف الثالث يستمد مشروعيته من مشروعية التبرع؛ ذلك لوجود حكمين

شرعيين حول التبرع، هما:

أ) أن كل صاحب مال، له أن يتبرع بماله.

ب) انه لا يحد تبرعه أي حد سواء في حجم المال المتبرع به، أو في صورة التبرع، وفي مورد يجعله متعلقاً لتبرعه.

فللمتبرع أن يأتي بقيد في تبرعه ولكن ليس هناك قيد يقيد تبرعه.

فطبعا هناك حد مبدئي، وهو لزوم عدم ارتكابه أي ذنب"، ولكنه مبدء لا يختص بالتبرع؛ بل يعم كل تصرف من تصرفات الانسان.

وانطلاقاً من هذا الاستدلال أمكن القول بأنه كما يجوز للطرف الثالث أن يضمن رأس المال، فكذلك يجوز له أن يضمن له و للربح معاً.

وقد يستدل على عدم جواز ضمان الربح بأنه المؤدي إلى الوقوع في الربا، ولكن الجواب أن الذي يضمن الربح ليس الطرف الذي يتلقى المال، بل يضمنه الذي هو المتبرع الذي ليس طرفاً من طرفي العقد.

مصاديق الطرف الثالث: قد يكون الطرف الثالث هيئة أو مؤسسة أو دولة أو جمعية أو صندوقاً مؤسساً من قبل مؤسسة أو الدولة أو من قبل البنك بهدف ضمان الودائع المصرفية.. القسم الثاني: الالتزام بالضمان مقابل عوض

رغم ذهاب الكثير من الفقهاء المعاصرين إلى تحريم ذلك، يبدو أن الحقيقة جوازه؛ ذلك لأن التحريم مستنده إما:

(أ) كون الأكل الحاصل على أساسه من مصاديق أكل المال بالباطل.

والجواب عن ذلك أن هناك مقدمتين يكون الالتفات إليهما واصلا بنا إلى أن ذلك ليس من مصاديق الأكل بالباطل:

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقييم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

المقدمة الأولى: أن المقصود من الباطل هنا إما بمعنى ما هو الباطل الشرعي أو بمعنى ما هو الباطل العرفي؛ أما الأول فلا مجال له، فإن الألفاظ الواردة في النصوص الشرعية لا تحمل على المعاني التأسيسية إلا أن يتم لنا دليل قطعي على وقوع التأسيس من قبل الشارع، ومثله منتف هنا فيبقى احتمال أن المقصود هو الباطل عند العرف وكما هو معلوم - يكون معنى الباطل عند العرف ما لا أثر له.

المقدمة الثانية: إن الضمان عند العرف له قيمة كبيرة، حيث انه لولاه لما دارت الحياة الاقتصادية والتجارية.

النتيجة: أن أكل مال في قبال الضمان الذي هو ذو أثر مهم في الحياة الاقتصادية) ليس أكلاً للمال بالباطل.

وبتعبير آخر إن أكل الثمن مقابل الضمان لا يعد عرفاً أكلا لمال قبال شيء فاقد للأثر، فالآية لا تشمله.

وغير خفي أننا عندما نقول بأن الباطل عرفي لا يعني الحكم هنا عرفي بل كما هو معلوم ان التحريم المستفاد من الآية هو حكم شرعي ولكن الذي هو موضوع لهذا الحكم الأكل عن الباطل) هو ذو معنى عرفي، والشارع أعطى حكمه لهذا الموضوع العرفي.

ب اشتمال معاوضة الضمان بالعوض للغرر

الاشكال يقول أن الضمان إذا جعل في قباله عوض فذلك يؤدي إلى الغرر الفاحش فيمنع عنه، ويمكن الجواب عنه بأن الشارع عند ما ركز تشريعه على نفي الغرر لم يكن نظره في ذلك بمعزل عن تحقيق ما هو المصلحة للناس غير ان هذا الواقع المصلحي الذي بلحاظه نفى الغرر اختلف في التعبير عنه فذهب بعض الفقهاء الى تفسير الغرر بما يتحقق بعنصر الجهل (1) وبعضهم الآخر إلى ما يتحقق بعنصر الجهل المقرون بالخوف (٢)

والبعض منهم إلى أنه ما يتحقق بالجهل الموجب للخدعة (۳)، ولكن الحقيقة ان الغرر من منطلق كون نفيه واقعا من قبل الشرع بلحاظ الواقع المصلحي فأمكن القول بانه موكول تعيين مفهومه إلى العرف العقلاني، والعرف لا يقوم بذلك إلا في إطار ذهنيته المتأثرة

دراسات مقارنة

بالواقع المصلحي المعاملي في تعاملات كل عصر، والعلاقات السائدة في المجتمع في مجال المعاملات. أما الجهل بمجرده أو مع اجتماعه مع الخوف فهو غير قادر على أن يعكس ويراعي ذلك المفهوم الحيوي الذي ينطلق العرف منه في تطبيق مفهوم الغرر، المفهوم الذي ينبني على قبول الجهل مبدئياً، إلا أن العرف ينظر فيرى هل للمعاملة المتضمنة لشيء من الجهل، أداء استثماري واسترباحي بصورة معقولة، ولا تتضمن حينئذ غرراً، أما إذا لم يجد لها مثل ذلك فعندئذ فيها إشكالاً من جهة أن الإقدام على مثل هذه المعاملة يعد إقداماً على أمر يوصف بوصفين كونه مستور العاقبة، وكونه عديماً بانعدام توفر الداعي العقلائي له. (4)

ثانياً: ضمان البنك في صورة كونه مضاربا

الرأي السائد أن القول بضمان البنك كعامل في المضاربة مخالف للشريعة، ولكن يمكن القول بأننا لو اعتبرنا نقاطا ثلاثا لبرز لنا أنه لا إشكال في القول بضمان البنك، وهي:

الأولى: تبدل العلل:

لا شك أن الحكم يثبت بثبوت علته كما هو معلوم، إلا أن السؤال هل يمكن أن تكون لحكم ما علة زالت هي في مورد ما، واحتلت مكانها علة أخرى؟ (مما كانت نتيجته أن يذهب الحكم الأول فيأتي مكانه حكم آخر توجبه هذه العلة الجديدة) يوجد أمامنا للإجابة عن هذا السؤال فرضان هما: ۱ ثبات علة الحكم، ٢. إمكانية

زوال العلة.

والفرض الثاني يمكن تسميته بتبدل العلل حيث تذهب علة وتأتي أخرى مكانها. فلو سلمنا بمبدء تبدل العلل فلابد - كما هو معلوم - من التسليم بتبدل الأحكام؛ حيث

ان الاحكام تدور مدار عللها، فتبدل العلل يتبعه تبدل الأحكام.

الثانية: اعتبار الحكمة علة

إن الرأي الغالب هو أن الحكمة لا يدور مدارها الحكم، الا ان هناك رأيا يرى انها

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

علة لعلة الحكم، وهذا هو رأي الغزالي والرازي، وقد ذهبا الى ذلك انطلاقا من ان الحكمة هي علة لعلة الحكم، وإذا كانت الحكمة علة لعلة الحكم، فاعتبارها علة للحكم نفسه مما لا محيص عنه، بل هي الأولى لذلك، يقول الرازي: الحكمة علة لعلية العلة فأولى أن تكون علة للحكم بيانه أن الوصف لا يكون مؤثرا في الحكم إلا لاشتماله على جلب نفع أو دفع مضرة فكونه علة معللة بهذه الحكمة فإن لم يكن العلم بتلك الحكمة المخصوصة استحال التوصل به الجعل الوصف علة وإن أمكن ذلك وهو مؤثر في الحكم والوصف ليس بمؤثر كان لإسناد الحكم إلى الحكمة المعلومة التي هي المؤثرة أولى من إسناده إلى الوصف الذي هو في الحقيقة ليس بمؤثر (5)

الثالثة: ذهاب حكمة الحكم بعدم الضمان للعامل:

إن حكمة حكم عدم ضمان العامل في المضاربة هي الحماية التي كان العامل بحاجة اليها في المضاربة في الإطار الذي كان لها في القديم، حيث كان العامل في ذلك الاطار البسيط الذي كان للمضاربة في القديم)، هو الطرف الضعيف الذي كان معرضا لأن يتحمل الأضرار التي كانت المعاملة عرضة لها.

اما المضاربة الآن فلم تبق على بساطتها السابقة واطارها الضيق، بل أصبحت جزء من

عمليات اقتصادية متشابكة، وذات تغطية استثمارية شاملة؛ بحيث لا يمكن لطرف أن

يصبح عاملا في المضاربة الا وانه يتوقف على كونه ذي مكانة وذي امكانيات من قبل

حتى يعتمد المستثمرون عليه وعليه فالعامل ليس ذلك الطرف الذي يخاف عليه من

حيث كونه ضعيفاً، بل هو أحياناً يكون في موارد أقوى من حيث المكانة الاقتصادية

بالنسبة إلى صاحب المال، سيما أنه قد يكون بسبب امتلاكه للمكانة الاقتصادية

وللامكانيات المالية متمكناً من أن يعمل ويلعب هذا الدور تجاه مجموعة كبيرة من

المستثمرين، مما يشكل ظروفا يصبح أموال المستثمرين فيها عرضة للضياع بسبب كونها

ظروفا هي ذات ماهية خطرة جدا لمصيرة الأموال.

بما أن حكمة حكم "عدم ضمان العامل في المضاربة هي حماية العامل في ذلك

دراسات مقارنة

الإطار القائم في القديم للمضاربة، ففي مثل هذه الظروف قد زالت تلك الحكمة وبذهابها يحكم بالضمان عليه، إما من باب مجيء علة الضمان مكانها ، أو من باب الرجوع إلى الأصل بعد ذهاب تلك الحكمة ".

إذا كان الأمر كذلك فالأمر أوضح فيما إذا اشترط ضمانه، وأسهل منه ما إذا كان دور البنك دور الوسيط، وأسهل من الكل ما إذا تبرع البنك بالضمان.

وهذه المحاولة مقبولة ولكن تصحح الطريق الثاني لا الأول، أي الطريق القائل بأننا ترجع بعد ذهاب الحكمة إلى الأصل الذي هو الضمان، وطبعا لا بد أن نصحح أدبيات الطريق أيضا؛ بمعنى أن نقول: إنه تذهب الحكمة من الأساس وبذهابها يذهب الحكم.

ثالثاً: الوعود المتبادلة

والمقصود منه تبادل الوعد بين البنك والمستثمر، بمعنى أن يقدم كل من البنك والعميل بوعد للآخر، فيصدر البنك وعدا ملزما بالشراء من العميل، ويقدم العميل وعداً ملزما بالبيع من البنك.

اما الوعد بالشراء من قبل البنك فهو يكون بالمواصفات التالية:

شراء الأصول التي هي للعميل.

أن يتم هذا الاشتراء في تاريخ محدد وبثمن محدد.

أن يكون هذا الشراء معلقا على شرط وهو أن يكون ثمنها في السوق أقل من ذلك

الثمن الذي التزم البنك بالشراء به.

وأما الوعد بالبيع من قبل العميل فهو يكون بالمواصفات التالية:

أن يتم هذه البيع للبنك عند حلول الأجل بنفس الثمن المتفق عليه.

  • أن يكون بشرط أن يكون ثمنها في السوق أعلى من ذلك الثمن المحدد.

وطبعا يأتي الوعدان بعد أن وكل العميل البنك في أن يشتري له أصولا استثمارية، فيعده البنك بشراءها بذلك الشرط ويعد العميل البنك ببيعها منه بذلك الشرط، ولو كان

المبلغ نفس المبلغ، فلهما بصورة طبيعية الاختيار في أن يقوما بالمعاملة أم لا؟

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقسيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

والذي سيحصل من ذلك، لزوم بيع العميل الأصول من البنك في ذلك التاريخ المحدد وبذلك المبلغ، لأن القيمة إما تكون آنذاك أزيد من ذلك المبلغ، فسيلزمه البنك على البيع، أو تكون أقل فسيلزم العميل البنك بالشراء.

مشروعية المواعدة

قد يناقش في ذلك بأنه يلزم بيع ما لا يملك، والجواب أن هناك مقولتين، هما: "الوعد بالبيع والشراء فانه شيء، و"البيع والشراء وهو شيء آخر، والذي هنا هو الأول، فقاعدة

عدم جواز بيع ما لا يملك لا تأتي هنا.

وكون الوعد حاصلاً من الطرفين مع التزامهما بالبيع والشراء، لا يجعل هذا الوعد المتبادل عقد البيع أو في حكم عقد البيع، لأنه لا يمثل أحد الوعدين إيجابا مملكاً والآخر قبولاً له، ولذلك لا يقتضي أي وعد من الوعدين انتقال انتقال الملكية من أحدهما إلى الآخر بمجرده ما دام لم يقع البيع فيما بعد.

ويمكن تصحيح المواعدة عبر ذكر نقاط:

النقطة الأولى: ان المعاوضة هي أعم من البيع.

النقطة الثانية: ان الشرع قد قبل المعاوضات وتبناها في تشريعه.

النقطة الثالثة: لم تكن المعاوضات تأسيسية للشارع، بل هي كانت رائجة وموجودة في زمن التشريع، والشارع قد قبلها ولكن قد قرن قبوله لها بلزوم رعاية شروط وقيود فيها. يقول النائيني: "ان المعاملات بأجمعها إمضائية )

النقطة الرابعة لاشك أن العقلاء في تلك الأزمنة القديمة قد أسسوا المعاوضات على أساس المصالح التي وجدوها في الأوضاع المتنوعة آنذاك في علاقاتهم الاقتصادية.

النقطة الخامسة ليس من المعقول حصر المعاوضات التي يحتاج إليها البشر لتأمين حاجاتهم الاقتصادية في تلك المعاملات التي انبثقت في الازمنة القديمة، فان تلك تتمكن فقط من أن تفي بمجموعة من الحاجات الموجودة الآن، وهناك حاجات متطورة ومعقدة اقتصادية لا بد من الاجابة عليها، والتي هي كفيلة بهذه الاجابة معاوضات صنعها العقلاء اليوم.

دراسات مقارنة

النقطة السادسة: إلى هنا حصلنا على أن أن استيعاب التشريع الاسلامي للمعاوضات المستجدة أمر معقول وذلك من نفس المنطلق الذي قبل الشارع بسببه المعاوضات القديمة، ولكن ذلك ليس إلا مجرد معقولية، ونحن ما دام لم يكن بأيدينا دليل من الشارع يدل على استيعابه للمستجدات، لا نتمكن من نسبة القبول لها إليه، ويبدو أن هذا الدليل موجود بايدينا وهو "أوفوا بالعقود فيما إذا جعلنا اللام استغراقية لا عهدية، وعليه فان الشارع قد قبل العقود بما هي عقود، لا العقود المعهودة فقط.

يقول أحد الفقهاء: "العقود جمع معرف باللام، فيفيد العموم الاستغراقي، وخروج بعض الأفراد منه بالدليل لا يوجب سقوط حجيته بالنسبة إلى ما لم يقم دليل على خروجه، فإن العام المخصص حجة في الباقي"

ويقول المحقق اليزدي ودعوى انصرافها (أي: عمومات من قبيل أوفوا بالعقود وتجارة عن تراض والناس مسلطون والمؤمنون ونحوها إلى المعهود كما ترى " . (4)

النقطة السابعة: أن المواعدة تكون في حقيقتها مندرجة تحت عنوان المعاوضة، ولكن لا على غرار المعاوضات القديمة، وكونها معاوضية من جهة أن كل وعد لا يأتي به صاحبه إلا بلحاظ الوعد الآخر، فكل وعد يكون بإزاء الآخر.

النقطة الثامنة: بناء على أمرين إثنين وهما: (1) استيعاب عمومات المعاملات والمعاوضات الشرعية للمستجدات الان) دليل أوفوا بالعقود تكون اللام فيه استغراقية لا عهدية، فيشمل العقود المستجدة كما شمل العقود القديمة) (٢) كون المواعدة معاوضة في حقيقتها، بناء على هذين فليس هناك ما يمنع عن شمول العمومات الشرعية للمواعدة، وعليه فتثبت مشروعية المواعدة.

رابعاً: عقد المرابحة

نتحدث في محورين

الصورة المطبقة من المرابحة في البنوك

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

استخدام المرابحة للتحوط من تذبذب أسعار العملات

المحور الأول: الصورة المطبقة من المرابحة في البنوك

ذهب الأكثرية الغالبة من فقهاء المذاهب إلى مشروعية عقد المرابحة، مستدلين لها بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا (١٠) ومشروعية هذا العقد إنما يكون فيما إذا روعيت فيه شروط ثلاثة وهي: أولاً: أن تكون هناك سلعة واقعية تقع محل المعاملة لا فرضية، وثانياً: أن يعلن للمشتري عن القيمة التي تم اشتراء السلعة بها، وثالثاً: أن يتم تعيين الربح الذي يريده البائع في المعاملة الثانية بصورة دقيقة.

والقول بمشروعيته مما انعكس في الكتب الفقهية، وهو واضح لا غبار عليه، ولذلك لا نريد الدخول في بيان هذه المشروعية، وتفصيل الكلام فيها، وإنما الذي نريد التركيز عليه هنا هو أن عقد المرابحة قد استغل كنظام حقوقي واقتصادي في البنوك الإسلامية، وقد تم ذلك لما فيها من القابلية لبناء العمليات البنكية على أساسها من دون التورط في الربا.

شروط المرابحة توجد عدة شروط للمرابحة ذكرها الفقهاء القدامي من أهمها:

1- أن يكون الثمن الأول معلوم لطرفي العقد وكذلك ما يحمل عليه من تكاليف أخرى.

أن يكون الربح محدداً مقداراً أو نسبة من الثمن الأول.

أن يكون العقد الأول صحيحاً.

هناك صورة للمرابحة تسمى بـ "بيع المرابحة للآمر بالشراء، والتي تطبق عملياً وحالياً في بعض البنوك هي هذه الصورة، والمقصود منها ما يطلب فيه المشتري من البنك شراء سلعة فيقوم البنك باشترائه، فيبيعه من المشتري مرابحة، غير أن هذه الصورة بما أنها يتمثل تطبيقها في قوالب فلا بد أن لا تكون دراستنا للصورة بمعزل عن النظر إلى التأثير الاحتمالي الذي للقالب على عقد المرابحة وإلى مشروعية القالب الذي تطبق به فيما لو كان له التأثير عليه، والقوالب ما يلي:

القالب الأول: ما تكون عناصره

(أ) طلب العميل من البنك شراء سلعة معينة محددة أوصافها.

دراسات مقارنة

ب) عدم تركيز المشتري على مصدر خاص لشراءها.

(ج) قيام البنك بما طلبه المشتري والحصول على السلعة من أي مصدر يريد.

د) بيع البنك السلعة للمشتري مرابحة.

القالب الثاني: ما تكون عناصره:

أ) طلب العميل من البنك شراء سلعة معينة مع تحديد الأوصافها.

ب التركيز على مصدر خاص للتوريد وبيانات محددة.

ج) قيام البنك بشراء السلعة بعينها من نفس المصدر.

د) بيع السلعة للمشتري مرابحة.

القالب الثالث: ما تكون عناصره

(أ) تولى البنك اختيار البائعين.

ب) تحديد سقف لمعاملات البائعين مع البنك في حدود مبلغ معين.

ج) تقدم المشتري بطلب شراء للبنك.

د الطلب من البائع عرض أسعار للتحقيق من مطابقة الشروط.

هـ) اشتراء البنك البضاعة من البائع بموجب فاتورة صادرة باسمه.

و) تولى البائع بطريق الوكالة تنظيم عقود البيع مرابحة واستلام الدفعة الأولى وتنظيم

الكمبيالات وكفالتها.

ز) تقديم البائع مستندات العملية للبنك الذي يدفع له قيمتها.

القالب الرابع: ما تكون عناصره

(أ) طلب شخص ما من البنك شراء سلعة معينة لبيعها له مرابحة.

ب) اتفاقه مع البنك على توكيله في عملية الشراء.

(ج) توكيله ثانية في بيعها لنفسه مرابحة.

القالب الخامس: ما تكون عناصره

(أ) طلب شخص ما من البنك شراء سلعة معينة ليشتريها من البنك مرابحة.

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م

تقسيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

ب) إعطاء البنك إليه شيكات بالمبلغ لشرائها بنفسه.

ج) أخذها مرابحة.

وبما أن عقد المرابحة مشروع - كما عليه أكثرية الفقهاء من المذاهب المختلفة - فتجسده في أي قالب من القوالب لا يغير حكمه مادام لم يكن القالب موجباً لتغيير ماهوي في المرابحة أو إطارها المشروع، والحقيقة أن القوالب المشار إليها لا تعدو عن كونها مجرد قوالب لا تتضمن أي أمر له المساس بواقع المرابحة، غير ان القالب الرابع يتضمن امراً قد يبدو أنه يخرج المرابحة عن الاطار المشروع، وهو انه يتم فيه توكيل الشخص لأن يتولي طرفي العقد الذي هو من العقود المعاوضي، وهذا مما قد يمنع عنه.

وعليه فلا بد ان نرى ان ذلك (أي: تولي شخص واحد الطرفي العقد على اساس

التوكيل) هل يجوز فقهيا ام لا ؟

وفي الاجابة عن ذلك نقول: هناك رأيان في ذلك:

الرأي الأول: المنع وهو للإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد، (في إحدى الروايتين عنه) (١١) كما هو رأي مشهور الإمامية فانهم على المنع (١٢)

والمانعون قد استندوا بوجوه (۱۳)

الرأي الثاني: الجواز وهو للإمام مالك حيث قال: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن (١٤)

وقد استند للجواز بأن البيع من مال نفسه أو الشراء لنفسه بيع وشراء وقد وكله فيهما. (١٥)

الرأي الثالث: التفصيل بين ما إذا كان عرضة للتهمة وما إذا لم يكن:

وهذا ما ذكره البعض من الفقهاء (١٦)

وأياً كان الحق في هذا الاختلاف فان الحقيقة أن هذا الاختلاف حول شراء الوكيل لنفسه قد حصل فيما إذا لم يأذن الموكل للوكيل في ذلك والا فلا إشكال فيه.

(۱۷) قال الدسوقي: "قد صرحوا بجواز شراء الوكيل إذا كان بإذنه ومنعه مع عدمه (١٧) وقال في العروة الوثقى: "أما مع الإذن من الموكل صريحا أو ظاهرا..... فلا إشكال

دراسات مقارنة

في الجواز " . (١٨)

وقال في جامع المقاصد: "ولا يجوز أن يشتري من نفسه، كما لا يجوز أن يبيع من نفسه إلا بالإذن (١٩)

وأضاف البعض إلى الإذن إعلام الموكل وعدم مخالفته له، قال في المهذب البارع، ابن فهد الحلي: "إن الوكيل لا يجوز أن يشتري من نفسه، وكذا لا يجوز أن يبتاع من نفسه لمن وكله في الشراء إلا مع الإعلام (۲۰) وهو نوع إذن كما هو معلوم.

استنتاج

إن الذي يحصل في القالب الرابع من بيع العميل السلعة من نفسه مرابحة لا بأس به، حيث إنه يتم باتفاق مع البنك وبتوكيل وإذن منه، فان الفقهاء لم يروا إشكالا في بيع الموكل لنفسه فيما إذا تم ذلك عن إذن الموكل، فهو مما لا بأس به.

وقد يستشكل على "المرابحة بقالبها الرابع " بأنها لا تمتلك حظاً من المعاملة إلا مجرد صورة لها أما واقعها فليس الا عملية صنعت لها صورة بهدف أن يحصل العميل على مبلغ حالاً ويرده آجلاً بزيادة وهكذا تواجه هذه العملية وقوعها في شبهة الربا.

والجواب عن ذلك واضح، وهو أنه يجب تمشية الأمر وترتيبه بحيث تأخذ المعاملة الحالة الجدية.

استخدام المرابحة للتحوط من تذبذب أسعار العملات

من المخاطر تذبذب أسعار العملات، ويمكن التحوط منها عبر المرابحة المصرفية ولبيان انه كيف يتم هذا التحوط أذكر المثال التالي:

هناك شركة ترغب في استيراد سلعة (أو سلع) بعملة خاصة ليست هي تلك العملة المقصودة لها، بل هي العملة التي يركز عليها المصدر، وإذا حصلت على السلعة تتعامل بغير هذه العملة ( مثلا عملتها المحلية ومن هنا ترى الشركة انها تواجه مخاطر تنشأ من الاختلاف في سعر الصرف بين العملتين اللتين احديهما لزمن التعاقد والأخرى لزمن السداد.

وللتخلص من مخاطر هذا التذبذب بامكان الشركة تبنى المرابحة المصرفية كطريق له،

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقييم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

وهي أن تقدم طلبها الى البنك كي يشتري لها السلعة التي تريدها من المصدر بتلك العملة التي يركز عليها المصدر، ويبيعها لها، أي: لهذه الشركة ولكن بالعملة المقصودة لها.

وطبعا البنك بما انه العامل الوسيط يتحمل المخاطر الاحتمالية للصرف بين العملتين.

اشکال وجواب

قد يستشكل على عملية التحوط من التذبذب بسعر العملات بالمرابحة بأن بيع المرابحة لما كانت صحته مشروطة بوجود العلم للبائع والمشتري حين العقد برأس المال والثمن والربح، وأن يعلم كل منهما بالكلفة المترتبة على ذلك إن وجدت وبما أن الحالة

المسئول عنها

وقد يستشكل في مشروعية ذلك بوجود الجهالة فيه، حيث إنه بسبب صعود قيمة العملة الأجنبية أو هبوطها، يصبح مقدار الربح غير معلوم للطرفين، مع أن معلوميته شرط في صحة المرابحة.

ولكن الجواب عن ذلك هو أن الجهالة الممنوع عنها فقهياً غير صادق عنوانها على الابهام الموجود في المسألة المبحوث عن حكمها هنا، فتلك شيء وهذا شيء آخر، ذلك لأن الجهالة قد طرحت وتلقيت فقهياً بإحدى صورتين

الصورة الأولى: الجهالة ممنوع عنها بملاك الغرر:

والمقصود أن الجهالة التي توجب الغرر هي المانعة عن صحة المعاملة، يقول المحقق الخوئي

لا تضر الجهالة إلا ما أدت منها إلى الغرر (۲۱)

والفقهاء الذين لهم هذا الرأي، قد حكموا في موارد مختلفة ببطلان العقد من حيث تضمنه لمثل هذه الجهالة، فمثلا قال أحد الفقهاء في مسألة ما إذا وقع أن يشترط مثل شرط زيادة الماء أو نقصانه أو نزول الغيث أو انقطاعه: "بطل العقد؛ لأن للأجل قسطا من الثمن، فيؤدي جهالته إلى جهالة العوض، ويؤدي إلى الغرر المنهي عنه " (۲۲)

وقال فقيه آخر مستدلا للحكم ببطلان العقد في مسألة أخرى: ... للجهالة المؤدية

دراسات مقارنة

إلى الغرر المنهي (۳۳) وقال فقيه آخر مستدلاً للحكم بلزوم تعيين المدة في المزارعة: "لا بد من تعيين المدة في الجملة بحيث لا يؤدي إلى الغرر (٢٤)

من هذا المنطلق فهل من الصحيح القول بصدق عنوان "الجهالة الحاملة لهذا الملاك" على الابهام الموجود في المرابحة المصرفية التي مهمتها إزالة المخاطر، فان الجهالة إنما أصبحت ممنوعا عنها لانتهائها إلى الضرر والغرر، فكيف يمكن أن نقول بصدقها في عملية تحمل على عاتقها مهمة القضاء على الأضرار والمخاطر ؟!

وأين إزالة المخاطر من حالة إيجاد الغرر ؟!

فالابهام الذي تتضمنه المرابحة المصرفية غير موجود فيه ذلك الملاك الذي منع عن الجهالة باعتباره.

الصورة الثانية: الجهالة ممنوع عنها بملاك إداءها إلى التنازع:

وهذا رأي الكثير من الفقهاء، وقد انعكس في كتبهم الفقهية، نقرء في تكملة حاشية رد المحتار: "ان الجهالة المانعة من التمليك الجهالة المفضية إلى المنازعة "(٢٥)

وقال السرخسي في المبسوط : .... والجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة لكونها مبنية على التوسع ولان جهالة عينها لا تبطل شيئا من العقود وإنما الجهالة المفضية إلى المنازعة هي التي تؤثر في العقود وهذه الجهالة لا تفضى إلى المنازعة... (٢٦)

وكما نشاهد في هذا الكلام تم التفريق والتفكيك بين جهالتين، جهالة مبنية على التوسع، وجهالة مفضية إلى التنازع.

وقد حاول فقيه آخر قضية الجهالة وعدم الجهالة بقضية العاقبة الحميدة للعقد وعدمها قال في الاجارة مشيرا إلى الاقسام المنصورة فيها : .... أن يكون المعقود عليه -

وهو المنفعة - معلوماً علماً يمنع من المنازعة فان كان مجهولا ينظر إن كانت تلك الجهالة مفضية إلى المنازعة تمنع صحة العقد والا فلا لان الجهالة المفضية إلى المنازعة تمنع من التسليم والتسلم فلا يحصل المقصود من العقد فكان العقد عبثا لخلوه عن العاقبة الحميدة وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة يوجد التسليم والتسلم فيحصل المقصود (۳۷)

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقسيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

وقال هذا الفقيه - أبو بكر الكاشاني - أيضاً وأما قوله إن العلم بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط الصحة، فنقول العلم بذلك لا يشترط لعينه بل لصيانة العقد عن الجهالة

المفضية إلى المنازعة (٢٨)

وقال أيضاً في باب الاعارة "بيان الأجل للتحرز عن الجهالة المفضية إلى المنازعة

والجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة (٢٩)

من هذا المنطلق نقول: هل التوافق الذي يحصل في عملية شراء المستورد السلعة بالعملة المحلية بعد أن حصل عليها البنك بالعملة الأجنبية يستبطن الانجرار إلى التنازع بينهما ؟! أم أنها معاملة تتضمن الابتعاد عن المخاطر، الأمر الذي يوجد الاطمئنان في

المجال الاقتصادي ؟

خامساً: العربون

نتحدث في محورين: الأول: مشروعية العربون بذاته، الثاني: التحوط بالعربون. وفيما

يلي البحث عن كل محور:

مشروعية العربون بذاته

هناك ثلاثة أنواع للعربون:

النوع الأول: أن يدفع مبلغ إلى البائع أو الموجر بعنوان جزء من الثمن، كي تنطلق بهذا الدفع العملية التنفيذية للمعاملة، ويتأكد به العقد.

والعربون بهذا المعنى لا يواجه اشكالا فقهيا، فان المعاملة لو كان تنفيذها مما له الشروع فهل هذا يخالف قاعدة من القواعد ؟!

النوع الثاني: أن يدفع مبلغ لا كجزء من الثمن بل كخسارة يتحملها المشتري فيما اذا تراجع عن المعاملة، وذلك فيما اذا كان العقد في مرحلة ما قبل تماميته.

وقد يكون ذلك من قبل البائع خسارة عليه فيما إذا تراجع عن العقد.

ویرى الإمامية حرمة ذلك، مستدلين برواية وهب عن الإمام الصادق الله ، قال: كان أمير المؤمنين الله يقول: «لا يجوز بيع العربون إلا أَنْ يَكُونَ نَقْداً مِنَ الثَّمَن . (٣٠) النوع

دراسات مقارنة

الثالث: أن يدفع مبلغ كجزء من الثمن فيما إذا استقرت المعاملة، وإلا فيصبح خسارة على المشتري الذي تراجع عن المعاملة.

قد يتصور أن الرواية المشار إليها رواية وهب لها الإطلاق فيتمسك به المشروعية العربون الذي من هذا النوع، بتقريب أن يقال: إنه استثنت الرواية عن العربون غير الجائز، العربون الذي هو نقد من الثمن، وهذا مطلق يشمل ما إذا كان قد بقي كثمن وما إذا لم يبق كثمن، إلا أن القول بالاطلاق للرواية محل إشكال، من حيث إن الظاهر من كونه جزء من الثمن، بقاءه على ذلك.

هذا بالإضافة إلى أن هناك رواية أخرى للإمامية لها الدلالة على حرمة العربون المجعول كخسارة عند التراجع، رغم وضعه في البداية جزء من الثمن، وهي رواية الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله الله عَنْ رَجُل اشترى ثوباً (وَ لَمْ يَشْتَرِطُ عَلَى صاحبه شَيْئاً فكرهه) ثُمَّ رَدَّه على صاحبه فأبى أن يقيله إلا بوضيعة قال لا يصلح لَهُ أَنْ يَأْخذه بوضيعة فَإِنْ جَهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الأَوَّل ما زاد. (۳۱)

ويمكن مناقشة الاستناد إلى هذه الرواية لإثبات المدعى، بأن محل بحثنا ما إذا يكون هناك اشتراط حين العقد لكون ما دفعه كجزء من الثمن خسارة فيما إذا تراجع، وأين هذا من المسألة المسؤول عنها في الرواية من رجوع المشتري على البائع وعدم قبول البائع له إلا بوضيعة مما يدل بظاهره على انه لم يكن بينهما اشتراط من قبل، بل الشرط يطرحه عند ورجوعه.

إذا قلنا لا إطلاق للرواية الأولى كي نثبت به صحة هذا النوع من العربون، ولا دلالة للرواية الثانية كي نثبت حرمته، فيبقى أن نرى ما هي القاعدة في المقام وما هو مقتضاها ؟

الحقيقة أن أدلة صحة الشرط ولزوم الوفاء به تشمل مثل الاشتراط بصيرورة ما دفع إلى البائع كجزء من الثمن خسارة، سيما أننا نرى معقولية هذا الاشتراط عند العقلاء، حيث إن إقدام المشتري بالشراء وإعطاء جزء من الثمن إليه يأخذ الفرصة من البائع كي يكون متمكنا من بيع سلعته من غيره في هذه المدة التي يبدء بالعقد ويدوم إلى حين

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

تقييم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية رجوعه عن العقد، وربما يسبب الضرر عليه، فمثل هذا الاشتراط العقلايي إذا شملته أدلة الشرط، فيصبح مشروعاً.

التحوط بالعربون

قد يتصور أن بالعربون يمكن تصحيح أحد عقود الخيارات، وهو عقد خيار الشراء (Calloption) حيث إن الذي يسمى بالعلاوة ويدفع في هذا العقد يشابه بالعربون مع فرق بينهما وهو أن الذي يتم دفعه من قبل المشتري في شراء الخيار هو لا يعد جزء من قيمة السلعة حتى فيما لو رغب في الشراء في المستقبل بينما الذي يتم دفعه كعربون هو يعد كجزء من القيمة للسلعة، وعليه فان تصحيحه فقهيا بالعربون إنما يتم بأن يجعل

العلاوة جزء من الثمن.

ولكن الإشكال على هذه المحالة للتصحيح هو :

أولا: الاختلاف بينهما من حيث وحدة المعاملة وتعددها:

إن "خيار الشراء في الحقيقة ينحل إلى معاملتين معاملة يتم فيها شراء حق الخيار، ومعاملة تقع في المستقبل ويقوم فيها المشتري بشراء الأسهم، وأين هذه من بيع العربون

الذي هو معاملة واحدة.

ثانياً: الاختلاف بينهما من حيث ما يدفع في كل منهما:

وهذا الاختلاف يترتب على الاختلاف الأول، فإن الذي يدفع في خيار الشراء هو الثمن الذي يكون في قبال حق الخيار، ولا يمت له بصلة إلى شراء الاسهم الذي يقع في المستقبل أحياناً، بينما الذي يدفع في بيع العربون هو جزء من الثمن.

نعم يمكن أن نحول ونغير تركيبة خيار الشراء على اساس العربون إلى تركيبة أخرى، بأن نخرجه من حالة كونه متضمنا لمعاملتين فنجعله معاملة واحدة بصياغة هكذا:

أن يتعاقد البائع والمشتري على أساس أن كان للمشتري الخيار لمدة معينة في شراء مجموعة من الأسهم بسعر يتفقان عليه، في مدة معينة، ويدفع المشتري عربونا قيمته ١٠٪ من قيمتها، في إطار أن كان له الحق في شراء هذه الأسهم في هذه المدة، فلو قام بشرائها

دراسات مقارنة

خلال تلك المدة فهو، يصبح العربون حقا للبائع.

خلاصة البحث

أولاً: التزام طرف ثالث بالضمان

الالتزام الحاصل عن التبرع؛ وهو مشروع بدليل أن كل صاحب مال، له أن يتبرع بماله، وأنه لا يحد تبرعه أي حد سواء في حجم المال المتبرع به، أو في صورة التبرع، وفي مورد يجعله متعلقاً لتبرعه.

وهذا الدليل كما يجوز أن يضمن رأس المال فكذلك يجوز أن يضمن له و للربح معاً.

والطرف الثالث قد يكون هيئة أو مؤسسة أو دولة أو جمعية أو صندوقاً مؤسساً من قبل مؤسسة أو الدولة أو من قبل البنك.

الالتزام بالضمان مقابل عوض؛ إن الضمان بما أن له قيمة كبيرة لدى العرف، فلا يكون أكل المال في قباله أكلاً بالباطل.

ثانياً: ضمان البنك في صورة كونه مضاربا

بما أن حكمة حكم عدم ضمان العامل في المضاربة هي حماية العامل في ذلك الإطار القائم في القديم للمضاربة، ففي مثل هذه الظروف قد زالت تلك الحكمة وبذهابها يحكم بالضمان عليه، إما من باب مجيء علة الضمان مكانها، أو من باب الرجوع إلى الأصل بعد ذهاب تلك الحكمة.

إذا كان الأمر كذلك فالأمر أوضح فيما إذا اشترط ضمانه، وأسهل منه ما إذا كان دور البنك دور الوسيط، وأسهل من الكل ما إذا تبرع البنك بالضمان.

ثالثاً: الوعود المتبادلة

بما أن مقولة "الوعد بالبيع والشراء شيء ومقولة "البيع والشراء" شيء آخر، فلا مجال لتصور كون المواعدة تتضمن بيع ما لا يملك. وكون الوعد حاصلاً من الطرفين مع التزامهما بالبيع والشراء، لا يجعل هذا الوعد المتبادل عقد البيع أو في حكم عقد البيع، لأنه لا يمثل أحد الوعدين إيجابا مملكاً والآخر قبولاً له، ولذلك لا يقتضي أي وعد من

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

تقسيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

الوعدين انتقال انتقال الملكية من أحدهما إلى الآخر بمجرده ما دام لم يقع البيع فيما بعد.

وبناء على أمرين إثنين وهما (1) استيعاب عمومات المعاملات والمعاوضات الشرعية للمستجدات الان دليل أوفوا بالعقود تكون اللام فيه استغراقية لا عهدية فيشمل العقود المستجدة كما شمل العقود القديمة (٢) كون المواعدة معاوضة في حقيقتها، بناء على هذين فليس هناك ما يمنع عن شمول العمومات الشرعية للمواعدة، وعليه فتثبت مشروعية المواعدة.

رابعاً: عقد المرابحة

إن صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء يتمثل تطبيقها في قوالب، أحد هذه القوالب ربما يواجه بعض الاشكالات الفقهية وهو ما إذا طلب شخص ما من البنك شراء سلعة معينة لبيعها له مرابحة، فاتفق مع البنك على توكيله في عملية الشراء، وتوكيله ثانية في بيعها لنفسه مرابحة.

ومثله يتضمن امراً قد يبدو أنه يخرج المرابحة عن الاطار المشروع، حيث يتم فيه توكيل الشخص لأن يتولي طرفي العقد الذي هو من العقود المعاوضي، وهذا مما قد يمنع عنه. ولكن بيع العميل السلعة من نفسه مرابحة لا بأس به، فان الفقهاء لم يروا إشكالا في بيع الموكل لنفسه فيما إذا تم ذلك عن إذن الموكل.

وقد يستشكل على ذلك بأنه لا تمتلك حظاً من المعاملة إلا مجرد صورة لها أما واقعها فليس الا عملية صنعت لها صورة بهدف أن يحصل العميل على مبلغ حالاً ويرده آجلاً بزيادة وهكذا تواجه هذه العملية وقوعها في شبهة الربا، والجواب عن ذلك أنه يجب ترتيبه بحيث تأخذ المعاملة الحالة الجدية.

والمرابحة المصرفية يمكن التحوط بها من مخاطر تذبذب أسعار العملات، بان تقدم الشركة طلبها الى البنك كي يشتري لها السلعة التي تريدها من المصدر بتلك العملة التي يركز عليها المصدر، ويبيعها لها، أي: لهذه الشركة ولكن بالعملة المقصودة لها.

وطبعا البنك بما انه العامل الوسيط يتحمل المخاطر الاحتمالية للصرف بين العملتين.

PAY

دراسات مقارنة

وقد يستشكل في مشروعية ذلك بوجود الجهالة فيه، حيث إنه بسبب صعود قيمة العملة الأجنبية أو هبوطها، يصبح مقدار الربح غير معلوم للطرفين، مع أن معلوميته شرط في صحة المرابحة.

والجواب أن الجهالة الممنوع عنها فقهياً غير صادق عنوانها على الابهام الموجود في المسألة المبحوث عن حكمها هنا، لأن الجهالة قد طرحت وتلقيت فقهياً بإحدى صورتين الأولى : الجهالة ممنوع عنها بملاك الغرر؛ ليس من الصحيح القول بصدق عنوان "الجهالة الحاملة لهذا الملاك " على الابهام الموجود في المرابحة المصرفية التي مهمتها إزالة المخاطر، فان الجهالة إنما أصبحت ممنوعا عنها لانتهائها إلى الضرر والغرر، فكيف يمكن أن نقول بصدقها في عملية تحمل على عاتقها مهمة القضاء على الأضرار والمخاطر ؟!

الثانية: الجهالة ممنوع عنها بملاك إداءها إلى التنازع؛ لو نتبني ذلك فلا يمكن تطبيقه على الابهام الموجود في المرابحة المصرفية، حيث إنها معاملة تتضمن الابتعاد عن المخاطر ولا يستبطن الانجرار إلى التنازع بينهما.

خامساً: العربون

قد يتصور أن بالعربون يمكن تصحيح أحد عقود الخيارات، وهو عقد خيار الشراء (Calloption) حيث إن الذي يسمى بالعلاوة ويدفع في هذا العقد يشابه بالعربون مع فرق بينهما وهو أن الذي يتم دفعه من قبل المشتري في شراء الخيار هو لا يعد جزء من قيمة السلعة حتى فيما لو رغب في الشراء في المستقبل بينما الذي يتم دفعه كعربون هو يعد كجزء من القيمة للسلعة، وعليه فان تصحيحه فقهيا بالعربون إنما يتم بأن يجعل العلاوة جزء من الثمن.

ولكن الإشكال على هذه المحالة للتصحيح هو أولا: أن "خيار الشراء" في الحقيقة ينحل إلى معاملتين معاملة يتم فيها شراء حق الخيار، ومعاملة تقع في المستقبل ويقوم فيها المشتري بشراء الأسهم، وأين هذه من بيع العربون الذي هو معاملة واحدة. وثانياً: الاختلاف بينهما من حيث ما يدفع في كل منهما، فإن الذي يدفع في خيار الشراء هو

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

19

تقيم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية الثمن الذي يكون في قبال حق الخيار، ولا يمت له بصلة إلى شراء الاسهم الذي يقع في المستقبل أحياناً، بينما الذي يدفع في بيع العربون هو جزء من الثمن.

نعم يمكن أن نحول ونغير تركيبة خيار الشراء على اساس العربون إلى تركيبة أخرى، بأن نخرجه من حالة كونه متضمنا لمعاملتين فنجعله معاملة واحدة بصياغة هكذا: أن يتعاقد البائع والمشتري على أساس أن كان للمشتري الخيار لمدة معينة في شراء مجموعة من الأسهم بسعر يتفقان عليه، في مدة معينة، ويدفع المشتري عربونا قيمته ١٠٪ من قيمتها، في إطار أن كان له الحق في شراء هذه الأسهم في هذه المدة، فلو قام بشرائها خلال تلك المدة فهو، يصبح العربون حقا للبائع.

والعربون مشروع لوجود الدليل من الشرع على ذلك.

دراسات مقارنة

الهوامش:

(1) كما يبدو القول بذلك من بعض الفقهاء، راجع المبسوط للسرخسي ۱۲ ١٩٤، الذخيرة ٤: ٣٥٤، المحلى بالآثار ٩ ٢٤ ، حاشية الدسوقي ٣ ٥٥، جامع الخلاف والوفاق: ٢٤٧، منبة الطالب ٣ ١٣٣.

(۲) كما عليه بعض الفقهاء، راجع تلخيص الحبير، ابن حجر ۸ ۱۲۳ - ۱۶۲

(۳) كما عليه ابن أثير، أنظر النهاية في غريب الحديث ٣: ٣٥٥.

(٤) انظر : بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة، أحمد مبلغي: ۶۵.

(٥) المحصول، ۵: ۲۹۲

(٦) أي: انه بذهاب علة عدم الضمان تأتي علة الضمان مكانها، وهي حماية المستثمر، وكونها علة يتم من باب كون الحكمة (المقصد) علة وطبعا يستقيم ذلك فيما لو تبنينا أن الحكمة هي العلة.

(۷) أي: انه بذهاب علة عدم الضمان، ترجع إلى الأصل، وهو ضمان اليد التي أخذت المال، فان عدم ضمان الأمين بعد من باب الاستثناء، وهذا الاستثناء قد فقد عليه حسب الفرض.

(۸) منية الطالب، تقرير بحث النائيني، ٩٧:١

(۹) حاشية المكاسب، اليزدي ۱: ۸۱

(١٠) البقرة: ٢٧٥

(۱۱) راجع المغني، عبد الله بن قدامه ۵: ۲۳۸، فقه السنة، ۲۳۶:۳

(۱۲) العروة الوثقى، اليزدي ۶ ۲۲۴

(۱۳) ووجه المنع :

اولا: انه يستقصي لنفسه في الاسترخاص وغرض البائع الاستقصاء في البيع بالأكثر وهما غرضان متضادان فلا

يتأتى من الواحد القيام بهما .

وثانيا: ان التوكيل بالبيع مطلقا يشعر بالبيع من الغير والألفاظ المطلقة تحمل على العموم منها في العرف

الغالب.

ثالثا: انه تلحقه التهمة .

والفقهاء المانعون قد استندوا كذلك إلى روايات

( ١٤) فقه السنة ۲۳۶۳

(١٥) العروة الوثقى، اليزدي ۶ ۲۲۴

(١٦) مجمع الفائدة، ١١٠٨.

۱۹۰

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

تقييم فقهي الجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

(۱۷) حاشية الدسوقي - الدسوقي - ج ۳ - ص ۱۵۳

(۱۸) العروة الوثقى، اليزدي ۶ ۲۲۴

(۱۹) جامع المقاصد، المحقق الكركي ٨ ٢٢٩

(۲۰) وقال في المهذب البارع، ابن فهد الحلي ۲: ۴۸۸

(۲۱) کتاب الاجارة، الأول: ٣٢.

(۲۲) تذكرة الفقهاء ۱۱: ۴۱

(۲۳) مجمع الفائدة والبرهان، ۳۵۱۸

(٢٤) مستمسك العروة ۱۳: ۵۶

(٢٥) تكملة حاشية رد المحتار، ۲: ۵۲۴

(٢٦) المبسوط ۲۰ ۵۰

(۲۷) بدائع الصنائع، ۴ ۱۷۹ - ۱۸۰

(۲۸) بدائع الصنائع، ۵: ۲۰۸

(۲۹) بدائع الصنائع، ۶ ۲۱۵

(۳۰) تهذيب الأحكام، ۷ ۲۳۴

(۳۱) وسائل الشيعة، ۱۸: ۷۱

نهاية البحث