2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 2-3قراءة البحث
دراسة فقهية الفقه والقانون

نظریة بناء القانون على روح الشريعة

العدد 2-3
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 2-3
دراسة فقهية

نظریة بناء القانون على روح الشريعة

أحمد مبلغي

عنوان المقال: نظرية بناء القانون على روح الشريعة

الكاتب: الشيخ أحمد المبلغي

هيكل المقال: يتكون البحث من مقدمة ومحورين رئيسين:

المحور الأول: أهم الافتراضات في مجال العلاقة بين الفقه والقانون

المحور الثاني: محاولة تأسيس نظرية بناء القانون على روح الشريعة

أهم محاور المقال:

افتراضات العلاقة بين الفقه والقانون:

العلاقة الوعائية: القانون وعاء لصب الفقه فيه.

العلاقة الاندكاكية: الفقه والقانون يتداخلان لتلبية حاجات المجتمع.

العلاقة الإطارية: الفقه يضع الحدود العامة والقانون يتحرك ضمنها.

العلاقة الاستنباطية: الفقه أحد مصادر القانون إلى جانب العلوم البشرية.

العلاقة التوازنية: الفقه والقانون كيانان مستقلان يجب المواءمة بينهما.

الفقه كروح في القانون: الفقه روح تجري في الجسد القانوني وتمنحه الحياة والمعنى.

نظرية بناء القانون على روح الشريعة:

تهدف إلى جعل الفقه روحاً في جسد القانون بما يحقق فلسفة كليهما.

تتطلب الكشف عن المناطات والأهداف الفقهية وصبّها في القالب القانوني.

تنسجم مع مفهوم "روح القانون" في الفقه الغربي.

روح القانون:

ثلاثة اتجاهات حول علاقته بإرادة واضعيه: الاستقلال، عدم الاستقلال، التوسط.

روح القانون تُستكشف عبر: الأدبيات القانونية، السياقات، الاستثناءات، الظروف الاجتماعية.

أهداف الكشف: استكمال القانون، تفسيره، تطبيقه، مقارنته.

روح الشريعة:

موجودة ضمن أدبيات الفقه لكنها بقيت هامشية.

مشابهة لروح القانون، لكنها تسري في الأحكام الشرعية.

بطلان القول بأن الشريعة بلا غاية يُثبت وجود الروح فيها.

الحاجة إلى تأسيس علم متخصص لفهم روح الشريعة.

روح الشريعة تسري في مجموعات الأحكام المنظمة حول هدف موحّد.

تُمكّن من: تقنين أحكام فقهية، تفسير القانون، وتطبيقه بطريقة متناسقة.

النتائج والتوصيات:

العلاقة بين الفقه والقانون متعددة الأوجه، ويُقترح بلورة نظرية تجعل الفقه روحاً للقانون.

هذه النظرية تسمح بتطوير قانون ينبض بأهداف الشريعة ومقاصدها.

يُوصى بتأسيس منهجية علمية للكشف عن روح الشريعة وتفعيلها في مجالات التقنين والتفسير والتطبيق القانوني.

الفقهاء مدعوون للانتقال من استنباط الأحكام المنفصلة إلى استنباط منظومات متماسكة ذات روح موحدة.

الكلمات المفتاحية: الفقه، القانون، روح الشريعة، روح القانون، المقاصد، العلاقة بين الفقه والقانون، التقنين، نظرية فقهية، التشريع الإسلامي، المنهج المقاصدي.

ملف العدد

نظرية بناء القانون على روح الشريعة

الشيخ أحمد المبلغي

ثمة بحث اكتسب أهمية خاصة في السنوات الأخيرة بين الفقهاء ورجال القانون ويتعلق بتحديد العلاقة القائمة بين الفقه والقانون.

في ظل هذا الاهتمام، سنحاول مناقشة هذا الموضوع ضمن محورين اثنين

أحدهما: أهم الافتراضات في مجال العلاقة بين الفقه والقانون

والآخر محاولة تأسيس نظرية بناء القانون على روح الشريعة

فيما يلي عرض للبحث حول هذين المحورين

المحور الأول: أهم الافتراضات في مجال العلاقة بين الفقه والقانون:

السؤال المهم هنا ما هي العلاقة التي يجب أن تكون بين الفقه والقانون؟ هناك

افتراضات نذكرها كالآتي:

(1) كون العلاقة وعائية

وهذا يعنى أن الفقه إذا ما أراد أن يظهر بحقيقته الحقوقية، ويدخل في أوساط المجتمع بجوانبه الإلزامية، فهو بحاجة إلى القالب الذي يستوعبه ويحكى شكله، وهذا القالب ليس إلا القانون، فالقانون - وفق هذا الافتراض - لا يعدو عن كونه وعاء وقالباً يُصب فيه الفقه.

والفكرة المسبقة التي تنطلق منها هذه الرؤية، هي أن الفقه لوحده كاف لتولى مهمة تأمين النظام الاجتماعي والحقوقي، ولا يحتاج إلى مساعدة غيره أصلا، نعـم هـو

ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق

بحاجة إلى قالب يتجلى فيه ويتحرك داخله والقانون هو هذا القالب.

فإن سلمنا بهذا الرأي (أي لم تعط للقانون والحقوق مكانة إلا أن مكانة كونه وعاء) فالنتيجة هي أن لا يتوقع من القانون إلا الدور المتناسب مع ما يمتلكه الفقه من قوة وقدرة؛ فلو كان الفقه قوياً في أحكامه يكون القانون قوياً كذلك، وأما لو كان الفقه الذي انصب فيه، غير قوي فيكون القانون كذلك أيضاً؛ وبمعنى آخر: القانون في إطار هذا الرأي دوره هو أن تمهد الأرضية للفقه، والمساعدة على تحققه في المجتمع.

وبناء على ذلك فلو أردنا التسليم بهذا الرأي، فعلينا أن نرى ما هي مقتضيات القانون باعتباره قالباً للفقه، وكيف يتبلور شكله ويظهر بمظهره في الوجود

(۲) كون العلاقة اتحادية واندكاكية

حسب هذا الافتراض، لا بد أن يكمل كل منهما الآخر، انطلاقاً من كون الحاجات الحقوقية والاجتماعية في الظروف الراهنة للمجتمعات الإسلامية معقدة ومتعددة الجوانب، والإدارة الحقوقية لهذه المجتمعات لا يمكن ممارسة عملها ونشاطاتها إلا عبر استقرار ثبات العلاقة بين الفقه والحقوق، ثباتاً يجعلهما كأنهما شيء واحد، يندك أحدهما في الآخر.

(۳) كون العلاقة إطارية

بمعنى أن دور الفقه لا يتعدى كونه تعيين الحدود وتحديد الأطر لا أكثر، وأما القانون فهو ينطلق بمرونة ضمن هذه الحدود التي يرسمها له الفقه ويتحرك بحرية داخل الإطار الذي تصنعه وتحدده النظريات الفقهية.

فعملية من القانون لا بد أن تراعى فيه هذه الحدود التي رسمها له الفقه، كخطوط حمراء لا يجوز تجاوزها ولا عبورها.

وبناء على هذه الرؤية نلاحظ عدة أمور:

أولاً: إن المقنن لا يقع في ضيق وعسر في عملية التقنين، بل بإمكانه أن يُراعى المصالح، ويلحظ الأوضاع الزمانية والمكانية، وبما أن دور الفقه لابد أن يؤخذ بنظر

  • الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣ م :

نظرية بناء القانون على روح الشريعة

الاعتبار في عملية التقنين لكونه يعرض الحدود البعيدة أو بتعبير آخر: الأصول الحاكمة للفقه، لذلك يجب على المقنن أن يسعى دائماً إلى الاهتمام بهذه الأصول ورعايتها في هذه العملية.

ثانياً: إن الثابت والمتغير في الشريعة يتعينان بهذه الصورة: الثابت هنا هو الأصول التي يتعين بها الإطار العام الذي يجب مراعاته، والمتغير هو ما يكون ضمن حدود هذا الإطار العام، حيث يمكن للمقنن أن يضع ضمن هذه الحدود قوانين عديدة، وفي أوضاع مختلفة، ببذل بعض المجهود.

ثالثاً: إن ما قد يقال من أن القانون يجب أن لا يخالف الفقه، يفسر حسب هذه الرؤية بأن عدم المخالفة تعنى رعاية الخطوط الحمراء وعدم تجاوزها، لكن على أساس هذه الرؤية ليس هناك حاجة للموافقة، إذ ليست لها موضوعية في هذا المورد؛ لأن الموافقة تكون لها موضوعية عندما يكون الفقه مقنناً بحد ذاته، مع أنه قد لوحظ في هذه الرؤية أن الفقه يعرض الحدود والأطر التي لا يجب تجاوزها؛ أي يجب أن لا يكون القانون والمقنن فى حالة تعارض مع هذه الحدود. وهذا لا يلزم - بناء على هذه الرؤية - أن تكون الموافقة والتطابق، بمعنى جعل الفقه قانوناً.

(٤) كون العلاقة استنباطية

حسب هذا الافتراض يعد الفقه أحد مصادر القانون، وعلى ضوء هذا التصور لا يكون الفقه مؤمناً لكافة مضامين القانون، بل يجب أن يرجع القانون إلى الفقه، كما يجب أن يرجع إلى بعض العلوم البشرية والتجارب الإنسانية؛ وعلى رأسها علم الحقوق.

وهذا التصور يمكن تفسيره من خلال منهجين:

أولهما: أن يأخذ المطالب الأساسية من الفقه، ونحيل بعض المطالب الأخرى إلى العلم والحقوق، فإذا كان الأمر كذلك فسيكون مرد ذا التصور إلى التصور الأول: الوعائية، أو العلاقة الثالثة: الإطارية.

ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق

ثانيهما: أن يتدخل الفقه في عملية التقنين كما يتدخل علم الحقوق فيه، والمشكلة التي يواجهها هذا التصور أن ذلك لا ينسجم مع تلك الفكرة التي سلمنا بها، من أن الفقه يعكس ما هو حكم الله، وأن القانون يجب أن يعكس ما هو الحكم الفقهي.

(٥) كون العلاقة توازنية

هذه الرؤية تعتبر أن لكل من الفقه والقانون كياناً مستقلاً، ومن هذا المنطلق تسعى من أجل ضمان الفقه لأحكامه فى أعماق القانون، لا بالشكل الذي يكون ذلك الكيان المستقل للقانون مبتلى بالخلل والاضطراب بجميع مقتضياته.

وبناء على ذلك، علينا أن نقوم بجعل الفقه مؤمناً للقانون على قدر المستطاع، وإذا واجهتنا مشكلة من المشاكل، نرفع اليد عن مضامين الحكم الشرعي.

(٦) اعتبار لزوم أن يجري الفقه كروح داخل القانون:

بحسب هذا الافتراض، يعد الفقه بمثابة الروح التي يجب أن تجري في عروق القانون، وإن كان ما نلمسه هو تحقق الحركة والنشاط في الجسد الذي يعبر عنه بالقانون.

المحور الثاني: محاولة تأسيس نظرية بناء القانون على روح الشريعة

ما تقدم يعكس عرض أهم وأبرز التصورات في مجال العلاقة بين الفقه والقانون. ونحن في هذا العرض لم نكن نريد الدخول في نقد هذه التصورات، فإن للنقد

والبحث التفصيلي في ذلك، مجال آخر، بل الذي أردناه هو التمهيد للدخول في بحث آخر، وهو البحث عن الافتراض السادس، ومحاولة التركيز فيه على تقديم محاولة علمية الهدف منها بلورة هذا الفرض كنظرية علمية قابلة للطرح والمناقشة من قبل ذوي العلم والتخصص والاهتمام في موضوع العلاقة بين الفقه والقانون.

وهذه المحاولة تتم عبر بيان عدة أمور:

أ- إن الذي تركز عليه هذه النظرية هو أن نصب جل اهتمامنا على جعل الفقه روحاً للقانون، ونعمل بحيث نجعل الفقه يتجلى من خلال القانون. لذلك

الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م سے

نظرية بناء القانون على روح الشريعة

من المعقول أن نعبر عن هذه الرؤية بنظرية بناء القانون على روح الفقه.

ب إن مشروع "أسلمة القانون " حسب هذه النظرية يتم عبر نفت روح الفقه في الجسد الحقوقي للقانون.

هذا وسيمتلك كل من الفقه والقانون حسب تحقيق هذه العلاقة أساساً وحيوية ونشاطاً، ما يجعل كلاً منهما يحقق فلسفته وأداءه.

ت إن التسليم بهذا التصور، يستتبع أن يكون لنا قبل كل شيء تعريف بالأهداف والمناطات الفقهية، وعندها نقوم بصبها بشكل مناسب في قالب القانون.

والحقيقة إن هذا القانون هو الذي يقوم بتأمين تلك الروح واحتوائها، لأن الطريق لكشف الروح التي نريد إقرارها في القانون، يمر عبر معرفة الأهداف والمناطات.

ت - لذا يمكن أن يقال: إن هذه الفكرة تتلائم مع ما أصبح معروفاً في الحقوق باسم روح القانون.

ج - انطلاقاً من هذه التلاؤمية بين مفهوم روح الفقه ومعنى روح القانون، يجب أن نتعرف على "روح القانون" ما هو ؟

والإجابة على هذا السؤال تتم عبر تناول النقاط التالية:

النقطة الأولى: الاتجاهات حول علاقة القانون بإرادة واضعيه: يطرح هذا السؤال، هل اللازم ربط تفسير وتطبيق القانون بإرادة وفكرة واضعيه أم ليس ذلك صحيحاً، بل اللازم اعتباره مستقلاً في مجال تفسيره وتطبيقه ؟

قد برزت في الإجابة عن هذا السؤال ثلاثة اتجاهات، كما يلي:

ا الاتجاه القائل باستقلال القانون عن إرادة الواضعين له:

إن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن القانون بعد سنه وعرضه على المجتمع للتنفيذ، ينتقل إلى مرحلة جديدة، يلبس فيها لباس الظاهرة ذات البعد الاجتماعي وإذا انتقلت إلى هذه المرحلة تدخل رويداً رويداً في الدورة التعاملية الاجتماعية"

ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق

والتي هي قائمة بين ظواهر المجتمع، وبذلك يؤثر على غيره من الظواهر كما يتأثر من سائر الظواهر.

ولكي يكون تفاعله في المجتمع تفاعلاً قوياً يتمكن عبره من تحقيق فلسفته وتقديم أدائه المتوقع منه، يجب أن يستعد لذلك، وهذا الاستعداد بدوره رهين لأن يكون متمتعاً بالعناصر التي تمكنه من التطور والمرونة والمواكبة مع القضايا الاجتماعية والتي من أهم خصائصها قبولها لحالة التطور والتجدد، ومن المعلوم أن هذه العناصر حصولها ممكن فيما إذا لوحظ القانون مستقلاً عن إرادة الواضعين له.

ولا نريد هنا الدخول في نقد هذا الاتجاه، فإن لهذا البحث مكانه المناسب له.

الاتجاه القائل بعدم استقلال القانون عن إرادة الواضعين له:

يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه لما كان القانون يتولى إيجاد النظم والأمن في المجتمع - وهما يحتاجان إلى حالة الثبات بشكل كبير - فهو بحاجة بطريق أولى إلى الثبات، فلو كان تفسيره وتطبيقه تابعين للتغييرات الطارئة على القضايا الاجتماعية، فلا يتمكن من تحقيق مهمته.

هذا بالإضافة إلى أن القانون التابع في تفسيره وتطبيقه للتحولات الاجتماعية يواجه مشكلة أخرى فيما إذا كان واضعه يضعه على أساس الفقه ولمجتمع إسلامي، فإنه لو جعل تفسيره وتطبيقه تابعين لتحولات أوضاع المجتمع، فلا يمكنه أن يبقي مقيداً بالفقه.

الاتجاه القائل بغلبة موارد حالة عدم استقلاله على موارد استقلاله

هذا الاتجاه يرى بصورة مبدئية أن القانون لا بد أن يتقيد بما كان قد أراده واضعوه، وليس من الصحيح أن يكون تفسيره وتطبيقه تابعين للمنطق الحاصل على ضوء التحولات والتطورات في القضايا الاجتماعية، غير أن هناك أبعاداً أخرى ترتبط بتطبيقه في موارد خاصة ربما لم تلحظ في أدبيات وألفاظ القانون، ولكن القانون مع ذلك يقبل أن يفسر في هذه الأبعاد بما يتلائم مع مواكبته للظروف

الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م -

نظرية بناء القانون على روح الشريعة

المستجدة، تفسيراً يتم في إطار عدم المخالفة مع النواة الأصلية في فكرة الواضعين له والفلسفة القائمة عندهم، وإن لم يصرحوا أو يشيروا إلى محتوى هذا التفسير. وهذا هو معنى هذا الاتجاه.

النقطة الثانية: لا تستقيم لروح القانون المصداقية إلا على أساس الاتجاه الثاني والثالث: إن الاتجاهين الثاني والثالث يشتركان في أنه يمكن عقلاً على أساسهما طرح مقولة "روح القانون"، حيث إن هذه المقولة تنبني على فكرة أن القانون يمتلك روحاً: سواء اعتبره واضعوه منذ الأول وأدرجوه داخله، أو لم يعتبروه، فإن الذي نسميه روح القانون يتلائم مع المبادئ الفكرية، التي انطلقوا منها في تكوين تصورات وأفكار ومضامين في وضعهم للقانون، بينما الاتجاه الأول يبدو أنه يأبى قبول أن تستقيم في إطاره عمليتا تفسير وتطبيق القانون على أساس روح القانون"، حيث إن روح القانون تشير إلى منطق: إما لوحظ في القانون من قبل واضعيه وسري كروح فيه عند وضعه، أو كمن هذا المنطق في نواة أفكارهم ومنطلقاتها فاكتنف القانون به، ومعلوم أن هذه الفكرة لا تتلائم مع البناء على الفصل بين القانون وواضيعه.

النقطة الثالثة: ما يكشف عنه بالاعتماد على روح القانون: إن الذي يكشف عنه عبر عملية التركيز على روح القانون أمور ثلاثة:

(1) الأفكار التي كان المشرع يمتلكها عند قيامه بالتشريع وينطلق منها إليه ويدرجها فيه عبر اختيار أدبيات و سیاق قانونی خاص

(۲) المبادئ الكامنة وراء أفكاره، والتي تكون منطقاً خاصاً يتمتع القانون به. (٣) الغايات التي كان يهدف إليها تشريعه.

النقطة الرابعة: آليات الكشف في عملية الاعتماد على روح القانون: إن القانون قد تشاهد حوله قرائن ومؤشرات يمكن الاستفادة منها في الكشف عن الأمور الثلاثة المشار إليها؛ الكشف الذي نسميه بعملية الاعتماد على روح القانون، مثل:

ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق

أ - الأدبيات التي استخدمت فيه.

ب - والمذكرات التي جرت بين واضعيه عند وضعه.

ت - والظروف الاجتماعية التي دعت إلى وضعه.

ث والسياق الذي يتمتع به.

ج - ونوعية الاستثناءات المدرجة فيه..... وما إلى ذلك من قرائن ومؤشرات أخرى.

وهذه القرائن والمؤشرات بسبب كونها متماسكة ومتناسقة يتمكن تحليلها من أن يلعب دور الآلية للكشف عن الفكرة التي انطلق المقنن منها في وضعه، أو مبادئ فكره أو الهدف الذي وضع القانون لتحقيقه.

النقطة الخامسة: الهدف من الكشف هناك أداءات ثلاثة تؤديها عملية الكشف عن روح القانون، وهي ما يلي:

الأول: تكميل القانون، بمعنى أنه إذا أراد المقنن أن يُكمل القانون الذي من من قبل، فهو يستخدم ويلجأ إلى روح القانون.

الثاني: تفسير القانون.

الثالث: تطبيق القانون.

الرابع: مقارنة القانون مع القوانين الأخرى؛ فإن هذه المقارنة تستمد حيويتها وموفقيتها من النظر إلى روح القانون.

روح الشريعة:

ما هي حقيقة "روح الشريعة " ؟ نتحدث عن ذلك في عدة نقاط:

النقطة الأولى: إن روح الشريعة موجودة في أدبياتنا الفقهية، بحيث بالفحص في الفقه نصل إلى هذه المفردة الأساسية الهامة، وببيان آخر: إذا درسنا الشريعة بمجموعها دراسة هادفة إلى الوصول إلى عمقها وما وراءها من أهداف، فسنجد أن روح الشريعة

الفقه المقارن - العددان (٣-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م

نظرية بناء القانون على روح الشريعة

حاضرة في أدبياتنا الفقهية؛ غير أن هذه المفردة ظلت في فقهنا هامشية، وبالرغم من ذلك يمكن تفعيلها والتركيز عليها أكثر، فبالتركيز عليها يمكن جعل الفقه أكثر عقلانية ودقة وتجاوباً مع القانون.

النقطة الثانية: إن روح الشريعة ظاهرة متشابهة تماماً مع روح القانون، لكن مع هذا الفارق فروح الشريعة تجري في أحكام الشرع وروح القانون في القانون.

النقطة الثالثة: إن الذي يمكن الاعتماد عليه كدليل على ثبوت روح الشريعة هو بطلان فكرة أنها جاءت دون أي غاية أو هدف، وأن الله وضع شريعة غير متماسكة فيما بينها، وفاقدة للمقاصد والأهداف وغير متمتعة بالترابط والتجاوب بين أجزائها!

ذلك إننا إذا قلنا بعدم امتلاك الشريعة للترابط، فإنه يستلزم القول بعبثية أمر التشريع، وهذا مما لا يمكن قبوله، ونحن بوصفنا بشراً عاديين، عندما نقوم بوضع القوانين فلنا غايات وأهداف منها، فكيف بالله عز وجل وهو المشرع الحكيم عند وضعه للتشريعات والأحكام.

النقطة الرابعة على الرغم من ضرورة وأهمية فقه روح الشريعة، فلا بد لنا أن نعترف بأن فن التعرف على روح الشريعة لا يزال في مرحلة ما قبل الإنشاء والتولد. وعند ما نقول: إنه في مرحلة ما قبل التولد، لا نريد بذلك نفى حصول أي نظر أو أدبيات فقهية حوله في التجربة الفقهية الرائجة، فهناك بعض الالتفات تم من قبل بعض الفقهاء إليها ، بل نريد القول: إن ما تشكل حوله لم يبرز في إطار فن فقهي خاص يجلب البحث، ويلفت النظر العلمى، بل ليس له بروز وظهور أصلاً لقلة حجمه، وأكثر شيء يمكننا أن ندعيه، هو أنه موجود في الفقه بحجم ضئيل (۲)

النقطة الخامسة: أهم ما نحتاج إليه للوصول إلى روح الشريعة، الكشف عن منهجيته، ويُمكن القول إن رصد اعتناءات الشارع من جملة ما يمكنه أن يوصلنا إليها.

النقطة السادسة: عندما نتكلم عن روح الشريعة فإن هناك صفات وخصائص

ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق

كامنة فيها، يمكن بالنظر إلى هذه الصفات القيام بعملية نفث روح الشريعة في القانون ونشير هنا إلى صفتين

الأولى: كون روح الشريعة جارية وسارية داخل مجموعة من الأحكام إن لفظة الروح تستخدم فيما إذا كانت هناك مجموعة واحدة لها أجزاء تتعلق هي بها، وتكون في داخلها وجارية في أجزائها، وفى هذا الإطار يمكن أن يقال: إنه من اللازم تخصيص جملة من فرص علم الفقه لروح الشريعة وتوجيهها إلى استنباط مجموعات الأحكام المتعلقة بموضوع خاص بالتركيز على الروح التي نفتها الشارع فيها، ومعلوم أن الدارج حالياً هو استنباط أحكام فقهية منفصلة عن غيرها. والحقيقة أن المدارس الفقهية العلمية فى العالم الإسلامي تتمكن بكل ما لديها من أدوات أصولية ومنهجية من الدخول في عملية استنباط الروح الكامنة في مجموعات الأحكام بهدف عرضها على القانونيين كي يدخلوها في قوانينهم.

الثانية كل مجموعة تمتلك روح الشريعة هي منظومة المجموعات التي تحمل روح الشريعة تتمتع بكونها منظومية تحتوي على أحكام فقهية متماسكة، ترمى إلى تحقيق أهداف واحدة، وتنبع هذه الوحدة المنظومية من الروح المعطاة إليها.

على سبيل المثال: إننا عندما نستنبط مجموعة الأحكام المتعلقة بالملكية، نرى وجود روح واحدة تحكمها حاضرة في جميع أحكام تلك المجموعة الفقهية.

وعليه فروح الشريعة أولاً تتعلق بالمجموعات، وثانياً تتعلق بالمجموعات المنظومة التي لها أهداف واحدة مستلهمة من تلك الروح. وهنا بالضبط يتقارن الفقه الواجد لروح الشريعة مع القانون الذي له روح خاصة يعبر عنها بروح القانون؛ ذلك أن في القانون لفظة قد تستعمل وهى النظام الحقوقى والمقصود منه ليس ذلك النظام الحقوقي الشامل، كالقانون المشترك (common law) أو القانون المدنى (civil law) والذي قد يعبر عنه بالمدرسة الرومانو - جرمانية (romany Germany)، بل المقصود هو النظام الحقوقي الذي يطرح في كل مجال من المجالات، والذي هو غير النظام الحقوقي الذي لمجال آخر، فمثلاً النظام الحقوقي في مجال الملكية أو التجارة

۱۸

  • الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣ م :

نظرية بناء القانون على روح الشريعة

أو الإعسار أو مجال الملكية الفكرية هو غير النظام الحقوقي الذي لغيره. لأن النظام الحقوقي هو الذي تكون القوانين فيه ترتبط وتتماسك فيما بينها، مما يجعلها تكون وتشكل ذلك النظام الحقوقي.

النقطة السابعة مجالات الاستفادة من روح الشريعة

يستفاد من روح الشريعة في الموارد التالية:

التقنين لإن روح القانون تختلف عن روح الشريعة في هذا المجال فروح القانون يستنبط بعد أن يتم وضع القانون، لكن روح الشريعة يمكن الاستفادة منها في استنباط ما ينفع القانون عند وضعه.

٢- تفسير القانون.

٣- تطبيق القانون.

الهوامش

(۱) مثل ما قال النووي: من أن روح الشرع تقضى بمراعاة صالح الصغير أنظر: (المجموع، ١٨: ٣٢٤).

(۲) راجع مقالة النظرية الفقهية للمؤلف ورقة مقدمة إلى ندوة تطور العلوم الفقهية) في سلطنة عمان

نهاية البحث