دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
الأستاذ عبدالله بن حمود العزي (*)
إن للمصلحة الاجتماعية دوراً وتأثيراً على عملية التقنين للفقه الإسلامي، من خلال القواعد الكلية كقاعدة الضرر واليقين والحرج... التي هي بمثابة تجسيد لبعض خصائص الشريعة، وتبيين لبعض غاياتها من هنا ندرك أثر المصلحة الاجتماعية في بلورة هذه القواعد الكلية، وبالتالي يمكننا أن نفهم تأثيرها على مالات التقنين، وما قد يترتب عليها من مصلحة فالأثر إيجابي وذو طبيعة داعمة، أو يترتب عليها من مفسدة، فالأثر سلبي وذو طبيعة غير داعمة لحركة التقنين. ففي كلتا الحالتين الأثر بالغ، سواء بصورة الإيجاب أو السلب تبعاً لما يترتب على ذلك من مصلحة ومنفعة أو مفسدة ومضرة.
تعريفات لا بد منها
أولاً: تعريف المصلحة: المصلحة كما عرفها الغزالي هي المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم:
دينهم، ونفسهم، وعقلهم ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة )
() باحث ومحقق للتراث - اليمن.
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
وقد قسم الفقهاء المصالح إلى ضروريات وحاجيات وتحسينات:
أ - فالمصلحة الضرورية: تمثل الوعاء الدائم والضابط العام لكافة الضروريات التي لا بد منها في قيام مصالح الدارين، ومثال ذلك: الكليات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
ب - أما المصلحة الحاجية فهي التي تحكم كل ما يحتاج إليه من التوسعة والرفق ورفع الضيق والحرج من قبيل التوسع في المعاملات المشروعة والترخص في تناول الطيبات.
ج - وأما المصلحة التحسينية فهي مظلة عامة لكل ما يليق بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق.
ثانياً : تعريف القانون التقنين لغة: مأخوذ من كلمة قنن، وهي تعني وضع القوانين، والقانون هو مقياس الشيء وطريقه إليه. وأما اصطلاحاً فيعني - بوجه عام - جمع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجال من مجالات العلاقات الاجتماعية وتبويبها وترتيبها وصياغتها بعبارات آمرة موجزة واضحة في بنود تسمى مواداً بأرقام متسلسلة، ثم إصدارها في صورة قانون أو نظام تفرضه الدولة، ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس (٢) (۲)
ونقصد بتقنين الفقه الإسلامي تطبيق طريقة التقنين الأنف الذكر على الأحكام الفقهية، وعرفه بعض الباحثين بأنه صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد، التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس بعبارات آمرة، يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيباً منطقياً بعيداً عن التكرار والتضارب ).
وفكرة تقنين الأحكام الفقهية تعود في جذورها إلى عهد الخليفة العباسي كما تشير بعض المصادر . وقيل أنها تعود إلى ما قبل ذلك التاريخ - أي في عهد عمر بن عبدالعزيز - بل إن البعض يعتبر كتاب (القضاء) الذي بعثه الخليفة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري فيه معنى التقنين، باعتباره ربط قضاء الأخير بنصوص الكتاب والسنة، وقيد اجتهاده بالقياس على الأشباه والنظائر). ومهما يكن
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
فإن عملية التقنين قد بقيت مجرد فكرة ولم تشهد أي تطبيق عملي لها، حتى ظهور المجلة (مجلة الأحكام العدلية) في عام (١٨٦٩م) وقبلها ربما الفتاوى الهندية المعروفة، وبعد ذلك سرت فكرة التقنين إلى كثير من الدول والإسلامية، وما نرمي إليه هو أن فكرة التقنين - ومنذ بدايتها قد جمعت حولها أنصاراً وخصوماً، فالفقهاء بين مجيز لهذه الفكرة يرى فيها مصلحة - وهم في عصرنا الأكثرية تقريباً وبين محرم لا يجزيها ويعتبرها مفسدة. وعليه فإن ما نعنيه بالقانون في هذه الورقة هو الوقوف على منطلقاته وبيان أثر المصلحة الاجتماعية فيه، وما إذا كان هذا الأثر سلبياً أو إيجابياً.
تأثير المصلحة الاجتماعية في القانون
يمكننا أن نتصور دور أو تأثير المصلحة الاجتماعية على القانون من خلال القواعد الكلية كقاعدة رفع الحرج» و «الضرر يزال»، و«المصالح والمفاسد راجعة إلى خطاب الشارع، والتكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم ) ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة»، و«المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة .... ومثلها قاعدة»: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، والمشقة تجلب التيسير»، أو «الأمر إذا ضاق اتسع»، و«الضرورات تبيح المحظورات»، و«العمل بالقرائن»، و«قاعدة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان، أو تتغير التكاليف بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص. و الأمور بمقاصدها»، واليقين لا يزول بالشك وغيرها كثير.
وقد أشارت (مجلة الأحكام العدلية إلى عدد من هذه القواعد بلغت تسعاً وتسعين قاعدة كلية وتبعية . فهذه القواعد الكلية تجسيد لبعض خصائص الشريعة وتبين لبعض غاياتها العظيمة، وعلى هذا الأساس ندرك الأثر الفاعل للمصلحة الاجتماعية في بلورة هذه القواعد الكلية. وعليه يمكننا إدراك تأثيرها على مآلات التقنين بما قد يترتب عليها من مصلحة أو مفسدة، فإما أن تنتهي عملية التقنين إلى مصلحة ومنفعة، وعندئذ يمكننا القول بأن أثر المصلحة على هذه الحركة هو أثر
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) المسنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
إيجابي وذو طبيعة داعمة، وإما أن يترتب على عملية التقنين مفسدة ومضرة، وحينها سيكون أثر المصالح الشرعية ذا طبيعة سلبية على حركة التقنين.
وفي كلتا الحالتين يكون فقه المصالح الاجتماعية قد أدى دوره في جلب المصلحة ودرء المفسدة، ذلك أنه: يُحافظ على المقاصد من جهة الوجود بفعل ما يفضي إليها، ومن جهة العدم بترك ما يؤدي إليها (؟). لذلك يصبح السؤال الجوهري في هذه المسألة هو: ما هي المصلحة أو المفسدة التي يمكن أن تتمخض عن عملية التقنين ؟! كما وتصبح الإجابة عليه بمثابة الجسر الذي قد يوصل أو يفصل بين فقه المصلحة وحركة التقنين. ودونما شك فإن التقاط الإجابة الدقيقة يظل أمراً مرهوناً باستدعاء مكوناتها، وهي مكونات يتقاسمها في الواقع رأيان فقهيان على طرفی نقیض:
أحدهما: يمنع التقنين ولا يجيزه باعتباره مفسدة.
والآخر: يُجيزه ويدعو إليه باعتباره مصلحة وكلاهما يدعي شرعية الموقف وقوة الحجة. وقد علمنا فيما تقدم أن الشريعة معقولة المعنى، ولها حكمة بالغة تقوم عليها مصالح الخلق في حالهم ومآلهم... وبالتالي فإننا سنتناول أثر فقه المصلحة على حركة التقنين من خلال محورين رئيسين هما:
۱ - منطلقات القائلين بعدم التقنين وعلاقتها بالمصالح، وسوف نتعرض تحت هذا العنوان أيضاً لمناقشة حركة التقنين وأثرها على حركة الاجتهاد.
۲ - منطلقات القائلين بالتقنين وعلاقتها بالمصالح.
أولاً: منطلقات القائلين بعدم التقنين وعلاقتها بالمصلحة الاجتماعية
يتكئ هؤلاء على جملة من الأدلة في موقفهم المضاد للتقنين أهمها:
1- أن التقنين سوف يلزم القاضي بما رجحه واضعوا التقنين وفي ذلك مخالفة لقوله تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط (١٠) وقوله تعالى: فاحكم بين الناس بالحق (۱۱) والقسط إنما هو العدل، فإذا كان القول الملزم به
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
قد ظهر للقاضي من وجوه الأدلة الشرعية أن الصحيح خلاف ذلك القول المقنن صار العدل في أن يحكم وفق معتقده لا بما ألزم به، وإلا كان في ذلك تقديم القول غير المعصوم على ما يعتقده عن المعصوم، ولا خلاف في تحريمه عن أهل العلم (1).
٢- ويستدعي هذا الفريق صوراً من التاريخ يرى أنها مما يدعم التوجه ضد التقنين، ومن ذلك أن التقنين بالشكل الذي يلزم القاضي مخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي وخلفائه الراشدين، ومن بعدهم.
- إن فكرة التقنين قد عرضت على بعض السلف الصالح، كالإمام مالك من قبل أبي جعفر المنصور فردها، وبين فسادها، فهي إذن فكرة رفضها السلف الصالح (۱۳)، ولذلك عندما طلب الملك فيصل بن عبد العزيز تقنين أحكام المعاملات من الفقه الحنبلي، تم رفض مثل هذا الطلب، حيث قامت اللجنة المكلفة بدراسة شرعية وقانونية مستفيضة حول الموضوع، ثم قدمت هذه الدراسة لهيئة كبار العلماء بالمملكة، فصدر قرار الأغلبية في الهيئة برفض الفكرة وتحريمها، وقد جاء في ذلك: «إن التدوين المراد يؤدي إلا ما لا يحمد عقباه» (١٤)
الاجتهاد. ٤ - ويرى هذا التوجه أيضاً أن التقنين هو مما يؤثر سلباً على حركة
ومن ثم فالتقنين من هذه الناحية يؤسس لنوع من القطيعة العامة مع الموروث، حتى إن الذين أجازوا التقنين في هيئة كبار العلماء بالنسبة للملكة، إنما أجازوه فقط في حالة أن يكون القاضي مقلداً، أما إن كان ممن تتوافر فيه شروط الاجتهاد فإنه لا يجوز إلزامه بالحكم وفق مذهب معين (10).
كما يرى هذا التوجه أنه إذا كان هدف الفريق الآخر هو وضع حد لتجاوزات القضاة ورفع الاختلاف في الأحكام الصادرة من المحاكم، فإن ذلك لا يشكل من وجهة نظر المانعين مبرراً يعتبره الشرع؛ لأن الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، حتى من القاضي الواحد، ولم يكن ذلك
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
داعياً إلى التفكير في تقنين الأحكام، مع كونهم الأكثر حرصاً على حفظ الدين وعلى سمعته، وبالتالي يسع المسلمين اليوم ما وسع أولئك الأوائل (١٦).
ه ويضيف هذا التوجه بأنه لم يثبت أن فكرة التقنين قد حسمت الأمر في هذا الموضوع، فما تزال المحاكم المدنية في الدول التي أخذت بفكرة التقنين تصدر أحكاماً مختلفة ومتناقضة، ومهما يكن فإن الإختلاف في الآراء باب من أبواب الرحمة في الشريعة الإسلامية. ولذلك علل بعض الكتاب المعاصرين رفضه لفكرة التقنين، لا لكونه يمنع أو لا يمنع وقوع المظالم والأحكام الجائرة - فشرع الله منزه عن هذا - وإنما لأنه يكتنفه حشد من معاني تمييع أحكام الشريعة وخلطها بغيرها من قوانين البشر في إناء واحد، ثم أن التقنين هو وضع حكم واحد في المسألة الواحدة، وهذا في حد ذاته مخالف لشرع الله، ومدعاة للعنت والضيق كما يقولون (١٧)
ملاحظات سريعة حول هذا التوجه
تلك كانت بعض الملامح العامة التي تطبع رؤية القائلين بمنع التقنين وعدم جوازه، ومن خلالها نستطيع إبداء الملاحظات التالية، وهي:
1 - إن القائلين بالمنع قد استندوا إلى أدلة عامة؛ إذ يصعب القول بأن ما يختاره العلماء من الأقوال الراجحة هو خلاف الحق المأمور به عند الحكم، أو أننا إذا رجعنا إلى قولهم فإننا نرجع في هذه الحالة إلى غير الكتاب والسنة، ذلك أن المفترض في هؤلاء العلماء أن يكون مرجعيتهم هو الكتاب والسنة، وبالتالي فإن تحريم التقنين في هذه الحالة لا يعدو كونه اجتهاداً يحتمل الخطأ والصواب.
٢ - إن الرؤية السلفية قد شكلت أحد المرتكزات التي يقوم عليها هذا التوجه، فقد بدا وكأن من أهدافه مطالبة المسلمين بأن يسعهم ما وسع الأوائل في موضوع لا يشترط فيه تقليد الأوائل. لأن الضوابط التي تنظمه تجعله كذلك، ومن ناحية أخرى تصرفه - أيضاً - عن نطاق الثابت؛ ليأخذ محله ضمن المتغير. ولهذا لم تلتفت هذه الرؤية كثيراً إلى الواقع إلا من خلال الرد والتعليق على دعوى الفريق
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
الآخر حول ما يقوله عن أثر التقنين في تقليل الاختلاف بين الأحكام ذات الموضوع الواحد، لذلك فقد اكتفت في هذا الصدد بملاحظة أن الواقع يثبت بقاء هذا الاختلاف رغم الأخذ بفكرة التقنين، ومع كون هذا الاختلاف ما يزال باقياً بالفعل كما لاحظه هذا الفريق، إلا أن ذلك لا يقلل من مصداقية من يقول بأن فكرة التقنين هي مما يقلص بشكل كبير - ولا يحسم بالمرة - الاختلاف بين الأحكام الصادرة في القضايا المتماثلة.
أثر التقنين على حركة الاجتهاد والإتصال بالموروث
ومع ذلك فإنه يُحمد للمانعين من التقنين إثارتهم لبعض المحاذير التي قد تكتنف من وجهة نظرهم عملية التقنين كاحتمالية أن تؤثر هذه العملية على حركة الإجتهاد، أو تؤثر على اتصال الناس بتراث سلفهم، أو تتسبب في تمييع الشريعة... إلخ. وعندما نقول مثل هذا الكلام فإن هذا لا يعني أننا نوافقهم الرأي، أو أن ما يثيرونه هو حتمي أو محقق الوقوع، وإنما الذي نرمي إليه هنا هو أن يتم النظر إلى أطروحاتهم بشكل إيجابي، واعتبارها مثلاً كملاحظات يمكن أن يستثمرها المقنن في الوصول إلى ضوابط محددة بشأنها أو في أقل الأحوال بحثها وإظهار حجم المخاوف التي تثيرها فعلياً، فإن الوهم - أحياناً - قد يُحيل الصغير كبيراً والكبير صغيراً، وربما لا يجلي ذلك سوى الرأي والرأي الآخر.
أ - وعن أثر حركة التقنين على حركة الاجتهاد فإنه يجب أن لا يتحول هذا الأثر إلى وسيلة إعاقة الحركة الاجتهاد، فقد قدمنا فيما سبق ما يؤكد أهمية الاجتهاد، ورأينا أيضاً الأثر الإيجابي الكبير لفقه المصلحة على حركته، وعندما يقال بأن حركة التقنين هي مما تؤثر سلباً على حركة الاجتهاد فإنه لا يتوقع من فقه المصلحة أن يكون داعماً لأي شيء يمكن أن يعطل حركة الإجتهاد، بيد أننا سنرى لاحقاً أن أثر المصالح هو مما يدفع بحركة التقنين إلى الإمام، وهذا يعني أن حركة التقنين لا يمكن أن تثير ما يستحق معها القلق على حركة الاجتهاد، ذلك أن حركة التقنين ما هي إلا شكل من أشكاله.
۷۸
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
وعليه فإن أثر فقه المصلحة على حركة التقنين لا يعدو - في نظري - كونه امتداداً لأثره على حركة الاجتهاد، ولعل ما يؤكد ذلك هو طبيعة التقنين التي سنقف عليها فيما بعد من خلال منطلقاته والمصالح الكبيرة التي يسهم في تحقيقها، إضافة إلى طبيعة العمل التقنيني ذاته، فهو عمل جماعي يقوم به عدد من كبار الذين تتوافر فيهم صفات الاجتهاد ممن عرفوا بالتقوى وحسن المسلك والبصيرة والخبرة والإطلاع على مجريات الزمان وأحداث العصر ومتطلباتها، وما يمارسونه عند التقنين هو اجتهاد بأتم ما للكلمة من معنى، فهم يستعرضون جميع الآراء ويستعملون قواعد الفقه الإسلامي في الإختيار والترجيح بينها، بما يلبي الحاجة الزمنية ويحقق حفظ وصيانة مقاصد الشريعة، ومثالاً على هذا الجهد والاجتهاد الجماعي ما يشاع عن الفتاوى الهندية أو (العالمكيرية) من أنه قد كلف بإنجازها أربعون عالماً مجتهداً (۱۸) وعليه فإن التقنين هو عمل اجتهادي وهو من هذه الناحية لا يفيد أي معنى لإعاقة الاجتهاد، لذلك يبدو أن ما قصده الفريق المناهض للتقنين هو إعاقة الاجتهاد بالنسبة للقاضي.
وفي هذا الصدد يمكن القول بأن الاجتهاد عند القاضي لا يتعطل أيضاً، فإن اجتهاده مطلوب ولكنه يتحدد فقط في فهم النص وفي تطبيقه، فالنصوص القانونية عادة ما تأتي بصياغة محفوفة بشروط تطبيقية زمانية أو مكانية أو شخصية) فيتجلى دور القاضي في فهمها واتخاذ القرار بتطبيقها أو عدم تطبيقها، وذلك بحسب ما يتوصل إليه نظره في بحث النص وشروط تطبيقه . كما أن النصوص غالباً ما تترك للقاضي مساحة للتقدير والنظر في ما يعرف بسلطة القاضي التقديرية، فالنصوص مثلاً التي تضع حدين - أعلى وأدنى - هي مساحة اختيارية يعمل فيها القاضي نظره واجتهاده في تقرير ما يراه بين هذين الحدين، وفي كل ما تقدم معنى من معاني الاجتهاد.
وعليه فإن فكرة التقنين لا تعني أن يصبح عمل القاضي عملاً آلياً لا يتخلله النظر والفهم بأي حال، وبالتالي فإن دائرة الأثر والمخاوف على موضوع الاجتهاد تضيق في هذه الحالة، ليصبح المعني بهذه الملاحظة هو المجتهد المطلق، بحيث
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
يمكن القول: إن المانعين للتقنين حينما أثاروا ملاحظتهم هذه إنما ينطلقون من كونهم لا يرون القاضي إلا مجتهداً مستقلاً وفي هذا من الحرج ما لا يخفى - وهذا هذا العدد أمر لا يستحق القلق كثيراً، لأن مثل هؤلاء يقلون في عصرنا، وخاصة مع . الهائل من القضاة، ومع ذلك فإن مثل هؤلاء إذا ما وجدوا في سلك القضاء، فإنهم في العادة يكونون في أعلى المواقع القضائية كمحاكم التمييز، أو النقض، وفي مثل هذه المحاكم عادة ما يترك لكل عضو فيها حرية الاجتهاد بما يخالف القرار الصادر بالأغلبية وتدوين رأيه المخالف مسبباً في ذيل الحاكم الصادر كما تقضي به قوانين أصول المحاكمات (۱۹)، ولذلك وجد ما يسمى بالاجتهادات القضائية.
وحتى على فرض أن مثل هؤلاء - على قلتهم كما أشرنا قد تتأثر حريتهم في الاجتهاد بسبب التقنين، فإن هذا لا ينهض سبباً موجباً لمنعه في مقابل ما يحققه من مزايا ومصالح. ومع كل ذلك فإن إمكانية التفكير في إيجاد ضوابط كفيلة بتقليص الآثار السلبية التي قد تكتنف حركة التقنين هي إمكانية متاحة (٢٠).
ب - وعن خطر التقنين على قضية اتصال الناس بالموروث، فإنه لا خطر أيضاً، بل ربما كان سبيل العودة الكاملة إلى العمل بالفقه هو تقنينه (۲۱) وصياغته في نصوص مختارة يلتزم بها الناس في حياتهم؛ لأن في هذا ما يذكرهم على الدوام بقيمة موروثهم من الناحية العملية، ويبقى الباب مفتوحاً أمام من يريد التوسع في معرفة بقية الآراء والموروث الفقهى بشكل عام، وهو من السهولة بحيث لا نتصور أي أثر سلبي لحركة التقنين في هذه المسألة، بل إن إمكانية الإطلاع والمعرفة والإتصال بالموروث تبدو في عصرنا أكبر بكثير مما كان عليه الحال في أي عصر من العصور المتقدمة، وخاصة في ظل الاهتمام الملحوظ بالفقه والفقه المقارن والعمل على تحقيقه ودراسته وطباعة ونشر كتبه وموسوعاته (۲۲). وكذلك في ظل التنامي الملحوظ لعدد المدارس والجامعات وكليات الشريعة التي تهتم بتدريس الفقه الإسلامي عموماً، وأيضاً في ظل هذا التطور الكبير الذي يشهده العصر في وسائل البحث والمعرفة لمن أراد ذلك.
۸۰
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
ثانياً: منطلقات القائلين بالتقنين وعلاقته بالمصالح
الحديث عن منطلقات القائلين بالتقنين يعني الحديث عن الأسباب والحيثيات التي تضغط في جملتها باتجاه تقنين الأحكام الفقهية وصياغتها في نصوص وقواعد محددة، بحيث تصبح ملزمة يتقيد بها القاضي والخصوم على حد سواء. وهذه الأسباب والحيثيات قد تعني - أحياناً - العودة باتجاه التاريخ البعيد لاستدعاء بعض صور التقنين كفكرة، ثم بلورتها فيما بعد إلى حركة، ومع أن ما يهمنا هنا هو الوقوف على المنطلقات المعاصرة المتعلقة بالتقنين، إلا أننا لانرى بأساً من استدعاء بعض المؤشرات القديمة وتسجيلها هنا كملاحظات عامة لا أكثر، ومنها :
أ - إن فكرة التقنين حينما بدأت في التاريخ، سواء في عهد المنصور العباسي أو ما قبل المنصور، فإن ذلك يعطيها الصفة التاريخية، بمعنى أنها فكرة قديمة، وهذا يعني أن الشعور بالحاجة إلى التقنين هو شعور قديم، وأن لهذا الشعور أسبابه ومكوناته، وقد حفظ لنا التاريخ بعض تلك الأسباب (۲۳).
ب - إن فكرة التقنين التي راودت الخليفة عمر بن عبد العزيز أو التي اقترحها عبد الله بن المقفع على المنصور، أو التي اقترحها المنصور على الإمام مالك - أياً كان ذلك - هي فكرة أخفقت في حينها، ولم تصادف نجاحاً، وقد كان لهذا الإخفاق أسبابه ومكوناته، ولعل التاريخ - أيضاً - قد حفظ لنا شيئاً من ذلك (٢٤).
ج - إن فكرة التقنين قد شهدت أول تطبيق لها في نهاية القرن الثالث عشر إبان الحكم العثماني وتحديداً في العام ۱۸٦٩م، لذلك فإن ما يهمنا هنا هو البحث في منطلقات التقنين منذ تحول التقنين من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التطبيق والحركة، وسوف نوجز هذه المنطلقات وعلاقتها بفقه المصلحة في النقاط التالية:
1 - إن التوجه نحو الواقع والإحاطة بظروفه ومجرياته ورصد حركاته وصيروراته المتسارعة والمختلفة تعد أحد المنطلقات الضرورية لبناء الأفكار الفقهية العميقة فتجد بالضرورة سندها القوي ودعمها الكامل في مقاصد الشريعة الخالدة.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي الواقع والآفاق .
وفي مسألتنا هذه نجد أن الباعث لتقنين الأحكام الفقهية قد نبت في ضوء المشاهدة والملاحظة والتجربة والإتصال بالواقع؛ لينتزع بذلك الصورة الكاملة لمشهد متحرك تطورت فيه وسائل الإتصال بالعالم الخارجي والداخلي، وازدادت على إثرها المعاملات وتنوعت واتسعت العلاقات وتشابكت المصالح، ومعها ظهرها ما لا حصر له من القضايا والمشاكل والمستجدات النوعية، وتطلب الأمر مئات المحاكم وآلاف القضاة داخل كل مجتمع أو دولة.
ومع هذا الكم الهائل من القضاة لم يعد بالإمكان أن يترك لكل واحد منهم حريته في اختيار الحكم والطريقة التي يعتمدها كما كان عليه الحال في العصور القديمة، ومن هنا بدت المصلحة في تقنين الأحكام الشرعية، بحيث يتقيد بها القاضي، ويلتزم بها الناس جميعاً؛ خاصة وأن الوجه الآخر للواقع الذي تنطلق منه حركة التقنين يُشير إلى قلة القضاة المجتهدين ضمن هذا العدد الهائل من رجال القضاء، إضافة إلى صعوبة الإحاطة بما لا يحصى من الأحكام الفقهية، ويضاعف من صعوبتها كونها منثورة في مئات المجلدات، ومعروضة بطريقة لا يفقهها الكثيرون. وقد لاحظت جمعية المجلة اللجنة الرسمية لوضع مجلة الأحكام العدلية) هذه المشكلة، فهي بعد أن عرضت المشكلات الواقعية التي نجمت عن زيادة الحركة والإتصال بين العالم وذلك في تقريرها الذي رفعته للصدر الأعظم في تقريرها سنة ١٢٨٦هـ أشارت إلى ضعف الملكة الفقهية لدى القضاة (٢٥). ولذلك يُصبح التقنين كما أشار إليه البعض ضرورة علمية وعملية باعتباره الوسيلة إلى تبصير القضاة من جهة وانتظام المجتمعات وترشيدها وإصلاحها من جهة أخرى (٢٦).
٢ - وتنطلق حركة التقنين من مبدأ تحقيق علنية النظام) وذلك من خلال نشر الأحكام الفقهية المقننة ووضعها بين يدي المجتمع بكل فئاته ومؤسساته، بحيث يتسنى لجميع الناس الإطلاع على النظام الذي يحكمهم. وما نلاحظه هنا هو عمق العلاقة بين هذا المنطلق وبين فقه المصلحة، ذلك أن مبدأ علنية النظام هو من بديهيات أصول الشرائع الإلهية (٢٧). كما أنه يترتب عليه العديد من المصالح التي
الفقه المقارن - العددان (۳۲) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
تستدعيها مقاصد الشريعة وتدفع باتجاهها. فمبدأ العلنية يجعل من وقوف المكلف على حقوقه وواجباته أمراً ميسوراً، وهذا يجعله أحرص على المطالبة بتلك الحقوق والنهوض بتلك الواجبات. كما أن علنية النظام تحقق مبدأ الشفافية، وتؤسس - إلى حد ما - لشكل من أشكال الرقابة العامة على أداء القاضي، بحيث يعرف المكلف أو الخصم الحكم المتوقع لفعله، وهذه مزية قد لا نجدها بسهولة في حالة عدم التقنين، وفي ذلك كله ما يسهم في تحقيق العدالة والحرص على تطبيقها من قبل الجميع، فهي إذاً مصلحة تدعمها مقاصد الشريعة وتدفع باتجاه تحقيقها.
- الإنطلاق من فقه النظرية الذي يحقق الوحدة التشريعية، فتقنين الأحكام الفقهية يقوم به في العادة علماء مجتهدون، ويستعينون بما يلزمهم من التخصصات الأخرى، ويستعرضون الأحكام الفقهية المتعددة في المسألة الواحدة، وعبر سلسلة من الإجراءات والضوابط يصلون إلى الإختيار الأفضل والأصلح لواقع الناس وحياتهم وفق رؤية فقهية وواقعية عميقة مدركة وشاملة، وعلى أساسها يتم صياغة جميع الأحكام الفقهية لكل باب أو موضوع على حده، ومثل هذه الطريقة تبدو صلتها قوية ومتينة بفقه المقاصد، فمن آثاره كما سبق أنه يؤدي إلى فقه النظرية ومثل هذا الفقه إلى جانب كونه ينطوي على صور تطبيقية لإعمال فقه الأولوليات والمقاصد ومراعاة الواقع وعنصري الزمان والمكان بما يحقق العدالة المنشودة، فإنه أيضاً مما يحقق الوحدة التشريعية التي قد تمتد آثارها الإيجابية إلى مجالات عديدة، بعكس لو بقي التعامل مع باب القضاء والحقوق طبقاً للرؤية الجزئية أو الاجتهاد المنفرد (۲۸).
ولعل من مظاهر الوحدة التشريعية التي يحققها التقنين على المستوى النفسي والاجتماعي، ما لهذا التقنين من أثر إيجابي في الحد من ظواهر التعصب المذاهبي وخاصة إذا كانت عملية التقنين تستقي الأحكام الفقهية من مختلف المذاهب، وقد أدرك هذه الحقيقة المؤتمر الدولي الأول لوزارة العدل العرب عام ١٩٧٧م، فالتقنين من الفقه هو مما يوفر رؤية استيعابية أكبر لكل نصوص ومقاصد الشرع، ولذلك
ملف العدد : تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق.
ينصح بعض العلماء بعدم الإقتصار على مذهب بعينه عند التقنين (٢٩) لا بل إن التوجه التقنيني المعاصر قد استقر على أهمية التقنين من جميع المذاهب الاجتهادية (٣٠).
- ويمكننا القول إن حركة التقنين تنطوي على عملية اجتهادية كبيرة تنطلق من الحرص على جعل الشريعة الإسلامية حاضرة بأحكامها في واقع الناس وفي حياتهم وممارساتهم العملية، وهو ما يجعل العملية التقنينية إحدى أشكال التعبير عن خصائص الشريعة والبرهنة على صلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان وعلى قدرتها الفائقة في استيعاب حركة الواقع والأخذ بزمامه، وفي ذلك ما يقطع كافة التقولات الحاقدة على هذه الشريعة، فلقد وجد في البلدان العربية من شكك في جدوى الاعتماد على الشريعة الإسلامية لإنشاء قوانين مدنية تتماشى مع العصر، ولذلك فإنه لما رحل الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية قامت آنذاك حركات في كثير من الدول الإسلامية - كباكستان والدول العربية كدول الشمال الإفريقي تطالب ببقاء الوضع الذي خلفه الاستعمار تشريعاً وإدارة، وكان من حجج مثل هذه الحركات عدم وجود قوانين مدنية حديثة جاهزة ومستمدة من الفقه الإسلامي وهو ما يعني أن حركة التقنين قد تصبح ضرورية لرفع مثل هذه المبررات، وأنه بدون الرجوع إلى شريعتنا الإسلامية واستمداد ما تحتاجه أمتنا من قوانين وتشريعات فقد تجد مثل تلك المبررات طريقها إلى الوجدان العام، بحيث يصبح البديل هو استقبال المزيد من القوانين الوضعية التي قد نعيش مع بعض أحكامها كما لو كنا نعيش بلا قانون؛ لأن القوانين عادة ما تعكس ثقافة وحضارة أهلها، وبالتالي فإنها لا تجد فاعليتها إلا في بيئتها التي أنتجتها. وفي مثل هذه المخاطر ما يعطي حركة التقنين صفة المقاصدية، إذ قد تصبح مما يحفظ به الدين، ولعل هذا هو ما جعل البعض من علماء الشريعة المعاصرين لا يجيزون التقنين فحسب وإنما يوجبونه سداً لذريعة التحول نحو القوانين الأجنبية، ويرون فيه عملاً ضرورياً المصلحة الإسلام والمسلمين.
٨٤
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
وقد ارتفعت الأصوات المطالبة بالعودة إلى الحكم بما أنزل الله، وخاصة بعد أن تسربت القوانين الأجنبية إلى عدد من البلدان الإسلامية لتحل محل الشريعة ولذلك كان أول ما ظهرت حركة التقنين في صورة بعض الجهود الفردية من قبيل کتاب مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان للأستاذ محمد قادري باشا، وقد نقله من قواعد فقه المذهب الحنفي، وكذلك ما قام به الشيخ محمد محمد عامر، حيث وضع الكثير من قواعد الفقه المالكي في صورة مواد قانونية تحت عنوان (ملخص الأحكام الشرعية عن المعتمد من مذهب مالك) وغيرهما (٣١) وصولاً إلى شيء من التقنين الرسمي كما سنرى.
ولذلك ربما كان لحركة التقنين أثرها أو إسهامها في وقوف الآخرين على كفاءة شريعتنا الإسلامية، التي استطاعت أن تنتزع اعتراف وإعجاب العالم بخصائصها العالمية وقدراتها العالية - ثلاث مرات في ثلاثة مؤتمرات دولية، ناهيك عن شهادات أقطاب القانون وتعابير الباحثين والمفكرين في ربوع العالم حول مزايا الفقه الإسلامي ).
نماذج وملامح من أثر المصلحة على حركة التقنين
وإذا اكتفينا بما تقدم كعينة من منطلقات التقنين، فإن ذلك ربما يكون كافياً للقول بأن فكرة التقنين قد انطلقت من منطلقات مقاصدية تصل في بعضها إلى حد الضرورة لحفظ الدين وحماية شريعته الخالدة من التهميش، ويمكننا بعد كل ذلك أن نورد بعض الأمثلة والنماذج السريعة التي نحسبها مما يبرز ملامح أثر المصلحة في حركة التقنين المعاصرة
أولاً: في مجال تقنين الأحكام الفقهية :
ونعني بذلك تقنين الأحكام الموضوعية أو ما يسمى بقوانين الأحكام التي توجب وتثبت لكل قول أو فعل موجبه وحكمه) (۳۳). ومن ملامح أثر المصلحة في هذا المجال:
1 - أن كثيراً من الأمثلة التي مررنا بها في حديثنا عن أثر المقاصد على حركة
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي الواقع والآفاق .
الاجتهاد تشكل - بطبيعتها - مصدراً داعماً لحركة التقنين كتلك الموسوعات الفقهية القديمة، سواء التي تعرض الآراء الفقهية المختلفة داخل المذهب غالباً كموسوعة (الضياء) للعوتبي أو تلك التي تستعرض في المسألة الواحدة معظم الآراء المذهبية المختلفة، كموسوعة (الإنتصار) للإمام يحيي بن حمزة، أو موسوعة (البيان) للكندي، وغير ذلك من الموسوعات القديمة أو الحديثة، وقد يبدو الأثر المقاصدي واضحاً في هذا المجال، وذلك فيما تحققه مثل هذه الموسوعات من تسهيل الإطلاع وتحقيق الانفتاح المذهبي اللازمين لحركة التقنين، وقد يكون من ملامح هذا الأثر الاهتمام الملحوظ بتحقيق وتأليف ونشر الموسوعات الفقهية.
وأيضاً انتقال حركة العمل الموسوعي من دائرة موسوعة المذهب إلى موسوعة المذاهب، ومؤخراً من موقع العمل الفردي إلى موقع العمل المؤسسي ويمكن أن نأخذ مثالاً على ذلك الموسوعة الفقهية التي بدأت عام (١٩٥٦م) بناء على توصية الفقه الإسلامي بباريس، فهي وإن اقتصرت على آراء المذاهب الأربعة، إلا أن الجهد المبذول فيها قد جسد شكلاً من أشكال العمل المؤسسي والجماعي وهو ما تمثله الموسوعتان الكويتية والمصرية) (٣٤)
٢ - وكان من أثر فقه المصلحة في موضوع التقنين أنه نقل حركة التقنين من الدائرة الفردية غير الملزمة إلى دائرة التقنين الرسمي الملزم، حيث بدأت حركة التقنين كجهود فردية كما أشرنا.
- وعلى المستوى التقنيني الملزم نجد أن حركة التقنين قد بدأت من واقع المذهب الواحد، أي أنه يتم اختيار أصلح الآراء الفقهية المتعددة داخل المذهب وأنسبها للمصلحة في موضوع المسألة الواحدة دون الالتفات إلى آراء المذهب الأخرى، وهو ما يمكن أن نجد مثاله في مجلة الأحكام العدلية لسنة (١٢٨٦م) التي قننت الأحكام الفقهية في مجال المعاملات من الفقه الحنفي، وتم تطبيقها في بلاد الخلافة العثمانية جميعها ما عدا مصر والجزائر (٢٥). واستمر تطبيقها في كثير من البلدان العربية مثل الأردن والكويت إلى وقت قريب (٣٦) ومثلها (مجلة الإلتزامات لده)
٨٦
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
والعقود التونسية التي صدرت سنة (١٩٠٦م) حيث قتنت الكثير من أحكام الفقه المالكي .
- ويبدو أثر المصلحة على حركة التقنين واضحاً في كونه نقل عملية الفقه من دائرة المذهب الواحد إلى دائرة المذاهب الفقهية الأخرى؛ بحثاً عن أحكام إصلاحية تلبي حاجة المصلحة الزمنية، ولم يتم ذلك دفعة واحدة، وإنما على خطوات تدريجية بدأت بالاقتصار على المذاهب الأربعة ثم انتهت بالإقتباس من عموم الفقه الإسلامي، وقد بدأ تطبيق ذلك في دائرة الأخذ من المذاهب الأربعة، وذلك من خلال قانون العائلة العثماني لسنة (١٣٣٦هـ) الموافق (۱۹۱۷م) وهو أول تقنين المسائل الأحوال الشخصية من فقه الشريعة الإسلامية أو بالأصح من فقه المذاهب الأربعة (٣٨) . فقد أخذ هذا القانون برأي المذهب المالكي - خلافاً لمذهب الدولة وهو المذهب الحنفي - في مسألة التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين وبذلك تمكنت المرأة من حقها في التخلص من زوج السوء، وهو حق شرعي تدفع باتجاهه محاسن الشريعة ومقاصدها، كما أخذ - من مذهب مالك أيضاً - إطلاق حرية الزواج الزوجة المفقود بعد أربع سنين من فقدانه، بينما يقضي المذهب الحنفي بانتظار وفاة جميع أقرانه في العمر، فتبقى زوجة المفقود معلقة حتي شيخوختها، إضافة إلى أحكام إصلاحية أخرى أخذ بها هذا القانون (۳۹) وقد كانت مقاصد الشريعة تدفع باتجاه توسيع موضوعات القوانين إلى جانب تغيير الأحكام بأخرى أكثر تجسيداً للمصلحة المقصودة شرعاً.
وقد نجد في قانون الأحوال الشخصية السوري في عام (١٩٥٣م) مثالاً على التوسع من حيث الموضوع، ففي الوقت الذي نرى فيه قانون العائلة العثماني اقتصر على تقنين الأحكام ذات العلاقة بموضوع النكاح والطلاق فقط، نجد أن القانون السوري قد نظم الأحوال الشخصية بموضوعاتها الأربعة - الزواج وما يتفرع عنه من نفقة ونسب، وحضانة وطلاق، وتفريق وعدة... إلخ - والأهلية - والوصاية وما يتفرع عنها والوصية وما يتعلق بها، والميراث) - وقد اعتبر أول قانون للأحوال
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق
الشخصية كاملاً من حيث الموضوع (٤٠). أما عن تغييرات الأحكام فأمثلتها كثيرة، ويمكن الوقوف عليها من خلال التعديلات القانونية والمتتابعة في أي بلد من البلدان التي أخذت بالتقنين.
ه - كما اقتضت المصلحة أن يتحرك التقنين الفقهي نحو الأخذ مما وراء المذاهب الأربعة، وقد بدأ ذلك باقتباس القانون المصرى شيئاً من آراء المذاهب الأخرى، فقد اقتبس على سبيل المثال آراء المذهب الإباضي في الميراث بولاء العتاهة، حيث أخره عن كل الورثة، حتى عن الرد على أحد الزوجين، مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله عقب العصبة النسبية، ويسبق فيها الرد على أصحاب الفروض (٤١) وفي اليمن انطلق تقنين أحكام الشريعة الإسلامية عام (١٩٧٦م) وقد اعتمد هذا التقنين على مذهبين أحدهما من خارج المذاهب الأربعة وهو المذهب الزيدي، والآخر من داخلها وهو المذهب الشافعي، وربما عادت الأسباب في ذلك إلى كون هذين المذهبين هما السائدان في اليمن، وقد شكلت لجنة من علماء المذهبين أنذاك وفق معايير محددة، وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى العلل التي دفعت باتجاه التقنين في اليمن، حيث نلاحظ أن مقدمات وتقارير لجنة التقين قد اشتملت على علل مقاصدية عبرت جميعها بما يؤكد أن مقاصد الشريعة كان لها الأثر الأكبر في إصدار القوانين الشرعية في اليمن (٤٢) ومنها: قانون المواريث رقم (١٩٧٦٫٢٤م) قانون الوصية رقم (١٩٧٦٫٤٢م) - قانون الوقف رقم (١٩٧٦٫٧٨م)، وقرارات تشريعية أخرى كان لها صفة القانون، وخاصة المتعلقة بشأن تيسير الزواج وتحديد الدية والأرش والجنايات العمد والخطأ وإصابات العمل (٤٣) ومع أن التقنين اليمني قد اقتصر في بدايته على المذهبين الزيدي والشافعي، إلا أنه قد شهد مؤخراً انفتاحاً على بقية المذاهب الأخرى، ومثال ذلك توريث الإبن من الجد بدلاً عن أبيه المتوفى، حيث كانت القاعدة أنه لا يرث من جده إذا توفي الأب قبل الجد (٤٤) . ويحتوي القانون المدني اليمني (٤٥) على آراء متعددة اقتبست من خارج المذهبين الزيدي والشافعي.
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
٦ - ويتجلى أثر المصلحة على حركة التقنين في كونه يقف اليوم وراء الكثير من الأفكار والدعوات المطالبة باعتماد التقنين من واقع الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآراءه الاجتهادية، فقد رأى بعض المفكرين أن مجموعة المذاهب الاجتهادية يجب أن تعتبر كمذهب واحد، وكل مذهب فردي منها يتم اعتباره كالآراء والأقول المختلفة في المذاهب الفردي الواحد، فيرجع علماء الأمة ويختارون منها للتقنين في ميدان القضاء والفتيا ما هو أوفى بالحاجة الزمنية و متقضيات المصلحة في كل عصر (٤٦) باعتبار أن مجموع الفقه الإسلامي يتسم بخصوبة وسعة ومرونة أكبر بكثير مما يمكن أن يحتويه مذهب فقهي بعينه، وأن في هذا المجموع - بالإضافة إلى استمرار حركة الإجتهاد وما قد تضيفه من أحكام ما يمكن أن يلبي الحاجة التقنينية في جميع المجالات التي نحتاج فيها إلى تشريعات نموذجية، وعلى سبيل المثال، فقد مثل القانون المدني الأردني الصادر عام (١٩٧٦م) قانوناً نمودجياً، وما ذلك إلا لكونه استند إلى الفقه الإسلامي العام بما يمثله من خصوبة ورحابة، وقد صدرت معه مذكرته الإيضاحية التي واكبت مواده مادة فمادة، ووصلتها بمصادرها من فقه المذاهب، وقد تدعم بعض المواد بقياس اجتهادي أو بالتخريج على قاعدة الإستصلاح أو المصالح المرسلة، وكل ما وجدته قابلاً للتخريج على مقاصد الشريعة وقواعد الفقه الأخرى، فكان بهذه الطريقة أول قانون مدني حديث - في أسلوبه وترتيبه وتبويبه - يستمد أحكامه من الفقه العام الشريعة الإسلام (٤٧) وقد أخذت بعض الدول هذا القانون وطبقته بكامله في بلدانها، ومن هذه الدول السودان والإمارات العربية المتحدة، وكذلك استفادت منه اليمن بشكل كبير في قانونها المدني الصادر عام (۱۹۸۲م) كما أخبرني بعض المختصين.
وفي ظل هذا الأثر المصلحي أيضاً اتخذت حركة التقنين شكل الوسيلة أو المدخل إلى تقديم بعض المحاولات على طريق الوحدة - التشريعية على الأقل بين المسلمين العرب - وذلك من خلال التقنين الموحد؛ نظراً لما يمكن أن يحققه من مزايا تجمع ولا تفرق، وتوسع ولا تضيق، وتخفف من غلواء التعصب المذهبي
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
وقد ظهرت بعض المحاولات على هذا الطريق لولا أنها لم تتجاوز وصف الفكرة أو المشروع، ومن ذلك:
أ. مشروع القانون المدني العربي الموحد المستمد من الفقه الإسلامي، والذي تبنته جامعة الدول العربية منتصف السبعينات.
ب فكرة توحيد النظام الجنائي في البلاد العربية على أساس الشريعة الإسلامية، وقد وضع الشيخ مصطفى الزرقا تصوره في هذا الشأن (٤٨) بناء على طلب
أمين المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي عام (۱۹۷۷م).
ج. مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للبلاد العربية، والذي تقررت فكرته في المؤتمر الأول لوزراء العدل العرب في الرباط عام (۱۹۷۷م) وهذا هو المشروع الوحيد ربما، الذي أنجزت صياغته، إلا أنه لم يحظ بموافقة بعض الدول العربية، بسبب مخالفته في بعض الأحكام لمذهبها الفقهي السائد فيها، ولذلك تقرر أن يترك المشروع لكل دولة عربية مرجعاً تستمد منه ما تشاء إذا أرادت (٤٩).
ثانياً: في مجال التقنين الإجرائي أو الشكلي
وفي هذا المجال قد يتجلى - بصورة أكبر - الدور الذي يمكن أن يلعبه فقه المقاصد في مسألة التقنين والتأثير على حركته باعتباره مجالاً صالحاً للابتكار أو الإبداع القانوني المستند في حقيقته إلى الإجتهاد المقاصدي، وكونه مستودع الوسائل المتغيرة والمتطورة بطبيعتها. فقد رأينا أن المقاصد كانت وراء الكثير من أعمال الصحابة والأئمة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وما يتعلق بذلك من إقامة المرافق وإنشاء الوسائل والأنظمة، وفي مجال كهذا تبدو الحاجة ماسة إلى ابتكار الوسائل المناسبة لتحقيق مقاصد الشريعة وما تنطوي عليه من مصالح، وتنظيمها بقوانين قابلة للتعديل حذفاً وإضافة وسداً وفتحاً للذرائع، وذلك بحسب ما تكشف عن التجربة أو تجود به المستجدات، ذلك أن فقه المقاصد ينطوي بطبيعته على الأسس الكلية - أو النظريات والأهداف العامة للقوانين بصورة إجمالية، وهو ما يتيح هوامش ومساحات واسعة لعمل كل ما يمكن أن يحقق أهداف الدين وينسجم مع متطلباته
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
ويدخل في ذلك سن القوانين والأنظمة التفصيلية اللازمة لإدارة المجتمع؛ إذ ليس من المتوقع أن تمنع هذه الأهداف والمقاصد قيام ما يُفضي إليها ويحققها، فمن غير المعقول - مثلاً - الاستغناء عن نظام البلديات أو قوانين المرور، أو نظام التربية والتعليم، أو تنظيم الجيوش والقدرات الدفاعية (٥٠) أو القوانين المنظمة لحركة القضاء وأداء المحاكم وإجراءات التقاضي.
وبالتالي فإن حركة التقنين يجب أن تقتحم كافة الميادين التي تتكشف كل يوم أمام حركة العصر المتوثبة، ولكن وفق رؤية متوازنة تجيب في آن واحد على سؤال: ماذا يريد الواقع ؟ وماذا تريد الشريعة ؟! ومثل هذا السؤال إنما يشير في طبيعته إلى دراسة متطلبات الواقع في ضوء ثوابت الشريعة التي لا تتغير بتغير العصور، وسواء كانت هذه الثوابت مقاصد أو وسائل فإن ما تريده الشريعة بصفة عامة في هذه الحالة هو استثمار مطلوبات الواقع وتسخيرها في خدمة تلك الثوابت وليس العكس.
ولعل من صور هذا الاستثمار المطلوب هو السيطرة أولاً على حركة الواقع التي بدونها قد تتضرر إرادة الشريعة ومقاصدها وثوابتها بشكل عام.
ومثالاً على ذلك فإن غاية الشريعة ومقصدها الثابت من وراء القضاء هو إقامة العدل وتطبيق الشريعة بين الناس، وإذا كان ذلك ما تريده الشريعة فإن حركة الواقع المعاصر قد راكمت من الظواهر والقضايا المزدحمة ما يجعل القضاء بطريقة العصور السالفة - عاجزاً عن تحقيق مراد الشريعة. وهنا يصبح أثر المصلحة قوياً باتجاه تنظيم العمل القضائي عبر قوانين تحدد دوائره و تقسيماته المختلفة ومحاكمه واختصاصاتها الموضوعية والشكلية ودرجاتها ومراحل الحكم وإجراءات التقاضي في كل مرحلة، وهو ما تم فعلاً في معظم البلدان، حيث أصبح لكل نوع من الدعاوى محكمة مختصة تنظر فيها ويمتنع عليها النظر فيما سواها، كالمحاكم الجنائية لمحاكمة المجرمين والمحاكم الحقوقية للنظر في دعاوى الحقوق المالية.....
إلى غير ذلك من المحاكم المختصة بحسب الدواعي الزمنية.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق.
وكذلك تنظيم سجلات ومحاضر للقضاة تدون فيها وقائع المحاكمات والشهادات والأحكام للتوثيق وصيانة الحقوق ومنع التلاعب في الإثبات. وهذا لم يكن موجوداً في العصر الأول، وهو بالتأكيد من ضروريات وضوح العمل القضائي وضبط مساره و امتصاص ازدحام القضايا، وصولاً إلى إقامة العدل وتطبيق الشريعة.
وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المجالات التي تتطلب مثل هذه القوانين المنظمة، كالأنظمة والقوانين المرورية والبيئية والتربوية والعسكرية ... الخ. وبالتالي تصبح حركة التقنين الشكلي أو الإجرائي نتاجاً شرعياً لفقه المصلحة وانعكاساً لآثاره و آفاقه الواسعة التي دشنها.
النتائج
1 - إن فكرة التقنين هي فكرة قديمة.
الفقهاء . ٢ - إن مسألة التقنين - بشكل عام - هي مسألة اجتهادية اختلفت حولها أنظار
- تقنين الأحكام الفقهية شكل من أشكال الحركة الاجتهادية المقاصدية، التي تعبر عن ديمومة الشريعة وقدرتها الفائقة في استيعاب كل جديد.
- إن فقه المقاصد هو مما يعطي لحركة التقنين معناها المتصل بمصلحة المكلف، خاصة وأن التقنين يساهم في تيسير التكليف من خلال أثره في تسهيل فهمه والإطلاع عليه، مما يجعل المكلف أكثر حرصاً وقدرة على النهوض به.
ه - تحت تأثير فقه المقاصد تتجه حركة التقنين إلى الفقه المقارن وهو ما يشجع على الانفتاح المذهبي الذي يحقق المزيد من التقارب بين المسلمين.
٦ - إن أثر فقه المقاصد على حركة التقنين الفقهي هو أثر إيجابي وذو طبيعة داعمة.
- ملاحظات الرؤية المضادة للتقنين تكتسب أهميتها باعتبارها محفزات للتفكير في المزيد من الضوابط التي تجعل من حركة التقنين حركة ناضجة وراشدة.
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
- أثر التقنين على حركة الاجتهاد لا يشكل أي خطورة يمكن أن نقلق من أجلها، وإمكانية التفكير في جعله كذلك هي إمكانية متاحة.
۹ - قد يكون غياب أو ضعف العقلية المقاصدية بشكل عام هي إحدى مشکلات المسلمين الأساسية.
التوصيات
1 - التأكيد على أهمية فقه المصلحة الاجتماعية وما يمكن أن يلعبه من أدوار إصلاحية مهمة، مع ضرورة الإلتفات إلى الضوابط الشرعية التي تحصن الناس من التحلل والإنفلات كما تصونهم من التحجر والجمود.
۲ - ضرورة الاتصال بالموروث، والعمل على مراجعته وتصحيحه وتنقيته من الشوائب، إلى جانب العمل على استدعاء عناصره الحية للإفادة منها في بناء الآراء والأفكار التي تصل الأصل بالعصر.
- أهمية الانفتاح على العلوم الأخرى والإفادة من تجارب الآخرين، بما يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها.
- النظر إلى كافة الصيغ التي صنعها الإفراط والتفريط في واقعنا المعاش كصيغ طارئة لا ينبغي أن تثبط عزائم المصلحين، بل ينبغي التعامل معها كتحديات باعثة على المزيد من مضاعفة الجهود ومواصلة السير في الذب عن قيم الشريعة ومقاصدها ومنابعها الصافية وفق رؤيتها العميقة والمدركة.
ه - العمل على تطوير آلية التنسيق والتواصل بين العلماء والباحثين من مختلف المذاهب، والسير معاً على أساس تكاملي يجمع ولا يفرق ويوسع ولا يضيق.
التأكيد على أهمية الإعلام وما يمكن أن يلعبه من أدوار كبيرة وفاعلة في خدمة مقاصد الشريعة، وفي تعميم وترسيخ ثقافتها النافعة، وهو ما يعني ضرورة التفكير في إيجاد البرامج والآليات وتطويرها بما يمكن معها وسائل الإعلام المختلفة من أداء دورها المفترض في خدمة الدين وشريعته الإنسانية الخالدة.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والأفاق
٦ - ضرورة إبداء المزيد من الاهتمام بحركة التقنين المعاصر، والدفع بها نحو تقنين أحكام الشريعة الإسلامية من مختلف المذاهب الاجتهادية وفق أسس وضوابط توازن بين الحاجة إلى التقنين واستقرار المعاملات من جهة، وبين الحاجة إلى الاجتهاد والتجديد من جهة أخرى.
المصادر
1 - أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد والتقنين عبد الله بن حمود العزي ورقة عمل مقدمة في ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان).
٢ - الاجتهاد المقاصدي د. نور الدين بن مختار الحادمي، ضمن كتاب الأمة - الأول العدد (٦٥) جمادى الأولى: ١٤١٩هـ ، والجزء الثاني العدد (٦٦) رجب: ١٤١٩هـ.
٣ - أصول المحاكمات المدنية - دراسة مقارنة، تأليف: د. عوض أحمد الزعبي الجزء الثاني، دار وائل - الطبعة الأولى ٫ ٢٠٠٣م.
- إعادة صياغة الأمة. تأليف الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - الحلقة الأولى: الطبعة الأولى ٫ ۲۰۰۳ م - مكتبة الجيل الواعد.
ه - إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل - بيروت ٫ ١٩٧٣م.
٦ - الإمام زيد، حياته وعصره - آراؤه وفقهه، محمد أبو زهرة - المكتبة الإسلامية - بيروت .
- الانتصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة، الإمام يحيي بن حمزة، ج 1، تحقيق عبد الوهاب بن علي المؤيد، علي بن أحمد مفضل، الطبعة الأولى ٫ ۲۰۰۲م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.
- تحرير المجلة، تأليف سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، تحقيق الشيخ محمد الساعدي، إشراف آية الله الشيخ محمد مهدي الأصفي، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، الطبعة الأولى ٫ ١٤٢٢هـ .
الفقه المقارن - العددان (۳۲) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣ -
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
٩ - تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، محمد الغزالي، دار الشروق.
الطبعة الأولى ۲۰۰۱م، دار الهادي. ١٠ - الحقوق الإنسانية بين الإسلام والمجتمع المدني د. مصطفی محقق داماد،
۱۱ - فقه الوسائل في الشريعة الإسلامية، د. أم نائل بركاني، ضمن كتاب الأمة - العدد ۱۲۰، رجب ٫ ١٤٢٨هـ.
١٢ - الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية، د. سالم بن هلال الخروصي، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى ٫ ٢٠٠٦م.
۱۳ - فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة د. عبد الجبار الرفاعي، الطبعة الأولى ۲۰۰۱م، دار الهادي.
١٤ - الفلك الدوار في علوم الحديث والفقه والآثار، تأليف السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير تحقيق محمد عزان مكتبة التراث الإسلامي ودار التراث اليمني، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م.
١٥ - قضايا إسلامية معاصرة - إشكاليات التجديد ماجد الغرباوي، دار الهادي - الطبعة الأولى ٢٠٠١م.
١٦ - قضايا النوازل في فقه المعاملات بين المذاهب الإسلامية وتجديد الفتوى (ورقة عمل: أ.د. محمد كمال إمام.
۱۷ - مجلة رسالة التقريب - العدد الأول السنة الأولى، رمضان ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
۱۸ - مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الرسائل الأصولية تحقيق عبد الله بن محمد الشاذلي، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافي، الطبعة الأولى ٢٠٠١م.
۱۹ - مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، تحقيق: عبد الكريم أحمد جدبان، الجزء الأول، دار الحكمة اليمانية، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م.
٢٠ - المدخل الفقهي العام، تأليف مصطفى أحمد الزرقاء، الجزء الأول والثاني،
دار القلم، الطبعة الثانية ٫ ٢٠٠٤م.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والآفاق .
۲۱ - المستصفى في علم الأصول. تأليف محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، تحقیق: محمد عبد السلام عبد الشافي ٫ دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ.
۲۲ - مقاصد الشريعة كتاب قضايا إسلامية معاصرة طه جابر العلواني - دار الهادي، الطبعة الأولى ٢٠٠١م.
۲۳ - معيار أغوار الأفهام في مناسبات الأحكام العلامة عبدالله النجري - مخطوط .
٢٤ - مناهج التجديد - تحرير وحوار عبد الجبار الرفاعي، دار الفكر المعاصر، بيروت - دار الفکر دمشق، الطبعة الأولى ٫ ٢٠٠٠م.
٢٥ - مناهج التشريع الإسلامي والبحث العلمي، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان، المطابع العالمية - سلطنة عمان ٫ ٢٠٠١م.
٢٦ - منهج الاجتهاد عند الإباضية، د. مصطفى صالح باجو، مكتبة الجيل الرعد مسقط ٫ عمان، الطبعة الأولى ٫ ٢٠٠٥م.
۲۷ - الموافقات في أصول الفقه، تأليف: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، تحقيق: عبدالله دراز، دار المعرفة - بيروت.
۲۸ - معنى المصلحة والمقصد في المنظومة الفقهية - أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي.
۲۹ - مقاصد الشرع ومحاولات تجديد المنظومة الأصولية، د. عبدالله السيد ولد أباه.
٣٠ - المقاصد الشرعية بين الفقهين الأباضي والمالكي، د. مصطفى بن صالح باجو.
٣١ - فلسفة الفقه، الشيخ محمد شبستري.
٣٢ - الأحكام الحكومية والمصلحة، الشيخ سيف الله صرامي.
- الفكر الإسلامي ومتطلبات المستقبل، علي مؤمن.
٣٤ - موقع علماء الشريعة على الإنترنت
http:٫٫www.olamaashareah.net
٣٥ - حركة تقنين الفقه الإسلامي، عامر بن عيسى اللهو، بحث منشور على الإنترنت
http:٫٫www.saaid.net
٣٦ - موقع إسلام أون لاين نت
http:٫٫www.islamonline.net
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
الهوامش:
دور المصلحة الاجتماعية في تقنين الفقه الإسلامي
(1) المستصفى، لأبي حامد الغزالي : ص ١٧٤.
(۲) انظر: المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا، ج ۱، ص ۳۱۳.
(۳) تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين موقع علماء الشريعة (انترنت).
(٤) حركة تقنين الفقه الإسلامي، عامر بن عيسى اللهو ص ، بحث منشور على الإنترنت.
(٥) د. عبد اللطيف الشيخ جواز تقنين قانون ينظم لأحكام الأسرة مستمد من الشريعة الإسلامية انظر:
موقعه على الإنترنت.
(1) أنظر مقدمة الدكتور السالمي، في كتاب (ندوة تطور العلوم الفقهية) مجموعة أبحاث: ص ...
(۷) معيار الأفهام في مناسبات الأحكام، للنجري، مخطوط.
(۸) تنظر هذه القواعد في كتاب تحرير المجلة)، ج ۱، ص ۱۲۸، وما بعدها.
(9) أنظر معنى ذلك في الموافقات للشاطبي، ج ۲، ص ۸.
(۱۰) سورة المائدة الآية ٤٢.
(۱۱) سورة (ص): الآية ٢٦.
(۱۲) عامر بن عيسى اللهو (حركة تقنين الفقه الإسلامي): ص ١٠.
(۱۳) المصدر نفسه: ص ۱۰ .
(١٤) «التقنين» مدخل لتجسيد الوحدة التشريعية أم إيقاف للاجتهاد، عدنان الشبراوي - صحيفة
عكاظ الإلكترونية.
(١٥) موقع علماء الشريعة.. تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين (انترنت).
(١٦) حركة تقنين الفقه الإسلامي: ص ۱۱.
(۱۷) عدنان شبراوي التقنين مدخل لتجسيد الوحدة التشريعية أم إيقاف للاجتهاد - صحيفة عكاظ
الإلكترونية.
(۱۸) ينظر حول ذلك المدخل الفقهي العام: ٢٣٦٫١.
(۱۹) انظر: د. عوض أحمد الزعبي (أصول المحاكمات المدنية دراسة مقارنة): ٢٫ ٩٠٥، ٩٠٦.
(۲۰) أنظر تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين عبد الرحمن أحمد الجرعي - موقع إسلام أون لاين نت.
(۲۱) سقاف بن علي الكاف هذه شريعتنا): ص ١٤٠.
(۲۲) ينظر في ذلك: هذه شريعتنا: ص ١٤١.
(۲۳) ينظر مجلة الأحكام أول محاولة لتقنين الشريعة في تاريخ المملكة - أحمد ضيف صحيفة عكاظ الإلكترونية.
(٢٤) المرجع السابق.
ملف العدد: تقنين الفقه الإسلامي: الواقع والأفاق
(٢٥) ينظر: المدخل الفقهي: ۲۳۹٫۱
(٢٦) حركة التقنين في اليمن، بحث غير منشور للقاضي الشرعي.
(۲۷) أنظر: المدخل الفقهي العام: ٣١٤.
(۲۸) أنظر الإجتهاد والتجديد: ١٥٠٫٢
(۲۹) أنظر: د. القرضاوي، مرجع سابق: ١٠٥.
(۳۰) أنظر : المدخل الفقهي العام: ص ٢٥٩، وما وراءها.
(۳۱) تحرير المجلة، ج ۱، ص ۲۰ - ۲۲.
(۳۲) للمزيد حول الموضوع: انظر: المدخل الفقهي العام) ص ٣٠٦ - ٣١٠.
(۳۳) المدخل الفقهي العام، ج ۱، ص ۲۳۰.
(٣٤) أنظر : المدخل الفقهي العام: ٢٥٤ - ٢٥٥ ، وانظر : هذه شريعتنا: ١٤١ - ١٤٢.
(٣٥) أنظر: تحرير المجلة: ۱۸٫۱
(٣٦) أنظر : د. القرضاوي، السياسة الشرعية: ص ١٠٥.
(۳۷) أنظر: تحرير المجلة، ج ۱، ص ۲۲.
(۳۸) تحرير المجلة، ج ۱، ص ۱۹، ۲۰.
(۳۹) المدخل الفقهي العام، ج ۱، ص ٢٦٠ - ٠٢٦١
(٤٠) ينظر ذلك في المدخل الفقهي العام، ج ١، ص ٢٦٢ - ٠٢٦٣
(٤١) أنظر: د. أبو زهرة: ص۱۳۳.
(٤٢) القاضي محمد الشرعي (حركة التقنين الفقهي في اليمن) بحث غير منشور.
(٤٣) مجموعة القوانين الموضوعية الإسلامية - صادرة عن وزارة العدل اليمنية، بتاريخ ٢٥، ذي القعدة ١٣٩٦هـ ، الموافق: ۱۹۷۶٫۱٫۱۷م، ص ٤.
(٤٤) الشرعي، مرجع سابق، بحث غير منشور.
(٤٥) صدر هذا القانون عام (۱۰۸۲م) عن هيئة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في أربعة مجلدات
مع مذكرته الإيضاحية.
(٤٦) المدخل الفقهي العام، ج ۱، ص ٢٦٢.
(٤٧) للمزيد حول الموضوع، انظر: المدخل الفقهي العام): ج ١، ص ٢٩٥ - ٣٠٤.
(٤٨) أنظر: المدخل الفقهي العام، ج ۱، ص ٣٢١ - ٣٢٦.
(٤٩) المدخل الفقهي العام، ج ۱، ص ٢٢٦.
(٥٠) الشيخ خالد الغفوري الفقه وفقه النظريات العامة)، ج ۲، ص ١٤٩.
۹۸
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :