ملف العدد
تقنين أحكام الشريعة
الأهمية ، الواقع والعقبات
الأستاذ محمد تهامي ذكير
في الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادىء لا تقل في الرقي والشمول وفي مسايرة التطور، عن أخطر النظريات الفقهية التي تتلقاها اليوم عن الفقه الغربي الحديث.
د. عبد الرزاق السنهوري ...
المقدمة
من أهم الشعارات التي دعا إليها المشروع الإصلاحي والنهضوي في بداية القرن الماضي وتبنتها الحركات الإسلامية الدعوة إلى تطبيق الشريعة والعودة إلى المرجعية التشريعية الإسلامية، بعدما تمكن الإستعمار الغربي من إقصائها عن المجتمع والحكم في عدة مجالات وخصوصا في المعاملات واستبدالها بالقوانين الوضعية. وهذا الرجوع يعتبر مقدمة للاستقلال التشريعي عن الغرب الاستعماري وقوانينه الوضعية المخالفة لأحكام الشريعة ومبادىء الوحي...
لكن تطبيق الشريعة يحتاج الى إعادة صياغتها، لتحويلها إلى مواد ونصوص قانونية على غرار القوانين الوضعية لتسهيل الاستفادة منها ....
لذلك، دعا عدد من الفقهاء والعلماء ومفكري الحركات الإسلامية الى العمل على تقنين أحكام الشريعة الإسلامية وتحويلها إلى مواد ونصوص قانونية...
من هنا انطلقت عدة محاولات وجهود لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية، منها ما كان تحت إشراف دول وحكومات، وأكثرها تجارب وجهود فردية لشخصيات ومؤسسات علمية...
تقنين أحكام الشريعة: الأهمية الواقع والعقبات
وقد كشفت هذه التجارب والجهود في مجال التقنين عن أهمية مشروع التقنين للأحكام الفقهية، والعقبات التي تقف في وجهه، ومدى وكيفية الاستفادة من تجارب التشريعات الوضعية، وهذا ما سنتناوله في هذه الدراسة من خلال مطالب ثلاثة ...
المطلب الأول: تعريف التقنين والمقصود به وأهميته.
المطلب الثاني: سنتحدث فيه عن السجال الذي وقع بين محرمي التقنين والرافضين له، وبين المجوزين له ودعاته، وأدلة الفريقين في التحريم والجواز...
المطلب الثالث: في منهج التقنين والإشكاليات التي يطرحها مشروع تقنين الشريعة الإسلامية ...
وفي الخاتمة، سيتم الحديث عن أهمية مشاريع تقنين الشريعة في الوقت الحاضر، وضرورة متابعة الجهود في هذا المجال سواء الجهود الرسمية التي قامت بها بعض الدول والحكومات أو الجهود الفردية أو جهود بعض المؤسسات العلمية وخصوصا تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران وضرورة الإنفتاح في هذه التجارب على التراث الفقهي لجميع المذاهب الفقهية الإسلامية...
المطلب الأول: المقصود بتقنين الشريعة الإسلامية وأهميته:
تعريف التقنين التقنين لغة من قنن يقنن تقنيناً، بمعنى الوضع والسن، لذلك نقول وضع المشرع القوانين أو سنها ..(1).
أما التعريف الإصطلاحي فللفقهاء المعاصرين عدة تعريفات، نذكر منها تعريف العلامة مصطفى الزرقا الذي يقول: يقصد بالتقنين جمع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجال من مجالات العلاقات الإجتماعية وتبويبها وترتيبها وصياغتها بعبارة آمرة موجزة واضحة في بنود تسمى مواد ذات أرقام متسلسلة، ثم إصدارها في صورة قانون أو نظام تفرضه الدولة ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس......
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
وعرفه الدكتور عبد المؤمن شجاع الدين بأنه: «قيام الجهات المختصة في الدولة الإسلامية بصياغة الأحكام الفقهية في قواعد عامة ومجردة وملزمة على شاكلة النصوص القانونية وإقرار ذلك وإصداره على هيئة قانون (۳).
ومن خلال هذين التعريفين الجامعين تتضح لنا مواصفات وخصائص القاعدة القانونية، فالزرقا أشار الى أن مجال التقنين (أي الصياغة والتبويب) يختص بمجال العلاقات الإجتماعية، وأن هذا التقنين تفرضه الدولة ويكتسب صفة الإلتزام وكذلك فعل الدكتور شجاع الدين ...
ولكي يتضح المقصود بالتقنين لا بد من التعرف على خصائص القاعدة القانونية...
تعريف القاعدة القانونية وخصائصها:
للقاعدة القانونية خصائص ثلاثة متى ما توفرت في أي قاعدة فإنها تصبح قانونية بالمفهوم الإصطلاحي.
وهذه الخصائص هي:
١ - الخاصية الأولى: قاعدة القانونية قاعدة سلوكية، أي تهتم بتنظيم سلوك الأفراد في المجتمع، وتضع لهم القواعد التي يجب أن يكون عليها سلوكهم داخل المجتمع .. (4).
فهي إذن لا تهتم بتنظيم السلوك الداخلي أو علاقة الإنسان بربه.. وهذا يعني أن القواعد القانونية تقويمية لسلوك الأفراد داخل المجتمع الذي ينتمون اليه (٥)
والقاعدة الشرعية هي كذلك قاعدة سلوكية لأنها تحدد سلوك الفرد داخل المجتمع، لكنها تنظم كذلك سلوك الفرد تجاه نفسه وتجاه ربه، وهذا له علاقة بشمولية الشريعة الإلهية وعموميتها وخصوصيتها.
٢ - الخاصية الثانية: إنها قاعدة عامة ومجردة، والمقصود بالعموم والتجرد، أنها لا تخاطب شخصا أو مجموعة من الناس بعينهم، وإنما تخاطب الجميع
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
داخل المجتمع، فأي شخص أو واقعة توفرت فيها شروط التطبيق فالواجب أن تطبق تلك القاعدة دون تمييز أو استثناء...
هذا بخصوص العموم أما بخصوص التجريد، فإن المقصود به هو كتابة القاعدة وصياغتها بصيغة مجردة لا تخص شخصا بعينه أو واقعة بعينها، وإنما تتحدث عن صفات ووقائع مشخصة بصفاتها.. لذلك فالقاعدة القانونية لا ينتهي دورها بتنفيذها مرة واحدة بل تجري كلما وجدت الشروط والمواصفات (1)
والقاعدة الشرعية هي كذلك عامة ومجردة تخاطب الجميع وتطبق على من تتوافر فيهم شروط تطبيقها سواء أكانوا أشخاصا أو مجموعات أو وقائع.. لذلك فالمشهور بين الفقهاء أن أحكام الشريعة على العموم لا على الخصوص.
٣- الخاصية الثالثة: الإلزام وهو عنصر أساسي وجوهري في تكوين القاعدة القانونية، لأنه هو الذي يضمن لها الفاعلية والنفاذ. ولأن الهدف منه لا يتحقق - أي الوضيفة التقويمية للسلوك - إلا إذا توجهت للأفراد بصفة الأمر أو النهي، وأن يكون هناك جزاء وعقاب لمن يخالفها، وهذا ما يميزها عن باقي القواعد الأخلاقية مثلاً، فليس هناك عنصر الإجبار لاحترامها من طرف السلطات المختصة...
وكذلك الأمر بالنسبة للقاعدة الشرعية، فعنصر الإلزام فيها واضح، خصوصا في المعاملات ونظام الحدود والقصاص، فهناك جزاء وعقاب إما دنيويا أو أخروياً...
هذه هي خصائص القاعدة القانونية، ويلاحظ وجود تطابق بينها وبين القاعدة الشرعية أو الأحكام الشرعية، إلا أن القاعدة الشرعية تتجاوز تنظيم سلوك الأفراد الإجتماعي الى تنظيم سلوكهم مع أنفسهم ومع خالقهم....
وكذلك يتفقان في العموم والتجريد والإلزام، فخطاب الشريعة في مجمله عام ومجرد ويتعلق بتحقق الشروط والمواصفات في الأشخاص والوقائع، بالإضافة الى وجود الثواب والعقاب الدنيوي وفي الآخرة ...
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
وعليه، فعندما نتحدث عن التقنين فالمقصود به هو كما ورد في التعاريف السابقة: صياغة أحكام الشريعة وتحويلها إلى مواد قانونية من خصائصها: تنظيم السلوك الإجتماعي، وأن تكون عامة ومجردة وملزمة، وهذه الخصائص موجودة في الشريعة كذلك...
وبالتالي فمهمة التقنين ستكون في الصياغة اللغوية والتبويب والفهرسة والترقيم والتقسيم الى مواد وفصول وتكملة.. إلخ، ثم إصدارها على شكل قانون مطبوع يقدم إلى الجهات المختصة (حكومات مجالس شورى ولي الأمر..) للمصادقة عليها لتصبح قانونا ساري المفعول نافذاً وملزماً ومعمولاً به في الدولة...
المطلب الثاني: موقف الفقهاء والعلماء من تقنين أحكام الشريعة:
لم يختلف العلماء وفقهاء المذاهب في مسألة تبويب أحكام الشريعة لتيسير الرجوع إلى مسائلها المختلفة، من طرف طلبة العلم أو القضاة، وإنما وقع الإختلاف بينهم في مسألة إلزام القضاة أو تقيدهم بمذهب معين أو رأي خاص عند الحكم والقضاء ..
فالأحناف وبعض المالكية والشوافع أجازوا إلزام القاضي المقلد بمذهب معين، إذا لم يكن فيه معارضة للأحكام الشرعية الثابتة، فيما منعه الفقهاء المتقدمون من المالكية والشافعية والحنابلة ....
أما في العصر الحديث، فقد ذهب أكثر الفقهاء وعلماء الشريعة إلى ضرورة تقنين أحكام الشريعة وإلزام القضاة بما ورد في التقنين، منهم الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محمد أبو زهرة وأحمد محمد شاكر ومصطفى الزرقا والشيخ وهبة الزحيلي، ومحمد بن الحسن الحجوي المغربي، وصالح بن غصون وراشد بن صالح وهما من علماء السعودية، وغيرهم كثير...).
وقد استدل كل فريق على موقفه بأدلة كانت محل نقاش وسجال بين الفريقين، فيما يلي عرض مفصل لأهم أدلة المحرمين والرافضين لمشروع التقنين، والمجوزين والمناصرين له ...
۳۸
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
أدلة المحرمين والرافضين للتقنين :
يرى المحرمون والرافضون لمشروع تقنين أحكام الشريعة أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وقد كانت مطبقة في العالم الإسلامي منذ عهد الرسول (ص) وإلى الأزمنة المعاصرة إلى أن تعرضت الأمة الى الإستعمار والتقسيم، ولم تكن هناك حاجة إلى التقنين...
وهذا الرأي غير دقيق، فعبر التاريخ كانت هناك حكومات حكمت بمذاهب معينة ولم تتجاوزها، وكان هناك حكام فرضوا على القضاة الحكم وفق مذهب أو رأي معين، وهذا نوع من أنواع التقنين...
يرى الرافضون للتقنين أن أئمة المذاهب المشهورة لم يوجبوا على الناس تقليدهم كما لم يلزموا القضاة بالحكم وفق مذهبهم أو أي مذهب معين، بل الواقع والتاريخ يؤكد وجود تعدد مذهبي وأن القضاة في تاريخ الإسلام كانت لديهم الحرية في اختيار الرأي أو المذهب الذي يحكمون بمقتضاه، بل إن عددا منهم كان مجتهدا...
وهذا الرأي وإن كان صحيحاً إلى حد ما، إلى أن الواقع يخالفه، فالقضاة في الدولة العباسية وخصوصا في القرنين الثاني والثالث كان أغلبهم أحناف، وكانوا يقضون ويحكمون وفق الرأي الحنفي، كما أن الدولة العباسية كان لديها مراسيم وقوانين ودواوين لتنظيم شؤون الدولة والقضاء، وكانت لديهم بعض القوانين والتشريعات المكتوبة والمدونة وكان القضاة والحكام يرجعون إليها...
كما أن التعدد المذهبي لم يحل دون اختيار عدد من الدول والحكومات مذهباً معيناً والاحتكام إلى اجتهاداته واختياراته الفقهية وتقديمها في الأحكام القضائية.. ففي المغرب العربي وشمال إفريقيا كان ولا يزال المذهب المالكي هو المرجع في التقليد والقضاء، وهذا شكل من أشكال التقنين...
. ادعى المحرمون للتقنين، أن تقنين أحكام الشريعة وفق متطلبات كل عصر يجعل لكل عصر شريعته، في حين أن الشريعة الإسلامية صالحة
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
لكل زمان ومكان دون تغيير ؟ وهذا الرأي يدل على فهم سطحي لمشروع التقنين، لأن الإجتهادات المذهبية تتغير مع تغير الأزمنة والأمكنة والأعراف، ومن المشهور تاريخياً أن الشافعي كان لديه مذهبان، مذهب في العراق، وعندما انتقل الى مصر غير الكثير من آرائه فأصبح له مذهب آخر .. وهذه خصيصة من خصائص الإجتهاد. وهناك اجتهادات مذهبية تجاوزها الزمن ولم يعد لها موضوع أو واقع وانتهى العمل بها ...
وبالتالي هناك ثوابت في الأحكام الفقهية وهي الغالب الأعم، وهناك مجموعة قليلة من الأحكام مرتبطة بعاملي المكان والزمان وتغير معطيات الواقع، ما يؤدي الى تغيير الإجتهاد والرأي الإجتهادي تجاه الكثير من قضايا الواقع، وهناك بطبيعة الحال مسائل مستجدة تحتاج إلى رأي الإسلام والفقه الإسلامي فيها، ولكل عصر مستجداته، لذلك فالإدعاء بأن تقنين الشريعة يجعل لكل عصر شريعة خاصة، ادعاء غير صحيح، فالثوابت وأمهات المسائل والمبادىء الأساسية والكثير من المسائل الفروعية لا اختلاف فيها بين المسلمين، ولا تأثير للزمان أو المكان عليها، أما ما يطرأ عليه التغيير فبالضرورة سيعاد النظر فيه ومن المطلوب تجديد النظر الإجتهادي فيه حسب تغير الظروف ومعطيات الواقع ...
وهذا يدل على عدم فهم أصحاب هذا الرأي المقصود بالتقنين وأن الهدف منه هو تيسير العمل بأحكام الشريعة في العصر الراهن، ومسايرة المتغيرات الواقعية وتطور الزمن ...
٤٠
يرى المعارضون كذلك أن في التقنين إلزام للقاضي بحكم قد لا يكون موافقا عليه، خصوصا إذا كان مجتهداً وكان له رأي في القضية المعروضة للحكم فيها.. بالإضافة الى أن الإلزام يخالف أقوال كبار علماء المذاهب الذين لم يجوزوا للقاضي تقليد غيره أو الإلتزام بمذهب معين، كما يرى
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
الشافعي وغيره من الفقهاء مثل ابن فرحون المالكي وابن تيمية وابن قدامة الحنبليين ..؟
ورد المناصرون والمجوزون للتقنين على هذه الشبهات أولاً: إن القاضي وكيل أو نائب لولي الأمر أو الحاكم الشرعي الواجب الطاعة، وهو ملزم بطاعته، ولو كان مجتهدا فإذا ألزم ولي الأمر القضاة بما ورد في التقنين وجب على القضاة الحكم بالتقنين والإلتزام بذلك»... وكيف سيخالف رأيه الإجتهادي ماورد في التقنين، وهو القول الراجح والمستند إلى أقوى الأدلة الشرعية، إلا إذا افترضنا وجود معطيات وحيثيات جديدة في القضية المطروحة على المحكمة لم تكن واردة عند التقنين، وعندها يمكن تشكيل لجنة لتداول الأمر بين قضاة يعينون لذلك، ويتم الفصل في ذلك بإصدار حكم يحقق العدالة في النازلة، وكل ذلك لا يتناقض مع مشروع التقنين لأن الإستثناء لا يلغي القاعدة، وهناك مرونة كبيرة في تطبيق القوانين وشرحها وتفسيرها والتعقيب عليها...
يرى الرافضون كذلك أن التقنين هو من مخترعات المعاصرين تقليدا للغرب والحضارة الغربية، وأن السلف من الصحابة وأئمة المذاهب لم يعرف عنهم الدعوة للتقنين، بل المشهور بخلافه .. (۱۰).
ورد المؤيدون على ذلك بعدة نقاط : أولا إن دواعي التقنين لم تكن موجودة والحاجة لم تكن ملحة للتقنين. ثانياً: كانت هناك محاولات للتقنين وتدوين الأحكام لكن بشكل جزئي.. ثالثاً : هل كل ما لم يفعله السلف محرم على الخلف؟ فهناك أشياء كثير استحدثت بسبب التطور الحضاري لم تكن موجودة، فهل نرفضها بحجة أنها لم تكن موجودة في عصر السلف، هذه دعوة للتحجر والتخلف وهي بخلاف مصلحة الإسلام وشريعته...
أما بخصوص القول بعدم جواز تقليد القاضي لغيره، فهذا ليس محل إجماع، لوجود فقهاء آخرين قالوا بجواز تقليد القاضي لغيره أو الإلتزام بمذهب معين في
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والأفاق
القضاء.. بالإضافة إلى كون أغلب القضاة المعاصرين ليسوا من أهل الإجتهاد، وإلزامهم بما ورد في التقنين من طرف الحاكم الشرعي «أمر سائغ (١١)
. إدعى الرافضون للتقنين أن رجوع القاضي إلى المواد المقننة، يخالف قوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: ٥٩] فالرجوع يجب أن يكون إلى نصوص الكتاب والسنة وليس إلى النصوص المقننة ..؟
ورد المؤيدون للتقنين على هذه الشبهة بأن المواد المقننة مصدرها القرآن والسنة النبوية الشريفة والرأي الاجتهادي الراجح في المذهب أو في مجموع المذاهب الفقهية المشهورة. لذلك فالرجوع إلى التقنين هو رجوع إلى القرآن والسنة والأدلة الشرعية المعتبرة، لكن بعد صياغة ما ورد فيها من أحكام صياغة قانونية عصرية ليس إلا .. (١٢).
یرى المحرمون للتقنين أنه قد يكون مقدمة لإحلال القوانين الوضعية محل الشريعة في الدول التي تحكم بالشريعة، حيث يبدأ بالشكل تبويب مواد ونصوص مجردة.. إلخ) ليصل إلى الجوهر ومضمون الشريعة . كما أن كثرة التعديلات التي تطرأ عادة على نصوص القوانين، قد تكون مدخلا للانحراف نحو القوانين الوضعية، وهذا من شأنه أن يعزز الشك وعدم الثقة في أحكام الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان..
وقد رد المناصرون للتقنين على ذلك بعدة أمور.
أولاً: الاستفادة من آليات التقنين على مستوى الشكل لا يمكن أن يكون مدخلا للأخذ بالقوانين الوضعية، لأن الهدف من التقنين هو تيسير العمل بالشريعة وليس الاحتيال لإحلال القوانين الوضعية محلها ...
ثانياً: ثبت في تاريخ الإجتهاد والمذاهب الفقهية أن عددا من كبار المجتهدين
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م :
تقنين أحكام الشريعة الأهمية الواقع والعقبات
قد عدلوا عن بعض اجتهاداتهم.. كما أن التعديلات في القوانين والتشريعات من الأمور الملازمة لتطبيق هذه القوانين، لكن ليس كل المواد عرضة للتعديل والتغيير. ولكن إذا تغير الواقع وظهر أن الحكم الإجتهادي المعمول به في التقنين أصبح يخالف مصلحة الإسلام والمجتمع ، فالجهات المختصة لها حق التعديل والتغيير ضمن الضوابط الشرعية والإجتهادية، حيث يستبدل حكم اجتهادي بآخر وفقا للضوابط الشرعية والإجتهادية. وهذا الأمر بعيد كل البعد عن ادعاء التغيير والتبديل للشريعة، وإنما دليل على حيوية الشريعة ومواكبتها لكل زمان ومكان ومراعاتها المصلحة المجتمع والدولة الإسلامية...
من الأدلة على رفض التقنين كذلك الإدعاء بأن التقنين سيؤثر سلبا على حركة الإجتهاد وسيكون مقدمة لسده أو تعطيله، لأن القضاة سيكتفون بما ورد في التقنين وسيتوقفون عن الإجتهاد لمعرفة الأحكام الشرعية في القضايا المطروحة عليهم، وهذا سيكون كذلك مدخلا للإبتعاد عن التراث الفقهي وموسوعات الفقه والأحكام، وفي ذلك قطيعة مع هذا التراث..؟
. ورد المناصرون على هذه الإدعاءات والمخاوف بأن لا علاقة للتقنين بسد باب الإجتهاد لعدة أمور:
أولاً: لا أحد بمقدوره سد باب الإجتهاد وخصوصاً في الأزمنة المعاصرة، لكثرة المستجدات وضرورة معرفة رأي الإسلام فيها، وهذه مهمة الفقهاء المجتهدين ومن يتصدى للإفتاء والإستنباط، وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء من القضاة والحكام الذين سيلتزمون تطبيق التقنين، وإنما يفترض أن يكونوا من المساهمين والمشرفين على عملية التقنين، وهم الذين يواكبون احتياجات الواقع وفي الوقت نفسه يقننون ما توصلوا إليه من اجتهادات. فهناك إذن تكامل بين عملية الإجتهاد وعملية التقنين. أما القضاة فمهمتهم الرئيسة هي تطبيق القوانين وتنفيذها ولا يشترط فيهم الاجتهاد...
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
ثانياً: أما قولهم إن التقنين سيحدث قطيعة مع التراث الفقهي فهذا ادعاء غير صحيح، لأن مشاريع التقنين الموجودة حالياً جميعها تصر على ضرورة الرجوع عند الشرح والتفسير إلى الكتب الفقهية، وكذلك عند عدم وجود حكم مقنن، وهذا ما نصت عليه مشاريع تقنين أحكام الشريعة في كل من مصر والكويت واليمن والجمهورية الإسلامية الإيرانية وغيرها من الدول العربية والإسلامية، فقد نصت المادة (٣٤٣) من قانون الأحوال الشخصية على أن كل ما لم يرد له حكم في هذا القانون يرجع فيه إلى المشهور في مذهب الإمام مالك، فإن لم يوجد المشهور طبق غيره، فإن لم يوجد حكم أصلا، طبقت المبادىء العامة في المذهب» كمانصت المادة (۱۸) من القانون اليمني على أن المرجع في تفسير نصوص القوانين وتطبيقها هو الفقه الإسلامي والمذكرات الإيضاحية والكتب الشارحة الصادرة من الهيئة التشريعية المختصة (١٣)
. وأخيراً، يرى المحرمون للتقنين أن الهدف من التقنين إذا كان هو توحيد الأحكام الفقهية، فإن تحويل الأحكام الفقهية إلى قواعد عامة ومجردة سيثير الاختلاف عند الشرح والتفسير كما هو الأمر بالنسبة للنصوص القانونية .. لذلك وقع الإختلاف بين القضاة في المحاكم وكذلك بين المحامين والقضاة في تفسير مادة أو قاعدة قانونية.. وبالتالي تنتفي فائدة التقنين التي يراها المدافعون عنه .. (١٤).
وقد رد المناصرون على هذه الشبهة كذلك ضمن دفاعهم العام عن مشروع التقنين، وفي ما يلي أهم الردود والأدلة التي قدمها المجوزون والمدافعون عن التقنين...
أدلة المجوزين ودعاة التقنين لأحكام الشريعة الإسلامية :
. أكثر الفقهاء والعلماء المعاصرين يؤيدون مشروع تقنين أحكام الشريعة ، لأنه في نظرهم أصبح من الضرورات الماسة في العصر الحاضر.. يقول الشيخ محمد أبو زهرة: إن استخلاص قانون من الشريعة الإسلامية لم يعد أمرا سائغا فقط، بل أصبح واجبا محتوما، لأننا نخشى أن يكون
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م
تقنين أحكام الشريعة: الأهمية الواقع والعقبات
تقاصرنا في هذه الناحية مؤديا الى أن ندخل بلادنا قانوناً أجنبياً لم ينبع من الإسلام ولم يتفق معه..(١٥).
. إن الكتب الفقهية القديمة تصعب الإستفادة منها لغير المتخصصين والمتفرغين، والبحث عن المسائل الفقهية في موسوعات الفقه يحتاج الى جهد ووقت كثير، لكثرة التفريع والتفصيل وعرض للأقوال والرد عليها، ناهيك عن صعوبة فهم الأساليب اللغوية القديمة ، لذلك فالتقنين حاجة ماسة وضرورة لا بد من القيام بها...
. الدعوة إلى التقنين دعوة قديمة ، فبالنسبة للأحناف والمالكية هناك رأي مشهور بينهم يذهب إلى أن خليفة المسلمين أو الحاكم المسلم له أن يلزم القضاة في الدولة بالحكم والقضاء وفق مذهب معين مشهور و مدونة أحكامه. أما من المعاصرين فهناك عدد كبير من الفقهاء والعلماء دعوا الى تقنين الشريعة، منهم شيخ الأزهر محمد عبده وعدد من مشايخ الأزهر مثل الشيخ محمد أبي زهرة والشيخ أحمد شاكر وغيرهم.
. التقنين يجعل الشريعة جاهزة للتطبيق، فإذا ما قررت الحكومات العربية المسلمة تطبيق الشريعة الإسلامية وإحلالها محل القوانين الوضعية، فستجد ذلك ميسراً وستنتفي بذلك ذرائع المناهضين لتطبيق الشريعة بحجة أن الشريعة لا تصلح للتطبيق لأنها غير مقننة وتنقصها الإجراءات المعاصرة....
. التقنين لا يخالف نصوص القرآن والسنة واجتهادات الأئمة والفقهاء وإنما هو صياغة الماورد في هذه المصادر وصياغتها على شكل مواد مرتبة ومبوبة ومرقمة يسهل الإطلاع عليها والإستفادة منها والرجوع إليها. وهذه الصياغة لا تؤثر في مضمون الأحكام الفقهية بالزيادة أو النقصان وإنما الإختلاف في الشكل وطريقة العرض ليس إلا...
التقنين يسهل عملية الرجوع الى الأحكام الفقهية في القضايا المقننة، ومعلوم أن الرجوع الى أمهات الكتب الفقهية فيه ما فيه من الصعوبة
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
و خصوصا بالنسبة للقضاة الشرعيين اليوم، فقد كتبت الموسوعات الفقهية وكتب الفقه بلغة وأساليب يصعب فهمها، بالإضافة الى كثرة الاختلافات والآراء والإستدلالات التي تحتضنها، ما يجعل الإستفادة منها تحتاج الى جهد جهيد ووقت مديد . لذلك فجهود التقنين التي يشرف عليها العلماء والفقهاء وخبراء القانون تجنب القضاة والحكام هذا الجهد والتعب وتقدم لهم ما يحتاجونه من حكم أو رأي يتم الإتفاق عليه أثناء عملية التقنين ، وللقاضي أو الحاكم الشرعي أو المحامي بعد ذلك أن يرجعوا الى أمهات الكتب الفقهية إذا أرادوا مزيدا من الشرح أو الإطلاع على آراء المذاهب الفقهية في أي مسألة تشريعية أو حكم فقهي ...
. تكمن أهمية التقنين لدى دعاته في حسم مادة الاختلاف وتعدد الآراء الإجتهادية في المسألة الواحدة، فمن يرجع الى الكتب الفقهية سيكتشف حجم اختلاف الفقهاء والمجتهدين، فما من مسألة إلا ويوجد فيها أقوال عدة مختلفة ومتناقضة بين الوجوب والنهي والتحليل والتحريم .. ليس بين المذاهب المتعددة بل داخل كل مذهب هناك أكثر من رأي في مسألة ما.. وهكذا تتعدد الآراء فبأي هذه الآراء سيحكم القاضي؟ وما هو الرأي الذي سيختاره المحامي للدفاع عن موكله.. إن التقنين يقدم الرأي الراجح والمعتمد في الحكم وفق ضوابط علمية بعيدة عن الهوى أو المصالح الفردية أو السياسية، وبالتالي يجنب القاضي الخوض في معمعة الاختلافات الفقهية والاجتهادية، ويسهل عليه النطق بالحكم في مدة زمنية معقولة، في زمن تتكاثر فيه القضايا وتحتاج الى حكم قضائي يحقق العدل والأمن في المجتمع .. (١٦).
من أهم أدلة المناصرين للتقنين والمدافعين عنه، أن الرجوع الى الأحكام المقننة، يجنب القضاة والحكام المحاباة أو السقوط في اتباع الأهواء والمصالح الشخصية عند البحث أو اختيار الحكم في القضايا المعروضة، فهو ملزم
الفقه المقارن - العددان ( ٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
تقنين أحكام الشريعة الأهمية الواقع والعقبات
بالحكم المقنن وتطبيقه كلما توفرت الأسباب والحيثيات، وهنا يصبح التقنين حاميا لحقوق المواطنين وضامنا للمساواة أمام القانون والشريعة ..
. إن التقنين اليوم ليس فقط ضرورة من ضرورات العصر ومقدمة لتحكيم الشريعة وأسلمة القوانين في الدولة، وإنما أصبح وسيلة من وسائل تبليغ أحكام الله تعالى وتيسير تطبيقها في القضاء والمحاكم، وآلية لتنظيم حياة الناس، لذلك ينبغي القيام به وإنجازه على أن يكون شاملاً لجميع التشريعات المعاملاتية، وعدم الإقتصار على الأحوال الشخصية وتشريعات الأسرة كما هو الشأن في عدد من الدول العربية والإسلامية .. (۱۷).
. من أهم الأدلة المؤيدة للتقنين والكاشفة عن إيجابياته، أن الشريعة عندما تصبح مقننة ومدونة ومطبوعة ومتداولة بين الناس، فإن ذلك سيحقق عدة فوائد، منها: أولا: معرفة الناس الأحكام الشرعية والحقوق والواجبات، ثانياً: معرفة العقوبات المترتبة على المخالفة، وأن الناس سواسية أمام القانون... ثالثاً: هذه المعرفة تحقق الردعين الخاص والعام.. رابعاً يتيح التقنين للقضاة والمحامين الرجوع بسهولة الى الشريعة وحكمها في أي قضية وعدم إضاعة الوقت في البحث في موسوعات الفقه والأحكام للتعرف على الحكم في أي قضية .. خامساً: إتاحة الفرصة لغير المسلمين من قانونين ومفكرين للإطلاع على الشريعة الإسلامية وأحكامها بيسر كذلك...
في الوقت الحاضر تتزايد باضطراد المستجدات والنوازل التي لم يتناولها الفقهاء المتقدمون ، ولم يبينوا الحكم الشرعي فيها، كالمعاملات التجارية وقضايا التأمين والمقاولات ووسائل الإثبات العصرية وغير ذلك من القضايا المستجدة.. وليس من الحكمة ترك هذه المستجدات التقدير واجتهاد القضاة من غير تقنين، لا سيما ومشاغل القضاة كثيرة وكذلك الأعباء التي تتزايد عليهم يوما بعد يوم... (۱۸) .
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
من فوائد التقنين أنه يُوحد الأحكام القضائية في المسالة الواحدة، في أي دولة، لأن القاضي سيكون ملزما بالرجوع الى التشريعات المقننة والمعمول بها في الدولة ولا يحق له تجاوزها، وإن فعل سيكون بذلك مخالفا للقانون الشرعي المعتمد في الدولة.. وبذلك نتجنب تضارب الأحكام في المسألة الواحدة...
وإذا ما اعتمد التقنين المذاهب الإسلامية كافة فإنه قد يكون مدخلا لتوحيد الأمة على مستوى التشريع ، وهذه فائدة عظيمة بلا شك...
. إن المستجدات تحتاج الى حكم شرعي ينص عليه في التقنين، وليس من الحكمة ترك ذلك لاجتهاد القضاة، لعدم توافر صفات الاجتهاد في أكثرهم، وعدم تفرغهم للبحث، والإستقصاء في كل مستجد، وخصوصا مع تطور الحياة ن وكثرة المستجدات فيها .. (١٩).
في الشريعة نظريات فقهية مهمة لا تحتاج إلا الى صياغة وبناء يقوم على أركان قوية ، مثل نظرية التعسف في استعمال الحق ، ونظرية تحمل التبعية، ومسؤولية عديم التمييز .. إلخ (۲۰) وغيرها من النظريات المهمة التي تحتاج أن تعرف.
. وأخيرا إذا كان في التقنين مفسدة كما يدعي المحرمون له فإن مفاسد عدم التقنين أكبر وأعظم وأخطر ، وهذا واضح عند المقارنة والترجيح بين المفاسد المدعاة والمنافع التي سيحققها، وفي ميزان العقل والصلحة فإن الترجيح لصالح التقنين بطبيعة الحال!؟
ترجيح أدلة القائلين بجواز التقنين وضرورته ...
بعد هذا الاستعراض السريع لأدلة الفريقين المحرمين والرافضين للتقنين الشريعة الإسلامية، والمجوزين ودعاة ومناصري التقنين، يمكن بسهولة ترجيح أدلة القائلين والمناصرين لتقنين الشريعة في العصر الحاضر، وذلك لعدة اعتبارات...
أولاً: أدلة المجوزين للتقنين أقوى وردود المخالفين عليها كانت ضعيفة بل
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳م :
تقنين أحكام الشريعة: الأهمية، الواقع والعقبات
متهافتة ومتناقضة في بعض الأحيان، ويمكن الرد عليها بسهولة كما مر معنا ...
ثانياً : بعض شبهات وادعاءات المحرمين للتقنين واهية ولا تقف في وجه النقد والتحليل والمناقشة واستشهاداتهم بالتاريخ وأقوال علماء المذاهب هي كذلك لم ترق الى الإجماع عليها، فلا يوجد اجماع البته على حرمة التقنين وعبر التاريخ كان هناك نوع من التقنين الجزئي، ولو تحققت دواعي التقنين في الماضي لقام به السلف فقدرتهم على كتابة الموسوعات الفقهية المبوبة والمرتبة على شكل أبواب وفصول وحواشي.. إلخ، تدل على قدرتهم على التقنين لو توفرت دواعي ذلك ...
ثالثاً: المخاوف التي أثارها المحرمون والرافضون مثل ادعائهم بأن التقنين قد يكون مقدمة تدريجية لإحلال القوانين الوضعية محل الشريعة، هذه المخاوف مبالغ فيها كثيرا فكيف ستتحول الإستفادة الشكلية من عملية تقنين التشريعات الوضعية إلى إدخال هذه التشريعات إلى صلب مشروع التقنين للشريعة الإسلامية، مع العلم ان الهدف الرئيس للتقنين هو تيسير العمل بالشريعة وعصرنتها على مستوى الشكل لتطبيق أحكامها وأسلمة الأنظمة والقوانين في الدول الإسلامية، ومحاولة إحلال الشريعة محل القوانين الوضعية، خصوصا وقد ادعى عدد من المفكرين والسياسيين والقانونيين العلمانيين - في معرض ردهم على الإسلاميين الذين يرفعون شعار العودة الى الشريعة والتحاكم إليها في شؤون المجتمع - بأن الشريعة غير مؤهلة لتحل محل القوانين الوضعية، لأنها غير مقننة.. فهل يعقل أن يصبح مشروع تقنين الشريعة مقدمة لإحلال القوانين الوضعية محلها ؟!
. إن الاستفادة من الإجراءات الشكلية من تبويب وصياغة الأحكام الفقهية لتصبح مواداً ونصوصاً وقواعد قانونية لها خصائص القواعد القانونية ، وفهرسة هذه المواد وترقيمها وتحويلها الى أبواب وفصول .... إلخ كل ذلك في صالح الشريعة لتجديدها وتطويرها على مستوى الشكل لتسهيل الاستفادة منها في عصر السرعة وكثرة القضايا والمستجدات ، وتمكين
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
القضاة والمحامين من الرجوع اليها بسرعة بدل إضاعة الوقت بالرجوع الى موسوعات ضخمة تحتاج الى جهد وزمن طويل للاطلاع عليها، ناهيك عن صعوبة الاستفادة منها بسبب اللغة الفقهية الصعبة والتي لم تعد متداولة إلا في إطار عدد من المؤسسات العلمية المعينة، بالإضافة الى كثرة الشروح والتفريعات والردود والمناقشات وعرض للأقوال المختلفة، يضيع معها غير المتخصص ...
من أهم مزايا التقنين والتي ترجح كفة دعاته والمناصرين له أن التقنين يمكن ان يكون مدخلا للوحدة الإسلامية وخطوة بالتجاه التقريب بين المذاهب الإسلامية ...
فالتقنين اذا ما تم عن طريق مجامع فقهية يشترك فيها فقهاء وعلماء وخبراء قانونيين من جميع الدول العربية والإسلامية ومن جميع المذاهب الإسلامية السنية والشيعية وتمت المصادقة على مشاريع التقنين من طرف الحكومات ومجالس الشورى وأقرت للعمل بها وتطبيقها، فإن ذلك سيكون مظهرا من مظاهر الوحدة التشريعية بين المسلمين، حيث تتوحد التشريعات والأقضية، ومن خلالها تتوحد المعاملات بين المسلمين مع تعدد مناطقهم ودولهم...
. أما بالنسبة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، فإن التقنين عندما ينفتح على جميع المذاهب الإسلامية ، ويقوم العلماء المقننون باختيار الرأي والإجتهاد الأقوى دليلا والأكثر انسجاما مع روح الشريعة ومقاصدها، والأقرب لتحقيق العدالة الإلهية والمصلحة للمسلمين وللأمة المسلمة والأكثر انسجاماً مع متطلبات العصر، فإن ذلك سيؤدي لا محالة الى التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهذا ما يؤدي الى تقوية وتمتين الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية وتحصينها من الخلافات المذهبية والتي طالما كانت سببا لإثارة الصراعات المذهبية الدموية كما يحدث الآن في عدد من الدول العربية والإسلامية .. (۲۱).
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
. وهناك فائدة أخرى لا تقل أهمية ، وتتعلق بما يتيحه التقنين من إمكانية اطلاع غير المسلمين على الشريعة الإسلامية، وقد كتبت بأسلوب قانوني يفهمونه وبلغة مختصرة وواضحة، تجعلهم يكتشفون عظمة الشريعة الإسلامية وأهميتها، ومكانتها في تاريخ التشريع، وانسجامها مع الفطرة ومتطلبات التطور وحقوق الإنسان، وبالتالي صلاحيتها لهذا الزمان كما يعتقد المسلمون والمؤمنون بها إيماناً عقائدياً .. وبالتالي تيسير الاستفادة منها كذلك بالنسبة لخبراء القانون والتشريع في العالم...
. وبخلاف ما ادعاه الرافضون للتقنين من أنه سوف يؤدي الى قطيعة مع التراث الفقهي وسيؤثر على حركة الإجتهاد، فإن حركة التقنين قد تكون منطلق للعودة الى التراث الفقهي واستحضاره وقراءته والبحث فيه خصوصا اذا أشرفت على جهود التقنين مجامع علمية يشارك فيها كبار العلماء والفقهاء في العالمين العربي والإسلامي، وكذلك عندما يتم الإنفتاح على جميع المذاهب ومناقشة جميع الآراء الإجتهادية، والبحث في الأدلة وترجيح الرأي الأقوى دليلا، بعيدا عن الأهواء والتحكمات الطائفية والأهواء السياسية، فإننا سنكون أمام حركة اجتهادية نشطة لن تؤدي فقط الى تقنين الشريعة، وإنما ستكون فرصة لإعادة النظر في عدد من القضايا والمسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية وبحثها والوصول الى قول جديد فيها ينتصر للحق وللبرهان ومصلحة الأمة ..
. وكذلك يمكن أن يُشكل التقنين فرصة للإجتهاد الجماعي في القضايا المعاصرة والمستجدات
هذه بعض مزايا وفوائد ومنافع التقنين، وهي بلا شك راحجة على أي مفسدة يدعيها المحرمون والرافضون والمتوجسون من مشروع تقنين الشريعة الإسلامية ...
و نختم هذا المطلب بما قاله الخبير المصري في القانون والشريعة الدكتور عبد الرزاق السنهوري (رحمه الله):
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق.
في الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادىء لا تقل في الرقي والشمول وفي مسايرة التطور، عن أخطر النظريات الفقهية التي نتلقاها اليوم عن الفقه الغربي الحديث؟!
المطلب الثالث: منهجية التقنين
كما قلنا سابقا، المقصود بالتقنين هو صياغة الأحكام الفقهية والشرعية على شكل مواد ونصوص يسهل الرجوع اليها من طرف القضاة والمحامين، وآلية الصياغة تتطلب عدة أمور: موضوع التقنين ومصادر التقنين، ومنهج وأسلوب التقنين، والجهة التي ستقوم بالتقنين ...
أولاً : موضوع ومجال التقنين :
إتفق المناصرون ودعاة التقنين على أن مجال التقنين يجب أن ينحصر في أحكام المعاملات، وألا يتجاوزه الى العقائد والأخلاق، لأن من خصائص القاعدة القانونية الإلزام، والأساس في الإيمان والأخلاق (لا إكراه في الدين)، وإنما الأمر متروك للإلتزام الشخصي والرغبة في التزكية وبلوغ الكمال الروحي، لكن في إطار تحكيم الشريعة في الواقع وكون الشريعة الإسلامية منظمة لحياة الفرد في جميع تفاصيل حياته ، فقد تقنن بعض الأحكام المتعلقة بالأخلاق والسلوك الأخلاقي وتكتسب صفة الإلزام في المجتمع الإسلامي، لأن من أهداف الشريعة ليس فقط تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع وإنما تسعى كذلك إلى إيصال المجتمع ككل إلى الكمال والرقي الروحي والاجتماعي.. وهذا الأمر سيكون من خصائص تقنين الشريعة الإسلامية...
ثانياً : مصادر التقنين :
ليس هناك اختلاف بين الفقهاء وعلماء المذاهب في أن مصادر التقنين الأساسية هي القرآن الكريم وما صح من السنة النبوية الشريفة، ولكن هناك اختلاف في باقي مصادر الإستنباط المعروفة لدى المذاهب الإسلامية، مثل : العقل والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وقول الصحابي وغيرها من المصادر المختلف فيها.
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
والإختلاف هنا يمكن تجاوزه إذا ما اعتمد التقنين جميع المذاهب الإسلامية المعتبرة ، وتم اختيار الرأي الإجتهادي الراجح بناء على قوة الدليل وانسجام الرأي المختار مع روح الشريعة ومقاصدها ...
ثالثاً : الجهة التي تقوم بالتقنين :
حسب التجارب الرسمية والفردية في مجال التقنين ، فإن من قام بالتقنين هم نخبة من علماء الفقه والشريعة وخبراء في القانون الوضعي، وهذا ما أكده الشيخ أحمد محمد شاكر وهو من دعاة التقنين والمؤيدين له بقوة حيث يقول: «يسند ذلك الى لجنة قوية من أساطين رجال القانون ، وعلماء الشريعة، ويجب أن تكون موفورة العدد، يكون منها لجنة عليا تضع الأسس وترسم المناهج، وتقسم العمل بين لجان فرعية ، ثم تعيد النظر فيما صنعوا ووضعوا لتنسيقه وتهذيبه.. حتى إذا ما استقر الرأي عليه عرض على السلطات التشريعية لإقراره وإصداره ، وإصدار القانون للعمل به ... (۲۲).
رابعاً : منهج وأسلوب التقنين :
هناك خطوات منهجية لا بد من اتباعها ، لتتم الصياغة على أفضل وجه :
تبويب الأحكام أي تحويلها الى أبواب وفصول ومباحث، حسب ورودها في الموسوعات الفقهية المعتبرة.
يتصدر جميع الأبواب ، باب يتضمن القواعد العامة ليسهل لدى القضاة الربط بين الأحكام والأصول الفقهية ...
تجنب ذكر الأمثلة والأسباب والتعليلات والتعريفات والتقسيمات الفقهية وعدم الإحاطة بكل الجزئيات والتفريعات لأن ذلك من مهام الفقهاء، كما يرى العلامة السنهوري (٢٣)
. اعتماد المصطلحات الفقهية والأصولية التي اعتمدها كبار الفقهاء في مصنفاتهم الفقهية المعتبرة ...
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
يجب ان تتم الصياغة بلغة واضحة بعيدة عن الغموض ، والحشو والمحسنات البلاغية والسجع والإطناب وغيرها من فنون الإنشاء ، وأن تكون مباشرة غير قابلة للتأويل تجنبا للاختلاف في التفسير ، لغة يفهما القضاة والمحامون وعامة الناس .
الخلاصة :
وهكذا يتبين لنا أن تقنين أحكام الشريعة الإسلامية أصبح ضرورة وحاجة ماسة ، خصوصا لجهة تطبيق الشريعة الإسلامية، وتأكيدا على صلاحيتها لكل زمان ومكان ومواكبتها للتطورات والمستجدات، وأن التقنين لا يمس جوهر الشريعة ومبادئها الأساسية وإنما يهتم بالصياغة اللغوية والشكلية ...
كما أثبتت تجارب التقنين التي أنجزت في أواخر الدولة العثمانية وما تبعها من تجارب وجهود رسمية وفردية في أغلب الدول العربية والإسلامية...
وأنه ممكن التحقق على أرض الواقع وأن هذه المشاريع التقنينية أصبحت تشكل تراثا مهما يمكن الإستفادة منه في أي عملية شاملة لتقنين الشريعة في العالم الإسلامي .
لكن هناك ملاحظات مهمة على ما أنجز من مشاريع ، وأهم هذه الملاحظات أن اغلب مشاريع التقنين اقتصرت من حيث المصادر على مذهب معين هو إما مذهب المقنن أو المذهب المعتمد في الدولة التي أشرفت على التقنين .. بينما المطلوب الإنفتاح والإستفادة من التراث الفقهي لجميع المذاهب الإسلامية دون استثناء، وأن يكون ميزان الاختيار هو قوة الدليل وصلاحية الرأي الاجتهادي ومواكبته للواقع الحالي، وانسجامه مع مصلحة الإسلام والأمة...
وبذلك سنكون قد حققنا مجموعة من الأهداف: تقنين الشريعة لجعلها صالحة للتطبيق وتحقيق الوحدة التشريعية للأمة والتقريب بين مذاهبها واجتهادات أئمتها ...
٥٤
الفقه المقارنة - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
أنموذج معاصر لتقنين الحدود الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الكتاب الأول: الكليات
الباب الأول: الأحكام العامة
المادة 1: يتكفل قانون العقوبات الإسلامية تحديد أنواع الجرائم والعقوبات والإجراءات الوقائية والتأديبية التي تتخذ بحق المجرم.
المادة : كل فعل أو امتناع عن فعل نص القانون على العقوبة عليه، فهو جريمة.
المادة : تطبق أحكام قانون العقوبات بحق كل من يرتكب الجريمة داخل نطاق السيادة الإيرانية براً وبحراً وجواً، إلا إذا نص القانون على اتخاذ إجراء آخر بشأنه.
المادة ٤: إذا تحقق جزء الجريمة داخل البلاد، وبرزت نتيجته في الخارج، أو تحقق جزء الجريمة في الداخل أو الخارج، وبرزت النتيجة في الداخل، كان ذلك بحكم تحققها في الداخل.
المادة ٥ كل من يرتكب إحدى الجرائم المذكورة أدناه خارج البلاد سواء
كان إيرانياً أو أجنبياً، ثم يُعثر عليه في إيران أو يعاد إليها فإنه يعاقب وفقاً لقوانين الجمهورية الإسلامية
1- مناهضة الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمساس بوحدة أراضيها وأمنها الداخلي والخارجي واستقلال البلاد.
٢- تزوير أوامر قائد الجمهرية الإسلامية أو محرراته أو ختمه أو توقيعه، أو استخدامها والاستفادة منها.
تزوير الرسائل والمحررات الرسمية لرئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشورى الإسلامي أو رئيس مجلس صيانة الدستور أو رئيس مجلس الخبراء أو رئيس السلطة القضائية أو نواب رئيس الجمهورية أو رئيس ديوان القضاء الأعلى أو المدعي العام أو أي واحد من الوزراء، أو الاستفادة منها.
ملف العدد : تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
٤- طبع الأوراق النقدية المتداولة في البلاد أو السندات المصرفية الإيرانية، مثل الحوالات المصرفية المعتبرة لدى البنوك، أو الصكوك الصادرة من قبل البنوك أو السندات المصرفية المتضمنة للتعهد والالتزام، وكذا تزوير سندات خزينة الدولة وبطاقات الأسهم الصادرة من الدولة أو المضمونة من قبلها، أو عمليات التقليد، وكل عملية تزوير للنقود المعدنية المتداولة في البلاد.
المادة ٦: كل جريمة يقوم بارتكابها الموظفون الأجانب لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو موظفو الحكومة ممن يتواجدون لأداء وظائفهم خارج نطاق سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهكذا كل جريمة يرتكبها موظفو الهيئة السياسية والثقافية والقنصلية الإيرانية المتمتعون بالحصانة الدبلوماسية فإنهم يعاقبون حسب قانون العقوبات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
المادة : علاوة على الأحكام الواردة في المادتين (٥ و ٦) فإن كل إيراني إذا ارتكب جريمة ثم ألقي القبض عليه في إيران فإنه يحاكم حسب قوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
المادة . إذا كانت الجريمة مما نصت المعاهدات الدولية أو القانون الخاص على محاكمة مرتكبها في أي بلد وجد فيه، جاز بموجب ذلك محاكمته طبقاً لقوانين الجمهورية الإسلامية إذا ألقي القبض عليه فيها.
المادة 9 على المجرم إعادة الأموال التي بحيازته إلى المجني عليه إذا كانت العين موجودة، أو دفع مثلها أو ثمنها إذا لم تكن موجودة، وعلى الجاني تحمل التعويضات الناجمة عن الجريمة أيضاً.
المادة ١٠: على قاضي التحقيق أو المدعي العام في حالة إصدار حكم بمنع الملاحقة أو إيقافها تعيين الأموال والأشياء المكتشفة الدالة على وقوع الجريمة أو المستعملة فيها حين ارتكابها أو المعدة للاستعمال فيها، وذلك لغرض استرجاعها أو مصادرتها أو إتلافها كما يتعين على قاضي التحقيق أو المدعي العام بناء على طلب المدعي ما دام الملف تحت إشرافها إصدار أمر بإرجاع الأموال والأشياء
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
تقنين أحكام الشريعة الأهمية، الواقع والعقبات
المشار إليها أعلاه إلى مدعيها وذلك ضمن الشروط التالية:
القضاء. 1- عدم الحاجة إلى إبقاء جميع الأموال أو قسم منها في قسم التحقيق أو لدى
٢ - ألا يكون هناك مدع آخر لهذه الأموال والأشياء.
ألا تكون في عداد الأموال التي يجب مصادرتها أو إتلافها.
ويتعين على المحكمة أيضاً حال إصدار الحكم أو القرار القضائي أو بعده - سواء كان قراراً بالبراءة أو توقف الملاحقة - في الأمور الجنائية كافة، أن تصدر حكماً خاصاً باسترداد أو مصادرة أو إتلاف الأموال والأشياء المستعملة في الجريمة أو المخصصة للاستعمال فيها.
التكملة -1- يحق للمتضرر بقرار قاضي التحقيق أو المدعي العام أو الحكم الصادر عن المحكمة، رفع شكوى جراء القرارات الصادرة حول الأشياء والأموال المذكورة في هذه المادة لدى المحاكم الجنائية، وطلب استئناف الحكم فيها حتى لو كان القرار أو حكم المحاكمة في الأمر الجنائي غير قابل لرفع الشكوى ضده.
التكملة ٢- إذا استدعى حفظ المال تكاليف لا تتناسب ووضع الدولة، أو كان الحفظ مؤدياً إلى التلف أو انخفاض القيمة انخفاضاً فاحشاً، ولم يكن حفظها ضرورياً للقضاء، أو كان المتاع مما يُسرع إليه الفساد؛ بيع كل ذلك بسعر السوق بأمر المدعي العام أو المحكمة، وأودع المبلغ في صندوق وزارة العدل إلى حين البت النهائي في الدعوى.
المادة ١١: يتعين بموجب الضوابط والمقررات الحاكمة في البلاد تطبيق جميع العقوبات والإجراءات الوقائية والتأديبية طبقاً للقانون الذي سبق وقوع الجريمة. ولا يمكن اعتبار أي فعل أو امتناع عن فعل جريمة يعاقب عليها الفرد، بناء على قانون مشرع لاحقاً.
نعم، يؤثر القانون اللاحق إلى حين صدور الحكم النهائي إذا كان يستوجب
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
تخفيفاً أو رفعاً للعقوبة، أو كان متضمناً - بحكم لحاظات خاصة - إرفاقاً بالجاني.
وأما في حال صدور الحكم النهائي طبقاً للقانون السابق فإنه يتم العمل بما يلي:
1- إلغاء الحكم السابق إذا لم يعتبر العمل المرتكب جريمة بموجب القانون اللاحق. ويوقف إذا كان في حيز التنفيذ وفي كلتا الحالتين وكذا في حالة ما إذا قد تم تنفيذ الحكم فإنه لا يترتب أي أثر جنائي على ذلك. علماً أن تطبيق هذه الضوابط لا يشمل القوانين الموقتة بمدة معينة، أو المشرعة لحالة خاصة.
- يحق للمحكوم عليه المطالبة بتخفيف العقوبة بموجب القانون اللاحق وتقوم المحكمة المصدرة للحكم أو المحكمة التي تنوب عنها بتخفيف العقوبة السابقة.
- إذا أبدلت عقوبة الجريمة حسب القانون الجديد بإجراءات وقائية أو تأديبية فإن هذه الإجراءات هي التي ستكون موضع التنفيذ لا غير.
الباب السادس: حد شرب الخمر
الفصل الأول - موجبات حد شرب الخمر:
المادة ١٦٥: يثبت الحد بشرب الخمر قليلاً كان أو كثيراً، أسكر أو لم يسكر، خالصاً كان أو ممزوجاً بغيره ما لم يخرج عن مسمى السكر.
التكملة 1: عصير الشعير في حكم الخمر وموجب للحد، وإن لم يكن مسكراً. التكملة : يحرم تناول العصير العنبي المغلي بنفسه أو بالنار أو الشمس أو غيرها، ولكنه لا يوجب حداً.
الفصل الثاني - شروط حد شرب الخمر:
المادة ١٦٦: يثبت حد شرب الخمر بشرط أن يكون المتناول بالغاً، عاقلاً، مختاراً، عالماً بحرمته وخمريته.
التكملة -1- إذا ادعى شارب الخمر الجهل بالحكم أو الموضوع، واحتمل صدق دعواه، سقط عنه الحد.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
تقنين أحكام الشريعة الأهمية الواقع والعقبات
التكملة - إذا كان عالماً بحرمة شرب الخمر ثبت عليه الحد. وإن كان جاهلاً بإيجاب الشرب للحد.
المادة ١٦٧: لا حد على الشارب المضطر إذا كان بمقدار الضرورة للنجاة من الموت، أو مرض صعب العلاج.
المادة ١٦٨ يثبت الحد بالإقرار مرتين
المادة ١٦٩: يتحقق الإقرار مع البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد.
المادة ۱۷۰ يثبت الحد بشهادة رجلين عدلين
المادة ۱۷۱: إذا شهد أحد الشاهدين بشرب الخمر، وشهد الآخر بأنه قاءه، ثبت الحد.
المادة ۱۷۲: يجب أن تتطابق الشهادة في تحديد الزمان والمكان وسائر الخصوصيات، ولكن لو شهد أحدهما على أصل الشرب، وشهد الآخر على شرب نوع خاص، ثبت الحد.
المادة :۱۷۳ ثبوت الحد بالإقرار والشهادة مشروط بألا يكون هناك احتمال عقلائي على وجود عذر للمتناول.
المادة ١٧٤ حد الشارب ثمانون جلدة، رجلاً كان أو امرأة.
المادة ١٧٥ تتراوح مدة السجن لمن يتصدى لعمليات الإنتاج، والنقل والبيع والشراء، والعرض للمشروبات الكحولية، ما بين ستة أشهر إلى سنتين، كما أن كل من يقوم بسبب خداعه أو ترغيبه أو تطميعه بتسهيل الاستفادة من الكحوليات، يعد معاوناً على شرب الخمر، فيضرب إلى أربع وسبعين جلدة.
الفصل الثالث - كيفية تنفيذ الحد:
المادة ١٧٦: يضرب الرجل قائماً مجرداً من ثيابه، عدا ما يستر العورة. وتضرب المرأة فوق ثيابها وهي جالسة.
تكملة ـ لا يصيب الجلد مواضع الوجه والرأس والعورة.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي الواقع والآفاق .
المادة :۱۷۷ ينفذ الحد بعد الإفاقة وزوال السكر.
المادة ۱۷۸: إذا تكرر الشرب مراراً ولم ينفذ الحد حد مرة واحدة.
المادة ۱۷۹: إذا تكرر الشرب، وأقيم الحد عليه في كل مرة، قتل في الثالثة.
المادة :۱۸۰ يسقط الحد بعروض الجنون أو الارتداد.
الفصل الرابع - شروط سقوط الحد أو العفو عنه:
المادة ۱۸۱: إذا تاب قبل الشهادة عليه سقط الحد، وإذا تاب بعدها لم يسقط.
المادة :۱۸۲: إذا تاب بعد الإقرار بالشرب، كان للقاضي طلب العفو له من ولي الأمر، أو تنفيذ الحد بحقه.
الهوامش
(1) أنظر المعجم العربي الأساسي مجموعة من كبار اللغويين العرب، ص ۱۰۱۰. نقلا عن : د. عبد المجيد بوكركب، تقنين الأحكام الشرعية ودورها في إثراء المنظومة القانونية الجزائرية، ورقة مقدمة المؤتمر الشارقة عن القضاء الشرعي في العصر الحاضر : الواقع والآمال، سنة ٢٠٠٦م ، منشورة على الإنترنت).
(۲) المدخل الفقهي العام ، ج ص ۳۱۳، والمصدر السابق.
(۳) أنظر : ملخص دراسة له على شبكة الإنترنت بعنوان : موقف الفقهاء من تقنين أحكام الشريعة الإسلامية : دراسة مقارنة.
(٤) د. حماد مصطفى عزب مبادی القانون، القاهرة، دار النهضة العربية، ص ١٠.
(5) أنظر للمزيد حول الموضوع د. مصطفى محمد الجمال، تجديد النظرية العامة للقانون، نحو
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :
تقنين أحكام الشريعة: الأهمية، الواقع والعقبات
توضيف أصول الفقه الإسلامي في بناء أصول القانون، دار الفتح للطباعة والنشر، ط - ٢٠٠٢م ، ج ۱ ص ۱۳.
(1) الشيخ عباس الكعبي، النظام القانوني في الإسلام مقارنا بالنظم الوضعية دراسة منشورة على شبكة الإنترنت.
(۷) أنظر للمزيد حول الموضوع : د. عبد الله الجبوري، تقنين الشريعة الإسلامية وصلته بتطبيقها في القضاء الشرعي، ورقة مقدمة لندوة : القضاء الشرعي في العصر الحاضر: الواقع والأمال، بجامعة الشارقة سنة ۲۰۰٦م، أنظر الورقة على شبكة الإنترنت...
(۸) أنظر : د. عبد الله الجبوري، م . س، ود. وهبه الزحيلي جهود تقنين الفقه الإسلامي، ص ۲۹.
(۹) أنظر للمزيد حول هذه القضية الأستاذ شويش المحاميد، مسيرة الفقه الإسلامي، ص ٤٤١.
(۱۰) عبد الرحمن الجرعي، تقنين الأحكام الشرعية، ص 9 وما بعدها...
(۱۱) د. عبد المؤمن شجاع الدين، موقف الفقهاء من تقنين أحكام الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة ص ٢٥، أنظر ملخص الدراسة على شبكة الإنترنت.
(۱۲) للمزيد من التفصيل حول الموضوع: أنظر: عبد الرحمن الجرعي، تقنين الأحكام الشرعية، ص ۸ وما بعدها
(۱۳) أنظر : د. عبد المؤمن شجاع الدين، موقف الفقهاء من تقنين أحكام الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة، م. س، ص ۲۷.
(١٤) أنظر للمزيد من التفصيل حول هذه القضية عبد الرحمن الشتري تقنين الشريعة، م.س، ص ۱۸ وما قبلها.
(١٥) أنظر: عبد الرحمن القاسم، الإسلام وتقنين الأحكام، نقلا عن د. عبد الله الجبوري ، م .س
(١٦) أنظر للمزيد حول هذه القضية د. وهبة الزحيلي جهود تقنين الفقه الإسلامي، ص ۲۷.
(۱۷) د. الجبوري، مصدر سابق.
(۱۸) عبد الرحمن الشتري تقنين الشريعة، ص ٣٠.
(۱۹) أنظر: د. عبد الله الجبوري، م. س.
(۲۰) أنظر : مواقف الفقهاء من تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، م. س . ص ٢٩.
(۲۱) أنظر للمزيد حول الموضوع، مصطفى أحمد الزرقاء المدخل الفقهي العام، ج ۱ ص ۳۰۷.
(۲۲) الكتاب والسنة يجب ان يكونا مصدراً للقوانين في مصر، ص ٤٣، نقلا عن د. عبد المجيد بوكركب، م. س.
(۲۳) حول وجوب تنقيح القانون المدني المصري، مجلة القانون والإقتصاد، ص ۷۰، نقلا عن د. عبد المجيد بوكركب، م.س.