دراسات مقارنة
حكم الردة
ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
تمهيد
أ. الشيخ محمد علي التسخيري
عندما تطلق مسألة حرية الاعتقاد، فإن المتبادر منها أن لا تكون هناك أية محدودية لرفض أية عقيدة أو قبولها أو تغييرها، ولما كان قبول الإسلام ابتداءاً أمراً مجازاً في حين أن الخروج منه ممنوع، يستحق معه فاعله العقوبة الشديدة (القتل) وهو أمر متسالم عليه بين كل المذاهب الإسلامية فإن مثل هذا التساؤل يطرح كيف ينسجم هذا مع مبدأ حرية الاعتقاد المطروح على المستوى الإنساني اليوم باعتباره أمراً مسلماً، وحقاً من حقوق الإنسان؟
ولا ريب أن مسألة الارتداد لها عمقها ومباحثها المتنوعة في الفقه الإسلامي، وآثارها في مختلف المجالات الحياتية كالنكاح والطهارة والإرث والحدود، لكننا هنا في هذا المقال سنركز على مسألة عقوبة المرتد، ومدى انسجامها مع مبدأ الحرية الدينية والاتجاهات فيها.
ثمة اتجاهات في مسألة عقوبة المرتد ومدى انسجامها مع مبدأ الحرية والاعتقاد وهي كالتالي:
أولاً: الاتجاهات الرافضة لعقوبة المرتد
لا ريب أن كل الأديان تعتبر الارتداد جريمة، وتتفق المذاهب الإسلامية على
دراسات مقارنة
أن جزاءه القتل، إلا أن الكتاب والعلماء والأساتذة شككوا في مستندات هذا الحكم،
نذكر منها :
١ - المرحوم الإمام الشيخ محمود شلتوت إذ يقول:
الاعتداء على الدين بالردة يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، وارتكاب ما يدل على الاستخفاف والتكذيب. والذي جاء في القرآن عن هذه الجريمة هو قوله تعالى: ومن يرتدد منكم ) والآية كما ترى لا تتضمن أكثر من حبوط العمل والجزاء الأخروي بالخلود في النار، أما العقاب الدنيوي لهذه الجناية وهو القتل فيثبته الفقهاء بحديث يروى عن ابن عباس .... ثم يعقب: وقد تتغير وجهة النظر في هذه المسألة إذا لوحظ أن كثيراً من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بأحاديث الأحاد. وأن الكفر بنفسه ليس مبيحاً للدم، وأن المبيح هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم.... وأن ظواهر القرآن في كثير من الآيات تأبى الإكراه على الدين (۲) فهو ظاهراً يميل لهذا القول.
٢ - الأستاذ الدكتور أحمد صبحي منصور في كتابه «حد الردة» (۳)، حيث أكد على وجود حديثين فيه، هما ما نقله الأوزاعي بلا سند، مما منعه من الاعتماد عليه، ثم يقول:
إن مسلماً اعتمد عليه بعد قرنين، فعاد خبراً صحيحاً.
والثاني: ما نقل في صحيح البخاري عن عكرمة وناقش فيه.
والواقع أن هناك أدلة أخرى من مصادر السنة والشيعة تؤكد هذا الحكم ).
- الدكتور الشيخ صبحي الصالح حيث قبل بسند حديث « من بدل دينه فاقتلوه ولكنه أنكر إمكان الاستناد إلى خبر الواحد في أمر الدماء بعد كل ذلك التأكيد القرآني على حفظ النفس حتى عاد مقصداً عاماً من مقاصد الشريعة.
نعم لو قام إجماع عن ذلك حكمنا به ولكنه لم يقم على قتل المرتد بمجرد تغيير عقيدته (1).
الفقه المقارن - العددان (۳۲) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳ م -
١٤٢
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
٤ - الأستاذ الدكتور عبد المتعال الصعيدي، حيث أكد أنه لا يكره على الإسلام
بقتل أو باستتابة، بل يكتفى في دعوته إلى الإسلام بما يكتفى به في دعوة من لم يسبق منه إسلام ثم ارتد عنه وهو يستعرض الآيات الواردة في الحرية الدينية، ويبطل دعوى نسخها مستنداً لأقوال القاضي ابن العربي والجصاص والشيخين محمد عبده و محمد رشيد رضا، ويرى أن فتوى بعض العلماء بقبول الجزية من غير المسلم، كتابياً كان أم لا تبطل دعوى النسخ، كما تبطلها ميول الإسلام للسلم والعفو، وكذلك مسألة اشتراط الاختيار في قبول الإسلام، ثم هو يُجيز مخالفة الاجماع القائم على دليل إذا تم إبطال دليله، ويذكر بعض الأقوال التي تذكر أنه يستتاب أبداً ولا يُقتل، كما يشير لقول الحنفية في عدم قتل المرتدة لأنها لا تقاتل، فالسبب سياسي.
وناقش ردود ابن حزم على من قال إنه يستتاب ولا يقتل، بتذكيره بعدم قتل النبي الله من نسبوا إليه الجور، وعدم قتله المنافقين وهو يعلمهم، وإن الله ذكر المرتدين ولم ينذرهم إلا بحبوط عملهم. ثم نسب هذا القول إلى إبراهيم النخعي وهكذا ختم كتابه بالاستدلال عقلاً ونقلاً على عدم القتل. ولعله في آخر كتابه مال إلى الاتجاه الرابع الذي سنذكره.
ه - الدكتور عبد الكريم سروش، حيث افترض خطأ أن أكبر الأدلة على حجية خبر الواحد هو السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع المقدس، ولكن قتل المرتد حالة تشكك فيها هذه السيرة فيجب اللجوء إلى أدلة محكمة كالأدلة القرآنية، ولا دليل في القرآن على ذلك ).
٦ - الدكتور جودت سعيد، وقد ركز على أن الحديث لا يمكنه أن ينسخ القرآن، غافلاً عن أن بيان حكم غير موجود في القرآن لا يعني النسخ ).
الدكتور مهدي بازركان، حيث يرى أن حكم المرتد هذا يتعارض مع القرآن ) كما في قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي غير
١٤٣
دراسات مقارنة
ملتفت إلى أن الآية لو تمت دلالتها أمكن ادعاء تخصيصها بالسنة الشريفة ولا تعتبر مخالفة للقرآن، كما في تخصيص آية الميراث وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (۱) بعدم شمول الكافر كما جاء في السنة الشريفة.
ثانياً: الاتجاهات الفقهية المبررة لعقوبة الارتداد مع القبول بها قسم بعض الباحثين (۱۱) هذه الاتجاهات إلى ما يلي:
أ - الاتجاه السياسي ومثل له باتجاه المرحوم عبدالقادر عودة حيث اعتبر الارتداد تهديداً للحكومة الإسلامية، وعملاً على تقويض أسسها (١٢)
ب - الاتجاه الاجتماعي، حيث يعتبر الارتداد تعدياً على حقوق الآخرين مما يترك آثاراً سلبية على المجتمع، ويلوث أجواءه بتوجيه ضربة إلى أسسه الإيمانية والأخلاقية، وهذا ما يبدو من كتابات العلامة السيد فضل الله والشيخ المنتظري وغيرهما (١٣).
ج - الاتجاه الفردي، حيث يعبر الارتداد عن انحطاط فردي وفساد شخصي يجعل الإنسان يتبع الهوى، ولذلك مردودات اجتماعية حتماً، وهو ما يميل إليه الإمام الخامنئي (١٤) ويمكن أن تذكر كل هذه الاضرار بمجموعها لتبرير هذا الحكم، كما يمكن أن نضيف إليها :
د - الاتجاه الإنساني، إذ يعتبر المرتد عن الإسلام مرتداً عن دين الفطرة النقية الصالحة، وبالتالي فاسقاً عن الحالة الإنسانية الطبيعية بعد أن ذاق حلاوتها.
ومن هنا نجد اللائحة الإسلامية لحقوق الإنسان، والتي حظيت باجماع فقهاء مجمع الفقه الإسلامي الدولي ورؤساء السلطة في العالم الإسلامي، تقول في مادتها العاشرة:
لما كان على الإنسان أن يتبع الإسلام دين الفطرة، فإنه لا تجوز ممارسة أي لون من الإكراه عليه كما لا يجوز استغلال فقره أو ضعفه أو جهله لتغيير دينه إلى دين آخر أو الالحاد».
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) المسنة الأول ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳ م -
١٤٤
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
قيمته. وبالتالي يعد من فارق الإسلام مفارقاً لإنسانيته داخلاً في حالة حيوانية تفقده
ثالثاً: الاتجاهات المقيدة
وهي التي تحد من تطبيق هذه العقوبة على كل من تبدلت عقيدته بمجرد التغير، ويمكن أن نذكر لها الأمثلة التالية:
أ - اتجاه تخصيص الأمر بحالة (الجحود) و (العناد) مع معرفة الحقيقة، فهم كأولئك الذين قال فيهم القرآن الكريم وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم (١٥).
مستفيدين هذا القيد من قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (١٦) فبالرغم من وضوح الرشد، يختار هؤلاء الغي ويجحدون بآيات الله. وحينئذ يحتاج الأمر إلى اثبات هذا الموضوع وهو من الصعوبة بمكان.
وربما أيد أصحاب هذا الاتجاه (۱۷) رأيهم ببعض الروايات، منها: محاولة الإمام علي السلة الرجوع الشيخ المرتد عن الإسلام عن ارتداده بطرح احتمالات دفعته لذلك من قبيل: إصابة ميراث، أو الفشل في خطبة امرأة (١٨) وهكذا لتعرف دوافعه الحقيقية.
ومنها: ما جاء عن الإمام الصادق المالية من قوله: «كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام وجحد محمد الله نبوته، وكذبه، فإن دمه مباح لمن سمع ذلك منه (١٩).
فما دام في شبهة، أو كان هناك احتمال غرض آخر، فإنه لا يقتل. ولسنا بصدد مناقشة هذا القول فإنه يحتاج إلى سد بعض الثغرات وإن كان وجيهاً في نفسه
ب - السعي - إلى حد الإمكان - إلى هدايته، وقبول توبته، والسكوت عليه إن لم يكن من الأشرار الخطرين، والعمل بقاعدة الحدود تدرأ بالشبهات» (٢٠).
ويواجه هذا الرأي أيضاً تساؤلات عن أدلته، وعدم تفريقه بين المرتد الملي والفطري وغيرها.
١٤٥
دراسات مقارنة
ح - وهناك اتجاه يفرق بين الأقوال التي تصدر معبرة عن عدم تدين وهذر، والأخرى التي تعبر عن إنكار المسلمات الإسلام، وهو اتجاه مقبول.
و - وهناك اتجاه يؤكد على أن بعض الآراء قد يلازمها الكفر في رأي بعض العلماء، لكن لما كان صاحبها ينكر الملازمة حتى مع وضوحها، فإنه لا يعد كافراً، ولا تجري عليه أحكام الارتداد وهذا رأي سديد يسد الكثير من أبواب التكفير المحطم.
رابعاً: الاتجاه الولائي التعزيري
يتجه أصحابه (۲۱) إلى الخروج بهذا الحكم من باب الحدود إلى باب التعزيرات، ومعلوم أن الحدود لا يمكن تعطيلها وتأخيرها، والشفاعة فيها كما تذكر الروايات (۲۲) إلا في حالات نادرة جداً. أما التعزيرات ففيها متسع ومرونة تلاحظ الظروف والحالات المتنوعة.
وقد ذكرنا في بحث سابق قدمناه إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الحادية عشرة ونشر في كتابنا حول الدستور الإسلامي) (۳۳) بعض تقسيمات الحكم الشرعي، ومنها تقسيمه إلى الحكم الأولي والثانوي، والولائي (السلطاني)، ووضحنا الفرق بين هذه الأحكام على النحو التالي:
تقسيمات الحكم والفروق بينه
عرف الحكم بأنه الاعتبار الشرعي المتعلق بأفعال العباد تعلقاً مباشراً أو غير مباشر (٢٤) ولعله أسلم التعاريف.
وقد قسم الحكم إلى أقسام باعتبارات مختلفة، والذي يهمنا هو تقسيم الحكم إلى الحكم الأولي والحكم الثانوي والحكم الولائي، وقد عرف الحكم الأولي بأنه: الحكم المجعول للشيء أولاً وبالذات أي دون أن يلحظ ما يطرأ عليه من العوارض الأخرى (٢٥).
كما عرف الحكم الثانوي بأنه: الحكم المجعول للشيء بلحاظ ما يطرأ عليه
الفقه المقارنة - العددان (٢-٣) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳ م -
١٤٦
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
من عناوين خاصة تقتضي تغيير حكمه الأولي (٣٦).
وهذه الحالات الطارئة هي من قبيل الضرر والعسر والحرج والعجز والإكراه والخوف والمرض وتزاحم الحكم عند تنفيذه مع حكم أهم منه ووقوعه مقدمة لحكم آخر ووقوعه مورد النذر والعهد والقسم.... وغير ذلك من قبيل تحول الحكم الوجوبي الكفائي للصناعات التي يتوقف عليها نظام الحياة إلى الحكم التعييني الوجوبي إذا انحصر الأمر بشخص واحد.
والحكم الأولي ثابت لموضوعه دائماً، لأنه جاء لذات الموضوع بغض النظر عن الطوارئ عليه، كما أنه يشترك فيه العالم والجاهل، لأنه أيضاً ثابت لذات الموضوع رغم كون الجاهل معذوراً.
في حين أن الحكم الثانوي ثابت ما ثبتت الحالة الطارئة، ولخصوص هذا الشخص الذي عرضت له.
ولذا نجد أن الحكم الثانوي يعبر عن مرونة تشريعية، ذلك أن المرونة تعني الاستجابة للحالة الضاغطة بمقدار ما تحمله من ضغط، ثم العودة إلى الحالة الطبيعية عند ارتفاع العامل الذي أدى إلى أن يُغيّر الحكم - وهي هنا الحكم الأولي، وهذه بنفسها قاعدة عامة يجب أن يلحظها الفرد عند اتباعه الحكم الثانوي، كما يجب أن يلحظها الحاكم الشرعي في حكمه الولائي فلا يتجاوزها إلى حالة طارئة بشكل دائم بل يتبع في ذلك مقتضيات المصلحة العامة ملتفتاً إلى كون الحالة استثنائية.
ولسنا بصدد استقصاء العناوين الطارئة بشكل ثانوي، وإنما نشير إلى أن القرآن الكريم يشير إليها، مثلاً جاءت حالة الاضطرار) في الآيات التالية:
قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (٢٧)
وقوله تعالى: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحیم (۲۸).
١٤٧
دراسات مقارنة
وقوله تعالى: وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) (٢٩) وغيرها.
وكذلك الحرج في قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج (٣٠).
وكذلك العناوين الأخرى.
وهذا المعنى أيضاً جاء في الروايات الشريفة، ومنها: حديث الرفع الذي روي بسند جامع الشرائط الصحة: عن حريز عن أبي عبد الله الصادق اللي قال: قال رسول الله : رفع عن أمتي تسعة: الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة» (٣١).
الأحكام الحكومية
وربما سميت بالأحكام الولائية أو السلطانية، ومنها: الأحكام القضائية، وقد عرفت بأنها: إنشاء انفاذ من الحاكم - لا منه تعالى - لحكم شرعي أو وضعي أو موضوعهما في شيء مخصوص (۳۲).
وصاحب الجواهر هنا - رغم كونه يتعرض لتعريف الحكم القضائي - يطرح المسألة بشكل أعم ليشمل كل حكم يصدر من الحاكم الشرعي - وهو في ذيل التعريف يشير إلى هذا التعميم. فإذا صدر الحكم في مقام الخصومة والترافع كان حكماً حكومياً قضائياً وإلا كان حكماً عاماً.
ويعرفه الشهيد الأول بأنه: إنشاء اطلاق أو الزام في المسائل الاجتهادية وغيرها مع تقارب المدارك فيها مما يتنازع في الخصمان لمصالح المعاش (۳۳). وهذا تعريف يختص بالأمور القضائية.
وإذا شئنا أن نجاري أسلوب تعريف الحكم الأولي قلنا: إن الحكم الحكومي هو الاعتبار الصادر من الحاكم الشرعي بمقتضى صلاحيته الشرعية والمتعلق بأفعال العباد مباشرة أو بشكل غير مباشر، ليكون شاملاً للأحكام التكليفية والوضعية.
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) المسنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م :
١٤٨
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
وإذا أردنا أن نخصصه بالأحكام القضائية أضفنا إليه عبارة في مقام رفع التخاصم.
الفروق بين الأحكام الأولية والأحكام الولائية
وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نحصر الفروق في ما يلي:
أولاً: إن الأحكام الأولية هي أحكام للشارع المقدس، يتم كشفها من قبل الفقيه مباشرة، في حين إن الأحكام الولائية هي أحكام يصدرها الحاكم الشرعي بمقتضى صلاحياته الشرعية.
ثانياً: إن الأحكام الأولية هي أحكام كلية غير مطبقة على مصاديقها الخارجية، كقول الفقيه (الصلاة واجبة) و(الماء طهور)؛ في حين إن الأحكام الولائية تعبر عن تطبيق حكم كلي في الموضوعات الخارجية (٣٤).
ثالثاً: أن الأحكام الفتوائية الأولية والثانوية يمكن نقضها من قبل فقيه آخر؛ لأن المقام مقام كشف عن الحكم الشرعي، أما الأحكام الولائية فلا يمكن نقضها، وفي نقض الأحكام القضائية منها كلام.
رابعاً: أن الأحكام الفتوائية قائمة على أساس من مصالح ومفاسد في ذوات الأشياء يلحظها الشارع المقدس جل جلاله ويصدر حكمه فيها، أما الأحكام الولائية فهي تتبع المصالح التي يدركها الحاكم الشرعي أو التطبيقات التي ينصرف نظره إليها على الموضوعات الخارجية.
خامساً: الأحكام الأولية تعبر عن الحالة الطبيعية للأشياء، كما يراها الإسلام أما الأحكام الولائية فهي تعبر عن مقتضيات المصلحة التي يراها ولي الأمر وتشكل حالة استثنائية.
سادساً: قيل: إن الأحكام الحكومية هي تنفيذ للأحكام الأولية (٣٥)، وربما كان المراد أنها في الواقع تعتمد على الأحكام الأولية، وتحاول تبيين السبل لتنفيذها، كا سيأتي.
١٤٩
دراسات مقارنة
والحقيقة هي أن أسلوب التنفيذ هو أحد الموارد التي يكلف بها الحاكم الشرعي ليعينها اجتماعياً رغم وجود بدائل أخرى للتنفيذ، من قبيل أن يأمر بنظام اقتصادي معين لا ربا فيه مع وجود بدائل أخرى، إلا أنه يمكن إرجاع هذا الفرق إلى الفرق الثاني، واعتبار أن كل ما يقوم به الحاكم الشرعي إنما هو العمل على تطبيق كليات شرعية معطاة له بالحكم الأولي من قبيل: لزوم مراعاة المصلحة العامة، كما سيأتي ذلك.
الفرق بين الأحكام الثانوية والأحكام الولائية
ويمكن أن نذكر هنا الفروق التالية:
أولاً: أن الأحكام الثانوية تنحصر عناوينها بما ذكر في القرآن الكريم والسنة الشريفة فهي ترتكز عليها في حين ترتكز الأحكام الولائية على المصلحة العامة ومقتضيات المؤشرات العامة، كما سيأتي الحديث عنها في الفصل التالي.
ثانياً: أن الأحكام الثانوية يمكن أن يدركها الفرد ويعمل بها، في حين تتوقف الأحكام الولائية على نظر ولي الأمر.
ثالثاً: أن الأحكام الثانوية هي أحكام شرعية وضعت للعناوين الطارئة، أما الأحكام الولائية فهي أحكام يصدرها ولي الأمر بمقتضى صلاحياته، وربما استند في حكمه إلى توفر هذه العناوين الطارئة، ولكنه على أي حال حكم صادر من ولي الأمر لا من الشارع، وإن كان واجب الطاعة شرعاً.
وهناك من يرى الوحدة بينهما على أساس أنهما حكمان استثنائيان، إلا أن ما ذكرناه يوضح الفرق بينهما.
مشروعية الحكم الحكومي
قد لا تجدنا بحاجة ماسة لاثبات مشروعية الحكم الحكومي بعد أن كاد أن يكون من الواضحات، رغم تشكيك بعض العلمانيين، بل بعض المتحجرين من
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م -
١٥٠
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
ذوي الاتجاه الديني أحياناً. فيكفي أن نشير إلى بعض أدلة المشروعية مع طرح
بعض الملاحظات في البين:
أولاً: القرآن الكريم
إن حق إصدار الحكم الحكومي، حق يطرحه القرآن الكريم للأنبياء وأولي الأمر بكل وضوح، يقول تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً (۳).
ويقول تعالى: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) (۳).
ويقول تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (۳۸)
ويقول تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (٣٩) وغيرها من الآيات الكريمة.
ثانياً: السنة الشريفة
وهي طافحة بما لا مزيد عليه من الأحكام التي أصدرها له باعتباره ولياً للأمر، نشير فيما يلي إلى بعضها:
1 - الحكم بإعدام كعب الأشراف (٤٠)
٢ - الحكم بإهدار دماء أشخاص في فتح مكة (٤١)
- إصدار الأمر بمنع مجالسة الممتنعين عن الجهاد (٤٢).
- الحكم بقطع نخيل بني النظير (٤٣).
ه - النهي عن أكل لحم الحمير في خيبر (٤٤).
٦ - النهي عن التخلف عن جيش اسامة (٤٥)
بل يمكن القول إن قيادته الله تمثلت في أوامر حكومية كان يصدرها بشكل مستمر إلى جانب إبلاغ الأوامر الالهية التي يبلغها الوحي الصادق الأمين.
١٥١
دراسات مقارنة
وقد تعرض الشهيد الصدر في كتابه القيم «اقتصادنا لهذا الوضوع - وذلك في معرض حديثه عن التشريع - إلى التضليل في فهم النص، والخطأ في استنباط الحكم الشرعي منه، قائلاً:
فقد جاء في الرواية أن النبي قضى بين أهل المدينة في النخل: لا يمنع نفع بئر، وقضى بين أهل البادي أنه لا يمنع فضل ماء، ولا يباع فضل كلاً. وهذا النهي من النبي عن منع فضل الماء والكلأ يمكن أن يكون تعبيراً عن حكم شرعي عام ثابت في كل زمان ومكان، كالنهي عن الميسر والخمر، كما يمكن أيضاً أن يعبر عن اجراء معين اتخذه النبي بوصفه ولي الأمر المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين، في حدود ولايته وصلاحياته، فلا يكون حكماً شرعياً عاماً بل يرتبط بظروفه ومصالحه التي يقدرها ولي الأمر. وموضوعية البحث في هذا النص النبوي تفرض على الباحث استيعاب كلا هذين التقديرين، وتعيين أحدهما على ضوء صيغة النص وما يناظره من نصوص.
وأما أولئك الذين يتخذون موقفاً نفسياً تجاه النص بصورة مسبقة فهم يفترضون منذ البدء أن يجدوا في كل نص حكماً شرعياً، وينظرون دائماً إلى النبي من خلال النصوص بوصفه أداة لتبليغ الأحكام العامة، ويهملون دوره الإيجابي بوصفه ولي الأمر، فيفسرون النص الآنف الذكر على أساس أنه حكم شرعي عام، ويفرعون على هذا الأساس أن النهي ليس نهي تحريم وإنما هو نهي كراهة، لأنهم يستبعدون أن يكون منع المالك لفضل مائة حراماً شرعاً في كل زمان ومكان (٤٦).
وهكذا نجد تفريقه الله بين الموقفين تماماً، أي: بين الأمر الكاشف عن الحكم الشرعي الأولي، والأمر الولائي الحكومي.
أما من حيث الدلالة هذه الأوامر الولائية على الكشف عن الحكم الشرعي الأولي فقد تعرض الأصوليون لذلك، فذكر صاحب «سلم الوصول» أنه:
ليس كل ما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام من أقواله وأفعاله وتقريراته تشريعاً يطالب به المكلفون، لأن الرسول بشر كسائر الناس - من الناحية
- الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
١٥٢
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
الفسيولوجية - اصطفاه الله رسولاً لهداية الناس وارشادهم؛ قال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي (٤٧) فما صدر منه ينتظم الأقسام التالية:
۱ ـ ما صدر منه بحسب طبيعته البشرية كالأكل والشرب والنوم وما إلى ذلك من الأمور التي مرجعها طبيعة الإنسان وحاجته.
٢ ـ ما صدر منه بحسب خبرته وتجاربه في الحياة، وفي الأمور الدنيوية وبحسب تقديره الشخصي للظروف والأحوال الخاصة، وذلك مثل شؤون التجارة والزراعة والمسائل المتعلقة بالتدبيرات الحربية وما إلى ذلك من الأمور التي يعتمد فيها على مقتضيات الأحوال ومراعاة الظروف.
وهذان القسمان ليسا تشريعاً، لأن مرجع القسم الأول الطبيعة والحاجة البشرية، ومرجع القسم الثاني الخبرة والتجارب في الحياة والتقدير الشخصي للظروف الخاصة من غير أن يكون هناك دخل للوحي الإلهي ولا للنبوة والرسالة.
- ما صدر منه على وجه التبليغ عن الله تعالى، بصفته رسولاً يجب الاقتداء
٣ به والعمل بما سنه من الأحكام مثل تحليل شيء أو تحريمه والأمر بفعل أو النهي عنه وكبيان العبادات، وتنظيم المعاملات والحكم بين الناس، فهذا التقسم الأخير تشريع عام يجب على كل مكلف العمل به والأحاديث الواردة في هذا القسم تسمى باحاديث الأحكام.
وبالجملة فإن أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته إنما تكون دليلاً من الأدلة، ومصدراً من المصادر التشريعية التي تستمد منها الأحكام الشرعية إذا صدرت منه بمقتضى رسالته لسن القوانين وتشريع الأحكام أو بيانها (٤٨).
وقد أشكل عليه أستاذنا السيد محمد تقي الحكيم بأن هذا التقسيم غريب، بناء على:
أ - علمنا بأنه ما من واقعة إلا والله فيها حكم.
ب - صدور هذه الأفعال عن إرادة.
١٥٣
دراسات مقارنة
ج - أدلة العصمة.
فكل ما يصدر عنه الله بطبيعة الحال يكون موافقاً لأحكام الشريعة ومعبراً عنها، ولا يختلف الحال بين القسم الأول والثاني والثالث، واستثنى من ذلك مختصاته له كالزواج بأكثر من أربع، وكذلك أفعاله الطبيعية غير الإرادية... وأضاف:
أقصاه أن بعض أفعاله تختلف عن البعض الآخر من حيث دلالتها على الحكم بعنوانه الأولي أو العنوان الثانوي، ودلالتها أحياناً على جواز العمل بالحكم الظاهري، وهكذا (٤٩).
وما قاله أستاذنا الحكيم صحيح، إلا أنه يمكن توجيه كلام صاحب (سلم الوصول بأن القسم الأول يعنى الأساس الذي صدر عليه هذا السلوك الخاص، وأن القسم الثاني لا يكشف عن حكم شرعي ثابت كما هو الحال في القسم الثالث.
إلا إن الذي يرد عليه أنه في القسم الثاني لم يفرق بين الآراء الشخصية والمواقف الحكومية الولائية، حيث تعبر المواقف الحكومية عن مراعاة كاملة للأطر التشريعية العامة، والتوجيهات الإسلامية للحاكم الشرعي - سيأتي بيانه - والمصلحة العامة للأمة مما يمكن أن يساعد في الكشف عن الحكم الإسلامي الثابت وإن كان هو لا يعتبر عن حكم ثابت شامل باعتبار قيامه على أساس مراعاة الظروف الزمانية والمكانية.
وقد نستغرب أن يدخل في القسم الثالث مسألة الحكم بين الناس» وهي لا تعبر عن حكم إسلامي ثابت، إلا أن يريد القواعد الثابتة لهذه المسألة.
هذا وهناك أمثلة كثيرة للأحكام الصادرة عن الأئمة بشكل ولائي، لا مجال هنا للتعرض إليها بالتفصيل.
معيار التمييز بين الأوامر الشرعية والولائية
وربما كان هذا البحث من البحوث الأصلية وإن لم يتم الاهتمام به على النحو المطلوب.
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) المسنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م -
١٥٤
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
وما يبدو لنا أن هناك معايير فنية من قبيل :
أولاً: أن يتعلق بالقضايا الخارجية.
ثانياً: أن يحمل معه قرينة تدل على ذلك، كأن يكون في موقف القضاء أو الحكم بين الناس.
ثالثاً: أن يصدر في جو مخالف لمضمونه مجمع على عمومه الأبي عن التخصيص.
رابعاً: أن يفسره الأئمة والأصحاب بذلك وفق قرائن معينة عندهم، مما يحقق
لنا الاطمئنان بالجو الذي صدرت فيه هذه الأوامر.
كما جاء في بعض الروايات عن أهل البيت من قبيل:
۱ - محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن
حماد بن عثمان عن الحلبي قال:
سئل أبو عبد الله عن شراء النخيل والكروم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين فقال: لا بأس، تقول: إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل، وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، وإن اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس.
وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها، فقال: قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله الله فكانوا يذكرون ذلك، فلما راهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم (٥٠)
۲ - محمد بن يعقوب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى
عن حريز، عن محمد بن مسلم.
عن أبي جعفر الا أنه سئل عن.... والحمير والبغال والخيل فقال: «ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله الله يوم خيبر عنها، وإنما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه وليست الحمر بحرام» (٥١).
١٥٥
دراسات مقارنة
- نقل الترمذي عن رافع بن خديج أنه قال:
نهانا رسول الله له عن أمر كان لنا نافعاً، إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم، وقال إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها».
ويعلق الشهيد الصدر عليه بقوله:
.... ونحن حين نجمع بين قصة هذا النهي واتفاق الفقهاء على عدم حرمة كراء الأرض في الشريعة بصورة عامة، ونضيف نصوصاً كثيرة واردة عن الصحابة تدل على جواز إجارة الأرض، نخرج بتفسير معين لهذا النص... وهو أن النهي كان صادراً من النبي بوصفه ولي الأمر وليس حكماً شرعياً عاماً (٥٢).
الأصل في المسألة
هذا وإن لم يقم أي من هذه المعايير على تشخيص الموقف، فإن الأصل -
والله أعلم - هو اتباع الطبيعة الغالبة، وهي كونه الله في موقف التبليغ.
ثالثاً الإجماع
مر بنا أن هذا الأمر يعد من الأحكام الواضحة في الإسلام، وذلك نتيجة لاجماع الأمة الإسلامية على استمرار الحكومة الإسلامية التي بدأت بعهد النبي والخلفاء الراشدين واستمرت بأشكال أخرى، ورغم الانحراف الذي أصاب بعض الحاكمين إلا أن أصل الحكومة لم يكن ليعترض عليه أحد، بل شكلت - عند البعض - أمراً يجب احترامه حتى ولو كان الحاكم فاقداً للشروط المطلوبة.
رابعاً: طبيعة التشريع الإسلامي ودليل العقل
إن المتتبع للشريعة الإسلامية بسعتها وعرضها العريض، وأهدافها المعلنة کشريعة للحياة وأن لكل واقعة فيها حكم، ولكل مشكلة رأي وموقف، ولكل جانب من جوانب الحياة الإنسانية نظام شامل ومتشعب؛ هذا المتتبع لا بد له أن يصدق
الفقه المقارن - العددان (۲-۲۳) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
١٥٦
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
تماماً بوجود نظام سياسي حكومي إسلامي، وأن لهذا النظام صلاحياته التي تتطلب قيامه بفض النزاعات وملء المناطق المتعلقة بالشؤون الإدارية والتنفيذية والتي ترتبط بالجانب المتغير من الحياة... وهذا المسلك ربما أطلق عليه اسم مسلك العقل، والمراد به المسلك الذي يعتمد فيه على النتيجة المنطقية التي يخرج بها من يلاحظ مجمل الخصائص الإسلامية ومقاصد الشريعة وأهدافها.
والحقيقة أن التصور القائل بعدم الحكومة، يعني أن الإسلام سلم كل نظمه وقوانينه الحياتية بيد حكومة لم يخطط لها ولا تؤمن به؛ هو أمر يدعو للسخرية (٥).
النتيجة
وعلى ضوء ما قدمناه يلاحظ أصحاب الاتجاه الولائي في حكم المرتد ما يلي:
أ - أن حركة الارتداد في صدر الإسلام كانت حركة سياسية واسعة، ولم تكن بشكل حركة عادية تعرض فيها شبهات فردية فيرجع من خلالها أصحابها عن دينهم، لقد عمل الكفار والمشركون كلما في وسعهم لتمزيق صفوف المسلمين بشتى الطرق التي يعرض بعضها القرآن الكريم فيقول: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة (04)
وربما حركوا مجموعات للتظاهر بالإسلام ثم إعلان الكفر مما يصيب الصف المؤمن بالارباك، فيقول: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون وهو (٥٥). أمر حذر منه الرسول الكريم الله .
ويقول: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من أهل الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (٥٦).
ويقول: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم بعد إيمانكم کافرین (۵۷).
١٥٧
دراسات مقارنة
ويلاحظ أنها آيات نزلت بعد معركة أحد للملمة الصف المسلم. وهكذا الأمر بالنسبة للمنافقين.
ويقول أيضاً: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء (٥٨).
إن الارتداد والحالة هذه يشكل انفصاماً عن الجماعة المسلمة، وانضماماً إلى المعسكر الآخر ، لقد كان الأعداء يتلاعبون بالأمر لتحقيق هدفهم.
ويقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لم يكن الله ليغفر
لهم ولا ليهديهم سبيلا (٥٩).
بالإضافة إلى أن الارتداد الذي يركز عليه القرآن هو الارتداد المعاند فيقول:
كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات (٦٠)
ويقول: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم .
كل هذا والمجتمع الإسلامي في مرحلة التأسيس.
ب - أكد أصحاب هذا الاتجاه أنه رغم قبولهم بإمكان تخصيص القرآن بالسنة الثابتة، فإنه يجب الحفاظ على العام القرآني مهما أمكن.
ومن هنا رأينا أحد كبار الفقهاء الإمامية وهو الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (٦٢) يعتبر أن قوله : له من قتل قتيلاً فله سلبه (٦٣) هو من الأحكام الولائية
التي تتوقف على إذن الإمام، ولم يخصص به قوله تعالى: واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن الله خمسه (1) باعتبار أن خروج السلب منها ينافي الظاهر، ولأنه
كان يؤدي إلى حرصهم على قتل ذي السلب دون غيره فيختل نظام المجاهدة ولأنه ربما أفسد الإخلاص المقصود من الجهاد».
وقد ذكر الشيخ حسن مأمون هذا الخلاف فيه بين العلماء في كتابه «الفقه الإسلامي مرونته وتطوره (٢٥).
١٥٨
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳ م -
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
وهكذا هو الحال بالنسبة للمرتد، فالقرآن الكريم يؤكد - من جهة - مبدأ عدم الاكراه في قوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي (٦٦) وقوله: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (1)
كما يؤكد من جهة ثانية على حرمة النفس الانسانيي فيقول: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً (٦٨).
ومن جهة ثالثة ينفي صفة السيطرة والوكالة والجبروت عنه (٦٩).
ومثل هذه الآيات رغم أنها لا تنفي ولاية الرسول وحاكميته وقيادته للأمة ولكنها تجعل إيمان الأفراد خارجاً عن سيطرته الله وذلك أمر طبيعي واقعي.
وعلى هذا الأساس يتجه اعتبار قوله : من بدل دينه فاقتلوه حكماً حكومياً يجب تنفيذه على أساس أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وبالرغم من أن المرحوم محمد أبو زهرة اعتبر الحديث مخصصاً للآية بخصوص الدخول إلى الإسلام لا البقاء عليه (۷) فإن التساؤل لا يزال قائماً: ما دمنا نستطيع الاحتفاظ بالعموم القرآني على حالة عبر القول بالحكم الحكومي، فلماذا نلجأ للتخصيص ؟ ثم إن نفس التعليل قد تبين الرشد من الغي شمل الحالتين معاً، ويؤكد عموم الآية، بل وربما يجعلها عصية على التخصيص، إلا أن تكون هناك مصلحة أقوى تغلب التعليل (۷۲).
ج - ثم إن الارتداد من الموضوعات التي لها حالات متنوعة، ولكل منها تأثير خاص؛ فقد يكون بمستوى الشك والترديد في الأصل، وأخرى بمستوى الإنكار.
وقد يكون ناتجاً عن الجهل، أو يتم على علم.
وقد يكون فردياً، كما قد يشكل ظاهرة جمعية.
وقد تكون له جذور سياسية، أو يعبر عن حركة سياسية.
وقد يكون في مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، أو بعد تثبيته.
١٥٩
دراسات مقارنة
وهكذا نجد أن المبدأ العقلي والعقلائي القائل بلزوم التناسب بين الجريمة والعقاب ربما اتجه إلى المرونة.
ثم إن هنا أمراً يطرح نفسه وهو مسألة رعاية مصلحة الأمة الإسلامية، وهو ما لاحظناه من تعامل الرسول مع المنافقين رغم علمه بضعف قلوبهم. ولذلك تطبيقات أخرى.
وكل ذلك يقود أصحاب هذا الاتجاه لتقوية احتمال كون هذا الحكم تعزيرياً حكومياً )
مؤيدات هذا الاتجاه
ويحاول هذا الاتجاه أن يؤيد رأيه بما يلي:
أولاً: أن الروايات الواردة في هذا المجال لم يرد فيها لفظ الحد.
ثانياً: أن الفقهاء القدامى لم يذكروا لفظ الحد ولا الشيعة القدامى لم يذكروا
ذلك
(١٤) وقد استفاد البعض ذلك أي الصفة التعزيرية) من علماء السنة (٧٥).
وذكر بعض المؤلفين أنه
استدل البعض بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عفا بعد دخوله مكة عن أناس كان قد توعدهم بالقتل أمثال عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام رغم أنه كان أحد كتبة الوحي وقد شفع له عثمان بينما لم يعف عن آخرين، مما له دلالة على أن الردة جريمة تعزيرية (٦).
ثالثاً: أن القرآن الكريم نفسه أبدى مرونة في معاقبة المرتدين كما في قوله تعالى: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) ولفظة «مجرمين تشير إلى جرائم أخرى غير الردة ظاهراً.
رابعاً: مرونة العقوبة في الروايات، وذلك واضح - مثلاً - من الرواية الواردة عنه : لولا أني أكره أن يقال: إن محمداً استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) المسنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م -
١٦٠
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
الضربت أعناق قوم كثير «أو» لا أحب أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه وهي رواية واردة في مختلف المصادر على اختلاف في التعبير.
وختاماً فإن الاجتهاد مفتوح في هذه المجالات الظنية، ومن هنا فنحن نرجح هذا الاتجاه الرابع؛ لقوة أدلته، ولوجود مؤيدات له، ولأنه لا ينقض إجماعاً ولا يرفض حديثاً، ثم إنه ينسجم مع تعامل الرسول الكريم الله مع المنافقين والمرتدين، ولا يؤدي للقول بتقييد عمومات قرآنية تأبى التقييد ظاهراً، وبالتالي هو ينسجم مع الحكم الثابت - عقلاً ونقلاً - وهو ضرورة حصول اليقين القلبي الذي لا يتم إلا بالاختيار والقبول الواقعي، وأخيراً فهو ينسجم مع الاتجاه الإنساني للإسلام وهو سمة عامة في أحكامه....
الهوامش :
(۱) سورة البقرة، الآية: ۲۱۷.
(۲) الإسلام عقيدة وشريعة، ج ۲ ص ۳۰۱.
(۳) حد الردة، ص ٦١.
(٤) الحرية الدينية في الإسلام، ص ٦١.
(٥) المحلى لابن حزم. ج ۱۲ ص ۱۱۰ و ۱۶۳، وسائل الشيعة ج ١٥، ص ٣٩٩ مثلاً.
(٦) الإسلام ومستقبل الحضارة، ص ۲۱۳
(۷) مقالة الفقه في الميزان، مجلة (كيهان) الإيرانية العدد ٤٦، ص ٢٠.
(۸) كتاب، لا إكراه في الدين، ص ٣٦.
(۹) راجع مجلة كيهان الثقافية بتاريخ ١٩٩٤٫٢٫٢١.
(۱۰) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.
(۱۱) الشيخ محمد سروش في كتابه حرية العقل والإيمان، طبعة قم.
(۱۲) التشريع الجنائي في الإسلام، ج ١ ص ٦٦١، ٥٣٦، وانظر سيد سابق في فقه السنة ج ٢ ص ٣٠٥،
١٦١
دراسات مقارنة
ومحمد المبارك في الحكم والدولة ص ١٤٧ ، الشهيد مطهري في تعليقاته ج ٢ ص ٣١٦.
(۱۳) مجلة كيهان الإيرانية العدد ٤٥ ص ١٥١، مجلة العلوم السياسية الإيرانية، شتاء عام ١٩٩٨
ص ١١٤.
(١٤) مقالة: الحرية في وجهة النظر الإسلامية والغربية، مجلة (فكر الحوزة) السنة ٤ العدد ٢ ص ٣٩.
(۱۵) سورة النمل، الآية ١٤.
(١٦) سورة البقرة، الآية ٢٥٦.
(۱۷) ومنهم الشيخ المنتظري كما يرى البعض.
(۱۸) المحلى لابن حزم ج ۱ ص ۱۹۰ طبعة دار الجيل.
(۱۹) وسائل الشيعة، ج ١٨ ص ٥٤٥.
(۲۰) المرعشي في كتابه نظرة جديدة في الحقوق الجزائية في الإسلام ج ۱ ص ۹۲.
(۲۱) ومنهم الشيخ محمد سروش في كتابه الأنف ذكره، وكذلك الدكتور العبيكان. كما سيأتي . وقبل ذلك فقد نسب القول به إلى ابن القيم والسرخسي والمحقق الحلي، ومن المتأخرين الشيخ
محمد عبده.
(۲۲) وسائل الشيعة ج ۱۸ ص ۳۰۹، ٣٣٦ ٣٣٣.
(۲۳) ص ۱۷۷ في شرح المادة الخامسة من الدستور الإسلامي الإيراني.
(٢٤) أصول الفقه المقارن، ص ٥٥
(٢٥) المصدر السابق، ص ۷۳.
(٢٦) المصدر نفسه، ص ۷۳.
(۲۷) سورة البقرة، الآية: ۱۷۲
(۲۸) سورة المائدة، الآية: ٣.
(۲۹) سورة الأنعام، الآية: ۱۱۹.
(۳۰) سورة الحج، الآية: ۷۸.
(۳۱) وسائل الشيعة، ج ۱۱، ص ٢٩٥، وذكرته الصحاح.
(۳۲) جواهر الکلام، ج ٤ ص ١٠٠ .
(۳۳) القواعد والفوائد، ج ۱ ص ۳۲۰.
(٣٤) مسالك الأفهام، ج ۱ ص ١٦٣، جواهر الكلام ج ٢١ ص ٤٣.
(٣٥) ملاكات الأحكام لمجموعة مؤلفين، ج ۷ ص ٢٥١.
(٣٦) سورة النساء، الآية: ٦٥.
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م -
١٦٢
حكم الردة ومدى انسجامه مع حرية الاعتقاد
(۳۷) سورة النور، الآيتان: ٤٩، ٥٠.
(۳۸) سورة النساء، الآية: ٥٩
(۳۹) سورة الأحزاب الآية: ٦.
(٤٠) صحيح البخاري كتاب ٤٨ باب ٣ مجمع البيان للطبرسي ج ٩ - ١٠ ص ٣٨٦.
(٤١) مجمع البیان، ج ٩ - ١٠ ص ٠٨٤٨
(٤٢) مجمع البيان، ج ٥ - ٦ ص ١٢٠.
(٤٣) وسائل الشيعة، ج ١١ ص ٤٣، صحيح البخاري كتاب ٥٦ باب ٥٤ وغيرها.
(٤٤) وسائل الشيعة، ج ١٦ ص ۳۹، صحيح البخاري باب ۱۳۰۰
(٤٥) بحار الأنوار، ج ۲۸ ص ۲۰۷ ، المغازي للواقدي ص ٤٣٣.
(٤٦) اقتصادنا ج ٢ ص ٣٧٦.
(٤٧) سورة الكهف، الآية: ١٠.
(٤٨) سلم الوصول، ص ٣٦٢ فما بعدها.
(٤٩) أصول الفقه المقارن ص ۳۳۰.
(٥٠) وسائل الشيعة، ج ۱۳ ص ۳.
(٥١) المصدر السابق، ج ١٦ ص ٣٩٤.
(۵۲) اقتصادنا، ج ٢ ص ٦٤٣.
(٥٣) ولاية الفقيه، ج ١ ص ١٦١ - ١٩١.
(٥٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.
(٥٥) سورة آل عمران، الآية: ۷۲.
(٥٦) سورة آل عمران الآية: ۱۰۰.
(٥٧) سورة آل عمران الآية: ١٤٩.
(۵۸) سورة النساء، الآية: ۸۹
(٥٩) سورة النساء، الآية: ۱۳۷.
(٦٠) سورة آل عمران الآية: ٨٦.
(٦١) سورة آل عمران الآية: ١٠٥
(٦٢) في كتابه القواعد والفوائد، ج ۱ ص ۲۱۷
(٦٣) موطأ مالك ج ۱ ص ۳۰۳ من حديث أبي قتادة وهو متفق عليه، كما ذكر في زاد المعاد ج ٢ ص ٤٥٧.
١٦٣
دراسات مقارنة
(٦٤) سورة الأنفال، الآية: ٤١.
(٦٥) ص ١١٤.
(٦٦) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦.
(٦٧) سورة يونس، الآية: ٩٩
(٦٨) سورة المائدة، الآية: ٣٢.
(٦٩) سورة الغاشية، الآية: ۲۲ سورة الأنعام، الآية: ١٠٧، سورة ق، الآية: ٤٥.
(۷۰) سورة النساء، الآية: ٥٩
(۷۱) العقوبة، ص ٨٤
(۷۲) حرية العقل والايمان، ص ۲۹۹
(۷۳) يقول المرحوم الشيخ الطوسي في المبسوط، ج ۸ ص ٦٩ التعزير موكول إلى الإمام، لا يجب عليه ذلك، فإن رأى التعزير فعل، وان رأى تركه فعل.
(٧٤) تراجع آراء الشيخ الصدوق في المقنع والشيخ المفيد في المقنعة والشيخ الحلبي في الكافي والشيخ الطوسي في النهاية، بل ذكر المحقق الحلي في الشرائع الإرتداد في التعزيرات.
(٧٥) كالإمام ابن القيم والسرخسي، وأيدهم الشيخ محمد عبده.
(٧٦) حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ص ١١٦، د صالح العبيكان، الحريات العامة في الإسلام عبد الحكيم حسن، ص ٤١٥، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي، ص ٤٨.
(۷) سورة التوبة، الآية: ٦٦.
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأول ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳ م -
١٦٤