ملف العدد
تمهید
فقه التقنين
فلسفته وأهم محاوره
الشيخ حسن علي أكبريان (*)
يحظى موضوع التقنين اليوم باهتمام واسع في المجتمعات العرفية، لما يتضمنه من أمور خطيرة على الصعيد الحكومي والنظام العام، فضلاً عن الإسلام الذي حمل رؤيةً جديدةً وخاصةً تجاهه امتازت بجملة امتيازات أضفت على التقنين الإسلامي لوناً يضم بين طياته جوانب مختلفة، شدة ورخاوة.
فمن جهة، لقد جعل الإسلام وبين كثيراً من الأحكام المرتبطة بإدارة المجتمع، مرفقة بحزمة من التعليمات والخطط المرسومة ليسهل للحكومة المشي على طريقها، ومن جهة حرص الإسلام على رعاية هذه الأحكام والتعاليم عند حدوث التعارض والتزاحم بين هذه الأحكام في ضوء مقتضيات الزمان والمكان، والظروف الاجتماعية والثقافية المحيطة، وغير ذلك من العوامل المؤثرة في التقنين.
هذا المقال يحاول طرح رؤية فقهية تجاه التقنين، وبما أن الأحكام المرتبطة بالتقنين لم يستنبط شطر واسع منها بعد، ولم يُنقح قسم آخر منها، وما استنبط ونقح لم تنظم أبوابه، ولم تبوب فصوله بما يوائم مكانتها كسائر أخواتها من الأحكام الشرعية في علم الفقه، فقد قمنا بمحاولة أولية في هذا المجال، تتمثل
() باحث إسلامي - إيراني.
فقه التقنين: فلسفته وأهم محاوره
بطرح محاور مقترحة في فقه التقنين، بعد عرض مقدمة مقتضبة، وتبيين فلسفة فقه التقنين بصورة مختصرة.
۱ - تعريف الاصطلاحات
قبل الخوض في البحث نجد من الضروري التعريف بالاصطلاحات الواردة في المقال لتسهيل فهم الموضوع، وإدراك جوانبه:
أ - الفقه: الفقه يطلق على معان أهمها ما يرتبط بهذا المقال: علم الفقه والمنهج الفقهي. والمراد من الأول هو العلم بالأحكام الشرعية المستنبطة عن أدلتها التفصيلية. وهذا يشمل جميع الأبواب الفقهية الرائجة في المصنفات والكتب، من الطهارة إلى الديات، باختلاف الآراء وأدلتها المبادئ المعتمدة عند أصحاب هذه الكتب الفقهية.
وأما الثاني أي الفقه بمعنى المنهج في استنباط الأحكام الشرعية، وهو طريقة الفقهاء في العمل الاستنباطي، كتمسكهم بظواهر القرآن وأخبار الآحاد و.... والفقه بهذا المعنى إذا حمل لوناً خاصاً بشكل جامع ومنسوب إلى فقيه معين أو مجموعة فقهاء معينين، ويكشف عن مذاق مميز، فإنه يطلق عليه اسم المذهب الفقهي، كفقه الشيخ الطوسي والشافعي وفقه الأخباريين و..... وعندما يضاف الفقه بهذا المعنى إلى التقنين، فالمراد منه منهج عملية التقنين.
هذا والمعنى المقصود من الفقه في هذا المقام هو المعنى الأول.
ب - التقنين والقانون التقنين يعني عملية وضع القانون، والقانون وإن يشمل الحكم الشرعي الذي شرعه الشارع تبارك وتعالى، إلا أن المراد هنا ما وضع من قبل الحكومة الإسلامية الشرعية لإدارة المجتمع المسلم، وتنظيم العلاقات بين الرعية مع أنفسهم، وبينها وبين الحكومة، وبين الحكومة والحكومات الأخرى.
نعم، يطلق اصطلاح القانون على قوانين الدول غير الإسلامية أيضاً، إلا أنه خارج عن نطاق هذا المقال.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
هذا هو المعنى العام للقانون، وهناك معنى أخص للقانون يسمى بالقانون الموضوعي أو الذاتي، وهو ما يوضع من قبل البرلمانات ومجالس الشورى، بعد إحراز موافقته وتدوينه، وفي مقابله ما يوضع في الوزارات والإدارات وهو غالباً ما يكون من جزئيات القانون الموضوعي ومن شكلياته.
ومحل البحث هنا هو القانون الموضوعي وإن كان يتعداه إلى غيره أحياناً.
۲ - تقنين الفقه أم فقه التقنين؟
ثمة أمور ثلاث يجدر ذكرها في المقام:
الأول: إن الإسلام قد عرض أحكامه على أنها شريعة ثابتة وأبدية، تشمل جميع الأزمنة والأمكنة، ووظيفة المكلف بالنسبة إلى هذه الأحكام أن يعلمها اجتهاداً أو تقليداً، وأن يعمل بها أو يحتاط في العمل قبالها.
الثاني: إن الحكومة، سواء كانت بسيطة كما في صدر الإسلام أم معقدة كما في زماننا هذا، تحتاج إلى قوانين لإدارة المجتمع.
الثالث: إن هذه القوانين يلزم أن تنطبق على أحكام الإسلام، ولا تتخلف عنها، وهذه الأمور نفترض أنها من الثوابت، ولا بحث فيها هنا.
ومن جانب آخر نرى أن هيكلة القوانين في الحكومات الإسلامية المعاصرة وصياغتها الأدبية، وتفصيلها إلى بنود وموارد عديدة، وردها إلى ما لا يرد في الكتب الفقهية، وأحياناً اختلافها مع أحكام الشريعة، إضافة إلى الإبهام والحيرة في كيفية تطبيق القانون مع الفتوى في موارد اختلافه معها ... وما إلى ذلك من أمور كثيرة في هذا المجال، قد أثارت مشاكل عديدة أمام عجلة التقنين المعاصر.
ولحل هذه المشاكل يُطرح منهجان:
أولهما: أن نتصرف في الفقه ونغيره على نحو وضع القانون، بدلاً عن كونه كشفاً للحكم الشرعي، بحيث يصير حاصل عملية استنباط الأحكام الشرعية، وما يخرج منها هو قوانين، لا صرف فتاوى.
۲۲
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م -
فقه التقنين: فلسفته وأهم محاوره
وثانيهما: أن نتصرف في عملية التقنين ونجعلها بما ينطبق مع أحكام الإسلام.
وعلى الرغم من أن كلا المنهجين يحاول مطابقة القانون مع الحكم الشرعي إلا أنهما يختلفان في منطلق حركتهما، فالمنهج الأول يبدأ من الفقه وينتهي إلى القانون، بينما المنهج الثاني يبدأ من القانون ويتجول في الفقه وينتهي إلى القانون.
كما أن لكل من هذين المنهجين دافع إيجابي يُرجح به على الآخر، فدافع المنهج الأول هو أن يثير القانون من أرض الفقه، ولا يجعله يتأثر بالمدارس والمشارب القانونية الأخرى، بينما دافع المنهج الثاني هو صيانة الفقه من التحول نحو العرفية، ومنعه من التأثر بمقتضيات الزمان والمكان وسائر العوامل، والحرص على كونه كاشفاً للأحكام الشرعية، وهذه هي رسالته الأصلية.
وهذا المقال يُعنى بالمنهج الثاني، لترجيح ،دافعه، ولإمكان تحصيل دافع المنهج الأول من المنهج الثاني أيضاً.
ونحن إذا أهملنا المنهج الأول، فهذا لا يعني أن الفقه لا يحتاج إلى أي تحول أو تطور، بل على الفقه أيضاً أن يحاول تنقيح مصادره وتعميق أدلته، وأن يرسل قابلياته في هذا المجال إلى مستويات رفيعة، وأن يسعى نحو استنباط الأحكام الشرعية المرتبطة بالتقنين. ولذا نحن نقترح استحداث قسم أو باب في الفقه نسميه فقه التقنين يخص الأحكام الشرعية المرتبطة بالتقنين.
- ضرورة استحداث «فقه التقنين»
يشهد عصرنا الحاضر، ولا سيما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتبلور الصحوة الإسلامية في أغلب البلاد الإسلامية، يشهد ارتقاء في وضع القانون، من خلال محاولة تطبيقه مع الأحكام الشرعية والاهتمام به اهتماماً مكثفاً كما لا يخفى.
وهذه العملية تتطلب استحداث وظيفتين في علم الفقه وعلم القانون بشكل متوازي. أما وظيفة الفقه فهي رسم موقف الشريعة تجاه التقنين، وتبيين من يصلح
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
للتقنين ومن لا يصلح له، والكشف عن الأحكام التي يلزم أن تطبق القوانين عليها وما لا يلزم، وبيان اختيارات الحكومة في مجال التخلف عن حدود الأحكام الشرعية في موارد التزاحم والضرورة و.... وتبيين ضوابط التقنين في هذه الموارد، وتحديد من ينفذ عليه القانون ومن لا ينفذ عليه، وما إلى ذلك من الأحكام الشرعية المرتبطة بالتقنين.
وأما وظيفة علم القانون فهي رسم خطط منهجية لوضع القانون على نحو مطابق للأحكام، والتي هي خارجة عن محل بحث هذا المقال.
وتفصيل الكلام في هذا المقام يتم بما يلي:
أ - فلسفة فقه التقنين
فلسفة فقه التقنين هي المسائل التي تنظر إلى فقه التقنين وتبحث عنه، والتي تفيض على القارئ نظرة ثانوية إلى هذا النوع من الفقه. وهي من الفلسفة المضافة التي كان أكثر مسائلها قد طرحت قديماً باسم المدخل» أو «المبادئ» أو «الرؤوس الثمانية».
ومسائل فلسفة فقه التقنين هي عبارة عن:
۱ - تعريف فقه التقنين وهو العلم بموقف الشريعة تجاه التقنين، أو هو العلم بالأحكام الشرعية المرتبطة بالتقنين عن أدلتها التفصيلية.
۲ - موضوع فقه التقنين: وهو نفس التقنين من حيث الموقف الشرعي، أو من حيث الأحكام الشرعية نفسها.
- حدود فقه التقنين.
ما هي الحدود والثغور في فقه التقنين؟ عن ماذا يبحث فيه وعن ماذا لا يبحث؟
على اصطلاح جديد، يوجد في كل منطقة من حياة الإنسان الاجتماعية كالاقتصاد والسياسة، ثلاثة أمور المكتب والنظام والقانون المراد من المكتب هو
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
فقه التقنين: فلسفته وأهم محاوره
المباني والأهداف الإسلامية في هذه المنطقة، والمراد بالنظام مجموع المؤسسات المنسجمة والمرتبطة التي بنيت على أساس المباني لتوصل المجتمع الإسلامي إلى الأهداف، والقانون هو الظهور العملي والدساتير العملية للنظام. فمثلاً في الاقتصاد يوجد المكتب الاقتصادي والنظام الاقتصادي والقوانين الاقتصادية. ففي التقنين أيضاً يوجد المكتب التقنيني والنظام التقنيني وقوانين التقنين.
على هذا، لا يبحث في فقه التقنين عن مكاتب التقنين والمكتب التقنيني في الإسلام، ولا عن نظامات التقنين والنظام الإسلامي للتقنن، لأنهما من مباحث فلسفة التقنين، بل يبحث عن قوانين التقنين الإسلامية. وكذا لا يبحث فيه عن نفس قوانين الإسلام في سائر مجالات حياة الإنسان، لأنه من مباحث الفقه العام، وكذا لا يبحث عن نفس القوانين التي يحق للحكومة أن تضعها، لأنها من علم القانون .
٤ - مصادر ومناهج استنباط الأحكام في فقه التقنين والمراد بالمصدر هنا هو ما يرجع العالم إليه ليطلب منه جواب مسائله، ومصادر علم الفقه هي: الكتاب والسنة والعقل.
أما المراد من المنهج فهي الطريقة التي يرجع العالم بها إلى المصدر، وهي في الفقه عبارة عن: الأدلة العقلية، والنصوص الشرعية، والمتواترات والإجماعات والارتكازات والبنائات العقلائية والمتشرعية، والأمارات والأصول العملية، وكذا كيفية تنسيق هذه الأدلة من حيث التقديم والتأخير. هذه هي المناهج المرتبطة بالحكم.
وهناك مناهج ترتبط بالموضوع، وهي نفس مناهج استنباط الحكم في الموضوعات المستنبطة، والعرف والارتكازات العقلائية في غيرها.
وبناء على هذا نقول: إن مصادر ومناهج فقه التقنين هي نفس المصادر والمناهج في سائر أقسام وأبواب الفقه، إلا أنها تختلف عنها من حيث التراكم ونسبة الاستخدام. فكما أن فقه العبادات وفقه المعاملات يختلفان من حيث كثرة استخدام الأدلة النقلية في الأول، وكثرة استخدام الارتكازات العقلائية في الثاني
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
كذلك فقه التقنين يمتاز بكثرة استخدام الأدلة العقلية والارتكازات العقلائية والعرف.
ه - أهداف فقه التقنين: إن الهدف العلمي لفقه التقنين هو الكشف عن هذه المنطقة من الأحكام الشرعية التي صنفت بعضها في المسائل المستجدة، وبعضها الآخر متفرقة في مختلف أبواب الفقه.
وأما الهدف العملي له فهو إيجاد الدعم للحكومة الإسلامية وإعدادها لتطبيق القوانين في ضوء الأحكام الشرعية. ولاشك أن هذا الهدف يحتاج إلى تطوير وترقية مناهج وضع القانون بنفس النحو الذي يحصل في علم القانون.
٦ - المبادئ التصورية والتصديقية لفقه التقنين: إن المقصود من المبادئ التصورية هنا هو تعريف الاصطلاحات الخاصة في فقه التقنين، والتي ذكرنا بعضاً منها آنفاً، وأما المراد من المبادئ التصديقية، والتي تطلق عليها أحياناً اسم «المباني» أيضاً فهو القضايا غير الفقهية التي تستخدم في مجال استدلال الأحكام المرتبطة بالتقنين.
وهذه المباني لا يستدل عليها في نفس الفقه، بل تفرض على أنها ثابتة ومقبولة، كمبنى تبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد الواقعية، ومبنى التخطئة ....
- صلة فقه التقنين بسائر أقسام الفقه والعلوم الأخرى: إننا لا نناقش في وضع إسم «الباب» أو «القسم» أو «العلم» لفقه التقنين، فالأمر ليس له أهمية، وإنما تجدر الإشارة إلى صلة هذه النوع من الفقه بالتقسيمات الرائجة في الفقه، ففقه التقنين قد يعد قسماً من فقه المعاملات بالمعنى الأعم، أو قسماً من الأحكام في مصطلح المحقق الحلي، أو قسماً من فقه السياسة في ضوء بعض التقسيمات الجديدة في الفقه.
وارتباطه بعلم أصول الفقه وعلم القانون وعلم السياسة كارتباط علم الفقه بهذه العلوم، ويمكن أن نجعله من العلوم التي تتوسط بين الفقه والقانون والسياسة. ومختار المقال هو الأول.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
فقه التقنين فلسفته وأهم محاوره
- تاريخ تطور فقه التقنين: لقد اختلف في أن تاريخ نشوء العلم هل هو من محاور فلسفته أم لا؟ وعلى أي حال، فأكثر مسائل فقه التقنين من المسائل الجديدة التي طرحت في القرن الحاضر، ولا سابقة لها مستقلة، وإن كانت بعض مسائله كمسائل ولاية الفقيه والحسبة ونقض الحكم والفتوى بالحكم والفتوى و..... موجودة في أبواب الاجتهاد والتقليد والقضاء والبيع في الكتب والمدونات القديمة.
ب - محاور فقه التقنين
لا يخفى أن كل علم يبحث عن موضوع ضمن مسائل، وموضوع كل مسألة يتكون إما من جزئيات أو أجزاء موضوع العلم، أو مما هو مرتبط به بحيث يليق أن يبحث في ذاك العلم، وقيل مثل هذا بالنسبة إلى الغرض الأصلي للعلم، والأغراض الفرعية لمسائله.
وعلى أي حال فهذه المسائل حين تدوين العلم لا تطرح اعتباطاً وبلا نظم ولانسق، بل تنظم ضمن عناوين بترتيب منطقي وجامع يسهل للمتعلم والقارئ أن يجد ما يريد.
والمراد بالمحور هنا هو تلك العناوين الأصلية لفقه التقنين التي تندرج فيها مسائلها، وفيما يلي نذكر أهم هذه المحاور بشكل مقترح، ثم نشير ضمن كل محور إلى أهم وأبرز مسائله، بحيث يمكن أن تندرج تحت كل مسألة عدة مسائل فرعية أخرى لانتعرض لها، ونذكر أيضاً بعد هذه المسائل الأجوبة على سبيل المثال والاحتمال.
المحور الأول: من يصلح للتقنين؟
إن الولاية التشريعية الله تعالى وحده، فإنه عز من قائل قال: إن الحكم إلا الله وإذا كان التشريع بيده تعالى فلا يصلح لأحد أن يشرع، فهل يختص هذا المنع التشريعي بما يُشرع بعنوان حكم إلهي، فيختص بالبدعة التي لا قائل بجوازها، أو يشمل سائر الأحكام والإلزامات كحكم الحاكم على الرعية؟ الحق هو
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
الثاني، ويبحث في الفقه بعنوان أصالة عدم الولاية، فيطرح الأسئلة التالية: هل يجوز الله تعالى الإنسان أن يحكم على آخرين؟ من هو وما هي صفاته؟ وفي أي موضوع وبأي شرائط يجوز له الحكم؟
فهذه المسائل وما إلى ذلك تشكل المحور الأول لفقه التقنين.
وقد ننتهي إلى هذه النتائج الشارع أعطى لنبيه (ص) وللأئمة المعصومين من آله الحكم على الآخرين، وفي زمن الغيبة أعطى هذا الاختيار للفقيه الجامع للشرائط الكذائية أو من هو منصوب من قبله، وإلا أعطي بعض هذا الاختيار
العدول المؤمنين
كما ويطرح أسئلة أخرى من قبيل: هل التقنين من وظيفة الحاكم أو الحكومة؟ وهل على الحاكم أو الحكومة وضع القانون منفرداً أو عليه استشارة أهل الخبرة؟ وعلى فرض المشورة هل عليه قبول نتيجة المشورة أو هو مختار في القبول أو الرفض؟
المحور الثاني: الأحكام التي تصلح لأن تكون قانوناً وما لا يصلح
لا يخفى على أحد أن أحكام الإسلام كلها صالحة للعمل والامتثال، فلا يجوز التهاون بها، سيما من قبل الحكومة، فعليها تقع مسؤولية ذلك. وهذا لا بحث فيه ولا كلام، وإنما الكلام في أن وظيفة الحكومة بالنسبة إلى جميع الأحكام أن تضع قبال كل حكم قانوناً، أم هناك تفصيل بين الأحكام؟
وبعبارة أخرى: هل هناك منطقة محددة من السلوكيات والعلاقات موكولة إلى أحاد الرعية، ولا شأن للقانون الحكومي أن يتدخل فيها، أم القانون الحكومي يشمل جميع نشاطات البشر بمختلف جوانب حياتهم فيشمل جميع أحكام الشريعة؟
هذا هو المنطلق الأساس في مباحث المحور الثاني، ومن أهم مسائل هذا المحور هي كما يلي:
1 - هل أن جميع أحكام الإسلام تصلح للتقنين، أم أن بعضاً منها خارجة
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
فقه التقنين: فلسفته وأهم محاوره
عن نطاق التقنين؟ وما هو الضابط الثبوتي والإثباتي لهذه الأحكام، وهل هناك أصل لجواز أو عدم جواز وضع القانون في مورد الأحكام؟
۲ - هل تقتضي أدلة اختيار وضع القانون للحكومة (أو للحاكم) شمول جميع الأحكام، وليس ثمة مانع من شمول بعض دون بعض، أم لم يكن هنالك اقتضاء من بادئ الأمر ؟
- هل للضرورات الاجتماعية دخل وأثر في تحديد تلك الأحكام؟ فإن كان بالاثبات، فما هو أثرها ؟ وإن كان بالنفي، فكيف تصنع الحكومة بهذه الضرورات؟
- هل لثقافة المجتمع الإسلامي دور في هذا المجال؟ فإذا كان لها دور فما هو ؟ وإذا كان العكس فكيف يحظى القانون بالمقبولية في هذا المجتمع ؟
ه - ما هي الدوافع التي تدفع بالمقنن إلى أن يوجد الفراغ القانوني؟ وإذا حصل هذا الفراغ القانوني فماذا تصنع الحكومة في موارده؟
وقد ننتهي في هذه المسائل إلى أن وظيفة الحكومة تجاه جميع الأحكام ثابتة، ولكن لا يعني هذا أن هذه الوظيفة تقتضي وضع القانون لجميع الأحكام، كما أن أدلة الولاية مقيدة من أول الأمر بما يرتبط بإدارة المجتمع بدليل مناسبة الحكم والموضوع، وأن دور الضرورات والثقافة في منع الحكومة لوضع القانون هو كدور التزاحم في المنع، وعلى الحكومة إصلاح الثقافة ورفع الضرورات لتتمكن من وضع القانون وجعله بصورة مناسبة.
المحور الثالث مجالات تبرير وضع القانون على خلاف الحكم الشرعي وضوابطها
يعد هذا المحور من أهم محاور فقه التقنين، وأكثرها إثارة للنزاع والاختلاف، لأن بعض الأقوال يشبه مخالفة القانون للشرع وتحريم الحلال وتحليل الحرام. وأهم المسائل المطروحة فيه كما يلي:
۱ - هل للمقنن أن يتخلف في تقنينه عن إباحة المباحات بالمعنى الأخص
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
فيجوز له أن يضع قانوناً إلزامياً في مورد حكم شرعي مباح، أم لا يجوز له ذلك؟
فإذا كان له ذلك فما هي ضابطته؟ وهل المباحات بالمعنى الأخص كلها على نهج واحد من هذه الحيثية أم هناك تفصيل في البين؟
٢ - هل له أن يتخلف في تقنينه عن إباحة المستحبات والمكروهات، فيجوز له أن يضع قانوناً إلزامياً في مواردها أم لا يجوز له ذلك؟ فإذا كان له ذلك فما هي ضابطته؟ وهل هناك تفصيل في الأمر ؟
- هل له أن يضع قانوناً غير إلزامي على خلاف المباحات بالمعنى الأعم؟
كأن يرجح في قانونه جانب الترك في المستحب أو جانب الفعل في المكروه، أو يرجح أحد الجانبين في المباح بالمعنى الأخص، أم أن هناك تفصيل على هذا الصعيد؟ فإذا كان بالإيجاب فما هي ضابطته؟ وكيف يؤاخذ على مخالفة هذا القانون غير الإلزامي ؟
٤ - هل له أن يلزم الرعية على اختيار أحد أطراف الواجب التخييري بحيث يمنعهم قانونياً عن اختيار سائر الأطراف؟ وما هي ضابطته إذا كان له ذلك؟
ه - هل له أن يلزم الرعية على اختيار أحد مصاديق الواجب، بحيث يمنعهم قانونياً عن اختيار سائر المصاديق؟ وما هي ضابطته إذا كان له ذلك؟
٦ - هل له أن يلزم بعض الرعية عيناً على امتثال الواجب الكفائي، بحيث يمنعهم قانونياً من إيكال ذلك إلى سائر المكلفين، هذا إذا كان الواجب الكفائي موسعاً، بحيث لا يسقط الواجب عن هذا البعض حتى إذا قام الآخرون به؟
- هل له أن يبيح في قانونه واجباً أو حراماً، بحيث يجوز بهذا القانون ارتكاب الحرام وترك الواجب؟ وما ضابطته إذا كان له ذلك؟
- هل له أن يلزم في قانونه حراماً، أو يمنع فيه عن واجب، بحيث يلزم على الرعية ارتكاب الحرام وترك الواجب؟ وما ضابطته إذا كان له ذلك؟
۹ - هل له أن يتخلف عن الأحكام الوضعية، كأن يبطل قانونياً ما كان
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م :
فقه التقنين: فلسفته وأهم محاوره
صحيحاً في الشرع، ويصحح قانونياً ما كان باطلاً في الشرع؟ وما ضابطته إذا كان له ذلك ؟
١٠ - ما هي وظيفة المقنن تجاه رعاية الأحكام الشرعية إذا كان ثمة اختلاف بين الفقهاء؟ فهل عليه رعاية فتوى نفسه، أو المشهور أو الأعلم، أو الحاكم إذا كان المقنن غيره، أو ما كان أقرب إلى مصالح الوقت، أم يختار التلفيق بينها، ورعاية كل منها ؟
ومن باب المثال ننتهي إلى هذه النتيجة على الحاكم وضع القانون في جميع الأمور المرتبطة بإدارة المجتمع، مراعياً في ذلك لأحكام الشرع، أعم من الأحكام المباحة والإلزامية أو الوضعية من غير تخلف، وهذا واجب عليه، فإذا زاحم وجوب مراعاة حكم وجوب مراعاة حكم آخر، فعلى الحاكم أن يراعي جانب حكم الأهم، ويقيد حكم غير الأهم أو يعطله، ويقوم برفع التزاحم ليتمكن من وضع القانون مطابقاً لذلك الحكم غير الأهم.
ولا فرق في ذلك بين المباحات والإلزاميات والوضعيات، لأن رعاية جميعها واجبة على الحكومة حتى على مستوى المباحات والوضعيات.
وفي مصاديق الواجبات وأطراف المخيرات نوع إباحة، وكذا في الكفائيات الموسعة، ففي هذه الموارد أيضاً على الحكومة رعاية حد الأحكام، إلا إذا كان هناك تزاحم فعندئذ وضع القانون الإلزامي في المصاديق والأطراف، وكذا إلزام بعض المكلفين بالكفائيات.
وأما في موارد اختلاف الفتوى فعلى المقنن رعاية فتوى نفسه، فقيهاً ولياً كان أو منصوباً من قبله.
وإذا تبدل المقنن - كأن مات - فأمام المقنن الآتي نوعان من القانون:
الأول: القوانين القديمة، فليمضها إلا في موارد نقض الحكم بالحكم.
الثاني: القوانين الجديدة، فيراعي فتوى نفسه كالأول، إلا إذا وقع التنافي بين
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
القانون الذي وضع على فتواه وبين القانون القديم، ففي هذا المورد يراعي الأهم منهما، ويحل التنافي.
المحور الرابع من ينفذ عليه القانون ومن لا ينفذ عليه؟
في هذا المحور يبحث عن وظيفة الناس حيال القانون، هل على جميع الناس طاعة قانون هذا الحاكم المشروع، أم هنالك تفصيل في الأمر؟ وما هي وظيفة المخالفين لقانون ما؟ فيبحث في هذا المحور عما يلي:
۱ - هل القانون نافذ بعد موت الحاكم على من كان نافذاً عليه في حياته؟
٢ - هل للحاكم أن يضع قانوناً على من يعيش في غير حكومته من بلاد الكفر ؟
- هل له الحكم على من يعيش في غير حكومته من بلاد المسلمين إذا ولي فيها حاكم مشروع؟ وكيف إذا ولي فيها سلطان جائر؟ ۳
- هل القانون نافذ على رعية الحاكم إذا خرج من بلد الحكومة إلى غيره سواء إلى بلاد الكفر أو بلاد الإسلام؟
ه - هل القانون نافذ على من لا يعتقد اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه المطلقة؟
٦ - هل القانون نافذ على من اعتقد اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه المطلقة
ولكن لا يرى الحاكم واجداً لشرائط الحكم؟
- هل القانون نافذ على من اعتقد اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه المطلقة ويرى الحاكم واجداً لشرائط الحكم أيضاً، ولكن يختلف رأيه اجتهاداً أو تقليداً مع رأي الحاكم في الحكم الشرعي الذي وضع القانون مبنياً عليه ؟
- هل القانون نافذ على من اعتقد اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه المطلقة؟
ويرى الحاكم واجداً لشرائط الحكم أيضاً، ويتحد رأيه اجتهاداً أو تقليداً مع رأي الحاكم في الحكم الشرعي الذي وضع القانون مبنياً عليه؟ ولكن يختلفان في تشخيص مصالح المجتمع ومقتضيات الزمن والضرورات، وما إلى ذلك من الأمور التي تجب مراعاتها زائداً على مراعاة الأحكام الشرعية؟
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
فقه التقنين فلسفته وأهم محاوره
۹ - هل للقوانين والأحكام الحكومية تفصيل من حيث النفوذ في الموارد المذكورة؟
وقد تنتهي إلى هذه النتائج القانون نافذ بعد موت المقنن الولي إذا كان مطلقاً، إلا إذا نقض بحكم الولي الجديد في موارد جواز نقض الحكم بالحكم، ولا شأن للمقنن غير الولي في هذا المجال. على أن الولاية ثابتة مع بسط يد الولي، فلا ينفذ في غيره، ولا شأن لحدود الممالك في زماننا إلا إذا أمضاها الولي المشروع.
فإذا كان له بسط اليد في سائر الممالك، ولا يتعارض حكمه ولاية ولي آخر في تلك المملكة، ولم يمض الحدود قبله، نفذ حكمه.
وعلى المخالفين له بأي أنحاء المخالفة إطاعة قانونه، إلا في موردين:
الأول: إذا لم يكن حكم الحاكم شاملاً له من أول الأمر، كحكمه بهلال شوال، فإنه لا يشمل القاطع بالخلاف وإن لم يطلق عليه اسم القانون أصلاً.
والثاني: ممن يرى الحاكم غير واجد لشرائط الحكم وليس من يراه واجداً لها، ولكن على الرغم من جواز المخالفة العملية لمثل هذا الشخص، فأنه يجوز للحاكم المشروع إجباره بالقانون، ومؤاخذته على المخالفة؟!