ملف العدد
الفقه والقانون ومناطق الفراغ
الدكتور عوض محمد عوض (*)
إن تدوين القواعد القانونية بصورة تشريع مكتوب يساهم في تحقيق ميزة كبرى لها، لأنه يتيح صياغتها في عبارات موجزة تراعى فيها الدقة والشمول والوضوح، مما يسهل استيعاب الحكم، وتجنب اللبس الذي قد يجر إلى الانحراف عن المعنى المراد، وهي سنة التشريعات المعاصرة التي جرت على تجميع النصوص الخاصة بفرع من فروع القانون، ثم بمجموعة متجانسة من المسائل، وتدوينها في وثيقة واحدة، وهو ما يطلق عليه اسم التقنين، بغية تيسير الوصول إلى الأحكام، ورفع ما قد يقع فيها من تناقض واضطراب، وسهولة الرجوع إليها عند الحاجة. وأما ما يراد من فراغ النظام القانوني - وضعياً كان أم غير وضعي - فلا يعني خلو النظام من حكم أي واقعة، وهو غير وارد على الإطلاق، بل المراد بالفراغ في الحقيقة خلو النظام القانوني من نص خاص يبين الحكم تفصيلاً، وهو المتصور منه.
إن الموضوع يتحدد إطاره وتتوضح معالمه من خلال النقاط التالية:
۱ - الفقه والقانون متلازمان، فكل منهما يقتضي الآخر، إلا أن القانون أسبق نشأة من الفقه والقانون أياً كان مصدره هو خطاب من سلطة شارعة إلى المكلفين
(*) أستاذ في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية - مصر.
الفقه والقانون ومناطق الفراغ
يتعلق بأفعالهم ويقترن بجزاء يُصيبهم إذا خالفوا أمر هذه السلطة أو نهيها. ولهذا فالقاعدة القانونية تتكون من شقين، أحدهما التكليف والآخر الجزاء. والسلوك الإنساني - إيجاباً أو سلباً - هو محل التكليف. وقد يتواطأ أفراد الجماعة على صورة السلوك الواجب فيكون منشأ القاعدة هو العرف، وقد تتولى إحدى سلطات الدولة تحديد صورة السلوك فيكون مصدر القاعدة هو التشريع الوضعي، وقد يكون السلوك مأموراً به أو منهياً عنه من عند الله فيكون مصدر القاعدة هو الدين.
والقواعد العرفية بطبيعتها غير مدونة، أما قواعد التشريع الوضعي والقواعد الدينية فمدونة في شكل نصوص. وقد انتشرت في العصور الحديثة ظاهرة تدخل الدولة في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد عن طريق التشريع، وضاق بالتالي نطاق القواعد العرفية إلى مدى كبير. بل إن الدولة الحديثة - حتى الإسلامية منها - عمدت إلى أسلوب التشريع لتقنين معظم القواعد العرفية، بل وكثير من القواعد الدينية، وذلك إما ضبطا لأحكامها، أو تيسيراً للتعرف عليها، أو حسماً لخلاف يدور بشأنها، أو عدولاً - للمصلحة - عن بعضها إلى غيرها. على أن إلباس هذه القواعد ثوب التشريع لا ينفي نسبها ولا يغير من طبيعتها وضوابط تفسيرها.
ولا شك إن إصدار القواعد القانونية في شكل تشريع مكتوب يحقق ميزة كبرى؛ لأن هذا يتيح صياغتها في عبارة تتسم بالإيجاز من جهة ويمكن من إفراغها في قالب لفظي تراعى فيه الدقة والوضوح والشمول من جهة أخرى . أما الإيجاز فلازم السرعة استيعاب الحكم وتجنب اللبس الذي قد يجر إليه الإطناب ويقصد بالإيجاز الاقتصاد في النصوص أولاً وفي ألفاظ كل نص ثانياً. ويتحقق الإيجاز باستخدام أقل ما يكفي من الألفاظ للإبانة عن المعنى المراد. فلا مجال في لغة التشريع للمحسنات اللفظية ولا المرادفات اللغوية.
على أنه ينبغي الحذر من أن يبلغ الحرص على الإيجاز حد الإلغاز، وإلا فقد النص شرط الوضوح أو شرط الشمول. وإذا تعارض الإيجاز مع الوضوح أو الشمول وجب التجاوز عن شرط الإيجاز؛ لأنه على أهميته شرط تحسيني، أما
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
الشروط الأخرى فضرورية. ولنا في نصوص القرآن الكريم أسوة؛ فآيات المداينة والمواريث والمحرمات من النساء والملاعنة تتسم بالطول إذا ما قورنت بغيرها، وكلها مثل أعلى في الدقة والبلاغة.
٢ - وتجري سنة التشريعات المعاصرة على تجميع النصوص الخاصة بفرع
من فروع القانون أو بمجموع متجانس من المسائل في وثيقة واحدة، وهو ما يعرف بالتقنين. وهذا عمل طيب؛ لأن النصوص القانونية الخاصة بتلك الفروع أو المسائل تبلغ - عادة - من الكثرة حداً لا يؤمن معه التعارض بينها، فيكون جمعها وضم بعضها إلى بعض في وثيقة واحدة معيناً على تحقيق التناسق بينها ورفع ما قد يقع فيها من تناقض وتدارك ما قد يبدو فيها من قصور، هذا فضلاً عن تيسير التعرف عليها والرجوع إليها. وهذه الفكرة وإن كانت مستحدثة في الغرب وعنه نقلت إلى تشريعات الدول الإسلامية، إلا أنها ليست جديدة على الفقه الإسلامي كل الجدة فقد عرفها السلف على نحو ما نراه في بعض العهود، وإن كان الباعث عليها اعتباراً آخر. وهذا ما نلمسه فيما يعرف بالمتون)، وكانت الغاية منها مختلفة، إذ كان بعض فقهاء المذاهب يدونون أحكام مذهبهم في عبارات شديدة التركيز تبلغ أحياناً حد الإلغاز، بل والخروج عن التركيب السليم للغة كما تعارف عليه أهلها، وكان القصد من ذلك تيسير حفظ هذه المتون على دارسي المذهب، على أن يعودوا بعد ذلك إلى شروحها في مطولات المذهب أو على حواشيها.
الفقه والفقهاء
- أما الفقه فهو العلم بأحكام القانون المستمدة من جملة نصوصه، سواء كانت نصوصاً وضعية أو شرعية، وكذلك العلم بأصول الاستدلال على تلك الأحكام واستنباطها. ولما كانت النصوص هي موضوع الفقه فهي بالضرورة أسبق منه في النشأة، إذ لا يتصور أن يعمل الفقه في فراغ، بل هو لا يحيا إلا في رحاب قانون مشخص ومبين. والأصل في الفقه أنه لا ينشىء أحكاماً إلا على سبيل المجاز، وإنما هو يستدل عليها أو يستنبطها من النصوص. أما ابتداء الأحكام
٦٤
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
الفقه والقانون ومناطق الفراغ
فموكول إلى سلطة التشريع. وكل ما يصل إليه الفقه من أحكام فهو إما أن يكون مستمداً بطريق مباشر من نص أو محمولاً على نص. ولهذا فالقول باستقاء القانون مضامينه من الفقه هو قول غير دقيق، إلا أن يكون القانون المقصود هو القانون الوضعي والفقه المقصود هو الفقه الشرعي، وأن يكون المراد باستقاء المضامين صياغة نصوص القانون الوضعي وفق ما خلص إليه فقهاء الشريعة على اختلاف مذاهبهم مع تخير ولي الأمر من بين آرائهم ما يناسب ظرف المكان والزمان؛ فهذا وحده هو ما يمكن أن ينصرف إليه القول بتقنين الفقه.
٤ - وقد برع فقهاء الشريعة في مجال الفقه ونبغوا فيه منذ قرون نبوغاً يثير الدهشة والإعجاب، وقطعوا فيه شوطاً لم يبلغه فقهاء القانون الوضعي حتى يومنا هذا؛ فقد ابتدعوا علماً لا نظير له في أي شريعة أخرى، وهو علم أصول الفقه. ولم يكن ابتداعهم إياه ترفاً فكرياً، بل كان استجابة لحاجة عملية واجهتهم ولم تعرض لغيرهم بنفس الدرجة من الإلحاح. وقد ظهرت هذه الحاجة بعد وفاة الرسول الله وانقطاع الوحي، إذ كان الرسول في حياته هو مصدر التشريع، سواء بصفته مبلغاً عن ربه قرآناً يتلى أو سنة تتبع. ولما كانت وفاته تعني تناهي النصوص، وكانت وقائع الحياة التي يلزم بيان حكم الشرع فيها لا تتناهى، وكان الله قد أكمل للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته، وأنبأهم في كتابه الكريم أنه لم يفرط فيه من شيء، بل نزله تبياناً لكل شيء، فقد فهم الصحابة ثم الفقهاء النابهون من بعدهم أن ما نزل على الرسول من آي القرآن وما صدر عنه من قول أو عمل أو تقرير يكفي عند إعمال العقل لاستنباط حكم شرعي لكل واقعة تعرض للناس في حياتهم. ومن هنا كانت نشأة علم أصول الفقه - كما ذكرنا - تلبية لحاجة عملية لا مجرد ترف فكري.
واتسع مفهوم الفقه عند علماء الشريعة اتساعاً جعل العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية علماً قائماً بذاته، وهو علم الفقه بمعناه الدقيق، وجعل أصول الاستدلال وطريق الاستنباط علماً آخر، وهو ما يعرف بأصول الفقه.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
واستخدم فقهاء الشريعة ببراعة قدراتهم اللغوية والمنطقية، واتبعوا في استنباط الأحكام الشرعية أسلوبين هما السائدان الآن في التفسير لدى فقهاء القانون الوضعي، وهما التفسير اللفظي والتفسير الغائي أو المنطقي. وبلغ فقهاء الشريعة في هذا المجال شأواً بعيداً، سواء في تحليلهم ألفاظ النص أو في تحريهم مقاصد الشرع. وقد عمق علماء الأصول باب المقاصد الشرعية وطوروه، حتى أضحى بدوره علماً قائماً بذاته.
مناطق الفراغ في الفقه ومسؤولية المقنن حيالها
ه - يحسن تحرير مصطلح «الفراغ» قبل البدء في معالجة مشكلته. فليس المراد به خلو النظام القانوني من حكم في بعض الوقائع أو النوازل؛ إذ لا يخلو نظام قانوني - وضعياً كان أو إسلامياً من حكم في أي واقعة. وموقف النظم القانونية حيال أفعال المخاطبين لا تعدو الحكم عليها بالمشروعية أو بعدمها والقاعدة أن كل فعل لم يرد بحظره - سواء بعينه أو بجنسه - نص في القانون فهو مشروع أي مباح. ويزيد الشرعيون الأمر تفصيلاً فيجعلون حكم القانون ـ فـي المنظور الإسلامي - متراوحاً بين الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة. وعلى هذا الأساس فلا يمكن أن يخلو فعل - أو واقعة حال - من واحد من هذه الأحكام. ومن ثم ففراغ النظام القانوني من الحكم غير وارد على الإطلاق وإنما المراد بالخلو في حقيقة الأمر خلو النظام القانوني من نص خاص يبين الحكم تفصيلاً في عين فعل أو واقعة حال. والخلو بهذا المعنى متصور، بل هو واقع تستوي في ذلك نظم القانون الوضعية والشريعة الإسلامية.
٦ - وبهذه المناسبة فإن نسبة الفراغ إلى الفقه تفتقر إلى الدقة؛ لأن الفقه . كما سلف القول - لا ينشىء أحكاماً، بل هو يكشف عنها ويهدي إليها، وهذا هو دوره، بل هو صميم عمله. وإذا كان ثم فراغ فهو يعزي إلى من يملك سلطة التشريع لا إلى الفقه. ومع ذلك فقد نقبل تجوزاً نسبة الفراغ إلى الفقه على اعتبار أنه إذ يلجأ إليه لاستنبائه الحكم في واقعة بعينها يمسك فلا يُدلى بحكم فيها. ويكون
٦٦
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م -
الفقه والقانون ومناطق الفراغ
ذلك إما لقصور في التشريع أو لقصور في إمكانات الفقيه ذاته.
- وتجدر الإشارة إلى أن الفراغ التشريعي لا يجيز للقاضي إذا عرضت عليه الواقعة أن ينفض يده منها ويدير ظهره للمتقاضين بدعوى أنها لا نص فيها؛ ذلك أن كونها كذلك لا يعني أنها لا حكم فيها؛ فثمة حكم في كل واقعة وعلى القاضي أن يجد في البحث عنه. بل إن القانون الوضعي يعاقب القاضي إذا امتنع عن الفصل في الدعوى لمثل هذا السبب ويعتبره مرتكباً لجريمة إنكار العدالة.
- ولما كانت الشرائع الوضعية نتاج عقل بشري، وكانت عقول البشر قاصرة عن بلوغ حد الكمال، فمن الطبيعي أن يكون ما يشرعونه من أحكام هو بدوره دون الكمال، ومن ثم فالقصور فيها وارد والتحسب له واجب. ولهذا تحرص معظم التشريعات على النص في بعض تقنيناتها الأساسية على إرشاد القاضي إلى ما يجب عليه عمله إذا لم يجد فيها نصاً يحكم الواقعة المعروضة عليه، فنراها تحيله - بحثاً عن الحكم - إلى مصدر آخر أو أكثر ليستمد الحكم منه كيلا يتنصل من الفصل في الدعوى ويترك النزاع قائماً بين الخصوم بغير حسم. ومثال ذلك التشريع المصري؛ فالمادة الأولى من التقنين المدني تنص على أن تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
ومثل ذلك التشريع الكويتي، فقد نصت المادة الأولى من القانون المدني على أن تسري النصوص التشريعية على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بمنطوقها أو بفحواها. فإن لم يوجد نص تشريعي حكم القاضي بمقتضى العرف، فإن لم يوجد عرف اجتهد القاضي رأيه مستهدياً بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر اتفاقاً مع واقع البلاد ومصالحها. وجاءت المادة الأولى من القانون المدني لدولة الإمارات العربية أكثر تفصيلاً حيث نصت على ما يلي: تسري النصوص التشريعية على
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي الواقع والآفاق
جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها وفحواها، ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص القطعي الدلالة. فإذا لم يجد القاضي نصاً في هذا القانون حكم بمقتضى الشريعة الإسلامية، على أن يراعى تخير أنسب الحلول من مذهبي الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، فإذا لم يجد فمن مذهب الشافعي والإمام أبي حنيفة حسبما تقتضيه المصلحة، فإذا لم يجد حكم القاضي بمقتضى العرف على ألا يكون مخالفاً للنظام العام والآداب.
ويلاحظ أن النصوص السابقة وردت كلها في التقنين المدني ولم تتكرر في التقنينات الأخرى ولا في التشريعات الخاصة. وقد يمكن تعدية تلك النصوص من باب القياس إلى المعاملات التجارية، إلا أنه يتعذر تعديتها خارج هذا النطاق. ومهما يبذل القضاء من جهد في مجال التفسير مستخدماً في ذلك مختلف الأساليب اللغوية والمنطقية فمن المتصور - بل من المحقق - أن تكون هناك مناطق فراغ تشريعي؛ ذلك أن النصوص بطبيعتها متناهية ووقائع الحياة لا تتناهى. ولعل ما طرأ على حياة المجتمع الإنساني في العقود الأخيرة من القرن الماضي والعقدين الأولين من القرن الحالي من ثورة عارمة في مجال الصناعات والاتصالات والمواصلات خير شاهد على تخلف التشريعات في مختلف الدول وقصورها عن مواكبة أو عن متابعة التغير الكبير الذي طرأ على حياة الناس. غير أن النظم القانونية الوضعية مع ذلك قادرة على مواجهة هذا التغير تباعاً بإصدار ما تراه مناسباً من التشريعات.
- وقد يتبادر إلى أذهان البعض أن النظم الوضعية إذا كان قد وسعها مواجهة التطور المتسارع والكبير في جوانب الحياة بفضل تدخل الجهات المختصة فيها بإصدار التشريعات المناسبة في الأوقات المناسبة، فالأمر يبدو دقيقاً بالنسبة للنظام الإسلامي؛ لأنه محكوم بنصوص وضعت لتنظيم حياة مجتمع معين يعيش في بيئة معينة وعلى مستوى حضاري معين، وهذه النصوص بحكم طبيعتها الدينية تتسم بالثبات والدوام، ولا يمكن لها مهما تكن البراعة في تفسيرها وتأويلها أن
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
الفقه والقانون ومناطق الفراغ
تقدم حلولاً لكل ما طرأ على واقع الناس، وهو ما يوهم بعجز النظام الإسلامي عن مواجهة الواقع المتغير بأحكام تيسر للناس حياتهم دون أن تمس ثوابتهم.
بيد أن هذا الظن في غير محله؛ لأن فقهاء الشريعة ابتدعوا إلى جانب علم الفقه بمعناه الدقيق علم أصول الفقه، وليس لهذا العلم - بالنظر إلى موضوعاته نظير عند فقهاء القانون الوضعي؛ فهو يتجاوز مجرد العلم بالأحكام الشرعية إلى العلم المتعمق بأدلتها وطرق استنباط الأحكام منها. وأدلة الأحكام الشرعية تتسع لأكثر مما تتسع له مصادر القوانين الوضعية؛ فالمصدر الأصلي العام للقوانين الأخيرة هو التشريع، وإن كان الدين والعرف يشغلان فيها موقعاً محدوداً في مجالات معينة.
أما الشريعة الإسلامية فإنه وإن كان الأصل أن القرآن هو المصدر الأساسي للأحكام، إلا أنه ليس المصدر الوحيد، بل توجد إلى جانبه مصادر أخرى أصلية، وهي السنة والإجماع، ومصادر - أو أدلة - فرعية واحتياطية من بينها القياس والعرف والمصلحة المرسلة والاستصحاب والاستحسان وسد الذرائع، ولهذا فالمتفق عليه أن نصوص القرآن لا تستغرق كل أحكام الشريعة الإسلامية. وحديث معاذ رضي الله عنه في هذا الباب مشهور؛ فقد بعثه رسول الله الله إلى اليمن وقال له: «بسم تقضي»، قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد، قال فبسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد»، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، أي لا أقصر. قال معاذ: فضرب رسول الله على صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله».
١٠ - على أنه لا يكفي للقول بخلو النص من حكم يتناول الواقعة والانتقال .
بحثاً عن حكمها - إلى مصدر آخر من مصادر النظام القانوني أن تكون ألفاظ النص لم تصرح بعين الواقعة. وقد عنى الأصوليون بدلالات النصوص على الأحكام وصنفوا فيها مؤلفات بالغة الدقة. يقول الشيخ أحمد إبراهيم في مؤلفه «علم أصول الفقه لما كانت النصوص الشرعية جملاً عربية ذات معان بمفرداتها وتركيبها كان لها بذلك دلالة على معان في محل النطق، وقد يكون لها دلالة في غير محل النطق موافقة لما فهم من عباراتها أو مخالفة، وقد يسكت الشارع عن حكم اعتماداً على
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
أنه يُعرف حتماً من نفس النص بمجرد فهمه والنظر فيه اقتصاراً في البيان. ويفصل الشرعيون أنواع الدلالات بما لا يتسع المقام لبيانه، وذلك تنبيهاً لوجوب التروي وعدم العجلة في التصريح بخلو النص من حكم في شأن الواقعة .
۱۱ - وإذا كانت أحكام القرآن ومعظم أحكام السنة نصية وكان من المتصور
أن تتجاوز وقائع الحياة المتطورة ما تتناوله هذه النصوص بلفظها، فهذا لا يعني بالضرورة أن النظام الإسلامي عرضة لمواجهة حالات من الفراغ التشريعي، وذلك لسببين: الأول: أن الأدلة النصية اشتملت فوق الأحكام الجزئية على قواعد كلية أي مبادئ عامة يمكن إنزالها على كثير من الوقائع التي تجد بوصفها جزئيات، ويمكن لولي الأمر عند الاقتضاء أن يصدر بها تشريعات، لا باعتبارها أحكاماً مبتدأة، بل باعتبارها تطبيقاً لأصل عام.
والسبب الثاني: أن الأدلة غير النصية على درجة من السعة والمرونة كفيلة باستيعاب كل ما يستجد في حياة الناس من وقائع وتقرير أحكام لها تيسر حياتهم وتحقق مصالحهم ولا تخل بثوابت دينهم. وكتب الفقه والأصول حافلة بمئات الأحكام الشرعية وعشرات القواعد الفقهية والتطبيقات العملية التي بنيت على أدلة المصالح المرسلة وسد الذرائع والاستصحاب.
ومن هذا نرى أن مصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية أكثر سعة من نظيرتها في القوانين الوضعية؛ وذلك لهيمنة التشريع النصي» على هذه الأخيرة و انفراده بتقرير الأحكام؛ فما لم يتناوله نص مباشر فيها يتعذر تقرير حكم له، إلا أن يتدخل المشرع بنفسه فيقرر له حكماً، والأمر على خلاف ذلك في الشريعة
الإسلامية كما بينا؛ فالنص فيها وإن كان يحتل الصدارة إلا أنه يرشد كذلك إلى مصادر أخرى تنتج أحكاماً لكل ما قد يستجد من أوضاع. وهذه المصادر من الوفرة بحيث يتعذر أن تفلت واقعة من حكم ينطبق عليها. ولا يقتضي إلزام المكلفين بهذه الأحكام صدور قرار من ولي الأمر يلزمهم بالامتثال لها، بل تلزمهم هذه الأحكام بذاتها مثلما تلزمهم الأحكام النصية. وإذا اقتضى الأمر في بعض الأحوال
۷۰
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
الفقه والقانون ومناطق الفراغ
تدخل ولي الأمر، فإنما يكون تدخله لا لإنشاء حكم، بل لفض خلاف ناجم عن تعدد الأحكام واختلافها في واقعة الحال نتيجة لتعدد اجتهادات الفقهاء واختلافهم فيها، وذلك بترجيح أحد الآراء مراعاة للمصلحة.
ومن هنا كان احتمال وجود فراغ في الشريعة الإسلامية مستبعداً. وإذا كانت مدونات الفقه الشرعي التي بين أيدينا تخلو من بيان أحكام شرعية مباشرة في بعض ما استجد على واقع الناس من أوضاع تمخض عنها التطور الاجتماعي على الصعيد الإقليمي والعالمي والتقدم العلمي والتكنولوجي في مختلف المجالات فهذا أمر طبيعي؛ لأن الفقه إنما يتعامل مع الواقع ويبين حكمه، لكنه لا يصنعه. وما ينبغي أن يكون خلو مدونات الفقه الشرعي من أحكام في بعض ما استجد مبرراً للقول بقصور الشريعة الإسلامية عن الوفاء بحاجة المجتمع؛ لأنها بنصوصها المباشرة ومبادئها الكلية ومصادر أحكامها المتعددة قادرة على تقدم حكم يناسب كل واقع جديد.