المماطلة في أداء الدين
الشيخ أحمد المبلغي
هناك مسألة فقهية معروفة عنوانها "المماطلة في أداء الديون" ودراستها تزداد أهميتها عندما نرى أنه في مقولة الإفلاس في التجارة يركز على عنصر توقف التاجر عن دفع الديون"، ويمكن تطبيق هذا البحث على هذا الذي يُسمى بالتوقف عن أداء الديون، فنتمكن عبر ذلك من أن نطبق نتائج هذه المسألة الفقهية على مقولة إفلاس الشركات.
طبعاً إن المماطلة في التجارة الحديثة تختلف خطورتها عما كان في المعاملات الاعتيادية التي جرت في القديم، حيث إن الإفلاس الحاصل من المماطلة التي تقع في التجارة الحديثة، ربما ينجر إلى وقوع الإفلاس من قبل دائني ذلك التاجر الذي أصبح مفلساً أو تلك الشركة التي صارت مفلسة، فقد تتولد هكذا إفلاسات واحدة بعد أخرى.
ولهذه الإفلاسات التراكمية التي تحصل في التجارة الحديثة، دلائلها الخاصة بها، من جملتها صيرورة التجارة متشابكة، بحيث يشكل تجارة تاجر ما أو شركة ما جزءاً من شبكة تجارية تحصل أجزائها بسرعة وبصورة مترابطة بعضها مع البعض في ضوء وسائل الاتصال الحديثة والآليات المتاحة للبشرية لإيقاع تعاملاتها وتجاراتها في مجالات متعددة، وفي دائرة واسعة النطاق.
ومن هنا ندرك أن الذي يزيد في أهمية البحث أنه يبين الطرق المشروعة الحماية المؤسسات المالية المواجهة المشكلة المماطلة في تسديد الديون؛ فإن
دراسات مقارنة
مشكلة المماطلة في تسديد الديون أصبحت ظاهرة عامة على مستوى العالم، تعاني منها المؤسسات المالية والشركات التجارية، مما قد يجعلها عرضة لخطر الانهيار والعطب وتوقف النشاط.
كما أن من دلائل أهميته التطرق إلى الحسم القضائي؛ أي: حسم القضية القضائية التي ترتبط بدين قد تم تأخير الوفاء به، فإنه ربما لا يحصل بسرعة في نظام المرافعات الحديثة، حيث إن إجراءات عملية التقاضي ربما تطول مما يجعل الخسارة التي يتحملها الدائنون المتشاكون تزداد أبعادها وحدودها وجسامتها بمرور الزمن، فيتسبب عن ذلك وقوع اختلال في التزامات هؤلاء الدائنين أحياناً إزاء أشخاص آخرين أو شركات أخرى، مما يتسبب في وقوع إفلاسات أحياناً.
معنى المماطلة في أداء الدين:
المماطلة مشتقة من مادة مطل، فيقال: إن الرجل مطل فلاناً حقه، بمعنى أنه أجل موعد الوفاء به مرة بعد أخرى، وجاء في الحديث "مطل الغني ظلم (1). وهناك كلمة أخرى وردت في الشريعة بهذا المعنى أيضاً، وهو اللي، جاء في الحديث: "لي" الواجد يحل عرضه وعقوبته (۲) بفتح اللام وتشديد الياء، بمعنى مطله، وأصل اللي: اللوي، فأدغمت الواو في الياء، يقال: لواه بدينه يلويه لياً، والواجد الموسر.
طرق التخلص من مشكلة آثار المماطلة
والسؤال الأساس هنا: هل ثمة طرق مشروعة للتخلص من مشكلة المماطلة وانعكاساتها، سيما على المؤسسات والشركات ؟
الجواب أن هناك طرقاً ثلاثة في هذا المجال:
- تغريم المماطل.
- إلزام المماطل بالقرض التعويضي.
- بيع الدين بالدين.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م :
۱۹۸
المماطلة في أداء الدين
وفيما يلي دراسة فقهية استدلالية حول كل منها:
الطريق الأول: تغريم المماطل
يدور البحث في هذه المسألة حول سؤالين، هما:
.. هل يجوز تعويض الدائن عن ضرره في صورة وقوع المماطلة؟
.. هل يجوز دفع المدين الموسر المماطل عن إقدامه على المماطلة؟
فيما يلي البحث عن كل من السؤالين:
هل يجوز تعويض الدائن عن ضرره في صورة وقوع المماطلة؟
وهذا البحث هو ما قد يطرح تحت عناوين أخرى، مثل عنوان "غرامة التأخير" و"التعويض عن أضرار التأخير" و"العقوبة التاديبية" و"تعويض الربحية طيلة
فترة تأخير الدين ... وتنحل هذه المسألة إلى مسائل أربع، وهي:
أ- الضرر المتمثل في عدم الحصول على الربح.
ب - الضرر المتمثل في عدم الانتفاع بما هو متعلق حقه.
ج - ج. الضرر المتمثل في دفع أموال في سبيل استخلاص حقه.
د د. الضرر المتمثل في جوانب معنوية، مثل ما يتكبده من الحزن أو الوقوع في خلاف المروءة بالرجوع إلى المحكمة، واللجوء إلى
المخاصمة والمرافعة.
وإليك هذه المسائل الواحدة بعد الأخرى:
المسألة الأولى: الضرر المتمثل في عدم الحصول على الربح
وهذا الربح الذي لا يحصل عليه قد يكون من سنخ الفرصة الضائعة، بمعنى أنه لو كان المدين قد أعطاه المال في وقته المحدد لكان يتكسب به ويحصل على الربح، فضاعت منه هذه الفرصة، أو من سنخ الربح الحاصل عن تغير قيمة
۱۹۹
دراسات مقارنة
العملة. ومثاله ما لو وقعت معاملة باع فيها رجل بيته نسية من آخر بقيمة خاصة إلى شهر بمرابحة هي العشر، ولكن المشتري لم يؤد الدين في موعده بل ماطل في أدائه خلال خمسة شهور مثلاً، وكانت المماطلة هذه بحيث إنه لو لم تكن، لكان البائع يربح في كل شهر من هذه الشهور الأربعة عبر الاستفادة من ثمنه أي: ذلك الذي لم يسدد - نفس تلك المرابحة، أي: العشر.
والسؤال هنا: هل للدائن - أي البائع - المطالبة بتعويضه عن كل هذه المرابحات المتوقع تحققها في خلال هذه الشهور الأربع؟
والجواب: أن القوانين الوضعية تبنت التعويض المالي عن مثل هذه الأضرار المترتبة على التأخير في أداء الديون، أما الفقه فقد وضعهذه المسألة على طاولة البحث، وجعلها محل نقاش جدي، فتحصلت فيها أقوال:
القول الأول: يجوز تغريم المدين الموسر المماطل بعنوان كونه تعويضاً للدائن عن الضرر الذي أصابه إثر مماطلة المدين بالقدر المساوي للضرر الواقع دون اتفاق مسبق بين الدائن والمدين على التقدير للضرر، ولا بد أن يكون هذا التغريم حاصلاً من قبل القضاء.
وهذا الرأي القائل بالتغريم للأستاذ مصطفى الزرقاء، وهو كما معلوم يتضمن ثلاثة عناصر، وهي: كونه تعويضاً عن الضرر الذي تحمله، وعدم كون هذا التعويض مما حصل باتفاق منهما سابقاً، ولزوم كون التغريم حاصلاً من قبل السلطة القضائية. وأما العنصر الأول (أي: ضرورة وجود التعويض عن الضرر) فذكر في وجهه أمرين، هما:
الأول: عدم وجود ما يتنافى مع التعويض: يقول في ذلك: "مبدأ تعويض الدائن عن ضرره نتيجة لمماطلة المدين وتأخير وفاء الدين في موعده مبدأ مقبول فقهياً، ولا يوجد في نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها العامة ما يتنافى معه . )لله
الفقه المقارن - العددان (۳۲) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
٢٠٠
المماطلة في أداء الدين
وفيه: أن المقصود من عدم التنافي لو كان عدم وجود ما ينفي ضمانه، فالجواب أن اعتبار المماطل ضامناً، حكم بحاجة إثباته إلى وجود دليل شرعي يدل عليه، ولا يكفي عدم ما ينفي الضمان، ولو كان المقصود من عدم التنافي كون المبادئ الشرعية مما يوافقه، فالجواب أن ذلك راجع إلى وجهه الثاني الذي هو عبارة عن وجود ما يثبته ويؤيده في الشرع، وعليه فلا بد أن نرى قوة الوجه الثاني.
والثاني: وجود ما يؤيده ويثبت ضرورة التعويض: يقول في ذلك: "بل بالعكس يوجد ما يؤيده ويوجبه واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأنه لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئاً مماثلاً يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب "(4).
ثم ذكر دليلين على ضرورة التعويض، وهما:
أ. قاعدة الضرر يزال بضميمة أن يقال: ولا إزالة له إلا بالتعويض، ومعاقبة المماطل وحدها دون تعويض لا تفيد الدائن المضرور.
وجواب ذلك أن هذه القاعدة ليست نصاً شرعياً، نعم هناك نص معروف وهو لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، وعليه فلا بد أن نقف على مدلول هذا النص الشرعي؟ وهل أنه يدل على هذه القاعدة، أي: الضرر يزال"؟ سوف يأتي البحث لاحقاً.
ب المماطل بحكم الغاصب، والغاصب ضامن وتوضيحه: أن تأخير أداء الدين يشبه الغصب للمال، فحكمه حكمه، والذي هو ضمان منافع المغصوب مدة الغصب، وضمان قيمة المغصوب فيما لو هلك.
وهذا الدليل يستقيم على فرض ولا يستقيم على فرض، فبحسب ما تبناه جمهور أهل السنة من حجية القياس، يكون في محله، وأما حسب ما تبناه الإمامية والبعض الآخر من عدم حجية القياس فلا يستقيم الدليل.
دراسات مقارنة
ومنافع المغصوب في موضوعنا هي ما كان يجنيه الدائن من ربح في أدنى الحدود المعتادة، لأنه قبض دينه في ميعاده، واستثمره بالطرق المشروعة الحلال.
ولتقدير الضرر بمقدار الربح الفائت قد أعطى هذا الرأي معياراً وهو أن ينطلق القاضي من الرجوع إلى رأي أهل الخبرة للحصول على ما هو أدنى حدود الربح المعتاد في التجارة.
قال الزرقاء: "مبدأ تعويض الدائن عن ضرره نتيجة لمماطلة المدين وتأخير وفاء الدين في موعده مبدأ مقبول فقهياً، ولا يوجد في نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها العامة ما يتنافى معه، بل بالعكس يوجد ما يؤيده ويوجبه واستحقاق هذا التعويض على المدين مشروط بأنه لا يكون له معذرة شرعية في هذا التأخير، بل يكون مليئاً مماطلاً يستحق الوصف بأنه ظالم كالغاصب (٥).
وأما العنصر الثاني، أي: عدم كون التعويض مما حصل باتفاق منهما سابقاً، فوجهه هو أن التعويض وإن كان مشروعاً غير أنه يجب أن لا يتخذ هذا التعويض ذريعة إلى الربا، ولو حصل بينهما الاتفاق المسبق على التقدير، فهو بذلك يدخل في مصاديق الربا.
وعليه فإن القائل بهذا الرأي عند ما يتمسك بالقاعدة الفقهية القائلة بـ"الضرر يزال"، ويرى أن لها الدلالة على لزوم التعويض عن ضرر المماطلة، فإنه لا يعتقد بأن القاعدة تدلّ على التعويض بصورة مطلقة، بل تدل على أن التعويض عن ضرر
المماطلة ضرورريفيما لو لم يتخذ التعويض ذريعة إلى الربا، فلو اتخذ كذلك فهو محرم، ومن هنا تبنى هذا الرأي ما اعتبرناه عنصراً ثالثاً وسيأتي البحث عنه من أنه يجب أن يعاد الأمر إلى القضاء للتحقق من عدم وجود عذر مشروع في التأخير، ثم لتقدير التعويض؛ يقول الزرقاء: لذلك لا يجوز في نظري إذا أقرت فكرة التعويض عن ضرر التأخير، أن يحدد هذا التعويض باتفاق مسبق، بل يجب أن
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣ م .
٢٠٢
المماطلة في أداء الدين
يناط تقدير التعويض بالقضاء .
ويمكن القول بأن هذا الدليل (أي: صيروة التعويض من الربا فيما إذا اتفقا عليه) مخدوش بما سيأتي من أن التعويض مشروع فيما إذا تم الاتفاق عليه كشرط في العقد.
وأما العنصر الثالث، أي: لزوم كون التغريم حاصلاً من قبل السلطة القضائية) فوجهه: أنه ينوط حسم القضية على النظر في أن أصل التعويض هل هو ثابت أم لا؟ وفي أن الغرامة ما هو مقدارها، وكلا الأمرين موكول أمرهما إلى الحكم القضائي. والمحكمة لإثبات أصل التعويض لابد أن ترى جهات ثلاث:
الأولى: تقدير عذر المدين.
الثانية: تقدير ضرر الدائن
الثالثة: تقدير التعويض.
القول الثاني: نفس القول الأول مع اختلاف، وهو أن التغريم إنما يتم من باب التعزير لا التعويض، وعليه فالمقدار ليس من اللازم أن يكون مساوياً للضرر الحقيقي الفعلي، أو الربح الفائت. وهذا هو رأي بعض علماء أهل السنة المعاصرين، وهو الشيخ عبد الله بن منيع، الذي يقول: "إنني أرى أن العقوبة المالية تعزيرية وليست تعويضاً.
والعناصر الموجودة في هذا القول هيعبارة عن:
1. أن المماطل ضامن.
.. أن هذا التغريم تعزير.
أنه في الوقت الذي هو تعزير، يعد تعويضاً، ولكن على سبيل التبعية.
. انطلاقاً من تبعية التعويض، فانه لا يشترط تساوي ما يدفعه المماطل مع الضرر الحقيقي الفعلي أو الربح الفائت.
دراسات مقارنة
أما العنصر الأول، فذكر لذلك عدة وجوه:
(۷) منها: قول الرسول الأعظم (ص): "لي" الواجد بالدين يحل عرضه وعقوبته وهذا الحديث ورد في المجاميع الروائية لكل من الفريقين. ويمكن أن يقال في تقريبه: إن العقوبة هنا من التعزير، والتعزير لا ينحصر في الضرب والحبس، بل العقوبة المالية أيضاً من التعزير )، وبذلك يثبت المدعى. ولكنه يناقش:
أولاً: أن العقوبة الواردة في الحديث - حسب فهم الفقهاء لها - إنما هي للضغط على المدين المماطل لكي يندفع نحو أداء دين الدائن، وليست بمعنى العقوبة بنحو مطلق (أي: وحتى فيما لو أدى دينه، ومن هنا رأى البعض رعاية التدرج في العقوبة لكي يندفع في أداء الدين، يقول العلامة الحلي:
... أراد بالعقوبة الحبس و الملازمة، فإن لم ينزجر زاد في تعزيره بما يراه من ضرب وغيره )
وثانياً: أن المدعى هو حتمية وقطعية التغريم، مع أن الحديث يعطي حكم جواز وحلية عقوبته.
وثالثاً: أنه - كما يبدو من الحديث ليست العقوبة إلا لأصل مماطلته، ولا نظر للحديث إلى الخسائر التي تتوجه إلى الدائن من حيث الربح، مع أن المدعى هو إثبات العقوبة في قبال ذلك. اللهم إلا أن يقال: إن المستدل لا يريد من الحديث إلا إثبات أصل العقوبة، أما كون الغرامة تعويضية، فله وجهه، وسيأتي.
ومنها: قوله (ص): "مطل الغني ظلم : ذلك بتقريب أن يقال: إن هذا الظلم ظلم مالي، والظلم المالي يلازمه الضمان، وهذا نفس المدعى الذي نريد إثباته.
وفيه: أنه لا شك أنه ظلم مالي، غير أن إثبات كون الحديث ناظراً إلى أكثر من الظلم المتجسد في عدم وصول أصل حق الدائن إليه (بمعنى أن لهذا الحديث نظراً أيضاً إلى الخسائر التي يتحمله الدائن بسبب عدم كون المال بيده) فهذا أول الكلام.
- الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م -
٢٠٤
المماطلة في أداء الدين
أما العنصر الثاني (أي: أن التغريم تعزير فوجهه بتقريب منا: أن الحديث الأول الي الواجد يحل عرضه وعقوبته كما يستدل به لإثبات ضمان المدين المماطل عبر القول بأن العقوبة ليست فقط في قبال أصل المماطلة حتى يلبس لباس مجرد العقوبة، بل يكون في قبال الخسارة التي تحملها الدائن أيضاً، وعليه فمثل هذه العقوبة تتضمن الضمان فكذلك يستدل به لإثبات أن ما يكون ضامناً له عقوبة تعزيرية، ذلك حسب تعبير الرواية بأنها عقوبة.
وفيه: صحيح أن ما يدفعه عقوبة، غير أن هذه العقوبة ليست من باب الضمان، وذلك لما قلناه في رد العنصر الأول، فالقول بكون ما هو التعزير، هو ما يكون تعويضاً بالضبط، مما لا يمكن قبوله.
وأما العنصر الثالث (أي: كون التعويضية على سبيل التبعية): فوجهه
حسب ما قاله - بتصرف منا أن هناك أمرين يوصلان إلى كونها تبعية، وهما: أ) أننا إذا اعتبرنا ما يأخذه الدائن من المدين تعويضاً فقط، فهذا الاعتبار يحيل الأمر من حل إلى تحريم.ب) أنه إذا اجتمعت التعزيرية والتعويضية، فلا محيص عن أن يجعله
تكون التعويضية تبعية، ذلك أنه لو عملنا العكس أي اعتبرنا التعويضية أصلاً، فهو من الربا، فللخروج عن حالة الربا لا يبقى طريق إلا جعلها تبعية.
ويلاحظفيه ما سيأتي من أن التعويضية هذه لا تعد من الربا.
أما العنصر الرابع (أي: عدم اشتراط تساوي ما يدفعه المماطل مع الضرر الحقيقي الفعلي أو الربح الفائت فوجهه أن ذلك هو معزى ومحتوى التبعية المدعاة، بمعنى أننا إن اعتبرنا ما يغرمه المدين من مال لقاء مطله عقوبة ليس لها ارتباط ولا علاقة بحجم الضرر الواقع على الدائن من المطل، وإنما تكييفها وتقديرها راجع إلى ما يوجب الردع والزجر، فهذا الاعتبار صحيح.
ويناقش فيه أننا إذا قبلنا أن لهذه التعويضية أصالة واعتبار جدي - كما أثبتنا
٢٠٥
دراسات مقارنة
ذلك في رد العنصر الثالث - فمعنى هذه الأصالة هو لزوم كون الغرامة التي تدفع إليه بالقدر الذي للضرر.
خلاصة البحث حول هذا القول:
خلاصة ما حصلنا عليه بالنسبة إلى هذا القول أنه يحاول الجمع بين التعويضية والتعزيرية عبر اعتبار أمرين اثنين في وقت واحد، وهما: لزوم دفع الغرامة العقوبية إلى الدائن المتضرر، ولزوم التجنب عن أن نقيم ارتباطاً وعلاقة بين هذه الغرامة مع حجم الضرر.
والنتيجة لما ذكرناه حول هذا القول أنه لا يمكن قبوله، لما اتضح من أنه محاولة تبرعية واضحة للجمع بين رعايتين رعاية عدم الوقوع في مشكلة الربا، ورعاية عدم إبقاء الضرر الواقع على الدائن على حاله، وهذه المحاولة كما قلنا تبرعية لا دليل عليها، حيث إن هذا التعويض التبعي الضعيف الذي تبنته هذه المحاولة، مصنوع لنا ولا يعكس أصلاً ما هو نظر الشارع، وأما الذي اعتمد عليه هذا القول من الروايات، فإنه لو قبلنا أن لها دلالة على التعويض، فإن التعويض الذي يدل عليه هو تعويض جدي وأصلي وليس هو هذا التعويض الضعيف التبعي الذي تبناه هذه القول.
هي: القول الثالث: القول بعقوبة متمثلة في التعويض عن الضرر غير المألوف: وهذا القول للدكتور شعبان من علماء أهل السنة وهو يتضمن عناصر عدة،
أولاً: جواز عقوبة المماطل بالتعويض عن الضرر: وقد استند لإثبات ذلك بالحديث لي الواجد يحل عرضه وعقوبته بأن يقال: إن كلمة العقوبة الواردة في الحديث مطلقة، وهي بإطلاقها تتناول الحبس وغيره من كل ما يؤدي إلى زجر المتلاعبين بالالتزامات، وعليه يجوز عقابه بإلزامه بتعويض الدائن عن الضرر الذي يلحقه.
٢٠٦
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م -
المماطلة في أداء الدين
ثانياً: عدم جواز تعويض الدائن عن الربح الفائت بالتأخير: وقد حاول إثبات ذلك بالقول بأنه لا يجوز التعويض عن مجرد حرمان الدائن من ربح مبلغ من المال كان يستثمره، كما يستثمر الناس أموالهم عادة، لأن الربح الذي يفوت الدائن غير مؤكد الحصول، فقد يربح الدائن من الدين الذي يستوفيه في حينه، وقد لا يربح بل قد يخسر، كما هو الشأن في التجارة المشروعة، كما أن إباحة التعويض عن الربح الفائت قد يؤدي إلى الربا.
ثم قال: "لا يصح قياس المدين الموسر المماطل على غاصب الأعيان المادية لأن منافع هذه الأعيان أموال متقومة في ذاتها، بينما منافع النقود غير متقومة بلا خلاف بين العلماء، ولا يحل أخذ شيء في مقابل حيازة النقود وبقائها عند من يأخذها مدة من الزمان حتى ولو انتفع بها، وكسب من وراء ذلك المال الكثير.
ثالثاً: جواز التعويض على الضرر غير المألوف غير العادي الذي له صفة الاستثناء: وهذا التعويض له مصاديق، ومن جملتها:
أ- أن يكون الدائن قد اعتمد على أن المدين في موعد استحقاقه، فارتبط بناء على ذلك بصفقة يلتزم فيها بمبلغ يستحق في موعد استحقاق الدين الذي له أو بعده بقليل، وبسبب عدم وفاء مدينه، وعدم وفائه بما عليه تبعاً لذلك، فسخ العقد وحكم عليه بالتعويض.
ب أن يكون الدائن قد اعتمد على المبلغ الذي لم يف به المدين ليفي به ديناً عليه، ولما تأخر المدين تأخر الدائن في الوفاء بما عليه، وترتب على ذلك الحجز على منزله وبيعه جبراً.
الحق في المسألة:
بعد ذكر الأقوال الثلاثة المشار إليها يبدو أن الصحيح أن يقال: إن أخذ الغرامة للتعويض عن الخسائر لتأخير الدين، يجوز في صورتين: 1. ما إذا تم اشتراط دفعها
دراسات مقارنة
ضمن العقد.ب. ما إذا لبست هذه الغرامة لباس العقوبة القضائية في صورة ما إذا لم يتم ضمن العقد اشتراطها.
أما الصورة الأولى: فوجه الجواز فيها أن يقال: لا شك في أنه ينطبق – بصورة مبدئية - ما كان رائجاً في الجاهلية من الربا، والذي كان يبرز في قول الدائن المدينه عند ما كان يأتي وقت أداء دينه: "تقضي أو تربي" على ما قد يتفق في بعض المعاملات الحديثة من أخذ الزيادة من قبل الدائنين في مورد تأخير المدينين ديونهم، غير أن السؤال أنه: هل يمكن ويجوز شرعاً، جعل الزيادة كشرط ضمن العقد، بمعنى اشتراط دفع المدين مبلغاً معيناً في صورة تأخيره لأداء الدين في وقته المحدد"؟
قد يقال: هذا بالضبط هو ذلك الذي كان يعمل به الناس في الجاهلية من الربا.
ولكن أمكن رد ذلك عبر التركيز على وجود أكثر من فرق بينهما، والفروق كالآتي:
أولاً: أن الذي كان في الجاهلية لم يكن يبرز كشرط ضمن العقد، بل مما كان يقوله الدائن عند حلول وقت الدين.
قد يبدو أن هذه المحاولة قابلة للرد عبر القول بأن الشرط لا بد وأن يكون مما لم يكن مخالفاً للكتاب والسنة، فإذا قبلنا تحريم الشارع لما كان لدى الجاهلية من هكذا رباً، فلا يمكننا اشتراطه ضمن العقد، ولكن الحقيقة أن ما كان محرماً هو ما كان من مكوناته عنصر التركيز على الربا عند حلول وقت الدين" فإذا جعلناه ضمن العقد، فهو يفقد هذا العنصر، فلا يكون نفسه، وعليه فالذي يجعل شرطاً هو ليس ذلك الذي هو المحرم.
هذا، ولكن أمكن القول بأننا لو قبلنا أن هذا النوع من الربا كان رائجاً ومعمولاً
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م -
المماطلة في أداء الدين
به في الجاهلية، فمعناه أن كل استدانة تحصل آنذاك، كانت مقرونة منذ البداية بذهنية كون مسيرتها عند حلول وقتها هكذا، وكأن ذلك كشرط متفق عليه منذ البداية، وعليه فهو يعني أن الشرع كأنه قد حرم اشتراطه.
ويمكن أن يقال: إن جواز أخذ مبلغ إزاء ما يتحمله الدائن إثر تأخير إداء الدين على أساس تضمين شرط في العقد، ليس بنحو الإطلاق، بل إنما يكون ذلك فيما إذا كان الضرر فعلياً من جهة ومادياً من جهة أخرى، والذي يخرج بقيد كونه ضرراً مادياً، تلك الأضرار المعنوية والروحية التي تقع على الدائن بسبب تأخير أداء دينه، وأما قيد كونه ضرراً فعلياً فيخرج به ما إذا كان الضرر تقديرياً بمعنى أن المدين لو كان لم يماطل بل كان يدفع حق الدائن إليه، لكان هذا الدائن يدخل في معاملة على أساس هذا المال المدفوع إليه، ولكان يربح المنطق السوقي في الاسترباح - فضاعت عنه بسبب التأخير هذه الفرصة. حسب
ولو قبلنا هذا القيد فلازمه صحة الشرط المتوجه إلى الضرر الفعلي فقط، لا الضرر التقديري، بدليل أن الضرر التقديري موجود بصورة نوعية أو كثيرة في موارد المماطلة، فلو كان أخذ المبلغ إزاء هذا الضرر التقديري جائزاً في إطار اشتراطه لكان من اللازم منه أن لا يبقى للربا المحرم الرائج عند الجاهلية المتمثل في قولهم "تقضي أو تربي " مصداق إلا موارد قليلة أو تصبح مواردها غير غالبية على الأقل، وفيه ما لا يخفى. وعليه فيجوز اشتراط دفع المبلغ التعويضي إزاء الضرر الفعلي الذي أصاب الدائن، وليس لهذا الضرر الفعلي مصداق إلا ما مر مما سمي بالضرر غير المألوف وهو مثلاً الضرر الحاصل من فسخ العقد الذي كان للدائن بسبب عدم وفائه لدينه فيه، نتيجة لعدم وفاء مدينه المماطل بما كان عليه في موعده المحدد، سيما إذا كان دخوله في هذا العقد - الذي فسخه - ناشئاً وحاصلاً عن أخذه بالاعتبار للمال الذي كان من المقرر أن يصل إلى يده في موعده، فلما لم يصل إلى يده، لم يكن له بد من أن يفسخ العقد.
٢٠٠
دراسات مقارنة
وربما كان بالإمكان القول بأن هناك نوع ضرر آخر، هو وإن لم يكن فعلياً بهذا المعنى إلا أنه يمتاز عن الضرر التقديري، وهذا الضرر شبه الضرر الفعلي، ومثاله ما نجده في البنوك، من أن البنك - الذي اتفق مع العميل المدين على أن يدفع مبلغاً فيما إذا لم يدفع في موعده دينه - أصابه ضرر بسبب مماطلته، وهذا الضرر ليس تقديرياً بالمعنى الذي مر من جهة أن هذا البنك ربح بمثل هذا المبلغ في هذه الفترة بصورة فعلية، وحتماً لو كان المدين يدفعه في موعده لكان يربح البنك به قطعاً.
وعليه فالضرر الذي يتحمله الدائن على ثلاثة أقسام:
ا. ضرر فعلي حاصل من عدم دفع المبلغ في موعده كما في المثال الذي
ذكرناه
ضرر تقديري حاصل من عدم الحصول على الربح التقديري
ضرر فعلي حاصل على أساس الربح التقديري الذي كان حصوله قطعياً فيما لو كان المدين يدفع المال.
والذي لا يمكن إخراجه عن دائرة الربا الجاهلي هو الثاني فقط، أما الأول والثالث فهما غير مندرجين في ما كان يفعلونه في زمن الجاهلية.
وهناك ضرر آخر يمكن أن نحسب له حساباً وهو الضرر التقديري النوعي، بمعنى أنه لو كان المال يصل إلى يده لكان يتكسب ويربح - حسب ما يقع نوعاً ما - غير أنه لم يصل إليه، فبالإمكان التعبير عن ذلك بالضرر التقديري النوعي، وربما صح القول بأن هذا الفرض ملحق بالضرر شبه الفعلي.
أما الصورة الثانية: (أي: ما إذا لم يتم ضمن العقد اشتراطها ولبست الغرامة لباس العقوبة القضائية في صورة فالحق أن الحكم القضائي بعقوبته من قبل المحكمة بأن يعوض عن الضرر الواقع عليه، فلا إشكال فيه. وطبعاً يكون المقصود
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م
۲۱۰
المماطلة في أداء الدين
الضرر الفعلي والضرر شبه الفعلي والضرر التقديري النوعي على احتمال. هذا ولكن هناك سؤال، وهو هل يمكن الحكم الشرعي بضمانه لما يقع على الدائن في صورة وقوع الضرر الفعلي وصورة الضرر شبه الفعلي، أو الصورة الضرر التقديري النوعي لو قبلنا التوسعة إلى ما يشمل هذا الضرر أيضاً؟ الجواب: أن ذلك لا دليل عليه إلا إذا نتوسع في دائرة مدلول لا ضرر حتى أمكن إثبات الحكم المنتهي إلى نفي الضرر، ومثله صعب قبوله.
المسألة الثانية: الضرر المتمثل في عدم الانتفاع بما هو متعلق حقه
تنقسم هذه المسألة إلى قسمين:
ما إذا أوجب هذا الضرر، ضرراً مالياً آخر، مثل أن كان شديد الاحتياج إلى ماله الذي بيد المدين، فأجبر على اتخاذ تصميمات وتصرفات خلقت له مشاكل وأضراراً، كأن كان له مال أراده للاسترباح، فأجبر نتيجة للضغط الشديد الحاصل من المماطلة، أن يبدأ بكل هذا المال وصرفه في معيشته، فوقع في مشاكل إثر ذلك، فهذه الصورة صح أن يقال عنها أن مماطلة المدين سببت له هذا الوضع وهذا التضرر، وعليه أمكن السؤال عن تعويض المدين لضرره هذا.
والجواب: أن للتعويض عن مثل هذا الضرر صورتين
التعويض الشرعي: بمعنى أن يكون شرعاً ضامناً لما وقع عليه من ضرر، والحقيقة أن ذلك منتف؛ إذ ليس بأيدينا دليل يدل عليه، اللهم أن يقال: أليس العرف يرى أنه تضرر إثر المماطلة وبسببها ؟ أليس أن الإسلام لا ضرر ولا ضرار فيه؟ فعليه لا بد أن يدفع إلى الدائن ما يكون تعويضاً لما وقع عليه من الضرر، غير أن هذا متوقف على أن يكون تفسيركم للضرر غير ما عليه السلف وكذلك أكثر المعاصرين لو لا كلهم ، من أن الذي على عاتق لا ضرر نفي الحكم الضرر يفقط، لا إثبات الحكم النافي للضرر أيضاً.
۲۱۱
دراسات مقارنة
التعويض القضائي وتقريبه أن يقال: إن الحديث جوز عقوبته والعقوبة كما تتمثل في العقوبة الحبسية، تتمثل أيضاً في العقوبة المالية، وأفضل عقوبة مالية هي تغريمه، بأن يدفع إلى الدائن الذي وقع الظلم عليه ما يكون عوضاً عن ضرره.
لا يقال: كيف يعبر عن الدائن بالمظلوم ؟ فان مثل هذا التعبير مما يبالغ فيه!
يقال: إن الحديث النبوي هو الذي اعتبر أن المماطلة هي ظلم الي الواجد ظلم .... سيما أن المماطلة تسبب - كما في مثالنا - حدوث مشاكل ماليه للدائن.
المسألة الثالثة: الضرر المتمثل في دفع أموال في سبيل استخلاص حقه
الظاهر أن التعويض عن مثل هذا الضرر الذي يقوم الدائن في أغلب الأحيان بإيجاده لاستخلاص حقه، أي يتحقق بإرادة منه لا يجوز إلا من باب العقوبة التي تصدرها المحكمة والمحاولة التي قمنا بها لإثبات جواز التعويض عن الضرر الفعلي أو شبه الفعلي لا مجال لها هنا، لأن الحديث النبوي لا يشمل مثل هذا الضرر.
المسألة الرابعة: الضرر المتمثل في الجوانب المعنوية
التعويض المالي عن الضرر المعنوي والذي يعبر عنه بـ التعويض عن الأضرار غير المالية" فهو ما إذا لم يسبب الضرر المعنوي الحادث ضرراً مادياً، وتوجد فروض في حكم ذلك بعضها صارت أقوالاً لعلماء:
أ. لا يجوز التعويض ضماناً ومطالبة ومعاقبة.
ب لا يجوز التعويض ضماناً ومطالبة ولكن تجوز المعاقبة التعويضية.
ج. لا يجوز التعويض ضماناً، ولكن تجوز مطالبة التعويض.
د. هو ضامن لما وقع من ضرر معنوي عليه.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
۲۱۲
المماطلة في أداء الدين
والفرق بين التعويض عن ضمان والتعويض عن مطالبة هو أنه في الأول يكون عامل الإضرار ضامن، سواء وقعت مطالبة أم لم تقع، إلا إذا أبرء ذمته، بخلاف الثاني، فانه يعني أنه يجوز له أن يطالب التعويض شرعاً. وقد صدر عن مجمع الفقه الإسلامي قرار بعدم جواز التعويض، مما ظاهره الذهاب إلى الفرض الأول.
والوجوه التي أمكن الاستناد إليها لإثبات عدم جواز أخذ شيء كتعويض،
هي:
أولاً: أن الذهنية الفقهية تأبى عن قبول جواز أخذ المال على العرض (والذي هو ضرر معنوي) وأي ضرر معنوي آخر.
ثانياً: أن الضرر المعنوي لا يمكن تحديده وتقديره، فلا يمكن جبره وتداركه والتعويض إنما هو فيما إذا وقع ضرر امكن تقديره وتحديده لكي يحصل به جبر وتدارك، ومعلوم أن إعطاء المال إزاء الضرر المعنوي لا يرفع ولا يزيل هذا الضرر.
ويناقش الوجه الأول بأن هذه الذهنية لو كان المقصود منها عدم وجود سابقة لها في الفقه، فالإشكال عليه أنه قد ورد في الفقه بعض ما يعد كمصداق لأخذ شيء إزاء ما هو من قبيل الضرر المعنوي، مثل:
أ. ما جاء في الرواية من قول الإمام (ع): «إنما يكون القصاص من أجل (۱۰) الشين .
ب ما قاله الشيخ الطوسي في المبسوط
..... فإن حصل منها شين ففيها حكومة، وإن زال الشين بعد هذا رد الحكومة وإن لم يحصل شين فلا غرم، لأنه ما جرح ولا كسر عظما ولا أثر شيئاً (١١).
ولدراسة ذلك ينبغي ذكر بعض ما ورد في الأمور المعنوية المتعلقة بالمسلم، مما يعكس رؤية الإسلام في مثل الأمور، وهو ما يلي:
۲۱۳
دراسات مقارنة
1. التأكيد الشديد على حرمة عرض المؤمن؛ قال النبي (ص) : المؤمن حرام كله، عرضه وماله ودمه (۱۲)
إطلاق الظلم على ما له المساس بعرض الإنسان؛ جاء في الصحيفة السجادية: «فأيما عبد من عبيدك، أو إمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في نفسه أو في عرضه أو في ماله أو في أهله وولده ... (١٣).
جواز أو وجوب اليمين كذباً بهدف دفع الظلم المتوجه إلى عرض إنسان؛
يقول في الشرائع
..... ومع اليمين، لا إثم ولا كفارة، مثل أن يحلف ليدفع ظالما عن إنسان أو ماله أو عرضه (١٤).
. تحريم أمور للحفاظ على عرض المسلم، مثل الغيبة.
وعليه فإن الإسلام ليس فقط اهتم بالأمور المعنوية للإنسان، بل كان اهتمامه أكثر وأعظم إلى مثل هذه الأمور.
كل ذلك لا شك فيه، غير أن السؤال المطروح هنا: أن هذا الإسلام الذي له مثل هذا الاهتمام الكبير بالأمور المعنوية للإنسان، هل اعتبر فقهه لزوم التعويض عن الأضرار المتوجهة إلى المعنويات؟ الحقيقة أنه لا يشاهد ما يدل على ذلك، وما ذكرناه من الدية إزاء الشين الواقع على الإنسان فانما يمكن توجيهه بأنه من مصاديق إيقاع نقص في جسم الإنسان يوجب شيئاً له، فكأنه أمر مركب من ضرر مادي ومعنوي.
قد يقال: إنه لا شك أن الإسلام اعتبر لبعض الموارد من إيقاع الضرر على الأمور المعنوية، التعزير، ولا شك أن من أقسام التعزير التعزير بالمال، وعليه يثبت المدعى.
فإنه يقال: إن التعزير عقوبة، وأين هذا من التعويض المالي اللهم إلا أن يقال:
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳م :
٢١٤
المماطلة في أداء الدين
إنه ليس من اللازم إعطاء العقوبة المالية إلى بيت المال دائماً، بل بإمكان المحكمة الحكم بدفعها إلى المتضرر، وعليه فان الإسلام لم يترك هذا الأمر على حاله، بل ترك الأمر للحكم القضائي لكي يعالجه الحاكم بأي نحو يرى فيه المصلحة، ولكن هذا لو سلمنا به فهو غير التعويض المالي النابع عن ثبوت الضمان على الشخص عامل الضرر، والذي يتسم بسمة كونه تعويضاً يتم بشكل دائم.
هذا بالنسبة إلى الوجه الأول، وأما بالنسبة إلى الوجه الثاني، فالحقيقة أنه لا غبار عليه.
والنتيجة أن هذا الفرض الأول القائل بعدم جواز التعويض المالي مطلقاً (أي: ضماناً ومطالبة ومعاقبة في غير محله، حيث إنه لا يمكن رد إمكانية العقوبة المالية التي تكون في بعض مواردها شبه التعويض المالي، ومنه يعلم بطلان الفرض الرابع (القائل بضمان المدين للضرر الذي أوقعه على الدائن عبر مماطلته أيضاً.
يبقى الفرضان الثاني والثالث، أما الفرض الثاني القائل بجواز مطالبة المدين المتضرر بالضرر المعنوي للتعويض، فهو مما لا وجه له بل الدليل على خلافه حيث إن حق المطالبة فرع ثبوت الضمان، وهو غير ثابت كما قلنا، وعليه فيبقى الفرض الثالث.
وقبل أن ننتقل إلى مرحلة تطبيق النتائج التي حصلنا عليها في هذه المسألة (تغريم المدين الموسر) على ما يجري بين الشركات والمؤسسات وبين الأشخاص الذين يتعاملون معها ويصبحون مدينين أو دائنين لها، ينبغي الإشارة إلى أن المدين المماطل على نوعين:
1. المدين المماطل في عقد القرض وهو من استقرض على أن يؤدي الدين في وقت محدد، ولكنه يماطل ولا يؤديه في وقته.
٢١٥
دراسات مقارنة
المدين المماطل في عقد مؤجل وهو متعاقد من المتعاقدين لا يدفع العوض نقداً، بل في وقت استقبالي يتفقان عليه.
بعد ذلك نقول: إن الشرط الجزائي يتصور ويأتي في كلا النوعين، أما الأول فهو يتمثل في أن يشترط الدائن على المدين التعويض عن الضرر الحاصل من مماطلته لو وقعت منه، وأما الثاني فيتمثل في أن يتم الاتفاق في العقد على تسليم المبيع في تاريخ محدد، كما يتم الاتفاق على أن لو أخر البائع تسليمه في وقته، فعليه أن يعوض عن الضرر الحاصل من عدم تسليمه في وقته، أو يتم الاتفاق على أن يدفع المشتري الثمن في موعد محدد، وأنه لو لم يدفعه في ذلك الوقت، فعليه أن يعوض عن الضرر الحاصل عن عدم أدائه.
والسؤال هنا: أن ما قد يطرح كشبهة في مثل هذا الشرط وهو أنه يصير به من مصاديق الربا الجاهلي، هل يأتي في الأول فقط، أم يأتي في الثاني؟
الجواب: أن الذي كان يجري في الجاهلية ويسمي بالربا (والذي كان يقوم على أخذ مبلغ إزاء التأخير هو كان يجري في عقد القرض، وعليه فان العقود الأخرى، فلا ياتي مثل هذه الشبهة فيها فيما إذا تم فيها الشرط الجزائي.
غير أن الذي يجب الالتفات إليه هو أن الشرط الجزائي الذي يتم الاتفاق عليه في العقد يختلف، فقد يكون عبارة عن اشتراط التعويض عن الضرر الحاصل من التأخير، فانه حينئذ لا بد من ان يحصل ضرر فعلي حتى جاز اخذ المبلغ التعويضي، أو لا أقل من أن يكون الضرر شبه الضرر الفعلي بحيث اعتبر العرف أنه بحكم الضرر الفعلي. نعم لو اتفقا على دفع مبلغ معين في صورة التأخير من دون تقييده بصورة الضرر، فان له أن يأخذه بحكم الشرط الذي اتفقا عليه....
هذا كله في الشرط الجزائي، وأما أخذ المبلغ تعويضاً عن الضرر الحاصل من المماطلة من دون اتفاقهما على اشتراطه، فالشبهة المشار إليها في عقد القرض قوية أكثر منها في العقود الأخرى.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :
٢١٦
المماطلة في أداء الدين
وأما أخذ الدائن شيئاً على أساس الحكم القضائي (والذي قد يسمى بالتعويض القضائي) فالموردان فيه ذلك سواء، وقد قلنا: إن ذلك لا بأس به.
تطبيق النتائج على الشركات والمؤسسات:
إن الشركات والمؤسسات لا تخلو حالها في المقام عن وضعين
أ. كونها دائنة: هناك خصلتان للضرر التي تتحمله الشركات إثر المماطلة
التي تقع من جانب مدينيها - تجعلان النتائج الحاصلة من البحث، قابلة للتطبيق على هذه المماطلة الواقعة إزائها، تطبيقاً هو أكد وأقوى من تطبيقها في صورة ما إذا كانت المماطلة واقعة إزاء الدائنين العاديين غير الشركات والمؤسسات المالية) وهما:
1. كون الضرر الواقع عليها فعلياً أو شبه الفعلي في أكثر الأحيان.
٢. كون الضرر الواقع عليها جسيماً، وذلك لأمرين:
أولاً: بما أن الشركات والمؤسسات التي تدخل في عملية الاستدانة مع الأشخاص أو غيرها من الشركات والمؤسسات تبتني حياتها ونشاطاتها على كثرة إيقاع هذه التعاملات الواقعة بالاعتماد على عملية الاستدانة، وهذه الحياة تواجه خطراً فيما لو تكرر وقوع المماطلة إزائها.
ثانياً: إن أي ضعف يقع في الشركة ربما ينعكس سلباً على الوضعية الاقتصادية في المجتمع.
وعليه، فانه هنا يكون للقول بجواز الحكم القضائي بالتعويض عقوبة، وكذلك تبني ثبوت الحكم الشرعي بالتعويض في صورتي ما إذا كان في البين الشرط الجزائي وما إذا لم يكن هذا الشرط، مجال أكثر وتبريرات أقوى من القول بهذه الأحكام في غير هذه الموارد.
ب كونها مدينة نبحث عن تطبيقين
۲۱۷
دراسات مقارنة
1) التعويض القضائي: لو أمكن تغريم الشركة أو المؤسسة المماطلة، وأثرت هذه الطريقة في إبقائها على نشاطها لكان ذلك أنفع وأجدر من أن نسمح لكي يؤول أمرها إلى الحكم عليها بشهر الإفلاس، فان في تعطيل الشركات أضراراً فادحة على المجتمع، وهذا يملي علينا أنه يوجد للحكم القضائي على المؤسسة المالية المماطلة بالتعويض مبررات أقوى.
ب) التعويض الشرعي: يبدو أن القول بثبوت الحكم الشرعي بالتعويض في صورتي الشرط الجزائي وعدمه، لا يختلف وضعه عنه في فرض كون المدينين أشخاصاً عاديين.
الطريق الثاني: القرض التعويضي
من الطرق التي قد تسلك للحفاظ على حياة الشركات الاقتصادية إزاء مشكلة المماطلة في أداء الديون هو ما قد يسمى بالقرض التعويضي، والمقصود منه أن يجبر المدين الموسر المماطل بعد استيفاء الدين منه، على أن يقدم إلى الدائن الذي تضرر من المماطلة، قرضاً معادلاً لمقدار الدين الذي كان قد ماطل فيه لمدة هي تماثل مدة المماطلة، ومثل هذا القرض التعويضي يعد معاوضة عن الأجل الذي فات عن الدائن بسبب المماطلة، بمعنى أنه ينتفع بمثل المال إلي الأجل نفسه.
والسؤال هنا: هل هذا شرعي أم هو معاوضة محرمة؟
ولكي ندرس ذلك دراسة فقهية، ننتقل إلى ما طرح في الفقه من مسألة أنه هل يجوز إقراضه بشرط أن يعطيه قرضاً؟ فنقول: هناك ثلاثة أقوال في هذه المسألة:
القول الأول: أنه لا يجوز، ووجهه أنه زيادة منفعة للمقرض، وقد نهى الشارع عنها. وقد رأى في جامع المقاصد أن هذا - أي: عدم الجواز - يحتمل من جهة تحقق زيادة المنفعة، غير أنه احتمال ضعيف.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) المسنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م -
۲۱۸
المماطلة في أداء الدين
القول الثاني: أنه يجوز، والقائلون بذلك انطلقوا إلى هذا التصحيح والتجويز
بطريقين:
الأول: اعتبار الزيادة هنا خارجة عن الزيادة في مال القرض، وتوضيح ذلك:
أن الزيادة على قسمين قسم هو زيادة تحصل في مال القرض، وهذه هي المحرمة، وقسم هو زيادة تعد شرطاً خارجاً عن القرض، بمعنى أن هذا القرض الثاني لو وقع، لا يصدق أن به تمت زيادة في المال الذي أقرضه، وعليه فإنها وإن كانت زيادة في الواقع، غير أن شرطها يعد خارجاً عن القرض، ولم ينه عنها الشرع، وإنما النهي توجه إلى الزيادة في مال القرض وهذا هو رأي العلامة الحلي والمحقق الكركي وجملة أخرى.
الثاني: اعتباره وعداً غير لازم، وتوضيحه أن مثل هذا الشرط لا يعدو عن كونه وعداً يعده من دون أن كان يلزمه، فلا بأس به.
قال العلامة الحلي: "لو أقرضه شيئا بشرط أن يقرضه مالاً آخر صح، ولم يلزمه ما شرط، بل هو وعد وعده (١٥).
وقال الرافعي: "لو أقرضه بشرط أن يقرضه مالاً آخر صح، ولم يلزمه ما شرط، بل هو وعد وعده (١٦)
القول الثالث: التفصيل بين ما إذا تم شرط الإقراض من باب كونه تبرعا وبين ما لم يتم من هذا الباب وهذا قول من حصر جوازه بما إذا قيد بأن يكون ذلك لمحض الإحسان، لا لخوف ونحوه يحصل بالقرض مصلحة ونفع للمقرض. الحق في المسألة:
يبدو أن القول الثالث هو الصحيح، ولإثباته نذكر عدة نقاط:
الأولى: أن اشتراط القرض ضمن عقد القرض، ليس شرطاً على غرار الشروط التي يأتى بها ضمن العقود، ذلك بسبب أن القرض يكون بطبيعته بحيث
۲۱۹
دراسات مقارنة
يحمل على الإحسان حتى لو برز في لباس الشرط، ومن هنا يفهم قول الذين قالوا بأن شرط القرض ليس وعداً يعده لا أكثر.
الثانية: صحيح أن القرض يكون ذا جنبة إحسانية، وأنه لا يفقد هذه الجانب حتى فيما لو وقع شرطاً، غير أنه برغم ذلك عندما يقع شرطاً ربما يسوده حالة شبه إلزام إما من أثر الخوف الذي يحصل في المدين، وإما من حصول ظروف خاصة تجعل المدين يحس بكونه مواجهاً لشبه إجبار وإلزام على أن يقرض ذلك الدائن الذي أقرضه واشترط عليه هذا القرض.
الثالثة: أنه لما كان كل شرط يؤول أمره إلى تحقق نفع للمقرض، مصداقاً لعنوان «جر النفع»، فإنه لو كان شرط القرض رغم طبيعته الإحسانية، منتهياً بالمدين إلى أن أحس بنوع إجبار وإلزام في العمل بهذا الشرط، فإنه لا يكون مثل هذا الشرط جائزاً إلا فيما قيد بأنه مجرد إحسان وتبرع.
الطريق الثالث: بيع الدين بالدين
وله صور، وقبل ذكر هذه الصور وربطها بقضية حماية المؤسسات المالية من مشكلة المماطلة في أداء الدين، ينبغي البحث عن مسألة بيع الكالي بالكالي، وتبني رؤية فقهية فيها، لكي ننطلق منها إلى البحث عن مسألة بيع الدين بالدين.
فنقول: إنه - كما في المكاسب للشيخ الأنصاري - ينقسم البيع إلى أربعة أقسام: ١- بيع الحاضر بالحاضر، وهو النقد. - بيع المؤجل بالمؤجل، وهو بيع الكالي بالكالي. - بيع الحاضر بالثمن المؤجل، وهي النسية. ٤- بيع المؤجل بالحاضر، وهو السلم.
والدليل على حرمة هذا البيع رواية نبوية رويت من طريق أهل السنة منعت عن بيع الكالي بالكالي، وهذه الرواية تلقاها فقهاء الإمامية بالقبول وعملوا بها، كما أفاد صاحب الجواهر.
الفقه المقارن - العددان (٣٢) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م .
٢٢٠
المماطلة في أداء الدين
وقد فسر هذا البيع ببيع الدين بالدين، غير أنه جرى البحث: هل أن عنوان بيع الدين بالدين، يتحقق فقط فيما إذا كان العوضان ديناً معاً قبل المعاوضة، أو يصدق ۱۷ أيضاً على ما كانا كذلك بعد المعاوضة؟ فذهب جمع - ومنهم الشهيد الثاني " إلى أنه لا يتحقق إلا إذا كان العوضان معاً ديناً قبل المعاوضة، كما لو باعه الدين الذي في ذمته بدين آخر له في ذمته، أوفي ذمة ثالث، أو تبايعا ديناً في ذمة غريم لأحدهما بدين في ذمة آخر غريم للآخر، ونحو ذلك، لاقتضاء الباء كون الدين نفسه عوضاً.
ينبغي البحث عن جوانب ثلاثة:
الجانب الأول: هل الدين عنوان يكون المقصود من مفهومه هو المؤجل فقط أو يكون لهذا العنوان شمول يصدق على الدين الذي حل أجله أيضاً؟ والثمرة تظهر في أنه لو قلنا بالشمولية المفهومية له، فبيع الدين الذي حل، بمثله، أي: بمضمون حال، يكون غير مجاز حسب الرواية القائلة بأنه "لا يباع الدين بالدين" انطلاقاً من التمسك بعمومها، بينما لو قلنا بعدم الشمولية، فلا يبقى للقول بمثل هذا البيع دليل يحرمه، فترجع إلى عمومات حلية البيع.
والذي عليه الأكثرية من اللغويين هو أن اسم الدين مختص بالمؤجل، غير أنه يبدو من المصباح صدقه على الحال أيضاً (١٨).
أما بالنسبة إلى رأي الفقهاء حول مسألة بيع الدين بعد حلوله بمثله" فالحقيقة أنهم انقسموا إلى قسمين، فأكثرهم ذهبوا إلى أنه لا يصدق على مثل ذلك بيع الدين بالدين المنهي عنه.
قال المحقق الكركي: "ولو باع الدين بمضمون حال جاز، إذ لا يعد دينا، والظاهر أنه يصح ذلك (١٩).
وقال الشهيد الثاني: "وإن باعه بمضمون حال صح (٢٠).
۲۲۱
دراسات مقارنة
وقال المحقق السبزواري: "لا إشكال فيه، لأنه ليس بيع الدين بالدين ولا بيع الكالي بالكاليء، لأن الظاهر أن المراد به بيع المضمون المؤجل بمثله (٢١).
وقد يقال: إن وجه القول بجوازه ليس عدم صدق عنوان الدين على المضمون الحال، حيث إن ذلك محل شك وترديد، بل الوجه هو أنه لما رأينا أن الصدق مشكوكاً فيه، يجب علينا أن نقتصر في المنع عن بيع الدين بالدين، والذي هو المخالف للأصل على القدر المتيقن وهو غير بيع المضمون الحال بمثله، ذلك أن الدليل الأصلي على الحرمة هو الإجماع وهو الدليل اللبي، لو لم نقل بأن هذا مفروض المسألة خارج عن معقد الإجماع من الرأس لا أننا نشك في شمول معقده له فنخرجه من القدر المتيقن.
ويشاهد إلى جانب هذه الأكثرية صاحب الرياض، حيث إنه ذهب إلى المنع عن هذا البيع، قال: "لا يبعد أن يكون المراد من اعتبار الأجل فيه اعتباره حين ثبوته، بمعنى أن الدين ما يضرب فيه الأجل أول مرة، ولا ينافيه خلوه عنه في ثاني الحال، ولذا أن الأصحاب يطلقون على الدين بعد حلول أجله لفظه إطلاقاً حقيقياً، وهو المتداول عرفاً، ولا يصلح السلب عنه فيه حينئذ جداً، وكيف كان، فالمنع أقوى. ويحتمل أن يراد بالمضمون الحال في العبارة وغيرها هو المعنى الثاني. ولعله الظاهر، فلا خلاف فيه (٢٢). (۲۲)
والصحيح هو القول بالجواز، ذلك بلحاظ كون الدين معناه الحقيقي هو ما كان مؤجلاً كما عن الأكثرية للغويين، أما الذي قد يشاهد من العرف إطلاقه على الحال، فهو يبدو أنه استعمال من باب التجوز، وحتى لو لم نقبل ذلك، فانه بالإمكان أن نقول: هناك استعمالان عرفيان للدين أحدهما خاص والآخر عام، والشارع عندما نهى عن بيع الدين بالدين كان قد انصرف كلامه إلى ما فيه التأجيل.
الجانب الثاني: هل عنوان "بيع الدين بالدين" يصدق فقط على بيع دين ثبت
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
۲۲۲
المماطلة في أداء الدين
قبل البيع، أو يشمل ما إذا يصير المبيع ديناً بعد البيع أيضاً؟ وقع الخلاف بين الفقهاء وظهر قولان:
القول الأول: اختصاصه بما ثبت كونه ديناً قبل البيع، وهو قول الكثير من الفقهاء (٢٣)
قال الفاضل الآبي مشيراً إلى ما يصبح ديناً بعد البيع: "إنا لا نسلم أنه بيع الدين بالدين، بل إنه بيع يصير المبيع بعد وقوع البيع ديناً على البايع، وإنما بيع الدين بالدين هو أن يكون لإنسان دين في ذمة زيد مثلاً، ولآخر دين في ذمة عمرو، فيقول: بعتك مالي على ذمة زيد بمالك على ذمة عمرو ويقبل هو (٢٤).
وقال الشهيد الثاني: "والحق أن اسم بيع الدين بالدين لا يتحقق إلا إذا كان العوضان معا ديناً قبل المعاوضة، كما لو باعه الدين الذي في ذمته بدين آخر له في ذمته، وفي ذمة ثالث، أو تبايعا دينا في ذمة غريم لأحدهما بدين في ذمة آخر غريم للآخر، ونحو ذلك (٢٥).
وجه هذا القول:
أولاً: لمكان الباء: قال الشهيد الثاني مستدلاً لإثبات هذا القول: "لاقتضاء الباء كون الدين نفسه عوضاً، والمضمون الذي لم يكن ثابتاً في الذمة قبل ذلك لا يعد جعله عوضا بيع دين بدين (LA)
ثانياً: التبادر: قال المحقق الأردبيلي: "أنه المتبادر من قوله: بيع الدين بالدين والكالئ بالكالي، إذ يفهم ظاهر تقدم الوصف على العقد (٢٧).
القول الثاني: صدقه على ما يصير ديناً بعد البيع، بمعنى أن عنوان بيع الدين بالدين يصدق أيضاً مع تحقق الدين بعد العقد، كأن يتعلق البيع بمتاع وثمن مؤجلين.
هذا القول ما قد يبدو من صاحب الحدائق واعتبره هو المشهور، قال: "ان
۲۲۳
دراسات مقارنة
المشهور إطلاق الدين على ما يقع تأجيله في العقد، وقيل: وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني بأنه مخصوص بما كان كذلك قبل العقد، وأما ما يقع فيه التأجيل بالعقد (۲۸)
وقد يقال في توجيه كونه هو المشهور بأنه لم يجوز الأكثر إلا السلف أو النسيئة، وقالوا: "لا يجوز تأجيلهما، لأنه بيع الكالتبالكالي (٢٩).
ووجه هذا القول:
أولاً: أن عنوان الدين يطلق عرفاً على الدين الذي يتحقق بعد العقد أيضاً.
ومن هنا نجد في العرف قد يقال اشترى فلان كذا بالدين، ومقصودهم به أن الثمن في ذمته ولم يدفعه.
وقد أجاب عن ذلك الشهيد الثاني بقوله: "هو مجاز يريدون به أن الثمن بقي في ذمته دينا بعد البيع، ولولا ذلك لزم مثله في الحال، لاطلاقهم فيه ذلك (٣٠).
ثانياً : أن الركيزة التي استقرت في أذهان الفقهاء حول معنى ومفهوم الدين أنه هو ما يثبت في الذمة بأي سبب من الأسباب، سواء كان هذا السبب الاقتراض أم ما يقع في المعاملات من جعل ثمن أو مثمن في الذمة أو..... ولذلك نجد أنه كثيراً ما يستخدمون كلمة الذمة - والتي هي من الأدبيات المتعلقة بالدين - في السلم والنسية و.... أو نجدهم استخدموا كلمة الدائن والمديون في السلم والنسية أو أنهم اضافوا كلمة الدين إلى السلم، وقالوا بدين السلم، وأكثر من ذلك نجد البعض من الفقهاء قد عرفوا الدين بما يثبت لا فقط بالقرض، بل بأسباب أخرى أيضاً.
يقول يحيى بن سعيد الحلي في الجامع الشرائع: "الدين: ما ثبت في الذمة بقرض أو بيع أو إتلاف أو جناية أو نكاح أو خلع أو نفقة زوجة وبسبب جناية من يعقل عنه (٣١).
ونجد الإمام أبي حنيفة يرى أن الدين هو عبارة عن كل مال يتعلق بالذمة،
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳م
٢٢٤
المماطلة في أداء الدين
سواء كان ناشئاً من معاوضة أو إتلاف أو قرض، وهذا إن دل على شيء، فانما يدل على أن المفهوم الذي كان موجوداً في الأذهان من لفظة "الدين" آنذاك هو ذو دائرة واسعة.
وهذا التعريف ليس للقدماء بل نجد المعاصرين أيضاً يعرفونه بهذا التعريف يقول الإمام الخميني: "الدين" مال كلي ثابت في ذمة شخص لآخر بسبب من الأسباب، ويقال لمن اشتغلت ذمته به المديون والمدين، وللآخر الدائن والغريم وسببه إما الاقتراض أو أمور أخر اختيارية، كجعله مبيعا في السلم، أو ثمنا في النسيئة، أو أجرة في الإجارة، أو صداقا في النكاح، أو عوضا في الخلع وغير ذلك، أو قهرية كما في موارد الضمانات ونفقة الزوجة الدائمة ونحو ذلك (٣٢).
وهذا الارتكاز الفقهي ليس شيئاً أحدثته الظروف المدرسية الفقهية، حتى يقال: إن الحديث النبوي يحمل على ما كان لدى العرف من معنى، لا على المعنى الفقهي للدين، بل هذا المعنى المركوز في أذهان الفقهاء هو مما قد أخذ من الذي كان مطروحاً لدى العرف، والدليل على ذلك أمران:
أولاً: أن ذلك لا يختص بفقهاء السنة أو الشيعة فقط، بل يعم كليهما.
وثانياً: أن استعمال الدين في هذا المعنى الواسع ليس وارداً في مقام التعريف للدين فقط، بل الأهم من ذلك هو أن الدين ومشتقاته استعملت في المعنى الواسع في غير مقام التعريف أيضاً، ومثل هذه الاستعمالات غير التعريفية ليست مدرسية حتى يظن بها أنها تمت بعيدة عن أجواء العرف واتسمت بطابع المدرسة.
وإذا ثبت أنه مأخوذ من العرف، فيحمل الحديث على هذا المعنى الواسع.
الجانب الثالث: هل نهي النبي عن بيع الدين بالدين مختص بالبيع أو يعم أكثر من ذلك، فيشمل كل معاوضة دين بدين، ووجه الاختصاص هو الموضوع في الرواية وهو البيع، فتعميمه إلى غيره قياس وهو ممنوع، ووجه التعميم ما قاله السيد
٢٢٥
دراسات مقارنة
الخوئي - والذي قد ذهب إلى هذا التعميم - أن المنصرف منه هو النهي عن المعاوضة بالدين مطلقاً ومن غير اختصاص بعنوان البيع.
أمثلة معاوضة الدين بالدين غير البيع:
أ- إيقاع عقد الشركة على الديون وهو أن كان لكل من المتعاقدين دين على شخص، فأوقعا عقد الشركة على أن يكون كل من الدينين بينهما، فهو حقيقته عبارة عن تمليك كل منهما حصة مما له في ذمة مدينه
للآخر بإزاء تمليكه له حصة مما له في ذمة مدينه.
ب إيقاع الصلح على الديون وهو أن كان لكل من الشخصين دين على ذمة الآخر، فأوقعا الصلح على الدين بالدين.
ج - إيقاع الهبة المعوضة على الديون وهو أن يكون الواهب وهب ما له من دين على الآخر إلى شخص في قبال أن يكون له الدين الذي لذلك الشخص على مدينه.
ويوجد في هذه المسألة قول مشهور هو أن متعلق النهي أعم، وهذا قول السيد المحقق الخوئي قال في وجهه المنصرف منه هو النهي عن المعاوضة بالدين مطلقاً ومن غير اختصاص بعنوان البيع (۳۳).
ثم استشهد بما ورد في جملة من النصوص من النهي عن قسمة الدين، وهو أن يجعل أحد الدين تمامه تمام ما في ذمة المدين الأول) لأحد الورثة في قبال أن
كان تمام الدين الآخر (تمام) ما في ذمة المدين الثاني) للوارث الآخر، وقال: "إنها تؤكد منع الشارع المقدس عن تعويض الدين بالدين ومبادلته بمثله تحت أي عنوان من العناوين كان (٣٤).
ويناقش في كلامه بأن انصراف لفظة لها معنى إلى معنى أوسع من معناه، لا . بد أن يتم لدى العرف، ومثل هذا لا يتم إلا إذا كان في البين أحد الأمور الأربعة:
- الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م :
٢٢٦
المماطلة في أداء الدين
أ- إما أن يكون استعمال اللفظة في المعنى الواسع شائعاً، بحيث غلب هذا الاستعمال على استعماله في ذلك المعنى الأصلي الذي كان له، ومعلوم انتفاء ذلك في المقام؛ حيث إن البيع إذا قبلنا أن له معنى يختلف عن معنى غيره، وكان هذا المعنى قائماً في عهد النبي الله عند الناس، فكيف نعتبر أن النهي عنه بيع الدين بالدين، نهي عن كل معاوضة دين بدين؟!
ب وإما أن يكون استعماله في المعنى الواسع مما دلت عليه قرينة موجودة في الكلام، وهذا أيضاً منتف في المقام.
ج وإما أن كان الموضوع والحكم في الكلام بحيث تكونت وانتظمت بينهما مناسبات دلت على أن لفظة الموضوع، لم يقصد بها معناه الأصلي، بل قصد بها معنى هو أوسع من معناه، ومعلوم أن هذه المناسبات لا يقال بها إلا فيما إذا كانت ظاهرة ينتقل الناس إليها بسرعة ويتوسعون في معنى الموضوع بسرعة، ومعلوم أن دعوى وجود مثل هذه المناسبات في المقام صعبة.
د كون الحكم في النص ملحوقاً بعلة معممة، وهذا يمكن إدراجه في المورد الثاني، أي: الذي كان النص فيه ذا قرينة تدل على التعميم، ولكن بدليل أهميته وقطعيته أفردناه، وعلى أي حال يخلو ما نحن فيه، أي: النص الناهي عن بيع الكالي بالكاليء، عن مثل هذه العلة، أيضاً.
وهكذا نصل في النهاية إلى أنه لا طريق إلى إثبات تعميم الحكم من البيع إلى غيره.
اعتبار الحديث سنداً:
هناك حديثان نبويان ناهيان عن هذا البيع، أحدهما ما ورد عن طريق أهل السنة، والآخر من طريق الإمامية، وإليك البحث عن الاعتبار السندي لكل منهما:
۲۲۷
دراسات مقارنة
يصح النبوي الوارد عن طريق أهل السنة ونصه أن النبي (ص) نهى عن بيع الكاليء بالكاليء وهذا الحديث نقل تضعيفه عن الإمام أحمد (٣٥). قال: "ليسفي هذا حديث وقال الإمام الشافعي: "أهل الحديث يوهنون هذا الحديث (۳). ومشكلة الحديث هي أنه تفرد به موسى بن عبيدة الذي قال عنه أحمد بن حنبل: "لا تحل عندي الرواية عنه، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره (۳۸) "التقريب" بكون موسى بن عبيدة هذا ضعيفاً (٣٩). وقد جزم الحافظ في
ومع ذلك قال الإمام أحمد، بعد تضعيف الحديث: "لكن اجماع الناس على (٤٠) أنه لا يجوز بيع دين بدين .
أما الإمامية قبال هذا الحديث، فقد استندوا إليه بكثرة وعلى مستوى واسع .
كما استندوا إلى الحديث الآتي الذي روي عن طريق الإمامية أنفسهم - وقال صاحب الجواهر حول هذا الحديث: "قد عمل به الأصحاب (٤١)
النبوي الوارد عن طريق الإمامية ونصه عن الصادق (ع): "قال: قال رسول
الله (ص): «لا يباع الدين بالدين» (٤٢).
وقد ضعف سند الحديث بطلحة بن زيد، قال النجاشي: "له كتاب يرويه جماعة يختلف برواياتهم (٤٣) لكن هناك محاولتين لإعطاء الاعتبار إلى هذا الحديث:
الأولى: أن له كتاباً معتبراً، وهذا انطلاقاً من قول الشيخ في الفهرست: "كتابه معتمد (٤٤)، غير أنه يمكن الاستشكال على هذه المحاولة بأن الرواية لا يعلم أنها موجودة ومروية من ذلك الكتاب، لعله رويت عنه مشافهة.
الثانية: توثيق الرجل بالاعتماد على كونه واقعاً في أسانيد كتاب كامل الزيارات، وقد نص ابن قولويه بتوثيق عام لكل من يقع في أسانيد كتابه (٤٥).
والأمر سهل بعد وقوع الإجماع من الفريقين على حرمة بيع الدين بالدين.
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣ م .
۲۲۸
المماطلة في أداء الدين
وهناك رواية أخرى قد يستند إليها لإثبات حرمة بيع الدين بالدين، وهي رواية منصور بن حازم: "قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فأتى المطلوب الطالب ليبتاع منه شيئاً، قال:
لا يبيعه نسيئاً، فأما نقداً فليبعه بما شاء (٤٦).
وهذه الرواية قابلة لعدة تفاسير
التفسير الأول: أن يكون الآتي هو الطالب والمأتي إليه هو المطلوب، وأن يكون الثمن هو ما له في ذمته على المطلوب، والمثمن شيء هو مال للمطلوب فلو كان حينئذ هذا المثمن مؤجلاً، فالحديث يمنع عن ذلك. ووفقاً لهذا التفسير تكون الرواية ناظرة إلى بيع الدين بالدين وناهية عنه.
ويلاحظ على هذا التفسير بملاحظتين
أولاً: لم يرد في الرواية أن الطالب يجعل الثمن دينه.
ثانياً: أنه وفقاً لهذا التفسير لا بد من أن يحمل النسية في كلامه (ع) على السلم، حيث إن بيع سلعة هي مؤجلة تعد سلماً لا نسية، ومثل هذا الحمل خلاف الظاهر.
التفسير الثاني: أن يكون الآتي هو الطالب والمأتي إليه هو المطلوب، ويكون الثمن هو غير دينه ولكنه مؤجل، والمثمن ذلك الشيء الذي للطالب على المطلوب. وعليه يكون الحديث ناظراً إلى مسألة بيع الدين بالدين وناهياً عنه.
ويرد عليه
أولاً: أن الإمام قال: ليبتاع منه شيئاً، ولم يقل ذلك الذي له من الطعام أو..... اللهم إلا أن نقول: إن المقصود هو ليبتاع منه شيئاً من ذلك المتاع الذي عليه، وهو خلاف الظاهر.
ثانياً: أنه لو كان المقصود من السلعة التي عند المطلوب، هو ما كان الطالب
۲۲۹
دراسات مقارنة
قد باعها من المطلوب سابقاً، وهو يريد الآن اشتراء تلك السلعة - كما يبدو من صاحب الحدائق ذلك (٤٧) - فالإشكال عليه أن هذا وإن كان بالإمكان ربطه بمقولة الدين بالدين؛ بمعنى أن يكون الاشتراء واقعاً بثمن مؤجل في قبال تسلم السلعة مؤجلة، الأمر الذي قيل فيه أنه جائز فيما لو لم يشترط ضمن العقد بيعه بهذه الصورة.
غير أنه لم تمت الرواية بصلة إلى ذلك، حيث إنه جاء في الرواية: "يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك مما يظهر منه أن هذا الطعام أو البقر أو ... يكون كثمن لا بد أن يدفعه على أساس بيع الطالب له سلعة في السابق في قبال ثمن هو هذا الطعام أو..... وعليه فحمله على كون السلعة المباعة له (أي: للمطلوب) في البيع السابق هو هذا الطعام أو البقر خلاف الظاهر، حيث إنه لو كان كذلك لما يعبر عنه السلعة المباعة بأنها للبائع على المشتري الذي اشتراها نسية.
نعم لو فرض أن كلام الإمام، له مضاف في التقدير، أي كان هكذا: قيمة طعام أو بقر أو... لتنحل المشكلة، ولكنه خلاف الظاهر كما هو معلوم، ولو ارتكبنا هذا الخلاف للظاهر، تندرج المسألة ضمن مسائل "البيع نسيئة" الذي يعني أن الشخص الذي باع سلعته من شخص نسيئة، يأتي إلى المشتري قبل حلول أجل الثمن ويشتري تلك السلعة، فان ذلك جائز في صورتين ما إذا اشتراها نقداً، وما إذا اشتراها نسيئة من دون شرط ذلك في ضمن العقد، أما مع الشرط، ففيه إشكال.
وكما هو معلوم لا يقوم كل من هذين التفسيرين، إلا بارتكاب أمر هو خلاف الظاهر، أما الخلاف الذي يرتكب في الأول، فهو حمل النسيئة في كلامه (ع) على السلم، وأما الخلاف الذي يرتكب في الثاني فهو تقدير كلمة "قيمة" كمضاف لكلام الإمام (ع) والسؤال: أي خلاف هو أهون وأسهل ؟ يجاب عن ذلك: أن الأهون هو الثاني كما هو معلوم.
- الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م :
۲۳۰
المماطلة في أداء الدين
التفسير الثالث: نفس الثاني، مع اختلاف وهو كون الثمن هو ما له على ذمته، فان ذلك يندرج أيضاً في مسألة بيع ما باعه نسيئة قبل حلول الأجل، وعليه فيكون منع الإمام متوجهاً إلى ما إذا تم البيع الثاني على أساس التأجيل في المثمن، فيكون الحديث ناظراً إلى بيع الدين بالدين.
ويرد على هذا التفسير ما أوردناه على التفسير الأول من لزوم اعتبار كون النسيئة في كلامه (ع) بمعنى السلم، إلا أن هناك قرينة خارجية قد تدفعنا إلى هذا التفسير الثالث، وهو وجود رواية أخرى لمنصور بن حازم، وهي: قال: قلت لأبي عبد الله (ع): رجل كان له على رجل دراهم من غنم اشتراها منه فأتى الطالب يتقاضاه، قال المطلوب أبيعك هذا الغنم بدراهمك التي عندي، فرضي، قال: لا بأس بذلك " (٤٨).
فموضوع الحديثين اشتراء البائع الأول سلعته من المشتري قبل حلول الأجل، غير أن الحديث الأول يتضمن نهي الإمام (ع) عن أن يكون المثمن مؤجلاً فيكون دالاً على حرمة بيع الدين بالدين.
التفسير الرابع: أن يكون الآتي هو المطلوب والمأتي إليه هو الطالب، بمعنى أن المطلوب يأتي إليه لكي يشتري منه شيئاً نسيئة، وعليه يكون في المسألة بيعان كلاهما من البيع نسيئة. وحينئذ لو كان المثمن هو ما للطالب في ذمته، فيكون الحديث حينئذ مرتبطاً بمقولة الدين بالدين، ولو كان شيئاً آخر، فلا يرتبط، غير أن السؤال حينئذ أن الإمام (ع) لماذا منع عنه وهو البيع نسيئة؟
ويمكن القول هنا أن المراد هو اتيان المطلوب الطالب ليشتري الطالب منه بماله في ذمته، فيكون المعنى حينئذ نفس المعنى الذي في التفسير للأول، ولكن ذلك (أي: كون رجوع المطلوب إليه لاشترائه من المطلوب شيئاً بما له في ذمته) خلاف الظاهر، كما أفاد صاحب الجواهر.
۲۳۱
دراسات مقارنة
وبملاحظة أن الرواية تقبل أكثر من تفسير، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنها مجملة من حيث المعنى، فلا يمكن الاستناد إليها، مثل صاحب الرياض فانه اعتبرها مجملة (٤٩) والميرزا القمي حيث قال: "لا يخلو الحديث من الإجمال (٥٠).
ويمكن القول بأن الحديث وإن لم يعلم أنه نظر إلى أي مورد من الموارد المذكورة في التفاسير، غير أنه نقطع بإمكان الاستناد إليه للمدعى الذي نريد متابعة إثباته هنا، وهو أن حرمة بيع الدين بالدين) حسب أكثر التفاسير.
صور بيع الدين بالدين
هناك صور متعددة لبيع الدين بالدين، وفيما يلي عرض وبحث لكل صورة من هذه الصور:
الصورة الأولى: بيع الدائن لمدينه ما أعطاه كقرض له إلى أجل، والمقصود من كونه أكثر من جنسه، هو أن يكون الثمن نفس ما على ذمة المدين ولكنه مع زيادة والغرض الذي يرمي إلى تحقيقه الطرفان هو سداد الدين السابق. وعليه تحتل مديونية جديدة على المدين مكان المديونية السابقة التي كانت عليه.
وحكم هذه الصورة هو الحرمة لدليلين:
أولاً: شمول دليل المنع له، أي يشمل النبويان الشريفان ورواية منصور بن حزم على أساس أحد تفاسيره لهذا المورد.
ثانياً: شمول إطلاق دليل حرمة الربا، لأن المفروض أنه يعطي إليه ديناً بزيادة في قالب البيع، فهذا القالب البيعي لا يخرجه عن كونه إعطاء دين مع زيادة. ويمكن القول بأننا لا نحتاج في تحريمه إلى التمسك بمثل هذا الإطلاق، بل أمكن القول بأن خصوص ربا الجاهلية ينطبق عليه، أي: الذي كان يقول الدائن فيه المدينه: أتقضي أم تربي؟ فإن المدين إن يكن لم يرد أن يقضيه، كان يقبل مع إعطاء المهلة إليه أن يدفع إليه أكثر من الدين.
الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م.
۲۳۲
المماطلة في أداء الدين
وقد يعبر عن هذا المورد وبعض الموارد التي سيأتي ذكرها بفسخ الدين، ذلك أن الدين السابق كأنه يفسخ بالدين الجديد.
الصورة الثانية: بيع الدائن لمدينه الدين الذي هو يمثل الثمن المؤجل في البيع السابق على هذا البيع، بأكثر من جنسه إلى أجل، ومثال ذلك: ما إذا اشترى الشخص سلعة بثمن مؤجل، فعند ما يأتي الأجل يقول للدائن بعه مني إلى أجل بزيادة شيء، فيقومان على بيع لا تقابض فيه.
وهذه الصورة محرمة كذلك، لشمول المنع عن بيع الدين بالدين له. وهذا المورد يعبر عنه أيضاً بفسخ الدين بدين جديد.
الصورة الثالثة : بيع الدين لمن هو عليه بغير جنسه إلى أجل، كأن يكون لشخص على صاحبه ألف دينار مثلاً، فباع هذا الدين في قبال سيارة يتسلمها بعد مضي ستة أشهر مثلاً.
وهذا أيضاً حرام للإطلاق الثابت للنبوي.
الصورة الرابعة: بيع الدين الذي حل أجله بدين مؤجل لمن عليه، ومثل هذا خارج عن مدلول الحديث، إما من باب خروجه موضوعاً، فيما إذا قلنا بكون الدين الحال لا يصدق عليه عنوان الدين، أو من باب انصراف الدليل عنه، فيما إذا قلنا إن عنوان الدين يصدق عليه ولكنه ينصرف عنه.
الصورة الخامسة بيع الدين الذي حل أجله بدين مؤجل لغير من عليه، وهذا أيضاً خارج عن مدلول الحديث مثل سابقه، بل ربما يمكن القول بأن هذا يتم له الحكم بطريق أولى.
الصورة السادسة بيع الدين الذي حل أجله بدين حال آخر لمن عليه أو لغيره. وحكم الحلية يتجلى له بطريق أولى عند ما يقاس بسابقيه.
وفي المقام مطلب جدير بالملاحظة وهو: أنه يمكن التفرقة بين النبويين،
دراسات مقارنة
فان الأول لا يتضمن قولاً للنبي (ص) بل يحكي عن فعله وهو نهيه، بخلاف الثاني فانه يتضمن قوله (ص): لا يباع الدين بالدين، وعليه فانه لا يمكن اعتبار الإطلاق للأول، بخلاف الثاني.
والحقيقة أن الرواية التي تنسب أمراً إلى النبي (ع) إو إلى إمام من الأئمة على ثلاثة أقسام:
الأول: ما ينسب قولاً إليه، ومثل هذا يمكن أن يعتبر له الإطلاق.
الثاني: ما ينسب فعلاً إليه، وكان هذا الفعل المنسوب إليه بحيث يلوح منه أنه قد وقع في قضية هي في واقعة، ومثله ليست مشكلته فقط أنه لا يمكن أن يعتبر الإطلاق له، بل لا يمكن أن يستند إليه في غير تلك الواقعة، لأننا نحتمل أن يكون هناك بعض الخصائص لتلك الواقعة كان حكمه منوطاً اتيانه بتوفر تلك الخصائص.
الثالث: ما ينسب فعلاً إليه، وهذا الفعل لم يكن بحيث يلوح منه أنه قد وقع في قضية في واقعة، فيحنئذ يمكن الاستناد إليه في الموارد التي تندرج تحت العنوان الذي ورد فعله حوله، ولكن ليس له الإطلاق، وذلك مثل فعله في النهي عن بيع الغرر أو بيع الكالي بالكاليء.
ونقطة الاشتراك بين الثاني والثالث هو عدم الإطلاق، وفرقهما يكمن في أن الأول يفقد إمكانية الاستناد إليه بخلاف الثالث.
وليعلم أن الثاني لو كان ناقله المعصوم عالية فانه حينئذ يمكن أن يكون له الإطلاق أيضاً، ذلك أن نقل المعصوم بصورة مطلقة يوجب ثبوت الإطلاق له.
الصورة السابعة بيع الدين بدين يحصل بسبب التأخير في تسليم ما هو في قبال ذلك الدين، وهذا يتحقق في السلم، فيما إذا أخر فيه تسليم الثمن (والذي يعبر عنه برأس مال السلم عن المجلس؛ ذلك أن المثمن في السلم لما كان مؤجلاً، فإذا
- الفقه المقارن - العددان (٢-٣) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
٢٣٤
المماطلة في أداء الدين
أخر قبض الثمن عن المجلس فيصبح الثمن أيضاً مؤجلاً، فيكون بذلك كل من الثمن والمثمن مؤجلاً وديناً، فيصدق أن يقال: إنه هنا بيع دين بدين. ولهذه الصورة
موردان
أ. ما إذا كان الثمن عيناً
ب، ما إذا كان الثمن ديناً
هذا والأقوال في المسألة متعددة:
القول الأول: الحرمة بقول مطلق، وهذا قول العلامة، حيث ذهب إلى حرمة هذه الصورة من دون التفصيل بين الموردين، وقد ذكر للحرمة وجوهاً، منها قوله: ان المسلم فيه دين في الذمة، فلو أخر تسليم رأس المال عن المجلس، لكان ذلك في معنى بيع الكالثبالكالي؛ لأن تأخير التسليم ينزل منزلة الدينية في الصرف (۵۱) وغيره. ومنها: الإجماع.
وهذا قول جملة من فقهاء أهل السنة أيضاً، قال ابن عبد البر في الكافي: ومن الدين بالدين تأخير رأس مال السلم إلى أجل السلم أو دون أجله أو أبعد منه (٥٢)
القول الثاني حرمته فيما إذا كان الثمن ديناً، وقد نسب هذا القول إلى المشهور (٥٣). وقد استدل على ذلك بأنه:
أولاً: أنه بيع دين بمثله، فيشمله خبر طلحة بن زيد عن الصادق (ع) "قال: قال رسول الله (ص): لا يباع الدين بالدين (٤).
ثانياً: هو ذلك المورد الذي وردت فيه الرواية المذكورة سابقاً، "عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك فأتى الطالب المطلوب يبتاع منه شيئا. فقال: لا يبعهنسيئاً، وأما نقداً فليبعه بما شاء (٥٥) بناء على أن المراد شراء الطالب منه شيئاً بما في ذمته فليس النسيئ هنا إلا السلم.
٢٣٥
دراسات مقارنة
القول الثالث: كراهة ما إذا كان الثمن ديناً، وهذا قول الفاضل الآبي في كشف الرموز، قال: "ولو كان الثمن ديناً على البايعصح على الأشبه لكنه يكره (٢٦).
القول الرابع: جواز التأخير إلى ثلاثة أيام فيما إذا كان رأس مال السلم عيناً، وجوازه لأكثر منها فيما إذا ديناً، وهذا قول الكثير من أهل السنة.
الصورة الثامنة: ما إذا أقرض رجل آخر مائة دينار، فاشترى المقترض من المقرض سلعة إلى أجل، وجعل الثمن في هذا الاشتراء نفس تلك الدنانير، وعليه فان القرض في هذه الصورة يكون إلى أجل ويكون اشتراء السلعة إلى أجل، وكما هو معلوم ترجع الدنانير - التي أعطاها المقرض إلى المقترض - إلى المقرض من دون أن يدفع السلعة نقداً إليه.
وقد يتصور أن هذه الصورة بما أنها تتضمن أجلين: أحدهما للثمن والآخر للمثمن، فهي بذلك تتضمن تقابلاً يحصل بين دين ودين، فيمنع عنه، والحقيقة أن هذه الصورة بمعزل تماماً عن مقولة بيع الدين بالدين، لأن الذي يقع في هذه الصورة إنما هو عمليتان مستقلتان، إحداهما عملية الإقراض والأخرى هو البيع، أما الإقراض، فحكمه واضح ولا إشكال فيه، وأما البيع وإن كان متضمناً للمعاوضة غير أن هذه المعاوضة ليست بين دين ودين بل يكون أحد العوضين ديناً فقط، وهو المثمن، وأما الثمن فيكون نقداً فيكون هذا البيع هو بيع السلم، ولا إشكال فيه.
وانطلاقاً من هذا التوضيح يتبين أنه لا تندرج هذه الصورة في صور البيع الدين، فالقول بمنعها لا وجه له.
الصورة التاسعة ما لبعض البنوك والمؤسسات المالية من قيامها باشتراء سلعة من العميل في بيع سلم، فيأخذ العميل مبلغاً من البنك أو المؤسسة عن هذا الطريق لكي يدفع في المستقبل سلعة إليها، غير أنه عند ما يحل الأجل لا توجد السلعة المباعة لديه، فيبيع البنك أو المؤسسة سلعة مثل تلك السلعة المباعة له، إلى
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ربيع - صيف ٢٠١٣م
٢٣٦
المماطلة في أداء الدين
أجل بثمن هو أكثر من ثمن السلعة المسلم فيها، ويشترط على العميل أن يعطيه السلعة التي باعها سداداً لدين السلم.
ويمكن القول بأن المعاملة الثانية التي تقع بين البنك أو المؤسسة وبين العميل تتضمن حصول التقابل بيع دين ودين؛ لأنه يشترط على العميل أداء الدين (السلعة) في قبال الثمن الذي هو مؤجل، فكأنه يتم تقابل بين دين ودين.
غير أنه يرد ذلك بأن حقيقة المعاملة الثانية ليس معاوضة مؤجل بمؤجل، بل معاوضة سلعة نقداً بثمن مؤجل، نعم يمكن القول بأن شرطه عليه على خلاف مقتضى العقد، لكنه أمكن توجيهه بأنه عقد عقلائي يريد البنك به مساعدة المدين في أن يخرج من ثقل الدين الذي عليه، وهو راض بذلك، فالعقد انعقد من الأساس لذلك.
وقد يستشكل عليه بإشكال آخر، و هو أنه مجموع المعاملتين يشكل معاملة واحدة ربوية وإن تلبس هذه المعاملة في الظاهر لباس عقدين منفصلين، وعليه فكل عقد بانفراده عقد صوري، والعقد الصوري لا اعتبار له شرعاً، أما الواقع فهو أنهما عبارة عن معاملة واحدة وهي ربوية كما قلنا.
ونجيب عن ذلك بأن هناك فرقاً بين حالتين: حالة ما إذا كان بين المعاملتين ارتباط من حيث متابعتهما لهدف واحد، بمعنى أن المعاملتين تكونان في تحققهما بحيث تتمان كمعاملتين، ولكنهما يريد الطرفان بهما استهداف هدف واحد، فهو لا بأس به؛ حيث إن هذه الاستهدافية لا توجب أن تصير المعاملتين صوريتين، وحالة ما إذا كانت المعاملتان صوريتين حقيقة، بمعنى أن لا تكون كل منهما بانفراده متضمنة للتعهد والالتزام بمحتواها من قبل الطرفين، بل التعهد والالتزام إنما يقعان من قبلهما بالنسبة إلى ما يحصل بمجموعهما، وهي ذلك الذي يعني إعطاء قرض مع زائد، فهو محل منع.
۲۳۷
دراسات مقارنة
الصورة العاشرة ما يبرز في قالب مواعدة بين الطرفين، وهذا ما يتمثل في عقد التوريد، وهذا العقد هو الذي يتعهد فيه طرف بتسليم سلعة معلومة مؤجلة لطرف آخر مقابل ثمن معين مؤجل.
قد يقال بأن هذا العقد باطل وحرام من جهة أنه من مصاديق بيع الكالثبالكالي؛ حيث إن الثمن مؤجل والبضاعة التي يراد توريدها مؤجلة أيضاً، نعم إذا تم ذلك بصورة مواعدة غير ملزمة، بمعنى أن المستورد يقول للمورد: أعدك بأنك إذا أوردت السلعة الفلانية فسوف أشتريها منك، فلا بأس به.
ولكن يمكن رد ذلك بما ذكرناه سابقاً من أن الحديث إنما يشمل ما كان ديناً قبل العقد بدين كذلك، أما إذا كان أحد المعوضين ديناً يتحقق بالعقد نفسه، فلا يشمله النهي النبوي، وقد سبق ذكر وجه ذلك.
الهوامش:
(۱) وسائل الشيعة ۱۸: ۳۳۳، تحف العقول: ۲٦٧، مسند الإمام احمد بن حنبل ۲ ۷۱، سنن الدارمي ۲: .٢٦١
(۲) الأمالي، الشيخ الطوسي : ۵۲۰، وسائل الشيعة ١٨ ٣٣٤ غوالي اللآلي ٤: ٧١، مسند احمد ٤: ٢٢٢،
صحيح البخاري ٣: ٨٥
(۳) حول جواز إلزام المدين المماطل: ۲۰
(٤) المصدر السابق.
۲۳۸
الفقه المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ٢٠١٣م
المماطلة في أداء الدين
(٥) حول جواز إلزام المدين المماطل: ۲۰.
(٦) المصدر نفسه: ۱۸
(۷) مسند أحمد ٤: ۲۲۲، وسائل الشيعة ۱۳: ۹۰
(۸) ولذلك نجد الفقهاء صرحوا بأوسعية دائرة العقوبة هنا، فمثلاً يقول صاحب الجواهر حول هذا الحديث: .... الحبس ونحوه من وظائف الحاكم، لأنه كالتعزيز الملحق بالحدود» (جواهر
الكلام، ٢٥:٣٥٣).
(۹) تذكرة الفقهاء ١٤: ٦٨.
(۱۰) تهذيب الأحكام ۱۰: ۲۷۹
(۱۱) المبسوط ٧ ١٥٦
(۱۲) جامع أحاديث الشيعة ١٦ : ٣٥٢ ، مسند الإمام احمد بن حنبل ٤ : ١٦٨.
(۱۳) الصحيفة السجادية: ٥٤٤ - ٥٤٥
(١٤) شرائع الإسلام، المحقق الحلي ۳: ۷۲۱
(١٥) تذكرة الفقهاء، ١٣:٤٢.
(١٦) فتح العزيز: ۳۸۲۹
(۱۷) مسالك الافهام، ٣: ٤٣٣
(۱۸) المصباح المنير: ۲۷۱
(۱۹) رسائل الكركي ۱: ۱۸۱
(۲۰) مسالك الأفهام ٣:٤٣٣.
(۲۱) كفاية الأحكام ١: ٥٣٥.
(۲۲) رياض المسائل ٨ ٤٥٤ - ٤٥٥
(۲۳) أنظر: مجمع الفائدة الأردبيلي ٩٦٩ مسالك الأفهام ، الشهيد الثاني ٣ ٤٣٤، كشف الرموز،
الفاضل الآبي ١: ٥٢٤.
(٢٤) كشف الرموز ١:٥٢٤
(٢٥) مسالك الأفهام ٣: ٤٣٤.
(٢٦) المصدر السابق.
(۲۷) مجمع الفائدة ٩: ٩٦.
(۲۸) الحدائق الناضرة ۲۰ ۲۰۱.
(۲۹) انظر: مجمع الفائدة ٩: ٩٦.
(۳۰) مسالك الأفهام ٣ ٤٣٤.
(۳۱) الجامع للشرايع: ۲۸۳
(۳۲) تحرير الوسيلة ١: ٦٤٧.
(۳۳) كتاب المضاربة، الأول: ٢٤٢.
۲۳۹
دراسات مقارنة
(٣٤) المصدر السابق.
(٣٥) نصب الراية، الزيلعي ٤: ٥١٣ - ٥١٤
(٣٦) راجع: تلخيص الحبير، ابن حجر ٤٤٠٨، نيل الأوطار ٥: ١٧٧.
(۳۷) فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي ٦: ٤٢٨
(۳۸) تلخيص الحبير، ابن حجر ٨ ٤٤٠.
(۳۹) تقريب التهذيب ٢ ٢٢٦
(٤٠) تلخيص الحبير ، ابن حجر ٨ ٤٤.
(٤١) جواهر الكلام ٢٤ ٢٩٥
(٤٢) الكافي ٥: ۱۰۰ باب بيع الدين بالدين، ج ۱، التهذيب ٦: ۱۸۹، ح ٤٠٠، النهاية: ٣١٠ - ٣١١
(٤٣) رجال النجاشي: ۲۰۷
(٤٤) الفهرست: ١٤٩
(٤٥) كامل الزيارات: ٣٧
(٤٦) تهذيب الأحكام : ٤٨
(٤٧) الحدائق الناضرة ١٩: ١٢٦
(٤٨) وسائل الشيعة ۱۲: ۳۷۰
(٤٩) أنظر: جواهر الكلام ٢٣:١١٠.
(٥٠) جامع الشتات، الميرزا القمي ٢: ١٥٣.
(٥١) تذكرة الفقهاء ١١: ٣٣٦
(٥٢) الكافي، ابن عبد البر: ٣٦٣.
(۵۳) جامع المدارك : ۳۱۷، حيث قال: ولو كان الثمن ديناً على البائع فالمشهور البطلان"
( ٥٤) تهذيب الأحكام ٦: ١٨٩.
(٥٥) المصدر السابق : ٤٨
(٥٦) كشف الرموز ١: ٥٢٣
المقارن - العددان (۲-۳) السنة الأولى ٫ ربيع - صيف ۲۰۱۳ م :
- الفقه
٢٤٠