2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 8-9قراءة البحث

فقه ضحية الاغتصاب (مع التركيز على متطلبات السياسة الجنائية)

العدد 8-9
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 8-9
بحث منهجي

فقه ضحية الاغتصاب (مع التركيز على متطلبات السياسة الجنائية)

أحمد مبلغي

يتناول هذا المقال فقه ضحية الاغتصاب، وعلى الرغم من أن دائرة ضحية الاغتصاب واسعة، إلا أن المقال يركز على ضحية الاعتداء الجنسي إذا كانت من النساء.
يتم استكشاف المواضيع التالية من الزاوية الفقهية:
- حقوق ضحية الاغتصاب الجنسي؛ يبين المقال حقوق الضحية الشخصية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.
- جواز الإجهاض بسبب الاغتصاب؛ ويتطرق المقال إلى حكم الإقدام على إجهاض الحمل الناتج عن الاغتصاب، ويؤكد على حرمة الإجهاض في حالة وجود الروح في الجنين، ويشير إلى أنه لا يجوز إجهاض الجنين ذي الروح الناتج عن الاغتصاب حتى لو كان الحفاظ عليه يسبب ضرراً أو حرجاً.
- المسؤولية الاجتماعية تجاه ضحية الاغتصاب الجنسي.

فقه ضحية الاغتصاب (مع التركيز علی متطلبات السياسة الجنائية)

الشيخ د. أحمد مبلغي(*)

الخلاصة

يتناول هذا المقال فقه ضحية الاغتصاب، وعلى الرغم من أن دائرة ضحية الاغتصاب واسعة، إلا أن المقال يركز على ضحية الاعتداء الجنسي إذا كانت من النساء.

يتم استكشاف المواضيع التالية من الزاوية الفقهية:

  • حقوق ضحية الاغتصاب الجنسي؛ يبين المقال حقوق الضحية الشخصية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.
  • جواز الإجهاض بسبب الاغتصاب؛ ويتطرق المقال إلى حكم الإقدام على إجهاض الحمل الناتج عن الاغتصاب، ويؤكد على حرمة الإجهاض في حالة وجود الروح في الجنين، ويشير إلى أنه لا يجوز إجهاض الجنين ذي الروح الناتج عن الاغتصاب حتى لو كان الحفاظ عليه يسبب ضرراً أو حرجاً.
  • المسؤولية الاجتماعية تجاه ضحية الاغتصاب الجنسي.

الکلمات المفتاحیة: الاغتصاب، ظاهرة الضحية، ضحية الاغتصاب، الإجهاض.

المقدمة

تعتبر ظاهرة ضحايا الاغتصاب انعكاساً للتطور الاجتماعي الذي يشهده المجتمع؛ حيث أصبحت الإدراكات حول هذه الظاهرة أكثر اهتماماً، وتشمل الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الضحية والمجتمع بشكل عام. لذا، يُعد التناول الفقهي لهذا الموضوع ذا أهمية بالغة لعدة أسباب، منها:

1. تحديد حقوق الضحية: تساهم الدراسة الفقهية في تبيان الحقوق الشرعية للضحية، بما في ذلك الحق في الحماية الجسدية والنفسية، والتعويض المادي والمعنوي، وإعادة التأهيل.

2. مساءلة الجاني: يساعد في تحديد العقوبات الشرعية العادلة للجاني من منظور الشريعة، بما يتناسب مع جسامة الجريمة وتأثيرها على الضحية.

3. المسؤولية الاجتماعية: يؤكد على واجب المجتمع في تقديم الدعم والمساندة للضحية، ويساهم في مكافحة الوصمة والنظرة السلبية تجاه ضحية الاغتصاب، وتعزيز ثقافة التعاطف والاحترام تجاهها.

4. معالجة المسائل المستجدة: يساعد في التعامل مع المسائل الطارئة على قضايا الاغتصاب وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.

5. توجيه السياسات العامة: يساهم في توجيه السياسات العامة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وحماية الضحايا، وصياغة التشريعات المناسبة التي تجرم الاغتصاب وتحمي حقوق الضحايا.

المبحث الأول: التعريفات والمعلومات ذات الصلة بموضوع البحث

سيتمّ في هذا المبحث ومن خلال عدة محاور، تناول عدة مصطلحات: الاغتصاب، ضحية الاغتصاب، والإجهاض.

المحور الأول: الاغتصاب؛ تعريفه، أقسامه ونسبته مع الزنا

أولاً: تعريف الاغتصاب:

هو ممارسة الجنس مع آخر بشكل قهري، يجعله يفقد اختياره وقدرته على المقاومة، سواء كان هذا الموقف نتيجة استخدام القوة الجسدية، أو استخدام السلاح، أو سوء استخدام الوظيفة الإدارية أو الاجتماعية، أو سوء استغلال ضعف من اعتدي عليه، كأن يكون طفلاً، أو يعاني من مشكلة جسدية، أو يفقد وعيه عند الاعتداء، ونحو ذلك من عوامل اُخرى، وسواء كان المعتدى عليه ذكراً أو أنثى، والاغتصاب له مستويات مختلفة، يشمل أي نوع وأي مستوى من الاتصال الجنسي، بعضها شديد، وبعضها غير شديد.

ثانياً: أقسام الاغتصاب:

يمكن تقسيم الاغتصاب من عدة زوايا مختلفة:

1. نوع الإكراه والتهديد: يقسم من هذه الزاوية إلى اغتصاب جسدي يشمل القوة الجسدية أو التهديد بالعنف، واغتصاب نفسي يشمل التلاعب النفسي أو التهديدات النفسية. ويمكن اعتبار استخدام النفوذ والسلطة من قبل رئيس لإيقاع الاغتصاب على شخص عادي يعمل في إدارته كجزء من أقسام الاغتصاب من هذه الزاوية. في هذه الحالة، يستخدم الرئيس سلطته ونفوذه في العمل لتهديد الموظف أو استغلاله بشكل غير مشروع للقيام بأفعال جنسية ضده.

2. من يقع عليه الاغتصاب: يشمل الاغتصاب الجنسي للنساء، والأطفال، والشباب، وغيرهم.

3. من حيث المغتصب: يمكن أن يكون المغتصب فرداً أو مجموعة. الاغتصاب الفردي يحدث عندما يرتكب شخص واحد الجريمة، بينما يحدث الاغتصاب الجماعي عندما يشارك عدة أشخاص في ارتكاب الجريمة.

4. من حيث الظروف: يمكن تقسيمه على أساس هذه الزاوية إلى:

أ‌) الاغتصاب في الحرب: يحدث في سياق النزاعات المسلحة أو الحروب، ويمكن أن يكون جزءاً من استراتيجيات الحرب أو جرائم الحرب

ب‌) الاغتصاب في الأماكن العامة: يحدث في أماكن مزدحمة مثل الشوارع أو الحدائق أو الأماكن العامة الاُخر، ويمكن أن يكون نتيجة للظروف المحيطية أو الفرص المتاحة.

ت‌) الاغتصاب في الظروف الاُخر: يشمل الاغتصاب في سياقات محددة مثل السجون أو أماكن العمل.

ثالثاً: اختلافه ونسبته مع الزنا:

حسب التعريف المذكور أعلاه، من الممكن فهم الفرق بين الزنا والاغتصاب عبر التركيز على تعيين النسبة بينهما، وهذه النسبة هي العموم والخصوص من وجه، بمعنى أنه:

ـ في بعض الحالات يكون الفعل زنىً وليس اغتصاباً، مثل أن يمارس رجل وامرأة بإرادتهما الجماع (بمعناه الفقهي المعهود)، دون أن تكون بينهما علاقة زوجية شرعية، فمثله لا يعدّ اغتصاباً؛ لأن كليهما يفعلانه معا وبإرادتهما ورغبتهما، غير أنه يعتبر زنىً، لأنه لا يقوم على وجود علاقة زوجية شرعية بين الطرفين.

ـ في بعض الحالات يكون اغتصاباً وليس زنىً، كما هو الحال عند ارتكاب الفعل بالإكراه ضد رجل، فانه اغتصاب دون اعتباره زنىً، أو ارتكابه ضد امرأة، ولكن دون فعل ما يسمى بالزنا في الشرع، فيقع معها بالعنف والإكراه، وهو مستوى آخر من الاتصال الجنسي غير الزنا.

ـ في بعض الحالات، يكون زنى واغتصاباً معاً، كما لو أن شخصاً قد جامع امرأة بالقوة وبالعنف، وفعل معها ما يسمى في الشرع الزنا، ففي مثله يصدق أنه زنى بها،كما يصدق أنه اغتصبها؛ لأنه ارتكب الفعل بالقوة وبدون موافقتها.

المحور الثاني: تعريف ضحية الاغتصاب وظاهرتها:

أولاً: تعريف ضحية الاغتصاب

ضحية الاغتصاب هي شخص تعرض للاعتداء الجنسي دون موافقته أو إرادته،

سواء كان ذلك بالقوة أو بالتهديد أو بغير القدرة على الرفض، وتعتبر ضحية الاغتصاب ضحية لجريمة جنسية تؤدي إلى تأثيرات نفسية وجسدية خطيرة.

ضحية الاغتصاب يمكن أن تكون طفلاً أو رجلاً أو امرأة، وفي هذا البحث نركز على ضحايا الاغتصاب الإناث.

الفارق الرئيس بين المرأة التي أصبحت ضحية الاغتصاب والمرأة التي يتم ممارسة الجنس معها يكمن في موافقة الأخيرة على العمل الجنسي، بينما في الاغتصاب، يحدث العمل الجنسي دون موافقتها.

ثانياً: تعريف ظاهرة الضحية:

عندما نتحدث عن ظاهرة الضحية، نركز على الجوانب الاجتماعية والنفسية والقانونية والثقافية التي تحيط بهذه الظاهرة. لذلك، يمكننا تعريف ظاهرة الضحية كالتالي: "ظاهرة الضحية هي النتيجة الاجتماعية والنفسية والقانونية والثقافية للاعتداء الجنسي، وتشمل آثاره على الفرد والمجتمع، بما في ذلك التأثيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والثقافية."

المحور الثالث: تعريف الإجهاض وأنواعه وأسبابه

أولاً: تعريف الإجهاض

عرِّف الإجهاض: بأنه انتهاء الحمل بخروج أو نزع الجنين من الرحم، قبل أن يتمكن من حفظ حياته، اذا كان قد نُفخت فيه الروح، أو أن يواصل رشده المنتهي إلى مرحلة نفخ الروح فيه، إذا لم تنفخ الروح فيه بعدُ.

ونظراً لأن بحثنا يدور حول الإجهاض المتعمد، فعلينا تقديم تعريف له، والتركيز عليه، و هذا التعريف على النحو التالي:

"هو إنهاء الحمل، عن طريق تناول الأدوية أو العملية الجراحية، أو وضع الرحم في مواجهة خاصة مع حالة تضغط عليها، فتفقد اتصالها بالجنين فيسقط الجنين".

كما يُمكن تعريفه، بأنه إسقاط جنين المرأة قبل اكتمال مدة الحمل، مما يؤدي إما إلى وفاته إذا كان له روح، أو إلى توقف نموه إذا لم يصل إلى مرحلة الحياة الإنسانية، سواء تم بواسطة المرأة نفسها أو بواسطة شخص آخر، سواء كان هذا الشخص قد فعل ذلك بناءً على طلبها أو بدون طلبها.

ثانياً: أنواع الإجهاض وأسبابه:

ينقسم الإجهاض الى قسمين: الإجهاض التلقائي والإجهاض المتعمد.

(1) الإجهاض التلقائي:

وهو عندما تفقد الحامل حملها، دون تدخل عامل خارجي مثل استخدام دواء أو عملية جراحية. في هذه الحالة، وبعد موت الجنين، تنزف الحامل، وتحفز الانقباضات الرحم، مما يؤدي في النهاية الى طرد منتجات الحمل. ويحدث الإجهاض التلقائي عادة قبل الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل.

وغنيّ عن القول، عندما نتحدث عن العملية الجراحية كعامل خارجي، فنحن نعني العملية الجراحية التي تستخدم للإجهاض. أما إذا وقع الإجهاض، وتمت هذه العملية لإزالة الجنين الميت أو بقاياه، فهذا إجهاض تلقائي رغم اللجوء إلى العملية الجراحية.

أقسام الإجهاض التلقائي

ينقسم الإجهاض التلقائي إلى مجموعات متميزة أهمها:

1. الإجهاض المهدد: إذا تعرضت المرأة الحامل لنزيف مهبلي، أو بقع دم في النصف الأول من الحمل، فإنها عادة ما تكون معرضة لخطر الإجهاض.

2. الإجهاض الحتمي: هو ما لا يُمكن إيقافه، ويتم بخروج الجنين من الرحم، مصحوباً بانقباضات شديدة في البطن والظهر، ونزيف مهبلي حاد، وتوسع عنق الرحم.

3. الإجهاض الكامل أو الناقص: عندما تنفصل المشيمة بصورة كاملة أو ناقصة عن الرحم، حيث يحدث نزيف ويفتح عنق الرحم تماماً، ويحدث ألم في أسفل البطن.

4. الإجهاض المنسي: يموت الجنين ويبقى في الرحم مدة طويلة وتختفي أعراض الحمل.

5. الإجهاض المعدي: تنتقل أنواع عديدة من العدوى ـ سواء الفيروسية أو البكتيرية ـ إلى رحم الأم ثم إلى الجنين، مما يؤدي إلى الإجهاض. أهمها الزهري، الكلاميديا، السيلان، فيروس الهربس، الليستيريا وغيرها كثير، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإجهاض التلقائي إذا كانت العدوى في بداية الحمل.

أسباب الإجهاض التلقائي

هناك عوامل للإجهاض التلقائي بناء على وجهة النظر العلمية، أشير الى عاملين رئيسيين منهما:

السبب الأول: شذوذ الكروموسومات

إنّ حوالي 50٪ من حالات الإجهاض التلقائي ناتجة عن شذوذ الكروموسومات؛ بمعنى أنه أثناء انقسام الجنين ونموه تحدث بالصدفة مشكلة الكروموسومات الإضافية أو المفقودة، مما يتسبب في عدم نمو الجنين بشكل طبيعي، وحيث إن هذا الشذوذ هو من الأخطاء التي يتم بالصدفة في معظم الأحيان، لذلك، لا ينبغي بالضرورة أن يعزى الإجهاض إلى حالة المشكلة الوراثية المتعلقة بالوالدين، بل يعزونه في كثير من الأحيان الى مشكلة شذوذ الكروموسومات.

السبب الثاني: الحمل العنقودي:

ويدعى أيضاً الحمل المولي، وهو ورم حميد غير سرطاني ينمو داخل الرحم. يبدأ الحمل المولي عندما تتحول البويضة المخصبة إلى كتلة كيسية غير طبيعية، بدلاً من الحمل الطبيعي. وهو ينقسم الى الكامل والجزئي، في الحمل العنقودي الكامل، تتكون مشيمة غير سليمة دون جنين ويحدث هذا عندما يخصب حيوانان منويان بويضة فارغة، فلا يتشكل منها جنين.

وفي حالات الحمل الجزئي، يقوم حيوانان منويان بتخصيب بويضة سليمة، فيتكون جنين غير طبيعي، وبعض أنسجة المشيمة المشوهة. يبدأ الجنين في النمو لكنه لا يستطيع البقاء على قيد الحياة بسبب النقص.

يمكن أن يرتبط الحمل المولي، بمضاعفات خطيرة (نوع نادر من السرطان) تتطلب علاجاً فورياً.

(٢) الإجهاض المتعمد:

هو إنهاء الحمل بالأدوية أو الجراحة قبل أن يولد الجنين حياً.

ينقسم الإجهاض المتعمد إلى فئتين:

1. الإجهاض العلاجي: عندما يعرض استمرار الحمل حياة الأم للخطر، أو عندما يؤدي استمرار الحمل إلى ولادة طفل يعاني من اضطرابات جسدية أو عقلية شديدة، فالعلاج المتجسد في الاجهاض يتم إما بهدف الحفاظ على صحة الأُم، أو بهدف عدم إنجاب جنين له نوعية حياة غير طبيعية، بمعنى أنه يُعاني من إعاقات جسدية جدية أو مشاكل ذهنية خطيرة.

2. الإجهاض غير العلاجي: عندما لا يشكل استمرار الحمل خطراً على الأم، كما لا يؤدي إلى ولادة طفل يعاني من تشوهات جسدية أو عقلية، ولكن المرأة الحامل لا تريد الإنجاب فتتصرف وتقوم بالإجهاض. تحدث معظم حالات الإجهاض في الثلث الأول من الحمل، ولكن في بعض الحالات قد تحدث في الثلث الثاني من الحمل، أي: بعد الأُسبوع الثالث عشر من الحمل.

المبحث الثاني: حقوق ضحية الاغتصاب

وفيه ثلاثة محاور هي:

ـ خطورة ظاهرة الاغتصاب.

ـ حقوق ضحايا الاغتصاب وأقسامه.

ـ مسؤولية المجتمع تجاه ضحية الاغتصاب من منظور الإسلام

المحور الأول: خطورة ظاهرة الاغتصاب

إنّ اغتصاب الأطفال أو النساء، من أكبر الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وهو أمر بشع للغاية، وهناك إجماع عالمي وإنساني على تجريم هذا الفعل. ووفقاً لأحكام الإسلام، يحمل هذا الفعل عدة عناوين جنائية وإجرامية:

أولاً: إنه ازدراء شديد لكرامة الإنسان، بل سحق للكرامة الإنسانية، فالمرأة التي يغتصبها رجل، تتعرضت كرامتها للهجوم، بكل ما في الكلمة من معنى، وهذا الاعتداء يتعلق بجوانب مختلفة من كرامتها، الروحانية والشخصية والدينية والإنسانية. وهذا أسوأ أنواع تدمير كرامة الإنسان.

ثانياً: هو اعتداء على صحة وسلامة الشخص، ذلك أنّ الشخص المغتصب يصبح مُعرضاً للإصابة بأمراض ومشاكل نفسية وجسمية، وأسوأ هذه الأمراض المرض النفسي.

وكل من لديه معرفة مقتضبة بالدين الإسلامي، يعرف مدى احترام الإسلام لصحة الإنسان، وكيف رخّص في بعض الأحكام والتشريعات إذا ما تعرض جسد الإنسان للضرر. وباختصار، فصحة الإنسان خط أحمر من وجهة نظر الدين.

ثالثاً: ظاهرة الاغتصاب تضع المجتمع في حالة خوف دائم، والإسلام لا يسمح للمجتمع بأي حال من الأحوال بأن يعيش تحت مظلة الخوف وعدم الأمن. بل يبذل قصارى جهده ـ عبر تعاليمه ـ لضمان عدم وجود الخوف في المجتمع، فعقاب من يُوجد الخوف في المجتمع قاسية في نظر الإسلام.

رابعاً: ظاهرة الاغتصاب إذا تركت دون رادع، فقد تزداد وتنتشر أكثر، وانتشارها يفتح الباب أمام جرائم القتل وانهيار الأُسر، وقد يؤدي إلى تدمير رغبة الشباب في الزواج الصحي، كما يستهدف القيم الدينية والبنية التحتية الإنسانية.

إنّ كل ما يدمر البنية الاجتماعية ويؤدي إلى عدم إنشائها في المجتمع يعتبر ممنوعا منعا باتّاً في الإسلام، والاعتداء الجنسي من أسوأ الجنايات التي تفتح الباب أمام تحطيم الهياكل الاجتماعية السليمة.

وعليه، فإن العقوبة التي شرعها الإسلام للاغتصاب تتجاوز العقوبات التي اعتبرها على الزنا.

المحور الثاني: حقوق ضحايا الاغتصاب وأقسامه:

سنتحدث عنها من خلال مقامين:

المقام الأول: حقوق ضحية الاغتصاب وأهميتها

وهنا يجب الانتباه إلى عدد من النقاط.

(أ) لضحايا الاغتصاب حقوق يجب احترامها ودعمها ورعايتها؛ لأن عدم احترامها أو أخذها في الاعتبار، سيؤدي ذلك إلى اعتداء آخر ضدهم. وبالتالي، فإنّ الضحايا يتعحرضون حينئذٍ لهجومين، أحدهما اغتصاب جنسي، والآخر انتهاك لحقوقهم وموقعهم وشخصيتهم وحياتهم الاجتماعية.

لذلك يجب أن نحترم هذه الحقوق حتى لا يتضاعف اضطهادهم، ولا يقعون في حالة ظلم بعد ظلم، بل يمكن القول: إنه أحياناً يكمّل الظلم الثاني (المتمثل في عدم رعاية وتأمين حقوقهم) الظلم الأول (أي: الاغتصاب) ويزيده عمقاً وألماً.

(ب) هذه الحقوق مهمة جداً من وجهة النظر الإسلامية، كما سنتحدث لاحقاً، بل إنّ بعضها يعتبر خطوطاً حمراء للدين.

(ج) أن الملزَمين بمراعاة هذه الحقوق، كما سنتحدث لاحقاً، هم هيئات ومجموعات مختلفة، من عائلاتهم، إلى الدولة، إلى الجماعات، إلى المجتمع وإلى كل فرد.

(د) لذلك، فما قُلناه في النقطة (أ)، يجب أن يكون لدينا التعليم اللازم لمعرفة واحترام هذه الحقوق، خاصة في الفضاء السيبراني الحالي، فقد نحتاج في الفضاء الإلكتروني إلى مزيد من الانتباه، لأنه يمكن أن يخلق الحساسيات ويفتح المساحات والأبواب لتعريض ضحية الاغتصاب لمزيد من الهجمات النفسية والعرضية.

المقام الثاني: أقسام حقوق ضحايا الاغتصاب

تنقسم حقوق ضحايا الاغتصاب إلى شخصية واجتماعية.

أولاً: الحقوق الشخصية والنفسية للضحية

إن أهم حقوق ضحية الاغتصاب، حقوقه الشخصية والنفسية، فإذا تمت مراعاتها، فهي الأساس الذي تستند إليه الحقوق الاُخر، لذلك، فإن أهم شيء بالنسبة لضحية الاغتصاب، هو أولاً وقبل كل شيء، الاهتمام والتركيز على حقوقها الشخصية والنفسية، فلو تمت مراعاة هذه الحقوق، سيتم تشكيل بنية تحتية يمكن من خلالها متابعة حقوقها الاجتماعية والاقتصادية وتوفيرها، ببيان آخر، إن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للضحية، هي امتداد لحقوقها الشخصية والروحية، ومترتبة عليها.

ولكي ندرك حقوق الضحية الشخصية بشكل صحيح، نحتاج الى أن تكون لدينا صورة واضحة عن حالة مرضية متعددة الاضلاع، تحدث لها بعد الاغتصاب، وقد سماها الأطباء المتخصصون متلازمة صدمة الاغتصاب.

تعريف متلازمة صدمة الاغتصاب: يقول الأطباء المتخصصون: إن ضحية الاغتصاب بعد وقوع الجريمة عليها، تُصبح تعاني من متلازمة صدمة الاغتصاب، وهو مرض مؤلم ومحطم للضحية.

وهذا المرض، يصيب كل من تعرض للاغتصاب، سواء كانت الضحية ذكراً أو اُنثى. وهو في واقعه صدمة نفسية تسبب له الاضطراب من ناحيتين: ناحية سلوكية وناحية عاطفية، وتجعل المريض يمر بثلاث مراحل: المرحلة الحادة ومرحلة التكيف مع الظروف الخارجية ومرحلة التطبيع.

كل مرحلة من هذه المراحل لها علامات وأعراض، وبعض العلامات للمرحلتين الاُولى والثانية، لها درجة فاعلة من القوة المدمرة لشخصية الضحية.

و دون الخوض في تفاصيل هذه المراحل وفحص علامات وأعراض ونتائج كل مرحلة من هذه المراحل، سأقدم تحليلاً في ثلاث نقاط حول هذه الصدمة (وتداعياتها ومضاعفاتها) وما تستدعيه من حقوق شخصية للضحية:

النقطة الاُولى: إنّ المريضة وبسبب صعوبة وتدمير بعض هذه المراحل الخاصة (في المرحلتين الاُولى والثانية واللتين لهما أعراض شديدة ومحطمة) قد لا تتمكن من اجتياز المرحلة الأولى والدخول إلى المرحلة التالية، وهذا خطر كبير يترتب على هذه الصدمة النفسية.

النقطة الثانية: النقاط الرئيسة المستهدفة في هذه الصدمة هي:

١. إرادتها ٢. رغبتها ٣. إحساسها ٤. سلامتها.

الأضرار التي تُوجّه إلى هذه النقاط في المريضة (خاصة بعضها) لها عواقب وخيمة.

أما بالنسبة لإرادتها، فأثر هذه الصدمة تصل إرادتها إلى نقطة عدم قدرتها على التواصل مع الآخرين.

وأما رغبتها، فهي تتضاءل وتضعف بشدة للحياة والزواج والحضور في المجتمع والتواصل.

وقد يزداد ضعف معنويات الضحية ورغباتها، مما يؤدي إلى حالة من الاكتئاب، وأحياناً يتطور هذا الاكتئاب لدرجة أن الرغبة في الانتحار تنشأ فيها، وهذا من الآثار السلبية والخطيرة للغاية المترتبة على الاغتصاب.

أما بالنسبة لحالتها العاطفية وحساسيتها، فما يحدث فيها هو الخوف والرهبة من الآخرين، لدرجة أنها تشعر بعدم الأمان وعدم الاطمئنان من أي شخص.

وأما من الناحية الصحية، فقد تُعاني من الأرق والقلق وفقدان الذاكرة.

كل هذه المضاعفات تتراكم بشكل مخيف وتؤدي بها إلى علاقات غاضبة وعدائية، وبالتالي، الوقوع في العزلة، والمعاناة من اكتئاب خطير، وتجربة حياة صعبة للغاية.

النقطة الثالثة: بناءً على التحليل أعلاه لهذا المرض، يمكننا تعريف الحقوق الشخصية للمُغتَصب وتحديدها.

وهذه الحقوق تنبعث من حق كبير وأساسي للضحية، وهو حق الشفاء (حق استعادة وضعها الطبيعي والعودة الى حالتها الطبيعية السابقة).

وهذا الحق متعدد الأوجه، بمعنى أنه تنشأ وتتشكل منه فروع كما يلي:

(١) حق استعادة إرادتها وتفعيلها.

(٢) حق استعادة معنوياتها (المنتهية إلى رغبتها في التعايش والتعامل مع غيره).

(٣) حق استعادة إحساسها وهدوئها واطمئنانها.

(٤)حق استعادة صحتها.

وكما قلنا، هذه الحقوق مجتمعة في حق أساسي مهم للضحية، وهي "الحق في العودة إلى حالتها الطبيعية"، وهذه الحقوق، ترجع اهميتها ومكانتها وضرورة تحقيقها الى حقيقة أن الضحية تعيش في وضع رهيب للغاية، الوضع الذي قد يعرضها لمخاطر جسيمة ولانقطاع صلاتها مع المجتمع، وتدمير معنوياتها، فإذا لم يتم ملاحظة هذه الحقوق، سيؤدي وضعها إلى حالة أسوأ وأكثر صعوبة، لذلك يجب التركيز على هذه الحقوق.

ينشأ الحق، عندما يريد الشخص تنفيذ الوضع المرغوب فيه ـ الذي أراده الله تعالى له ـ بإرادته الحرة، ولكن هناك عقبات أو سلوكيات في المجتمع، تجعل وصوله الى ذلك الوضع صعبا أو غير ممكن، والواقع أن الحقوق الأربعة المذكورة أعلاه هي في الواقع أوضاع وحالات تريد ضحية الاغتصاب الوصول إليها، لكن بعض السلوكيات الاجتماعية لا تسمح بذلك، لهذا يتم تشكيلها كحقوق.

يمكن إعطاء مثال على ذلك، وهو إلقاء اللوم ـ خاصة إذا كان اجتماعيا ومكثفا ـ على من تعرض للاغتصاب، فإن إلقاء اللوم عليه، هو تصرفٌ يضر بحقه في استعادة معنوياته في الظرف الاجتماعي، حيث يؤدي الى تدهور حالته النفسية ويجعل أوضاعه تتجه الى ظروف أسوأ، وهذا يعد انتهاكاً لشخصيته، ونتيجة لذلك قد تفوته فرصة العودة إلى وضعه العادي، وكما هو معلوم فإن الاسلام يُولي أهمية كبيرة للشرف، ومن هنا نعلم أن حق استعادة معنوياته ضروري ويجب التركيز عليه، وهكذا بقية الحقوق الاُخر.

ثانياً: حقوق الضحية الاجتماعية:

الحقوق الاجتماعية للضحية تنقسم الى:

(١) الحق في الزواج (تعيين مستقبلها فيما يتعلق بالزواج).

(٢) الحق الثقافي.

(٣) الحق القضائي.

(٤) الحق الاقتصادي.

وفيما يلي توضيح لهذه الحقوق:

أما بالنسبة للحق في الزواج، فضرورة التركيز والتأكيد على هذا الحق وإبرازه؛ لأن ضحية الاغتصاب قد تواجه مشكلة في الوصول الى حقها هذا، وهي أنه في بعض الأحيان تتدخل عائلة الضحية أو المقربون منها في القضية، وتدخلهم يتمثل في الطلب من المغتصِب أن يتزوج الضحية، وهم يفعلون ذلك بهدف إزالة وصمة العار، أو للتخفيف من حدّة المشكلة الاجتماعية التي يعتقدون أنها حدثت للعائلة او للضحية أو للمجموعة.

فمثل هذه الاقتراحات، غير مرغوب فيها بالنسبة لضحية الاغتصاب، ولا تصلح لها؛ لأنه: من ناحية، يحول دون حصول الضحية على حقها الشخصي في العودة إلى إرادتها السابقة، حيث يُضعف هذا الاقتراح إرادتها ويضعها في موقف تشعر فيه ـ أكثر من أي وقت مضى ـ أنها في وضع يستمر فيه إجبارها واكراهها على ما لا تحب.

ومن ناحية اُخرى، يؤدي إلى فقدان الضحية ممارسة حقها الاجتماعي في اتخاذ القرار بشأن الزواج، وتكوين حياتها المستقبلية العائلية والاجتماعية.

ببيان آخر، في الوضع الحالي الذي لها الحق في إعادة بناء إرادتها وتفعيلها بشكل أكثر فاعلية، ستنتزع إرادتها ورغبتها في الزواج الذي يشكل أهم قضية في حياتها.

في الواقع، في مثل هذه الحالة، يتم أخذ وسلب حقين منها، أحدهما حقها الشخصي في العودة إلى إرادتها، والآخر حقها الاجتماعي في اختيار الزوج، وتكوين حياتها المستقبلية.

وأما بالنسبة للحق الثقافي، فالمقصود به، وجوب إعطاء ضحية الاغتصاب نظرة ثقافية صادقة وإيجابية. فنظرتنا إلى الضحية وظروفها ومكانتها نظرة سلبية ستسبب لها مشاكل معقدة، وتضعها في مزيد من العزلة، وتخلق جواً من الافتراء والقيل والقال ضدها، ويحرمها من الإمكانيات الأساسية، لذا فإن الحق الثقافي هو حق كبير جداً.

إذا لم تكن ثقافة المجتمع سليمة وإيجابية، فمن الصعب للغاية في مثل هذا المجتمع أن تعترف الضحية بأنها تعرضت للاغتصاب، وتبقى تمتلك الإحساس بأن عليها وصمة عار، وتشعر بالقذارة والضعف، وتخاف من ردود أفعال الآخرين. لذلك تفضل أن تكون صامتة، فتحرم نفسها من المساعدة، وبالتالي تصبح ضحية.

في المجال الثقافي، يجب أن ننظر بواقعية إلى المظلوم. فالمظلومية ليست وصمة عار، ولو كانت عاراً، فالقرآن الكريم لم يكن ليمنح المظلوم الحق في رفع صوته، أو يسمح له بالتحدث عن مظلوميته بصوت عال ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ [النساء: 148]، لأن الصوت العالي يُطلع الآخرين على حالته، وبذلك يتضح أنه ليست وصمة عار، فاذا نظر الناس إلى المظلومية من وجهة نظر سلبية، فيجب علينا تصحيح هذه الثقافة، وجعلها حكيمة وواقعية ومنسجمة مع المنظور القرآني. فالآية تدل بالدلالة الالتزامية على الفكرة القائلة: ليس على المظلوم أي وصمة عار، وإنما وصمة عار على الظالم.

وإذا أردنا عرض أحكام فقهية لضحية الاغتصاب، بناء على هذه النظرة القرآنية، فيمكن تقديم هذه الأحكام على النحو التالي:

الحكم (أ): المرأة المكرهة على الزنا، ليست آثمة، ودليل ذلك:

أولاً: الآية الشريفة: ﴿ولا تزر وازرة وزر اخرى﴾ [فاطر: 18].

ثانياً: إنها مكرهة، وقد روى الفريقان عن النبي(ص)، قوله: "عُفي عن أمتي ثلاث: الخطأ والنسيان والاستكراه"(1). أو قوله(ص): " إن الله عزّ وجل يجاوز لأمتي عن الخطأ، والنسيان وما استكرهوا عليه "(2).

الحكم (ب): لا عقوبة على المغتصَبة(3)، لضرورة انتفاء الزنا في حقها مع الإكراه(4). ولان العقوبة فرع كونها آثمة، والمكرهة على الزنا لا إثم عليها.

الحكم (٣): لضحية الاغتصاب التركيز الواضح على الظلم الواقع عليها، وهذا مستفاد من الآية الشريفة: " ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148].

الحكم (٤): لزوم نصرة ضحية الاغتصاب، ودليل ذلك ما انعكس في مصادر الشريعة بأشكال مختلفة تحت عناوين: نصرة [نصر] المظلوم،(5) نصر الضعيف(6)، وجوب الشهادة لصالح المظلوم عند خوف ضياع حقه،(7) إنصاف المظلومين،(8) حرمة ترك معاونة المظلوم(9).

من هنا جاء في الجواهر: "نصرة المظلوم واجبة".(10)

وفيما يتعلق بالحق القضائي، في الواقع، من المظالم التي تواجهها ضحية الاغتصاب عدم وجود أرضية اجتماعية مواتية للشكوى القانونية.

وهناك ثلاثة عوامل يمكن أن تضعف وتزيل الأساس الاجتماعي للشكوى هنا.

العامل الأول: لا تقدم الشرطة أو القضاء الدعم والتعاون اللازمين لتقديم شكوى، أو تجعل من الصعب تقديم شكوى.

العامل الثاني: تشجيع الأسرة الضحية على عدم الشكوى، أو منعها من الشكوى.

العامل الثالث: عدم سماح الثقافة الاجتماعية للضحية بتقديم الشكوى، إما من جهة اعتبارها شيئاً غير مهم أو اعتبارها عاراً، ووضع الضحية في موقف سلبي كي تقوم الضحية بإخفاء الجريمة التي ارتكبت في حقها.

إنّ تقديم الشكوى ضد المغتصب، وتعقيد عملية الشكوى، يعززان ظاهرة الاغتصاب في المجتمع، ومن ناحية اُخرى، يمنعان ضحية الاغتصاب من تحقيق حقوقها حتى النهاية.

الأصل في الإسلام أن المظلوم ـ خاصة إذا كان الظلم الواقع عليه كبيراً ـ يجب أن يفكر في التقاضي. والمبدأ الأساسي هو عدم الإخفاء، لأن المجتمع يتضرر، يقول سبحانه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾.

وأما الحق الاقتصادي، فيمكن أن نأخذ في الاعتبار نوعين من الحقوق الاقتصادية:

أولاً: حقوق التعويض: أي التعويضات عن الأضرار التي تلحق بها.

هناك أحكام في الفقه حول المرأة المغتصبة، تشمل حقوقها الاقتصادية، نعرض بعض هذه الأحكام، وهي كالتالي:

(أ) للمرأة المغتصبة مهر المثل. وهذا رأي جمهور فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة(11)، كما هو رأي جميع فقهاء الامامية،(12) وأما الحنفية فلم يوجبوا المهر.

(ب) للمرأة المغتصبة أرش البكارة زائداً على المهر، فيما إذا كانت بكراً، وهذا رأي مجموعة من فقهاء الإسلام، والاختلاف في ذلك يرجع الى الاختلاف في تفسير المهر، ولتوضيح ذلك ينبغي ذكر التفسيرات التي تم عرضها بشأن المهر، وهي ما يلي:

التفسير الأول: المهر ثابت كعوض للوطء:

يرى أصحاب هذا التفسير أن للمهر "ماهية عوضية"، في قبال أرش البكارة، والذي له "ماهية تعويضية" (إن صحّ التعبير) فذاك عوض المنفعة، وهذا تعويض عن الجزء الفائت، وذاك يأتي عوضا عن استيفاء منفعة بضعها، وهذا يأتي كتعويض عن الجناية (المتمثلة في تفويت البكارة)، فذاك ملحوظ باعتبار الوطء، وهذا ملحوظ باعتبار الجناية.

وفقا لهذا التفسير، يجب على المغتصِب دفع كل من المهر والأرش الى المرأة التي اغتصبها. وهذا التفسير لبعض الإمامية، قال في شرح اللمعة: "لأنه حق جناية، وعوض جزء فائت، والمهر على التقديرين عوض الوطء"(13).

التفسير الثاني: المهر ثابت بسبب الاستحلال:

وهذا التفسير لابن القدامة، وقد استدل له بالحديث النبوي الشريف: "فلها المهرُ بما استحلَّ من فرجها"، قائلاً: "إن المكْرِهَ مستحلٌ لفرجها، فإن الاستحلال، الفعلُ في غير موضع الحل‏، ‏كقوله7‏: "‏‏ ما آمنَ بالقرآن من استحلَّ محارمه" (14)

يمكن القول: إنّ هذا التفسير يرجع واقعه إلى التفسير السابق الذي يرى أن "المهر يثبت كعوض، قبال استيفاء منفعة البضع، ولكن مع فرق أنه يركز على إبراز حقيقة أن ماهية هذا الاستيفاء استحلالي. بمعنى أن الاستيفاء ليس حلالاً في الواقع، ولكن يتم الفعل في موضع الحل، وهذا التركيز لا يعطي المزيد من التأكيد على قيد حرمته، أما من حيث إن هذا التفسير أيضا لا يرى أن المهر يمتلك الماهية التعويضية (التي تأتي في باب الجنايات والضمان)، فهو نفس التفسير السابق، ولذلك يرى أصحاب التفسير الجمع بين المهر والأرش في المسألة (أي: اغتصاب البكر المزيل لبكارتها)، مما يعني أن المهر لا علاقة له بالجناية التي يجب جبرها والتعويض عنها، والتي هي إزالة البكارة.

التفسير الثالث: المهر ثابت كتعويض عن الضرر الملحق بالمرأة من قبل المغتصب.

بحسب هذا التفسير، فإن المهر هو الوحيد المشرَّع للمغتصبة، انطلاقا من أن المهر تم تحديده كتعويض عن الضرر الذي لحق بالمرأة المغتصبة.

مشكلة هذا التفسير أن هذا المهر ثابت مطلقاً، أي سواء أن كانت بكراً أو غير بكر، والسؤال، إنها إذا لم تكن بكراً، فالمهر تعويض عن أي شيء؟!

قد يبدو لأول وهلة، إمكان الدفاع عن هذا التفسير، بأنه على أي حال، تتلقى ضحية الاغتصاب أضراراً من المعتدي، فصحيح أن هذه الأضرار تكون أحياناً صغيرة وأحياناً كبيرة، ولكن على أي حال، يتم وقوع الضرر عليها، وقد جاءت الشريعة ووضعت المهر لمطلق الضرر عليها، بغض النظر عن أن بعض هذا الضرر صغير وبعضه كبير، وهذا في الواقع رعاية تُعطى للمرأة بسبب ما تعرضت له من اغتصاب. بعبارة اُخرى، قد جاءت الشريعة وجعلت المهر لتدارك هذا الضرر الذي له درجات متفاوتة، لذلك لم يعد الأمر بحاجة إلى تعيين الأرش.

وهذا رأي لبعض فقهاء الإمامية، مثل صاحب الجواهر، حيث قال: "قد يقوى دخوله في المهر الذي اعتبر البكارة فيه"(15). ومثل السيد الخوئي، حيث قال: "لا دليل على أن لإزالة البكارة أرشاً زائداً على المهر... فلا يكون تفويت هذا الجزء هدراً"(16).

ولو سلمنا معقولية وإمكانية هذا التفسير في مرحلة الثبوت (أي: في ذاته)، فالإشكال أن معقولية وإمكانية افتراض ما، ليست بمجردها كافية، بل اللازم في مرحلة الإثبات أن نرى هل هناك دليل يثبته؟ وقد حاول الفقيهان المشار إليهما، الاستدلال على هذا التفسير بما قاله الإمام الصادق7: "إن شعر المرأة وعذرتها شريكان في الجمال، فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كاملاً".(17)، ووجه الاستدلال به أنه تمّ في كلام الإمام الاكتفاء بالمهر، ولم يذكر الأرش زائداً على المهر(18).

ولكن يمكن القول: إنّ هذا الحديث يتعلق بموضوع كان فيه الشخص الجاني في موقف إجرامي ضد امرأة، فحلق شعرها (وذلك بقرينة قول السائل، حيث سأل: "ما على رجل وثب على مرأة فحلق رأسها؟")، مما قد يبدو منه أن المقصود من ازالة بكارتها أيضا ما يتم في هذا الموقف، في حين أن المسألة التي نبحث عنها هنا، تتعلق باعتداء جنسي على المرأة، التي أحياناً تكون بِكرا وأحياناً غير بكر، فيأتي هذا السؤال: إذا كانت بكراً، فهل ـ بالإضافة إلى المهر ـ يجب أن يدفع أرش البكارة أيضاً أم لا؟

وعليه، كيف يمكن إدراج هذه المسألة التي تتعلق بعمل الزنا الاغتصابي تحت ذلك العمل الجنائي، الذي يذهب فيه المجرم كي يحلق شعرها أو يزيل بكارتها، العمل الذي يتم في إطار نية إجرامية كانت لديه. وعلى الأقل نحتمل أن هذا الكلام كان ناظراً إلى تلك المسألة، ومسألتنا بمعزل عنها، فلا يتم الاستناد حينئذٍ.

والنتيجة أن التفسير الأول صحيح، والذي قلنا، إنّ التفسير الثاني يرجع إليه، مع إعطاء صياغة خاصة إليه.

وعليه، فالحكم هو لزوم دفع المهر والأرش معا، إذا كانت بِكرا.

ثانياً: حقوق حالة الطوارئ:

ليس هناك شك في أن ضحية الاغتصاب تحتاج إلى دعم لتجاوز حالة الطوارئ التي تجد نفسها فيها، إذ هي حالة تتطلب أحياناً توجيه المساعدات الطبية والمساعدات المعيشية والمساعدات القانونية لها، لأنها تعرضت للأذى، فتشعر بالوحدة في المجتمع، وربما قد تهرب من عائلتها، أو قد لا يكون لديها ما يكفي للمُضي قدماً في شؤونها، وقد تصبح ظروف العمل والمعيشة صعبة عليها، وبالتالي، فهي تحتاج حقاً إلى مساعدة الأفراد والمجتمع والآخرين.

في هذا الوقت، إذا رفض الآخرون مساعدتها وتركوها في الوضع الذي هي فيه، فيجب على بيت المال مساعدتها، فهذا حقها من بيت المال، انطلاقا من قاعدة "بيت المال للمصالح".(19)

المبحث الثالث: الإجهاض بسبب الاغتصاب

بما أن الإجهاض بسبب الاغتصاب من مصاديق الإجهاض بشكل عام، وأن البحث عن حكمه، يبتني على معرفة الحكم الفقهي للإجهاض بقطع النظر عن سببه مسبقاً، فينبغي أن نلقي في البداية نظرة فقهية على الإجهاض وحكمه على المستوى العام، ثم ننتقل إلى البحث عن حكم إسقاط الجنين الناشئ عن الاغتصاب.

لهذا نضع البحث في موردين:

ـ حكم الإجهاض بشكل عام.

ـ حكم إجهاض الجنين الناشئ عن الاغتصاب.

المورد الأول: حكم الإجهاض بشكل عام

نضع البحث في مطلبين: حكم الجنين قبل نفخ الروح، وحكم الجنين بعد نفخ الروح فيه.

المطلب الأول: حكم الجنين قبل نفخ الروح

قد نشأت في ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأول: الإباحة: وهو قول الحنابلة وبعض الحنفية، مثل الحصكفي وابن عابدين، وبعض الشافعية مثل الشربيني والقليوبي. وأصحاب هذا القول ينقسمون إلى مجموعات، فئة ترى أن ذلك مباح بشكل مطلق، وفئة ترى جوازه بشرط إذن والده، وثالثة تجيزه فيما إذا كان بدواء مباح.(20)

وقد حاول ابن وهبان تأويل هذا القول، من أن الإباحة هذه، تعني أنه جائز مع وجود عذر أو معناها عدم ترتب إثم القتل عليه، يقول: "فإباحة الاسقاط محمولة على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل".(21) وهذه المحاولة معناها، أنه من حيث المبدأ لا واقع للقول بالإباحة كما يبدو من طرحه، بل غرضهم من القول هذا، إما الإباحة مع العذر (لا مطلقا) أو نفي ثبوت الإثم الثابت للقتل، في هذه الحالة الثانية، لم يتم استعمال لفظة الإباحة هنا بالمعنى الدقيق للكلمة.

ودليل هذا القول، أن الجنين فاقد للروح، هو جماد لم يصِرْ إنساناً فيه روح يحرم قَتله. بتعبير آخر، القتل، يصدق عنوانه عندما توجد الروح، فإن لم تكن فلا قتل. وهذا الدليل في محله، إذا أمكن رفض الأدلة المقدمة لإثبات القول بالحرمة، لذلك علينا الانتظار حتى نرى تلك الأدلة.

القول الثاني: الكراهة، وهو قول بعض الحنفية، مثل علي ابن موسى، وبعض المالكية. (22)

القول الثالث: الحُرمة، وهو قول جمهور المالكية، وجمهور الشافعية، وجميع فقهاء الإمامية.(23) والقائلون بالحرمة فئتان: فئة تحرّمه بنحو مطلق، وفئة تعتبر الحرمة مختصة بما إذا لم يكن في البين حالة طارئة، والا فهو جائز، كما أن المجيزين له عند وجود الحالة الطارئة، بين مجموعتين، مجموعة تعتبره جائزاً في أي حالة تطرأ، أي: توسّع دائرة الحالة الطارئة بما يشمل كل ما يعدّ عذراً، مثل أن تحدث مشكلة لحليب الأم، ومجموعة تخصص الجواز بحالة حدوث الضرر والحرج.

دليل الحرمة: يمكن اعتبار واثبات حكم الحرمة لموضوع إسقاط الجنين الكائن في مرحلة ما قبل نفخ الروح، من أربعة طرق، يجب أن ندرسها كي نرى ما يمكن قبوله منها.

الطريق الأول: تحريمه على أساس كونه قتلاً بالمعنى الرائج في اصطلاح واطلاق العرف:

بالطبع، مقتضى تبنّي هذا الطريق تحريم الإجهاض مطلقا، (أي: حتى لو أضر وجود وإبقاء هذا الجنين بالأم أو أن كان في الجنين عيب أو تشوه)، وذلك لأنه وفقاً للشريعة، لا معنى لإيراد الاستثناء على حرمة القتل وتجويزه في حالات مثل وجود الضرر أو العيب، فإن قتل الآدمي محرم سواء كان مصحوباً بضرر أم لا؟ وسواء كان هذا الآدمي به عيب أم لا؟

إلا أنّ هذا الطريق غير صحيح، لأنّ العرف لا يطلق عنوان القتل إلا على سلب الحياة من ذي الروح، فالقتل يعني سلب الحياة الحيوانية، ومثل هذا السلب فرع وجود الروح، والمفروض عدم نفخ الروح فيه بعد، فاستخدام لفظة القتل على مثل هذا الإجهاض غير صحيح، إلا أن نتسامح في هذا الاطلاق، والتسامح غير مُجد، حيث إنّ موضوع الحرمة في أدلة حرمة القتل هو القتل الحقيقي لا التّسامحي.

فهذا الطريق الأول غير صحيح، فلا يمكن الاستناد إليه للقول بالتحريم.

الطريق الثاني: تحريمه على أساس القتل، مع افتراض وجود مفهوم شرعي اختراعي للقتل

والمراد أنّ للشارع مفهوماً خاصاً مخترعاً بنطاق واسع، يتجاوز قتل الجنين ذي الروح، فيشمل غير ذي الروح أيضاً.

وقُلنا بثبوت مفهوم شرعي مخترع للقتل، فهذا يعني أنّ الشارع نحَّی المفهوم العرفي، وأبدله بمفهوم مخترع.

إنّ هذا الفرض مرفوض؛ لأنّه من المستبعد جداً أن يكون الشارع قد قدم مفهوماً خاصاً للقتل، والأصل هو عدم العدول عن المفهوم العرفي، خاصة عندما نرى أن عنوان القتل ـ بنفس المعنى الشائع ـ كان موجوداً منذ العصور القديمة واستمر حتى العهد الجديد، وهو عنوان تفهمه جميع المجتمعات وفي جميع الأعصار بنفس المعنى، ويتفهمون ويتبادلون ويتفاعلون مع بعضهم البعض بناءً على هذا المعنى الشائع، على الرغم من اختلاف وجهات نظرهم حول أحكام القتل وعقوبات القتل، أو غيرها من الأمور المتعلقة بالقتل، مثل: متى يكون القتل عمدياً أو غير عمدي أو شبه العمد؟ لكن كل ذلك شيء آخر، ولا يترتب عليه خلل في المعنى الشائع للقتل، ولا ينفي أن له مفهوماً واحداً مشتركاً لدى كل البشر، يتفاعلون حوله بالتركيز على هذا المعنى.

ولم ترفض الشريعة ذلك المعنى الشائع عند ظهورها، بل تبنّت نفس هذا المفهوم الذي يفهمه الناس، ورتبت أحكامها عليه، لذلك، فإن الشواهد على حدوث اختراع شرعي حول عنوان القتل منتفية، بل الشواهد على خلافه قائمة.

الطريق الثالث: تحريمه على أساس كونه جناية:

وهذا ما تبنّاه الإمام الغزالي، حيث قال: "إنه جناية على موجود حاصل"(24).

وهذا الدليل قوي، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذا العمل جريمة وجناية؟ هناك طريقتان لإثبات أنه جريمة وجناية، إحداهما هو الرجوع الى الضمير البشري الفطري والارتكاز العقلائي، بمعنى أننا إذا رجعنا إلى فطرة الإنسان، والى المرتكز العقلائي نجد أن الإنسان يرى بفطرته أن هذا العمل جريمة وجناية، أي: يرى أن الجنين قبل أن تدخله الروح هو أصل تكوين الإنسان وأساسه، لذا، فإن إزالة ما هو أصل الإنسان وينتهي به، ممنوع.

في الواقع، يتكون الدليل من مقدمتين، إحداهما أن هذا العمل إجرامي، وهذه المقدمة تثبت بالفطرة، والثانية القاعدة القائلة بكون الجناية محرمة، أما كيف تتشكل هذه القاعدة، أي كيف يرى الإسلام أن الجريمة محرمة، فالجواب أنه بالرجوع إلى الفقه وحركته ومفاهيمه وموقفه الصارم من الظلم، يتضح أنه حيثما وجدت جريمة فالإسلام يحرمها.

والطريقة الثانية، هي أن ثبوت الدية والكفارة دال بالدلالة الالتزامية على كون الاجهاض جناية، وبالطبع هذا الدليل يتحقق عندما نعتقد أن الدية والكفارة ثابتان لإتلاف الجنين الذي قبل ولوج الروح فيه، والمذهب الإمامي، له هذا الرأي القائل بثبوتهما.

إذا أردنا أن نصوغ ذلك في قالب دليل واضح نثبت به حرمة الإجهاض في المسألة (الجنين غير الواصل لمرحلة ولوج الروح)، فيمكننا صياغة الدليل على النحو التالي، ومن ثلاث نقاط:

أ) قد ثبتت الدية والكفارة (بمقتضى بعض الروايات) في الاجهاض قبل أن تنفخ فيه الروح.

ب) إن ثبوت الدية والكفارة على إزالة موجود، من شأنه أن يصبح إنساناً، يعني أن إزالته اعتداء وجناية عليه.

ج) إذا بلغت جناية حداً، شُرّعَتْ الدية والكفارة على ارتكابها، فهذا يعني أنها محرمة شرعاً.

الطريق الرابع: التمسك بمبدأ "ضرورة حفظ النسل البشري":

وتوضيحه أنه يمكن الاستدلال بالمبدأ المقصدي القائل بـ "الحفاظ على النسل البشري".

وهذا الدليل ‏في الواقع متكوّن من مقدمتين:

الاُولى: عندما نقترب من الدين وننظر إلى أدبياته ومفاهيمه وأفكاره وأحكامه ككل، نرى أن للدين نهجاً جاداً وحركة فاعلة نحو التركيز على الحفاظ على النسل البشري، لذلك، يمكننا القول إن أحد المقاصد الرئيسية للشريعة هو الحفاظ على النسل البشري، كما هو معروف.

المقدمة الثانية: إن الجهد الذي يبذل للحفاظ على الجنين، ينطبق عليه عنوان الحفاظ على النسل البشري، حيث يستمد معناه من كونه يتم في طريقة الحفاظ على جنس البشر، وهذا شيء تفهمه النظرة العرفية، وعلى العكس من ذلك، إن الجهد المبذول لتجاهل الجنين، ومحاولة السماح للمجتمع بتدميره، هو عمل يصبّ في طريق الاستخفاف بالنسل البشري.

والنتيجة التي يمكن أخذها من هاتين المقدمتين، هي أن الإجهاض عمل مخالف لإرادة الشارع، ولا يتوافق مع غرضه التشريعي.

صحيح أننا لا نستطيع الاعتماد على الطريقين الأولين من هذه الطرق الأربع لإثبات الحرمة، ولكن يمكن الاعتماد على الطريقين الأخيرين لإثباتها. وعليه، فإن حكم إجهاض الجنين الذي لم يتم فيه نفخ الروح، هو الحرمة.

يبقى شيء، وهو هل هذه الحرمة مطلقة؟ (أي على كل حال يكون إجهاضه محرماً)، أو الحرمة ثابتة عندما لم تطرأ حالة خاصة؟

الجواب: هو أن الطريقتين اللتين قدمناهما، لم يعد بإمكانهما إثبات الحرمة بنحو مطلق؛ لأن هذين الدليلين لا يقاومان أمام قاعدتي "لا حرج ولا ضرر" وهما مما نصّ عليهما الشارع.

والنتيجة التي يمكن أن نتوصل إليها في نهاية المطاف، أن حرمة إجهاض الجنين الذي لم يصل إلى مرحلة تلقي الروح أمر ثابت، إلا إذا كان هناك ضرر أو حرج، وإذا كان كذلك فهو في هذه الحالة، جائز، بل أحياناً واجب.

المطلب الثاني: إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه

لكلّ الفقهاء في المذاهب الإسلامية، كلمة واحدة، وهي أن مثل هذا الإجهاض تحرمه الشريعة.(25) والسؤال هل هذا الإجهاض حرام مطلقاً؟ أي أنه حرام وليس هناك استثناء لهذا الحكم إطلاقاً، أو أنه إذا كان هناك ضرر أو حرج، فيمكن القول إنّ إجهاض الجنين هو المسموح به شرعاً حينئذ؟ والسؤال الآخر، إذا قلنا بالجواز في حالتي الحرج والضرر، فهل يجوز الإجهاض فيما إذا كان بقاء الجنين ضرَريّاً أو حرجياً على الأم؟ أو على الجنين نفسه؟ أو على كليهما؟

الحقيقة أن إجهاض الجنين الذي له الروح لا يجوز بأي حال من الأحوال؛ لأنّ هذا من مصاديق قتل الإنسان، والإسلام لا يسمح بقتل كائن حي باسم الإنسان.

أما لا ضرر ولا حرج، فدليلاهما لا يقاومان دليل حرمة القتل، ووفقاً لكلام الاُصوليين، فإنّ قاعدتي لا ضرر ولا حرج تكمن أهميتهما وفاعليتهما في حكومة دليلهما على أدلة الأحكام الاُخر، بمعنى لا حكم، إلا أنه إذا أصبح ضَرريّاً أو حرجيّاً، فإنّ الإسلام يرفعه، غير أن دليل حرمة القتل فوق حالة قبول حكومة لا ضرر أو لا حرج عليه، أي لا يوجد لدي لا ضرر ولا حرج القدرة على الحكومة بالنسبة لدليل حرمة القتل، والسر يكمن في حقيقة أن الإسلام في الأساس قد ركّز بشدة على تحريم قتل البشر واعتبره عظيماً جداً، بمعنى أنه لا شيء يمكن أن يأتي ويبرر القتل، فقتل النفس ممنوع، إلا في الحالتين اللتين استثناهما القرآن.

هذا، ويمكن أن نضيف ونقول: إننا حتى لو افترضنا أنه يمكن أن يكون للا ضرر ولا حرج الحكومة على دليل حرمة القتل، فمع ذلك لا تأتي هاتان القاعدتان في المقام، حيث إن لهما ماهية امتنانية، بمعنى انه عندما ينفي الدين الضرر والحرج، فهو يفعل ذلك امتنانا على الكل، واذا قبلنا ذلك فلا يمكن قبول ان الشرع يوجه امتنانه الى شخص على حساب الآخر! وعليه، فلا يجوز فرض نفي الضرر أو الحرج عن الأم، عبر قتل غيرها وهو الجنين، فإن البشر متساوون في هذه التغطية الامتنانية الإلهية.

نعم يمكن القول، إذا اكتشفنا بأجهزة متطورة أن هذا الجنين إذا وُلد فلن يكون سوى قطعة لحم، يسقط على الأرض ولا يستطيع التحرك، حيث لا يمتلك فهماً ولا وعياً ولا إمكانيات جسدية لكي يعيش، لعله من الممكن في هذه الحال، أن يُدّعى أن الله، عبر الحكم بجواز الاجهاض، تحت عنوان لا ضرر ولا حرج، يمتن على الجنين نفسه؛ لأنه إذا ولد، فهو مجموعة من مشاكل أساسية لا تنتهي، وسيعاني منها بشكل متزايد ومتكرر.

ومن النقاط المهمة التي يجب ملاحظتها، أن تطبيق قاعدة "حرمة قتل الإنسان" على الجنين الحي، لا تقبل أي قيد، فالجنين الحي يجب حفظه حتى لو كان ناتجاً عن الزنا.

وسرّ ذلك يرجع الى أن مبدأ "حرمة قتل الإنسان" يأبى عن قبول أي استثناء غير ذلك الاستثناء الوارد في القرآن.

المورد الثاني: حكم إجهاض الجنين الناشئ عن الاغتصاب

من حيث المبدأ يجب أن نضع قضية "إجهاض الجنين من الاغتصاب" كمصداق للإجهاض بشكل عام، ونعتبر أن الحكم الذي ورد هناك يأتي هنا أيضا، ولكن هناك خصائص في موضوع الإجهاض بسبب الاغتصاب قد تُملي علينا أنه قد يكون موضوعاً خاصّاً له حكم مغاير، وهو الجواز، أي: جواز الإجهاض بالنسبة للناتج عن الاغتصاب، ولو كان له روح. ولهذا يلزمنا البحث فيه لنرى هل هذا هو كذلك أم لا؟

طريقان لاثبات جواز الاجهاض

هناك طريقتان لإثبات جواز الإجهاض المتعلق بالاغتصاب، حتى بعد نفخ الروح في الجنين، يكون ذكر هاتين الطريقتين ضرورياً، كي نرى هل يمكن الاعتماد على إحداهما؟

الطريقة الأولى: ما يمكن أن يطلق عليه عنوان تبدّل الموضوع.

يمكننا صياغة هذا الدليل في مقدمتين:

الأُولى: إذا تغير موضوع حكم مّا إلى موضوع آخر، فذلك الحكم لا يبقى على حاله، بل لا بد من استنباط حكم آخر للموضوع الجديد.

هذه القاعدة هي قاعدة أصولية، تعطينا فكرة أن كل موضوع له حكم، وكل حكم يخضع لموضوعه ويتبعه، وهذه التبعية تتمثل في الثبوت والانتفاء، بمعنى أن الحكم يثبت بثبوت موضوعه، وينتفي بانتفائه، ومن هذا المنطلق، تتبلور قاعدة أصولية اُخرى وهي قاعدة "الحكم لا يحافظ على موضوعه"، وسر عدم الحفظ، هو أنه على خلاف التبعية.

الثانية: لتبعية الحكم لموضوعه حالتان:

ـ حالة ما إذا كان الموضوع يختفي أو ينتفي أساساً، وهذا يحدث فيما إذا لم يبق الموضوع بتمام معنى الكلمة، في هذه الحالة، بما أن الحكم لا يمكن أن يكون بدون الموضوع، فهو ـ أي الحكم ـ يذهب أيضاً عقيب ذهاب موضوعه.

ومثال على ذلك، أحكام الرق، فبما أن الموضوع (أي: العبودية والرق) لم يعد موجوداً الآن على الإطلاق، فإن أحكام الرق كذلك لم تعد جارية وسارية الآن على الإطلاق.

ـ حالة ما إذا كان الموضوع يتبدّل إلى موضوع جديد، فحينئذ لا يبقى من الموضوع القديم إلا اسمه وبعض مواصفاته الظاهرية، أما واقعه فيحدث فيه تحول وتغير أساسي، وهذا التغير يتمثل في تغيير دوره الخارجي وأدائه الاجتماعي. في هذه الحالة، نظراً لأن الموضوع القديم لم يعد موجوداً خارجياً، فلا يصح أن نحتفظ بالحكم الذي عرفناه للموضوع، بل علينا محاولة استنباط حكم لهذا الموضوع الجديد.

من الأمثلة على ذلك، الجريمة كموضوع في العصر القديم، وتغييرها إلى موضوع في الظروف المعاصرة. إن هذا التغيير الذي حدث في هذا الموضوع، يتمثل في أنه تمت فيه إضافة مكون جديد، وهو لزوم نص القانون على كون شيء جريمة، حتى يمكن التعامل معها كجريمة اجتماعية لها عقوبات محددة.

فطالما لم يتم تشكيل هذا المكون، فليس هناك جريمة اجتماعية، والفلسفة التي وصل إليها المجتمع اليوم، وشكلت هذا الموضوع على أساس توفر هذا المكون، ووضعت اللمسات الأخيرة عليه من هذا المنطلق، هو أنه إذا لم يأت القانون ولم ينص على جريمة، فسيكون هناك فوضى وارتباك حول موضوع الجريمة، حيث يقع الظلم للمتهم بارتكابها، بمعنى أن الاتهام بارتكاب جريمة يتجاوز الإطار الشرعي، وهذا ظلم.

بعبارة اُخرى، اليوم، أصبحت العلاقات الاجتماعية معقدة للغاية، لدرجة أنه إذا لم يأت القانون لتنظيم موضوع الجريمة ولم يحدد حدودها في متاهة هذه العلاقات، فلن يتم إنشاء المجال في الأساس للتعامل معها واكتشافها وفهمها الحقوقي ومكافحتها ومعرفة فاعلها، فيجب أن يكون الإطار واضحاً وقانونياً للغاية تجاه الخطيئة الاجتماعية، حتى ترتدي لباس الجريمة الاجتماعية، لذلك تغيرت قضية الخطيئة الاجتماعية التي لها عقاب، من الحالة السابقة إلى حالة قانونية اجتماعية تسمى الجريمة الاجتماعية.

والسؤال: هل يمكننا استخدام هذه الطريقة في عملية استنباط حكم موضوع "الإجهاض الناتج عن الاغتصاب"، خاصة لمرحلة ما بعد نفخ الروح، وإذا أمكن ذلك فيكون بالإمكان القول بجوازه؟

بطبيعة الحال، إذا اتبعنا هذا المسار، فإن مثل هذا الموضوع ليس من النوع الأول، الذي يكون بمعنى أن يذهب الموضوع القديم أساساً، بل هو من النوع الثاني الذي يعني أن الموضوع القديم تغير جوهره وواقعه في الظروف المعاصرة، ذلك أن الاغتصاب والإجهاض الناتج عنه، كان موجوداً كظاهرة في الماضي وهو ما زال موجودا، ولكنه ـ إن صحّ هذا الافتراض ـ تطور وتبدل إلى موضوع جديد بسبب اندماجه في سياق اجتماعي خاص؟

  • محاولة لإثبات أن الاجهاض عن الاغتصاب موضوع جديد

ما سنعرضه هو محاولة لإثبات أن هذه الطريقة يمكن تطبيقها على مسألة "الإجهاض الناتج عن الاغتصاب، لمرحلة ما بعد نفخ الروح"، من منطلق اعتبار أن هذه القضية أصبحت واحدة من القضايا الجديدة التي يجب أن يبحث الفقيه عن حكمها ويستنبطه من جديد.

وهذه المحاولة هي: إن الاغتصاب والجنين الناتج عنه قد اكتسبت اليوم أبعاداً اجتماعية ونفسية كبيرة، بحيث يعاني الشخص المغتصَب من ضربات قاسية وضغوط شديدة، لا تنتهي حتى تصل في العديد من الحالات إلى حد الاكتئاب والانتحار. ومن ناحية اُخرى قد يجد الطفل نفسه ـ بعد ولادته ـ (أو عائلته) أمام مواقف اجتماعية سلبية، خاصة في فضاء المعلومات اليوم. حيث يتم تسجيل جميع تفاصيل وخصائص كل شخص، لدرجة أنه أينما ذهب في البلد أو حتى البلدان الاُخرى، فهو يعرف بهذه الخصائص المسجلة، وهذا الموقف السلبي، لا يبقى في هذا الحد، بل آخذ في التوسع والاستمرارية على المستويات الاجتماعية، ومن الواضح أن هذا الوضع يوجه ضربات قاسية لا تنتهي لشخصية وهوية هذا الفرد وحتى عائلته.

وهذه الحقائق هي عواقب تترتب على ظاهرة الاغتصاب اليوم، ولم تكن موجودة في الماضي، ولو كانت موجودة لما كانت بهذا الحجم، وهذا العمق وهذه الأبعاد وهذه الخطورة المتزايدة.

رد المحاولة:

صحيح أنه بسبب مرور الوقت وظهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الناتجة عن تغيرات الزمن، فإن العديد من الموضوعات التي كانت في الماضي تتغير وتتطور وبالتالي تتبدل إلى موضوعات جديدة، (الأمر الذي يوجب على الفقيه، بعد إحراز التبدل، أن يتوجه إلى مصادر الشريعة ليجد أحكام الموضوعات الجديدة) هذا صحيح ولكن هناك شرط، وهو أن لا يكون الموضوع بحالتيه السابقة والجديدة مندرجا تحت عنوان أكبر، وداخلا في نطاق موضوع أوسع، وعده الشارع موضوعا ثابتا له حكم ثابت..

وتوضيحه أن هناك موضوعات امتلكت مكانة أساسية وقوية جداً في الشريعة، بحيث لا يكون للزمن سبيل لتغيير وتعطيل حكمها، أي: إذا أصدر الشارع أحكامه لها، فإن هذه الأحكام باقية ولن تتغير أبداً، لأنها موضوعات فوق الحالة الزمنية ولم يعد وضعها محصوراً بالزمن.

وقتل الإنسان الحي من سنخ هذه الموضوعات الفوق الزمنية التي وجه الشارع اهتمامه إليها، بل هو في مقدمتها.

والموضوع المبحوث عنه هنا من هذا القبيل؛ لأنه يتكوّن من عنصرين، عنصر "إسقاط الجنين"، وعنصر "كون الجنين متكوّناً من الاغتصاب"، صحيح أن العنصر الثاني قد تطور وظهر بالفعل كواقع معقد في عالم اليوم، لكن بما أن العنصر الأول للموضوع (الإجهاض) هو مندرج تحت عنوان قتل الإنسان الذي اعتبرته الشريعة مهماً جداً، وجُعل له حكم الحرمة بشكل ثابت، فنستنتج أن إسقاط الجنين الذي نُفخت فيه الروح، له حكم ثابت من منطلق كونه إنساناً حيّاً، وهذا الحكم هو الحرمة.

نعم، إذا اجتمع العنصر الثاني (كون الجنين متكوناً من الاغتصاب) مع عنصر آخر غير الإجهاض (قتل الإنسان)، فلا بد هنا من البحث عن الحكم الجديد.

وكمثال على ذلك، ضرورة التدخل الشامل للقانون بهدف تأمين وتوفير رعاية حقوق الجنين الناجم عن الاغتصاب بعد ولادته، وأنه لا ينبغي أن يكون في وضع يسمح له بالخذلان.

الطريقة الثانية: معالجة القضية عبر استخدام قاعدة تعنون الموضوع:

أولاً، أقدم شرحاً عن هذه الطريقة، وثانياً، أقدم محاولة لإثبات جواز الاجهاض بالاعتماد على هذه الطريقة.

شرح الطريقة: إن تَعَنْوُن الموضوع يعني قد طَرأ "عنوان له حكم في الشريعة" على الموضوع بشكل مؤقت. ولتوضيح أكثر:

أ) هناك بعض الحالات، لا يحدث فيها زوال أو تبدل الموضوع، وإنما الذي يحدث فيها هو طروّ عنوان على الموضوع بشكل مؤقت، له حكم خاص في الشريعة قد يكون هذا الحكم ترخيصيّاً، وهذا الطروّ يجعل الموضوع يتبدل حكمه إلى حكم العنوان العارض.

ب) المثال للعنوان الطارئ على الموضوع، هو الحرج والضرر والاضطرار وبعض العناوين الاُخرى، وعليه إذا صار موضوع مّا حرجيا أو ضرريّاً أو اضطراريا، فالحكم الذي كان للموضوع قبل طروّ هذا العنوان، يتم استبداله بحكم العنوان الطارئ.

لنفترض أن هناك طعام حرام أكله، غير أن الشخص يواجه موقفا إذا لم يأكله يموت، فهذه الحالة، تعني أنه عُرِض على الموضوع (أي الطعام) عنوان "الطعام الاضطراري"، بلحاظ أن الشخص المكلف أصبح مضطرا الى أكله.

فالذي يجري ويحدث في هذه الحالة، هو أن حكم الحرمة الذي كان لموضوع الطعام قبل مجيء هذا العنوان، يتبدل الى حكم الحلية.

وهذا ما يستفاد من قوله سبحانه:

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119].

ويقوله عز من قائل:

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 115].

محاولة تطبيق الطريقة في المسألة: يمكن محاولة إثبات جواز الإجهاض على أساس هذه الطريقة، بالبيان التالي:

مما لا شك فيه أنه عندما تحمل المرأة بسبب الاغتصاب، فإنها تكون في حالة مواجهة وممارسة تجربة صعبة وحرجة للغاية، لأنها تتحمل ضغوطا نفسية واجتماعية وعائلية، بل يمكن القول: إنّ المشكلة تتجاوز هذا، لأنها لا ترى نوعا حرجيا واحداً، بدلا من ذلك فإن سلسلة من حالة الحرج قد تراها وتشعر بها وتجربها من زوايا مختلفة.

إلى جانب ذلك، فإن الطفل الذي سيولد في كثير من الأحيان يواجه أيضاً حالات من الحرج في حياته، لأن النظرة التي ستلقى عليه هي نظرة خاصة تحرجه، لذا فإن موضوع الجنين الناتج عن الاغتصاب سبب للحرج لكليهما، الطفل والأم.

وعليه، فإن عنوان الحرج (الوارد في الدليل الشرعي) يصدق وينطبق في المقام، بمعنى أن موضوع "الاحتفاظ بالجنين الناجم عن الاغتصاب" يطرأ عليه عنوان كونه سببا للحرج، إذ أن إبقاء الأم طفلها في رحمها، يسبب وقوعها في الحرج، كما يسبب ولادة طفل سيقع في الحرج في المستقبل، وإذا انطبق عليها هذا العنوان، فيُرفَع حكم حرمة الإجهاض (الملازم مع وجوب الاحتفاظ بالجنين).

ردّ المحاولة: يمكن ردّ المحاولة بالقول: إنّ قاعدة لا حرج، بما أن لها طبيعة امتنانية، فهي لا تشمل هذه المسألة.

توضيح ذلك: إن القرآن عندما يتحدث عن عدم جعل الله الحرج في الدين ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، فواقع عدم جعله سبحانه الحرج، امتنان علينا، وهذا الامتنان لا يتحقق واقعه فيما إذا تم رفع الحرج من البعض على حساب إيجاد الحرج للبعض الآخر، فضلا عن تحقق هذا الامتنان فيما إذا تمّ رفعه عبر الحكم بجواز قتل الآخر، بمعنى أن يحكم لمن يواجه حرجا بجواز أن يقتل الآخر لإبعاد الحرج عن نفسه.

لذلك، فإن قاعدة لا حرج هذه، تشمل فقط الحالات التي يتم فيها الحفاظ على حقيقة الامتنان، ولكن حيثما تتجاوز الحالات دائرة الامتنان، فإن القاعدة لم تعد موجودة.

وبما أن رفع الحرج عن الأم بالحكم بجواز إسقاطها لجنينها الحي، لا يمت بصلة الى الامتنان، فقاعدة لا حرج لا تجري في المسألة.

قد يقال: إننا لا نأخذ في الاعتبار حرج الأم حتى يأتي الإشكال، ببيان أخر، ليس هناك فقط حرجها في هذا الأمر، بل هناك جانب آخر هو حرج الطفل الذي سيولد، وفي هذه الحالة يتشكل الامتنان بتطبيق قاعدة لا حرج بالنسبة اليه.

الجواب، هو أن الحرج في الأساس هو حالة ما دون القتل، إذ الحياة هي الأساس، وعليه لا معقولية ولا امتنان في الحكم بجواز قتل إنسان بهدف إبعاده عن الحرج، فالحرج يجب أن يزال عبر اتخاذ أحكام وترتيبات اُخرى.

النتيجة

يمكن استخلاص الاستنتاج التالي للجنين الناتج عن الاغتصاب:

أولا: بالنسبة لإجهاض الجنين الذي تم نفخ الروح فيه، فإننا لا نستطيع أن نجيز هذا الإجهاض.

ثانيا: بالنسبة لإجهاض الجنين الذي لم يتم نفخ الروح فيه، فالواقع أننا لا نواجه مشكلة الوقوع في القتل اذا تم هذا الاجهاض، فحينئذ إذا قبلنا أن هذا الحمل الناجم عن الاغتصاب يوجب أن تحدث ضغوط شاملة على الأم ويضعها في خضم مشاكل نفسية واجتماعية، ومن ناحية اُخرى يجلب مشاكل اجتماعية للجنين بعد أن ولد، إذا قبلنا ذلك فجواز الإجهاض في مثل هذه الحالة من أوضح الحالات التي يمكن القول فيها إن الإجهاض جائز.

والسؤال، هل هذا الجواز من باب تبدل الموضوع أو تعنونه بعنوان الحرح والضرر الاجتماعيين والنفسيين؟ الجواب، إذا لم نقل بأن الموضوع قد تغير بالفعل بحيث يتضمن مجموعة من المشاكل والجوانب الاجتماعية والنفسية والروحية التي قد نفذت في ذات الموضوع وكونت موضوعا جديداً، فلا أقل من حدوث الثاني، أي تعنونه بعنواني الضرر والحرج.

ولو كان الثاني فلا بدّ في كل مورد نُريد الحكم بالجواز فيه، إحراز وقوع الحرج أو الضرر فيه.

المبحث الرابع: مسؤولية المجتمع تجاه ضحية الاغتصاب:

هذا البحث له فقرتان: في الفقرة الأولى نتبع الموضوع برؤية عقلانية، وفي الفقرة الثانية نتعرف على رأي الإسلام، لنرى هل يقبل ذلك الرأي العقلاني ام يرفضه؟

الفقرة الأولى: مسؤولية المجتمع تجاه الضحية برؤية عقلانية:

نقوم في هذه الفقرة بتحليل لمسؤولية المجتمع تجاه ضحايا الاغتصاب من وجهة نظر عقلانية مستمدة من الأفكار المعاصرة اليوم.

إن المجتمع مسؤول عن حقوق ضحايا الاغتصاب، وتقع محاولة تحقيق هذه الحقوق على عاتقه بصورة جادة، وهذه المسؤولية، لها بعدان رئيسيان:

ـ البُعد الإيجابي، المتمثل في محاولة توفير الأرضية لتحقيقها.

ـ البُعد السلبي، المتمثل في تجنب الأمور التي تحرم الضحية من حقوقها.

أما المسؤولية ببعدها الإيجابي، فهي تعني أنه يجب على الجميع، السعي لضمان تحقيق هذه الحقوق، والمقصود بالجميع هنا هو كل من لديه الإمكانيات التي يمكن، بالاعتماد عليها، العمل على تحقيق هذه الحقوق أو تهيئة الأرضية لها، من أسرة الضحية، إلى الحكومة، إلى المراكز الطبية، إلى الجماعات والمؤسسات وأي شخص يمكن أن يكون مرتبطاً بطريقة ما بهذه القضية.

فيجب على الجميع محاولة توفير الأرضية لتحقيق حقوقها، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن تحقيق حقوق الضحية ممكن فقط من خلال دعم المجتمع والفئات الاجتماعية لها.

إذا أردنا أن نكشف عمق هذه الحقيقة، فعلينا أن نقول: هذه القضية من ناحيتين، مرتبطة بالمجتمع، وبالتالي، يجب على المجتمع محاولة تناولها وحلها، وتأكيده وتركيزه على حقوق الضحية.

أولاً: الفعل ـ الذي نسميه الاغتصاب ـ يقع في المجتمع، وفي إطار التأثر بالثقافة السائدة في المجتمع وقوانينه ونوع نظرة أفراده أو بعضهم إلى الاغتصاب ونوعية التفاعل معه.

ثانياً: الآثار السلبية للمرض وأعراضه، وهي تتركز على علاقة المريض بالمجتمع، بمعنى أنه عندما يعاني المريض من نقص الرغبة، يحدث هذا النقص في الرغبة في التواصل مع أفراد المجتمع، أو عندما يشعر بالفشل فهو شعور بالفشل من وجهة نظر اجتماعية، أو عندما يشعر بعدم الاطمئنان، معناه أنه لم يعد يثق بمن يتعامل معه، ببيان آخر، فالمرض ليس مجرد صداع أو حالة ضيق تنفس، بل المرض متورط في امتداداته في المجتمع، بمعنى أن أبعاده وانعكاساته ونطاق تفعيله هي في الأساس المجتمع.

وعليه، فإذا كان للمرض مثل هذه الامتدادات الاجتماعية والعلاقات المتعددة الوجوه مع المجتمع، فمن الطبيعي أن يكون المجتمع مسؤولاً عنه، بمعنى أن المجتمع تمر من خلال تصرفاته عملية وطريقة علاج المرض.

ببيان آخر، تعالج هذه القضية حيث يتم توفير المسؤولية الاجتماعية لجميع الفاعلين الاجتماعيين المعنيين بهذه القضية، وبما أن الأبعاد المختلفة لحياة الضحية الاجتماعية مرتبطة بالمجتمع، فعلى المجتمع، اتخاذ مواقف منسقة وممهدة للطريق لاستعادة حقوقها وعودة الضحية إلى وضعها الطبيعي والشخصي.

أما المسؤولية ببعدها السلبي، فهي تعني تجنب أي تصرف من شأنه انتهاك حقوق الضحية. وتوضيح ذلك أنه في بعض الأحيان يتم اتخاذ سلوكيات وقرارات في المجتمع تؤدي إلى حرمان الضحية من حقوقها الشخصية أو الاجتماعية، أو تسبب تجفيف الأرضية لتحقيقها.

إذا حدث هذا، فقد حدث أخطر وأصعب موقف للضحية فيما يتعلق بحقوقها، يجب تجنب مثل هذه السلوكيات التي تنتهك حقوق الضحية.

هذه التصرفات التي تحرم الضحية من حقوقها كثيرة ومتعددة، تجعل المريض لا يتمكن من العودة إلى حالته الطبيعية، بل توجب تفاقم حالته المرضية.

بعض هذه التصرفات التي تعرضت لها ضحية الاغتصاب، قد تكون عنيفة وعنيدة جدا، مثل لومها وتهديدها، واستجوابها باستمرار، والتشكيك في أقوالها وأدائها واعتبارها متهمة ومذنبة، وإيذاءها، وتركها...إلخ

فهذه التصرفات بدل أن تعينها لاستعادة ثقتها بنفسها واكتساب الثقة بالآخرين، تدفعها إلى حالة أكثر انعداماً للأمان والاطمئنان والهدوء، واكثر عزلة عن الآخرين، وأقل ممارسة لحقها.

الفقرة الثانية: مسؤولية المجتمع تجاه الضحية برؤية إسلامية:

نتناول هذا السؤال، هل هذا الرأي العقلاني الذي يُطرَح على المستوى الحقوقي اليوم، مقبول من وجهة النظر الإسلامية أم لا؟ وهل ألقى الإسلام نظرة إلى ذلك؟ وهل هناك مبدأ أو قاعدة يمكن على أساسها القول: إن الإسلام اهتم بضحايا مثل هذه الجرائم في المجتمع؟ ووضع المسؤولية على المجتمع؟

ورداً على ذلك، يجب القول: إن هناك العديد من الآيات والروايات في هذا المجال يمكن الرجوع إليها والاعتماد عليها، لإثبات مسؤولية المجتمع في مواجهة مثل هذه الكوارث وضحاياها، ومن المهم جداً أن نحرك الفقه في اتجاه يمكن أن يتناول المسؤوليات الاجتماعية بشكل أكثر دقة وأفضل وأشمل. وهنا أشير فقط إلى حديث نبوي يحتوي على دلالة مهمة، لمثل هذه القضية التي قد يقع فيها إنسان بسبب الضعف والعجز وغير ذلك من الظروف الخاصة، وإثبات المسؤولية الاجتماعية تجاهه.

والحديث مروي عن الإمام علي بن أبي طالب7 الذي قال: "إني سمعت رسول الله9 يقول في غير موطن: " لن تُقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير مُتعتع".(26)

ولكي نحصل على صورة دلالية للحديث، وشمول دلالتها على القضية المبحوث عنها هنا، من الضروري بالنسبة لنا أن نركز على الكلمات الأساسية الموجودة فيها وتحليلها.

والكلمات الرئيسية هي: ١. الضعيف ٢. الحق ٣. الأمة.

كلمة الضعيف: عندما يتحدث هذا الحديث عن الضعيف، يمكن فهم المقصود به من خلال التناسقية القائمة بين هذه الكلمة وبين كلمة القوي (التي استخدمت كذلك في الحديث بجانبها).

في الواقع، يتحدث الحديث عن ظروف يصبح شخص ما فيها ضعيفا بسبب وجود شخص آخر يكون قويا، ويستغل قوته ضد ذلك الشخص.

هذا التقابل بين الضعيف والقوي في الحديث، ينقل إلينا هذا المعنى بشكل واضح.

بعبارة اُخرى، يستفاد من الحديث أنه عندما تكون هناك حالة علاقة بين شخصين، أحدهما قوي يستخدم قوته ضد الآخر، فإنه في المقابل يصبح الآخر ضعيفا، فهكذا يتولد الضعف ويظهر الشخص الضعيف.

كلمة الحق: عندما نرى أن كلمة الضعيف وكلمة الحق ذكرتا معاً في هذا الحديث، فإننا نصل إلى نتيجة مفادها أن للضعيف حق ثابت تم انتهاكه من قبل القوي، أي أنه من خلال وجود الضعف فيه، فقد سُلب منه حق.

كلمة الأمة: عندما يتحدث هذا الحديث عن الأمة، فإنه يظهر بذلك البعد الاجتماعي لموضوع العلاقة القوية والضعيفة، مما يعني: أنه من ناحية، تحدث هذه العلاقة السلبية (التي تتكون بين الشخصين الذين أحدهما قوي والآخر ضعيف) في الفضاء الاجتماعي وداخل المجتمع، ومن ناحية اُخرى، فإن مصير إحقاق الحق في طريقة أنه لا يمكن أن يتم إلا في إطار العلاقات الاجتماعية.

وبعبارة اُخرى، يمكن طرح نقطتين: الاُولى أن ظرف حدوث هذه العلاقة بين القوي والضعيف، هو المجتمع، وإلا فليس من المنطقي للمجتمع (الأمة) أن يلعب دوراً فيما لا يعرفه ولا يشهده. الثانية: أن استعادة حق الضعيف عملية اجتماعية تتكون بالدور الاجتماعي، فعملية إيقاع الظلم على الضعيف وعملية استعادة الحق، كلتاهما عمليتان اجتماعيتان، وإلا فلا يبقى مجال لاستخدام كلمة "أمة" في سياق الكلام، وكما نعلم، فقد تحدث الحديث النبوي عن الأمة عند التحدث عن الضعيف ولزوم أخذ حقه من القوي.

في ضوء ما ذُكر، يمكننا القول: إنّ هذا الحديث ينطبق تماماً على الموضوع المبحوث عنه هنا. إذ الحديث يتحدث عن الضعيف، ومثل هذا العنوان ينطبق تماما على الضعيف في القضية التي نناقشها وهو ضحية الاغتصاب، خاصة أن ضعفها ضعفٌ يبدأ من حين عملية الاغتصاب، وينعكس في شخصيته بعده، بحيث يأخذ تدريجيا أبعادا وامتدادات اجتماعية خطيرة.

من ناحية اُخرى، إن الحديث النبوي الشريف، يستفاد منه وجود الارتباط بين هذا الضعف ـ الذي يحدث للضعيف ـ مع المجتمع، بمعنى وقوعه في ظرف الاجتماع.

النتيجة التي يمكن أن نتوصل إليها، هي أن هذا الحديث من أجل كونه وثيق الصلة موضوعياً بالمسألة التي نناقشها، وأنه ينطبق موضوعه عليها، فمفاده الحكمي يثبت بالنسبة لضحية الاغتصاب، بمعنى أنه يثبت أولا: أن لضحية الاغتصاب (المنطبق عليه عنوان الضعيف الوارد في الحديث) حقوقا يجب الاعتراف بها، وثانيا: المجتمع مسؤول عن تحصيل هذا الحق.

الهوامش

(1) الشیخ الحر العاملي، وسائل الشیعة،23: 237.

(2) الدارقطني، سنن الدارقطني،4: 99.

(3) مالك بن أنس، الموطأ،2: 735.

(4) النجفي، جواهر الكلام،9: 421.

(5) البخاري، صحيح البخاري 124:7.

(6) المصدر نفسه، 128.

(7) الحر العاملي، وسائل الشیعة، 27: 317.

(8) المصدر نفسه 383:17.

(9) المصدر نفسه 282:16.

(10) النجفي، جواهر الكلام،21: 309.

(11) أنظر: الموطأ، للإمام مالك 735:2، المجموع للنووي 74:19، المغني لابن قدامة 97:8.

(12) أنظر: المبسوط للطوسي 150:7؛ شرائع الإسلام للمحقق الحلي، 270:4.

(13) الشهید الثاني، شرح اللمعة4: 86.

(14) المغني 271:7.

(15) النجفي، جواهر الكلام،43: 276.

(16) مباني تكملة المنهاج، 373:2.

(17) وسائل الشيعة، 335:29.

(18) أنظر: مباني تكملة المنهاج للسيد الخوئي، 374:2.

(19) المبسوط للشيخ الطوسي، 84:8.

(20) أنظر: الدر المختار للحصكفي، 192:3 و 193، إعانة الطالبين 298:3، و 147:4، مواهب الجليل 134:5.

(21) ابن عابدین، حاشية رد المحتار، 193:3.

(22) أنظر: حاشية رد المحتار لابن عابدين،193:3؛ حاشية الدسوقي 366:2 و 267.

(23) أنظر: حواشي الشرواني،186:6، اعانة الطالبين 147:4، مواهب الجليل، 134:5، روضة المتقين 257:1، مرآة العقول 255:13.

(24) احياء علوم الدين للغزالي،47:2.

(25) أنظر: المصادر نفسها في هامش (23).

(26) نهج البلاغة، 102:3.

المصادر والمراجع

1. نهج البلاغة.

2. إحياء علوم الدين، الغزالي، أبو حامد، دار المعرفة، بيروت

3. إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، البكري أبو بكر بن محمد شطا الدمياطي، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي 1300هـ.

4. جواهر الكلام، النجفي، الشيخ محمد حسن، دار إحياء التراث العربي، بیروت 1362.

5. حاشية رد المحتار، ابن عابدين، مكتب البحوث والدراسات، لبنان، بیروت.

6. الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الحنفي الحصكفي، دار الكتب العلمية، بيروت 1423هـ.

7. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي، مجمع الفکر الاسلامي 1435هـ.

8. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه (ط القديمة) محمدتقی بن مقصودعلی اصفهانی، مؤسسه فرهنگى اسلامى كوشانبور، قم، 1406هـ.

9. سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني أبو الحسن ، دار المعرفة-بیروت، لبنان، 1424هـ.

10. شرائع الاسلام في مسائل الحلال و الحرام، المحقق الحلي، الناشر: استقلال ، طهران 1409هـ.

11. الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، دارالفکر.

12. صحيح البخاري، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: جماعة من العلماء، الطبعة: السلطانية، بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق-مصر، ١٣١١ هـ.

13. مباني تكملة المنهاج، الخوئي، السيد أبوالقاسم، بغداد، بابل، 1422هـ.

14. المبسوط في فقه الإمامية، الشيخ الطوسي، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران 1387.

15. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلامة المجلسي، دار الكتب الإسلاميّة 1404هـ.

16. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، الرعيني، الحطاب، دار الفكر، 1412هـ ـ 1992م

17. الموطأ، مالك بن أنس، دار إحياء التراث العربي بيروت، لبنان، 1406 هـ.

18. وسائل الشيعة، الشيخ الحرّ العاملي ، تحقيق مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، 1371 هـ.

نهاية البحث