دراسات مقارنة
المدرسة المقاصدية : نظرة تحليلية
أحمد مبلغي
لم تعرف المدرسة الفقهية المقاصدية عبر تاريخها بحوثاً تتسم بالجدية والدقة، الأمر الذي يفسر بقاء مساحات منها مجهولة وبعيدة عن دائرة الضوء.
ويعد الإمام الشاطبي بحق رائد الفقه المقاصدي، حيث شرح آراءه الفقهية في كتابيه «الموافقات» و «الاعتصام. وعلى الرغم من المباحث الأصولية المعقدة التي تضمنها هذا الكتاب، لكنه مع ذلك لم يتخذ موقعاً مرموقاً أسوة بسائر المصادر الأصلية الأخرى في حقل علم الأصول. وتتمايز أدبياته المنهجية تمايزاً كبيراً عما هو متداول في المناهج الأصولية، إذ تفتح آراءه الأصولية آفاقاً رحبة لا تسعها القوالب التقليدية لعلم الأصول أبداً.
ولعل ذلك يوضح عدم اعتماد كتاب الموافقات كمصدر رسمي في علم الأصول القرون طويلة، حتى مع كونه يحتوي على قضايا جديرة بالبحث و الاهتمام. ومع هذا، فإذا صح أن الكتاب المذكور لم يأخذ حظه من اهتمام الأصوليين في الماضي، فالصحيح أيضاً أنه أخذ موقعاً محدوداً على مدى تاريخ علم الأصول.
ومهما يكن من أمر، فثمة بوادر تشير إلى ظهور نزعة قوية، نسبياً، لاحتضان هذا الموضوع وإيلائه الأهمية التي يستحق.
المدرسة المقاصدية، نظرة تحليلية
النقد الثبوتي والنقد الإثباتي
يمكننا القيام بنقدين لهذه المدرسة من خلال:
- النقد الثبوتي، ويُعنى به النقد المتوجه إلى الانسجام الذاتي لفكرة المقاصد والانتظام الداخلي لها وحجم قدرة المقاصديين الذاتية بغض النظر عن حجية المقاصد في عملية الاستنباط واعتبارها شرعاً.
- النقد الإثباتي، ويُعنى بالحديث حول حجية آراء هذه المدرسة.
النقد الثبوتي للمدرسة المقاصدية:
إلى أي مدى ينطوي الفكر المقاصدي على التماسك والقوة أو النقص والضعف؟ بصرف النظر ما إذا كان يمتلك حجية أم لا، بطبيعة الحال، إذا استنتجنا في هذا المقال انسجام الفكر المقاصدي وصحته، لزم أن ننتقل إلى مرحلة الإثبات.
ونقول بصدد النقد الثبوتي: لا شك في أن المدرسة المقاصدية هي من بين أبرز النماذج الأصولية المنتظمة.
وهذا ما سنوضحه في إطار محورين
المحور الأول: العلاقة بين العقل والنقل في المدرسة المقاصدية
وشرح هذه العلاقة يتم عبر بيان مكانة كل من العقل والنقل كما يلي:
(1) مكانة العقل في الفكر المقاصدي
في مسألة الفصل بين مكانة المصادر، يُنيط المقاصديون بالعقل تكوين البني والمفاهيم والتقسيمات العامة، وفي الحقيقة، إن المقاربة المقاصدية كانت تعتمد على فكرة أن تحرك عمليتي عودتها إلى النصوص وتركيزها على التراث
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م -
٢٠٤
المدرسة المقاصدية نظرة تحليلية
بالاعتماد على العقل، وأن تقيم أسسهما في إطار عقلاني، ويتوضح ذلك عبر نظرة سريعة إلى النصوص المقاصدية حيث تبرز أمامنا أمثلة عديدة على العقلانية في هذا المجال، نُشير فيما يلي إلى رؤيتين لهذه المدرسة تثبت هذا الادعاء:
الأولى: إدراج مقولتي المنفعة والمضرة في المقولات الإضافية
من المفاهيم الأساسية والمثيرة في الفكر المقاصدي مفهوما المنفعة والضرر، فالمقاصديون يعتقدون أنهما ليسا من سنخ الأمور المتجانسة تماما وعلى وتيرة واحدة، وإنما يكونان من سنخ الأمور المتغيرة بتغير الأشخاص والمواقف، وأحياناً عند النظر إليها من زاويتين. يقول الشاطبي:
إن المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، فالأكل والشرب مثلا منفعة للإنسان ظاهرة ولكن عند وجود داعية الأكل، وكون المتناول لذيذاً طيباً، لا كريهاً ولا مراً وكونه لا يولد ضرراً عاجلاً ولا أجلاً، وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل، ولا يلحق غيره بسببه أيضاً ضرر عاجل ولا أجل (۱).
والحقيقة إن إدراج المنفعة والمضرة تحت المقولات الإضافية - التي هي في قبال المقولات الثابتة التي لا تقبل النسبية ، لا يمكن أن يتم إلا كنتيجة معرفية لرؤية انطلقت من التزام جدي بالاحتكام إلى العقل.
فنسبية المنافع والأضرار لا تختزل في نظرية محدودة فحسب، من حيث أن آثارها المهمة قد انعكست على سائر مناحي الفكر المقاصدي.
الثانية: اعتبار المصالح مراتبية
إن المدرسة المقاصدية تقسم المصالح إلى ثلاثة أنواع مختلفة ضمن اتجاهها
٢٠٥
دراسات مقارنة .
المقاصدي، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، يقول الشاطبي: «كليات الشريعة هي: الضروريات والحاجيات والتحسينات والمقصود بالمصالح الضرورية هي المصالح الأساسية (الجوهرية) التي تقوم عليها حياة الناس، ويؤدي تخلفها إلى اختلال نظام الحياة، وقوات موضوع المصلحة أعني الإنسان. ويقيناً أن هذه المصالح مرتبطة بحياة الإنسان ولها تأثير على بقائه. يقول الشاطبي: «الضروريات: هي التي لابد منها في قيام مصالح الدنيا والدين، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين» (٢).
أما مصالح المجموعة الثانية أي الحاجيات، فهي أيضاً تؤثر بشكل كبير على حياة الإنسان، وعدم مراعاتها تدخله في حرج ومشقة دون أن يبلغ ذلك حد توقف الحياة. يقول الشاطبي: الحاجيات: هي المفتقر إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج، دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح (۳).
وهناك مصالح القسم الثالث وهي بخلاف القسمين الأوليين اللذين تتوقف عليهما حياة الإنسان إلى حد بعيد، تجمل وتحسن وتكمل أمور الحياة في ظل الأخلاق الكريمة والذوق السليم ومحاسن العادات وكمال المروءات، وفواتها لا يخل بنظام الحياة ولا ينجر عن تخلفها ضيق أو حرج. يقول الشاطبي: «التحسينات: هي الأخذ بما يليق بمحاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق (4). (٤)
وفي الحقيقة، إن مبدأ مراتبية المصالح مبدأ عام وجوهري يفرزه الفكر المقاصدي بالاستناد إلى العقل، وعلى قاعدة الإرشادات العقلانية، وعدا ذلك فإن اللجوء إلى النصوص إنما هو من باب التأييد الإرشادي لتعزيز هذه المقاربة.
الفقه المقارن . العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م -
٢٠٦
المدرسة المقاصدية، نظرة تحليلية
على نفس المنوال، ومضافا إلى المبادئ الأساسية، يستنبط هؤلاء الكثير من التفريعات العامة عبر التأكيد على عنصر العقل.
من هنا، فإن المباحث أعلاه تدل، في أقل تقدير، على وجود مستوى من النظم في الفكر الأصولي المقاصدي، وكنتيجة لهذه الرؤية المنظمة لأنصار المقاصد الشرعية فقد عرف فكرهم نمطا من توزيع المسؤوليات بين العقل و النقل، ومن ثم شرح للعلاقات على أساس هذه المسؤوليات.
(۲) مكانة النقل في الفكر المقاصدي
إن مراجعات المقاصديين المستمرة للقرآن هي لغرض الوصول إلى كشف خاص، وهذا بالذات ما أضفى على تلك المراجعات أبعادا متعددة وأحيانا قيمة للغاية.
والحقيقة، أن هدف هؤلاء من الرجوع إلى الكتاب هو الوقوف على المقاصد الشرعية، وقد أكسبت هذه المراجعة الهادفة، التي تنهج سبيل السؤال والاستفسار، مجموع النصوص المقاصدية ذات الصلة بالقرآن، صبغة أكثر عقلائياً من سائر المحاولات التي تدور مدار القرآن الكريم، سيما بالنسبة إلى مراجعة مثل الظاهرية التي يتميز أتباعها بكثرة الرجوع إلى القرآن، والتي تفقد الجوانب العقلائية.
وتوضح كتب الشاطبي - الموافقات بشكل أساسي، والاعتصام أحياناً - وكذا كتاب ابن عاشور الذي يتناول مقاصد الشريعة بصورة جلية المنهجية الخاصة التي يتبعها هؤلاء الأفراد في الرجوع إلى القرآن الكريم؛ وهو رجوع يضع نصب عينيه، بالدرجة الأساس، اصطياد درر المقاصد الشرعية من صدقات الآيات القرآنية والسنة المطهرة.
ومع ذلك، فإن هذا النمط من المراجعات يحدث عندما يكون الإطار الرئيسي
دراسات مقارنة
مستندا في الأعم الأغلب إلى رؤية عقلانية. والجدير بالإشارة هو أن رجوع المقاصديين إلى النصوص هو على الأكثر ذو طابع مضموني وليس شكلاني فرجوع هؤلاء إلى النصوص إنما يكون بعد تمثل ذهنهم لمقاربة عقلانية مستندة إلى استنتاجات عقلانية محضة. وبطبيعة الحال، يُفرغ المقاصديون النصوص في قوالب صممت وفق طروحات عقلية، ليصيغوا أطراً تشكلت أولاً وقبل كل شيء بالاعتماد على الضمانات العقلية. وبوجيز العبارة، يأخذ المقاصديون الأطر من العقل والمضمون من النصوص.
وببيان آخر فإن للعقل مساحة مهمة في الفكر المقاصدي، ولكن، كما قلنا، ينبغي رصد الفكر المقاصدي وضبط إيقاعه عبر الرجوع المستمر إلى الكتاب وكذلك السنة الشريفة.
نعم، قد لا يخلو هذا الأسلوب الدراساتي من إشكالات، إذ من المحتمل جداً أن يفضي في بعض الأحيان، إلى إقحام مفاهيم كثيرة غير مرغوبة في النص، غير أن سر نجاح هذه المدرسة يكمن في قدرتها على الوصل المنسجم بين العقل والنص من حيث أنها خلقت نوعا من التلازم والتواكب بينهما عبر تحديد مسؤوليات كل منهما؛ إننا حين ننظر اليوم إلى التراث المقاصدي نجد أنه يحمل نماذج لتصورات بناءة وإيجابية بين العقل والنص.
إن مراجعات المقاصديين المتكررة للكتاب والسنة تهدف في الغالب، إلى تحري المصاديق، هذه المصاديق التي لا بد أن تأخذ مكانها في أحد الأطر والمبادئ العقلانية العامة، إذ إن النصوص المقاصدية تنطوي على هذا النمط من الرجوع إلى الكتاب والسنة المطهرة. على سبيل المثال، يمكن أن نلحظ بوضوح مراجعات المقاصديين العديدة للسنة من أجل أن يتمثلوا بعض المصاديق للمصالح الثلاثة المذكورة أعلاه، يقول الشاطبي في الموافقات: «المقاصد الثلاث ومكملاتها
۲۰۸
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤ هـ ٫ ٢٠١٣م
المدرسة المقاصدية، نظرة تحليلية تأصلت في القرآن وتفصلت في السنة ) وهي مصالح لها أسباب عقلانية، وتقوم على مقاربة عقلانية.
المحور الثاني: علائم المدرسة المقاصدية بمثابة فكر منتظم:
ثمة علامات أربع في هذا المجال هي كالتالي:
أولاً: كيفية تعاطي المدرسة مع مشكلة التفسير
إن استخراج المقاصد من أعماق المصادر لا يتبع نموذجاً مبسطاً في صيغة مجرد ذهاب وإياب.
فحين تجعل مدرسة هدفها الرئيسي من الرجوع إلى المصادر هو استخراج المقاصد المستترة في ثنايا المقولات والقضايا، فذلك يعني عملياً الخوض في غمار عالم التفسير الزاخر بالأسرار وفك رموزه. وفي هكذا حركة تبرز عدة عمليات جديدة أمام المدرسة تتمثل في تحديد أسلوب الرجوع المعتبر إلى النص، وحجم التعاطي مع النص، وتشخيص طبقاته وأخيرا فرز المصادر لجهة الأولوية.
من البدهي، أن الاستجابة لهذه المسؤوليات ممكنة فقط في إطار دراسة منتظمة قائمة على عقلية نظامية عملية. إنه لادعاء كبير أن يقال بأن المقاصديين نجحوا في الاضطلاع بمسؤولية تحديد نظم كهذه بشكل تام أو حتى لائق، وأنه لا بد من التعاطي مع الأمر بصورة علمية؛ بل لا يمكن القبول بأقل من ذلك أيضاً بأن يزعم أن المقاصديين كانوا محيطين بتعقيدات الأسلوب الذي اختاروا، والتحديات التي ستواجههم، ولكن حتى لو رفضنا ذينك الزعمين، فإننا مع ذلك لا نستطيع إنكار أن حركة هؤلاء صوب الفقه المقاصدي قد خلقت في أنفسهم، شاؤوا أم أبوا، فكرة التمحور حول النظام، أما مدى نجاح هذه الفكرة، فذاك أمر خاضع للبحث والنقاش.
٢٠٩
دراسات مقارنة
ثانياً: كيف تتعاطى المدرسة مع مشكلة تعدد المصادر ؟
بطبيعة الحال، إن عملية الانتقال من المصادر إلى المقاصد يجب أن تعتمد آلية تقييمية، فمسألة أولوية المصادر ومواقع توظيف كل منها لا تكتسب مفهومها إلا ضمن نظام فكري منسجم. وفي الحقيقة، ثمة نظام أوحد بمقدوره تسخير تعددية المصادر لصالح تعيين المقاصد، وبالتالي تحديد دور كل مصدر في العملية، وفي غير هذه الحالة، فإن تعددية المصادر إما أن تعجزنا عن الوصول إلى المقاصد وإما أن تضع أمامنا أسلوباً مزاجياً غير استدلالي لتحقيق تلك المقاصد، ولما كنا نعدم أي دليل أو إشارة على وجود أي من هذين الأمرين في الفكر المقاصدي فيلزم إذا القول بأن المقاصديين يتوفرون على فكر منتظم ومنسجم.
ثالثا: طريقة مواجهة المدرسة لمشكلة وحدة المقاصد
تقوم المنهجية الأصولية المقاصدية على رؤية معينة عمادها السعي إلى توسيع دائرة مواجهاتنا مع مصادر الفقه ودفعها إلى آفاق أرحب. في هذا الإطار ارتقت قضية اعتماد الأسلوب الدراساتي لغرض الكشف عن المقاصد الشرعية بنظرة المقاصديين من مستويات قريبة ومتغيرة إلى مستويات شاملة وثابتة وتنطوي هذه الدعوى على إلزامات لا يمكن التنصل منها.
إن اتجاه التركيز على الغايات البعيدة هو من أهم ثمار النهج المقاصدي، وهذا الاتجاه بمقدار ما يعفينا من البقاء في دائرة الحالات ذات الأوضاع المحدودة والصغيرة والتحديات المنبثقة عن المواقف المجتزئة، بنفس المقدار يجعلنا نتجه نحو فهم وقبول وشرح عالم كبير من الارتباطات المنظومية التي لها أبعاد واسعة وعلاقات متناسقة.
والحقيقة، لا يمكن الحديث عن اتجاه التمحور حول الغايات دون صيانة
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣ م -
٢١٠
المدرسة المقاصدية، نظرة تحليلية
وحفظ المنهج المقاصدي الكبير الذي يحمل على عاتقه تحقيق وتنشيط وتفعيل هذا الاتجاه، وصيانة هذا المنهج لا يمكن دون تقديم أجوبة محددة وواضحة في المجالين التاليين:
الأول: على أي نحو يتم الوصول إلى هذه الغايات النهائية، وما هي الضمانات المتوفرة؟
الثاني: كيف يحصل التشابك والتنسيق بين المقاصد والغايات النهائية في أفق رحب، وما هي الضمانات المقدمة لخلق مثل هذا التشابك وعدم حصول مجموعة من الغايات المتفككة والمنفصلة عن بعضها ؟
بالإمكان تحقيق كلا الشقين من الضمانات، وذلك حين تتم دراسة الفكر المقاصدي في إطار رؤية منظمة مبنية على تصور منتظم.
إذا ما رجعنا اليوم إلى التراث الفكري لمقاصد الشريعة الذي أخذ يُسجل حضوراً قوياً في أوساط الأصوليين الجدد، سنلحظ على الأقل، انسجاماً في المقاصد النهائية والغايات، ونوعا من التناغم في طريقة الوصول إلى كل مقصد أو غاية. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على وجود فكر يتوفر، نوعاً ما، على عنصر النظم. ولولا ذلك لما انضوت الآراء المقاصدية بصورة جدية إلى هذا الحد تحت عنوان المقاصديين. بيد أن هذا لا يعني بطبيعة الحال، حصول الفكر المقاصدي على نقاط ذهبية، وأنه من أجل البرهنة على هذه المسألة ينبغي التوسل بأدلة أخرى، وإنما يُشير فقط إلى أن هذا الفكر يمتلك على الأقل أهم شرط لخلق الانسجام الداخلي الذي ينبغي أن يسود مفاصله المقاصدية عبر خلق فكر عماده النظم.
رابعاً: كيفية مواجهة المدرسة لمشكلة تعقيدات المنهج
لا بد أن نعترف أن المقاصديين قد اختاروا طريقة استنباطية وعرة، إذ الحقيقة أنه عند الحديث عن المقاصد، يبرز العديد من المشاكل والمعضلات التي تتعلق
۲۱۱
دراسات مقارنة
بمنهجية الدراسات في هذا المجال؛ فالمقاصديون، وإن لم يشاؤوا، فهم يضطرون إلى تحقيق عملية الكشف عن المقاصد ومصاديقها في إطار الجمع بين مصادر ثابتة تتمثل في النصوص، وبين أوضاع غير ثابتة تنبني على التجدد الحاصل في الزمان والمكان. لذا، فلو كانت الرؤية الرامية إلى الجمع بين هاتين المقولتين دقيقة، فإنه سرعان ما يتحقق، اضطراراً، ارتباط بين هذه المصادر وتلك المقاصد في صيغة إطار ممنهج، ولا شك في أن تكرّر هذه الحالة سوف يؤدي إلى تقنين هذه المنهجية وظهور مقاربة منتظمة.
النقد الإثباتي للمدرسة المقاصدية:
والسؤال الأساس هنا هو هل المقاصد حجة؟ وعلى فرض حجيتها هل هناك
ضوابط لحجيتها ؟
لا بد من طرح أمرين :
الأمر الأول : إمكانية الكشف عن مقاصد الشريعة
نواجه هنا فروضاً ثلاثة :
أ) لا يمكن الكشف عن أي مقصد من مقاصد الشريعة، وهذا الفرض
بديهي البطلان، كما هو معلوم.
ب يمكن الكشف عن كلها.
ث يمكن الكشف عن بعضها، وهذا الفرض هو ما يبدو من كلام الفضل ابن شاذان أنه كان ممن يعتقد به؛ حيث قال : فإن قال: فأخبرني عن تلك العلل معروفة موجودة هي أم غير معروفة ولا موجودة؟ قيل: بل هي معروفة موجودة عند أهلها. فإن قال قائل: أتعرفونها أنتم أم لا تعرفونها ؟ قيل لهم: منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه (7). والحقيقة أنه وإن كان الكثير منها قابل للكشف، إلا أنه
الفقه المقارن - العدد الأول ٫ السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م
۲۱۲
المدرسة المقاصدية، نظرة تحليلية
يبدو أن هناك ما لا سبيل لنا إلى كشفه، ولعل ذلك مما قد نستوحيه من كلام علي بن أبي طالب (ع): «أو ما شاء مما لا نعلم ().
الأمر الثاني: هل يصح الاعتماد على مقاصد الشريعة لاستنباط حكم موضوع ما؟
قبل الإجابة على السؤال: لا بد من تحرير محل النزاع، فنقول: إن مقاصد الشريعة يمكن الاستفادة منها في مجالات ثلاثة ، وهي : (۱) في مجال استنباط حكم موضوع من الموضوعات (۲) في مجال الاستنباط التنظيري. (٣) في مجال فهم النصوص في الاستنباط.
وكما هو معلوم إن كل هذه الموارد مجالات استنباطية، غير أنه يختلف بعضها عن البعض، فإن الأولى تجسد الاستنباط الرائج بين الفقهاء - والذي يتكفل لإعطاء حكم تكليفي أو وضعي لموضوع ما - بينما الثانية كانت بمعزل عن إعطاء أي حكم إلزامي، بل تفيد استنباطا ينتهي الى بروز نظرية للمستنبط، تعكس واقعية من الواقعيات التي يمتلكها التشريع الإلهي، سواء كانت هذه الواقعية مما تمثل المفاهيم التي بني الشارع تشريعه عليها بشكل كلي أو في جانب من جوانب الحياة أو تمثل انسجاماً يتضمنه جانب من جوانب الشريعة، أو تمثل روحاً تستبطنها مجموعة من الأحكام الشرعية ... وما الى ذلك من الموارد.
وبعبارة أخرى: الاستنباط التنظيري يعني الرجوع الى مصادر متنوعة ذات علاقة بمحل التنظير، للحصول على نظرية وظيفتها وصف الواقع، لا بيان حكم من حلال أو حرام.
فالفرق بين النظرية والحكم أن الحكم يمثل إما وجوباً أو حرمةً أو استحباباً وما إلى ذلك من الأحكام التكليفية والوضعية ، فلذلك يرتبط بعالم الفعل الذي له دستوره الخاص، ولكن النظرية تحمل على عاتقها وظيفة الوصف ؛ بمعنى أنها
۲۱۳
دراسات مقارنة
تصف الشريعة بأنها كذا وكذا، في حين أن الثالثة لا تأتي إلا في مورد يوجد فيه نص، ويكون دور المقاصد فيه دور المصباح يستضاء بنوره لاستنطاق ذلك النص، وكشف حكم موضوع من الموضوعات من خلال هذا الاستنطاق.
وفيما يلي شرح أكثر للمورد الثاني لما فيه من أهمية وقابلية خاصة لا تزال مهملة من دون أي استفادة منها.
دور المقاصد في مجال الاستنباط التنظيري: هناك مجالات حياتية هامة تتعطش إلى مسألة التنظير الفقهي بشدة. وأهمية التنظير هذا تبلغ حداً لو أهملناه فسوف نفقد القدرة على موارد ، أهمها موردان
أولاً: تفعيل الفقه على صعيد المسائل المعقدة والطارئة، المطروحة على طاولة البحوث السياسية ، مثل قضية الهدف والوسيلة.
ولعل أهم ساحة يكون تجديد موضوعاتها سبباً لانشغال الفقه بها، هي الساحة السياسية، فمن جهة ما يدخل في المجال الفقهي من الموضوعات السياسية كثيرة، وحساس للغاية من جهة أخرى.
وبما أن الإجابة على هذه الموضوعات لابد أن تكون سريعة من ناحية ومتناسقة مع بعضها البعض من ناحية أخرى، فإنه لا يبقي أمامنا سبيل إلا أن تخصص مجالا نعد فيه التنظير الفقهي حول المفاهيم والمجالات ذات العلاقة بالسياسة ، حيث إن إعطاء النظريات الفقهية - السياسية تساعدنا على أن تكون مواجهاتنا الفقهية مع الوقائع والأحداث والتوجهات السياسية حاصلة في جو مفعم بالاستعداد والأحاطة والوعي مسبقاً، وفي هذه الحالة سوف يتمتع الفقه بالخصيصتين التاليتين :
الأولى: تمكنه من الإجابة السريعة على قضايا السياسة والتطورات المتراكمة بعضها على بعض.
٢١٤
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م -
المدرسة المقاصدية نظرة تحليلية
الثانية: ارتقاء الفقه إلى مستوى مطلوب من التناسق بين ما يعكسه على المجتمع من فتاوي ومواقف عملية.
إن النظرية الفقهية - السياسية لا يمكن أن تتم إلا بالرجوع إلى مصادر أربعة:
الأولى: مقاصد الشريعة، حيث إنها تنير عقل الفقيه، وتسمو بأفكاره لأن يقوم بالتنظير في جو مفعم بالوعي والإدراك.
الثانية: أحكام الشريعة.
الثالثة: التحولات والأحداث السياسية الراهنة.
الرابعة: معلومات ومعطيات العلوم السياسية المتلاحقة.
ثانياً: استحصال قابلياته العظيمة للورود في الميادين الحقوقية والقانونية المعاصرة.
وكمثال على تلك المسؤولية المدنية فإنه لا بد من الانطلاق في تحديد وتعريف هذه المسؤولية وتعيين القوانين التي تأتي داخل إطارها من نظرية تبنيناها مسبقاً. وهناك نظريات قد طرحت في هذا المجال أهمها نظريتا التقصير والخطر. وحيث إن نتيجة تبني إحدى هاتين النظريتين تختلف عن نتيجة تبني النظرية الأخرى، فاختيار إحداهما أو نظرية أخرى في هذا المجال مهم للغاية. وبعد ذلك نقول : إن الذي له سهم كبير في اختيار أو إبداع نظرية هنا هو الرجوع إلى مقاصد الشريعة، حيث إنها ترشدنا إلى إطار فكري نتمكن فيه من التحرك للوصول إلى نظرية إسلامية في المسؤولية المدنية.
بعد ذلك نقول: عندما نتحدث عن حجية المقاصد في الاستنباط فليس محل
٢١٥
دراسات مقارنة
هذا البحث الموردين الأخيرين من الموارد الثلاثة التي تتم فيها الإفادة من المقاصد
- أي: استخدامها في الاستنباط التنظيري واستخدامها لفهم النص - فإن مثلهما مما لا بأس به، بعد أن نجد أنهما أمران معقولان:
أما في التنظير فللمعلومية أن المنظر لا بد عليه من الرجوع إلى كل ما يشكل قرينة تقع في سبيل الكشف عن الواقع، والمقاصد بما أنها من أقوى وأمتن القرائن القادرة على كشف الواقع التشريعي، فكان الرجوع إليها بهذ الصدد أمراً معقولاً، بل يعد أمراً لازماً للغاية، أي: أنه بالإمكان أن نحصل على مقاصد الشريعة، وننطلق من هذه المقاصد إلى التنظير الذي جاء ليصف الواقع .
وأما في مجال فهم النص فلأن الأمر فيه أوضح ، حيث إن التركيز - في محاولة لفهم نص ما - على النظر في أفكار وأهداف الشخص الذي أعطى وأوجد ذلك النص، يزيد من فرص حظها من النجاح والتوفيق.
فمحل النزاع هو المورد الأول.
والمقصود بالبحث عن حجية المقاصد في هذا المورد أنه هل يجوز ويصح إعطاء حكم موضوع ما بالرجوع إلى المقاصد أم لا؟
ثمة أقوال ، أهمها القولان التاليان:
القول الأول: إنه يجوز (بل يتعين) استنباط الأحكام للموضوعات بالاعتماد على المقاصد.
وهو قول الشاطبي، والكثير من العلماء الماضين والمعاصرين.
وهذا القول يبرهن عليه بما ذكره الإمام الشاطبي بقوله: «إنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت المصالح العباد ..... وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫ ٢٠١٣م
٢١٦
المدرسة المقاصدية، نظرة تحليلية
هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ).
ومراده من أن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة هو أنه توجد المصالح وراء الشريعة بكل ما لها من تفاصيل.
ويترشح عن هذا الكلام أن المصالح - والتي هي محيطة بكل تفاصيل الشريعة، ولا يخلو أي حكم منها - يُمكن الرجوع إليها في إطار فهم وكشف وعرض أي حكم لموضوع ما.
القول الثاني : إنه يصح الاعتماد على المقاصد في موارد خاصة
والمقصود من هذه الموارد ، موارد نقطع فيها بأن المقصد يُشكل تمام ما اعتبره الشارع ملاكاً للحكم.
وتوضيحه: أن حجية المقاصد في الاستنباط متوقفة على حصول القطع في موارد ثلاثة ، وهي ما يلي:
أولاً: القطع بكون الشريعة مستهدفة مقاصد عامة:
ومثل هذا القطع حاصل فإنه مما لا يقبل الترديد والشك.
ثانياً: حصول المعرفة بما دون المقاصد العامة، من المقاصد المتوسطة والتي ينتهي تحقيقها إلى تحقق تلك المقاصد العامة . ومثالها بناء الأسرة وتقوية أركانها، أو تحقيق العدالة الاجتماعية، أو وحدة الأمة، وما إلى ذلك من الأهداف التي ترمي أحكام الشارع إليها.
وهذا القطع حاصل أيضاً.
ثالثاً: أن نقطع في كل مورد من هذه الموارد – أي : الموارد التي نجد
۲۱۷
دراسات مقارنة
المقاصد المتوسطة حاصلة فيها - بكون ذلك المقصد المتوفر فيه تمام ما اعتبره الشارع ملاكاً لحكمه.
والحقيقة، إننا بالنسبة الى الموردين الأولين لا نواجه مشكلة معهما، بل هذان القطعان حاصلان في أكثر الأحيان ، غير أن القطع الثالث لا يحصل في الكثير من الموارد ؛ إذ في مثل هذه الموارد - والتي نجد فيها المصالح والأهداف المتوسطة - كثيراً ما يطرأ علينا الشك في كون المصلحة ربما توجد إلى جانبها مفسدة غائبة عنا لا تعلمها ويعلمها الشارع، مما يسبب وجوده المنع عن مجيء الحكم الذي تقتضيه تلك المصلحة بحسب رؤيتنا .
وأما الجانب الخامس فحقيقته عبارة عن القيام بعملية الاستنباط بالتركيز على المقاصد ويترك أمرها إلى المستنبطين.
الهوامش:
(1) الموافقات، ٢٦:٢
(۲) الموافقات، ۲: ۱۷ - ۱۸
(۳) المصدر نفسه.
(٤) نفسه.
(٥) الموافقات ۲ ۱۱
(٦) الموافقات ٢٧٤
(٧) نهج البلاغة، ٤٤:٣
(۸) الموافقات، م. س.
الفقه المقارن - العدد الأول السنة الأولى - شتاء ١٤٣٤هـ ٫٢٠١٣م -
۲۱۸