2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 4-5قراءة البحث
بحث منهجي الفقه والقانون

دور خصائص التشريع في إعادة النظر في المنهجیة أو إعادة تطبیقها

العدد 4-5
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 4-5
بحث منهجي

دور خصائص التشريع في إعادة النظر في المنهجیة أو إعادة تطبیقها

أحمد مبلغي

عنوان المقال: دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

الكاتب: الشيخ أحمد مبلغي

هيكل المقال: يتكون البحث من مقدمة وثلاثة محاور رئيسية وخاتمة:

المحور الأول: المقصود من عقلية التركيز على خصائص التشريع

المحور الثاني: إثبات دور هذه العقلية في ترشيد منهجية الاستنباط

المحور الثالث: عرض نماذج تطبيقية لخصائص الشريعة وأثرها في الاستنباط

أهم محاور المقال:

مفهوم عقلية التركيز على خصائص التشريع:

هي عقلية معرفية تتجه إلى فهم خصائص التشريع بوصفه فعلاً إلهياً، تختلف عن الفقه الذي هو نتاج بشري.

تمييز ضروري بين الشريعة والفقه من حيث المصدر والطبيعة والنسقية.

الفقه قد يخطئ في تمثيل الشريعة بسبب افتقاره لبعض خصائصها كالانسجام والتكامل.

ضرورة تفعيل التقييم الفقهي بناءً على خصائص الشريعة:

الفتوى تمثل الشريعة؛ وإذا خالفت خصائصها فهي لا تمثلها حقاً.

على الفقيه أن يقيم فتاواه بعد إصدارها: هل تمثل خصائص الشريعة أم تهدمها؟

نتائج التقييم يجب أن تقود إما إلى إعادة النظر في المنهجية أو إلى تحسين تطبيقها.

نماذج تطبيقية لخصائص الشريعة وأثرها في الاستنباط:

الخصيصة الأولى: التناسق بين النظام التشريعي والنظام التكويني:

التشريع والتكوين كلاهما فعل الله، ولا يمكن أن يكون بينهما تناقض.

مراعاة هذه الخصيصة تُسهم في تعميق الفهم الفقهي وتوجيهه نحو الانسجام مع الواقع الكوني.

مثال قرآني: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} (الحجرات: 13)، حيث التنوع الكوني يتناغم مع التشريع الداعي إلى التعارف والتعايش لا إلى التصادم.

الخصيصة الثانية: وحدة الأمة:

الشريعة تسعى إلى توحيد الأمة لا تفريقها.

الفتاوى التي تؤدي إلى الانقسام والتنازع تعارض جوهر التشريع، ولا تمثله.

مثال قرآني: {ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة... فاستبقوا الخيرات} (المائدة: 48)، فالتعدد لا يعني النزاع بل يدعو إلى التعاون والخير.

النتائج والتوصيات:

الفتوى لا تكتمل بدون مرحلة التقييم على ضوء خصائص التشريع.

على الفقهاء ترسيخ منهجية تقوم على وعي خصائص الشريعة كأساس لإعادة النظر أو التطبيق الأدق.

ضرورة إدخال ثقافة التقييم ومفاهيم الخصائص التشريعية في تدريب المفتين وإعدادهم.

الفتاوى التي لا تراعي الخصائص قد تؤدي إلى آثار اجتماعية مدمرة، كالعنف، والتفكك، والتكفير.

الكلمات المفتاحية: الاستنباط – الفتوى – خصائص الشريعة – المنهجية – الفقه – التناسق – الوحدة – التقييم الفقهي – المستجدات – التكفير – الفقه المقارن

دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

أ. الشيخ أحمد المبلغي

هذه الورقة تهدف إلى طرح فكرة لم يسبق طرحها في البحوث المنهجية رغم أهميتها البالغة - حسب ما سيبدو من خلال البحث - وهي فكرة "إعادة النظر في منهجية الاستنباط (سيما استنباط أحكام المستجدات) أو إعادة تطبقيها عبر تفعيل عقلية التركيز على خصائص التشريع والاستفادة منها في الاستنباط، وتوضيح هذه الفكرة يتطلب تناول البحث من خلال ثلاثة محاور:

بيان المقصود من عقلية التركيز على خصائص التشريع.

. إثبات دور هذه العقلية في ترشيد منهجية الاستنباط.

. عرض نماذج تطبيقية.

(1) المقصود من عقلية التركيز على خصائص التشريع

إن عقلية التركيز على خصائص التشريع عبارة عن تحرك عقلي يتمحور حول الشريعة بهدف الحصول على المعرفة المعمقة بخصائص الشريعة، وبناء الوعي الفقهي عليها.

والمقصود من ذلك يتضح بذكر مجموعة من النقاط:

الأولى: إن التشريع فعل من أفعال الله سبحانه، فإنه تعالى هو الذي شرع لنا، فالتشريع هو فعله.

الثانية: انطلاقاً من كون الشريعة هي من فعل الله سبحانه، فإنه يتحتم علينا التمييز والتفريق بين الشريعة والفقه، وإنه من الخطأ الفادح أن نعتبرهما واحداً أو

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

نعتبرهما إثنين ليس بينهما فرق، بل الحقيقة أنهما إثنان يوجد بينهما أكثر من فرق.

وقبل التعرض إلى الفروق بينهما، ينبغي الإشارة إلى أن القول بوجود الفرق والاختلاف بين الفقه والشريعة لا يعني عدم اعتبارية الفقه، ولا القدح في مكانته بل العكس من ذلك، لأنه ليس لنا طريق إلى الشريعة إلا الفقه، وليس أمامنا ما يكون حجة بحسب الادلة إلا الفقه، إلا أن الذي تدعيه أن هذه الحجة المنحصرة، لا تنطبق على الشريعة تماماً، بل توجد اختلافات بينهما في عدة نواح كما ستأتي.

والفروق بينهما نلخصها بما يلي:

أ - إن الشريعة هي فعل الشارع وصنيعته، والفقه هو فعل الفقيه وصنيعته، ولكن وفق منهجية خاصة، وبالرجوع إلى مصادر الاستنباط الشرعي كالقرآن والسنة، ومصادر أخرى...

فالفقه علم البشر في إطار خاص ومن مصادر خاصة، يتم بهدف أن يعكس الشريعة ويجعلها في متناول أيدي الناس.

ب - ربما يكون الحكم الذي يعطيه الفقيه في مورد غير مطابق للحكم الموجود في الشريعة، حيث يحتمل أن يكون الفقيه قد أخطأ في ذلك الحكم.

ت - دائرة الشريعة واسعة ولكن الفقه مهما كانت دائرته واسعة فإنه قد دخل في ميادين خاصة، وعليه فإن الفقه لا يعكس تمام ما للشريعة من الحدود والسعة بل يعكس أجزاء منها

ث - إن أجزاء الشريعة متكاملة ومتناسقة، بحيث يكمل بعض أجزائها البعض الآخر. وببيان آخر، إن الشريعة تتميز بحالة من التناسق والنسقية بين أجزائها، لأنها تهدف إلى تحقيق أهداف خاصة، لكن الفقه لا يمكن أن نقول أن أجزاءه متناسقة بتمام معنى الكلمة، فقد يكون بين مجموعات منها ابتعادات وانفصالات والسبب في هذا الفرق يكمن في أن منزل الشريعة هو الله سبحانه وتعالى، وهو منزه عن أي جهل أو خطأ أو لغو، وكما يقول القرآن : أفلا يتدبرون

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤

دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً (النساء: (۸۲)، بينما الفقه يمثل فهم الفقيه للشريعة.

لذلك لو قبلنا القول بأن بين أحكام الشريعة نسقية، وبأن الفقه يفتقر - ولو بصورة وفي بعض النواحي - إلى هذه النسقية بين الأحكام، فإن هاتين الحقيقتين تنتهيان بنا إلى فهم حقيقة أخرى، وهي أن منهجيتنا تعاني من وجود حالات من النقص لا تتمكن بسببه أن نستنبط الأحكام مع ما عليه الشرع من النسقية.

الثالثة: إن التشريع بوصفه فعلاً لله سبحانه لا يمكن أن لا تكون له مواصفات وخصائص، ذلك أننا لو قبلنا أن التشريع لم يكن عشوائياً، بل تم على أساس نظم دقيق، فهو بعد نظاماً منضبطاً يتسم بمواصفات قطعاً.

ومن المؤسف له أن هذه الخصائص لم تتم أي محاولة لفهمها بشكل علمي، كما لم يتم أي بحث دقيق حولها وعددها ....

(۲) إثبات دور عقلية التركيز على خصائص الشريعة في ترشيد منهجية الاستنباط:

يمكن طرح مجموعة من النقاط على أساسها يمكن إثبات ضرورة تقويم وتنقيح منهجية استنباط المستجدات من منطلق التركيز على خصائص التشريع وهي كالآتي :

(أ) الفتاوى جاءت كي تمثل الشريعة: إن الفتاوى تمثل جسراً تعبره الشريعة لتنتقل إلى الناس، وعليه فإن الفتاوى جاءت كي تمثل الشريعة.

ب الفتاوى الهادمة لخصائص الشريعة لا تمثلها: بعد اعترافنا بأن للشريعة خصائص تتسم بها، فإذا رأينا أن مجموعة من الفتاوى التي انبثقت من منهجية واحدة) تتجه نحو هدم ما تقتضيه خصائص الشريعة، فهى وإن أحتلت مكانة التمثيل عن الشرع، غير أنها لا تمثل واقع الشريعة، لأنه لا معنى للفصل بين الشريعة وخصائصها، فمجرد كون فتوى هادمة لإحدى خصائص الشريعة، تفهم أن هذه الفتوى لم تنجح في مهمتها والتي هي تمثيل الشريعة.

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل .

ث لا بد من تقييم الفتاوى: بناء على ما ذكر، يتوجب على الفقهاء أن يحققوا إلى جانب الإفتاء مرحلة أخرى، وهي مرحلة القيام بعملية يمكن أن نسميها عملية تقييم الفتوى بمعنى النظر إلى هذه الفتوى التي يصدرها الفقيه هل تتناسب وتتناسق مع خصائص الشريعة أم أنها تفقد حالة التلائم معها.

ج) لا بد من الانطلاق من نتائج التقييم إلى إعادة النظر أو إعادة التطبيق:

إن تقييم الفتوى وإن كان يتم متأخراً عن مرحلة الإفتاء إلا أنه يمكن جعله نقطة انطلاق لتقوية منهجية الاستنباط، وهذه التقوية تتمثل: إما بأن نعيد النظر في المنهجية، الأمر الذي ربما يوصلنا إلى عنصر فات عنا في تكوين المنهجية، فنضيفه وبالتبع نعيد النظر في المسألة التي اجتهدنا فيها أو في أن نعيد تطبيق المنهجية فنعمق ونتأمل أكثر فأكثر عند تطبيقه ونفحص عن نصوص أخرى - لو كانت في البين - ونحاول إعادة تفسير النصوص أحياناً ونكرر هذا النظر حتى تستقيم فتوانا بما يجعلها لا تؤدي إلى تخريب وهدم خصائص الشريعة من الأساس .

والحقيقة التي لا بد من الإذعان لها، هي أن المشكلة تكمن في عدم فتح مجال علمي للبحث عن خصائص التشريع، وما هو موجود لا يعدو كونه معرفة خاطفة وغير علمية بجملة من هذه الخصائص، والمشكلة الأكبر من ذلك، أنه حتى لو كانت هنا أو هناك معرفة إجمالية ببعض الخصائص فإننا لا نمتلك فكرة ومهارة جعل هذه المعارف منطلقات وأسس لتقييم فتوانا، بل تركت الفتاوى على حالها.. فكثيراً ما يستنبط الفقيه حكماً ويصدر فتوى ويرسلها إلى المجتمع أو يطلقها في الهواء عبر الفضائيات ، من دون أن يهتم بالآثار المترتبة عليها وما ستصنع فتواه بالناس عندما تنزل على أرض الواقع ؟

فالفتاوى تخرج وتصدر، وهي حرة في الانتشار بعد الخروج والصدور، فلو أضرت بالمجتمع هل يسأل أحد لماذا وقع ذلك ؟ ولو تسببت في إيجاد بعض السلوكيات اللا أخلاقية ، هل يتحمل أحد مسؤولية ذلك؟

ولو أدت إلى انحراف المجتمع ، ودفعت بأفراده إلى منحى غير انساني ، هل يسأل أحد لماذا وقع هذا الأمر ؟

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م -

دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

هذا الواقع يدفعنا الى القول بأن الفتوى لابد أن تقيم، وعملية التقييم هذه بالنسبة إلى الفتاوى مفقودة.

وكما هو معلوم فإن الاقتراح الذي تقدمه هذه الورقة من تحقيق هاتين العمليتين (أي عملية التقييم على أساس خصائص التشريع، ولحاظ نتائج التقييم في عملية الاستنباط ليس بمعنى جعل خصائص التشريع ضمن المنهج الاستنباطي، أو بمعنى جعل نتائج التقييم للفتاوى جزء من المنهجية، بل بمعنى الانطلاق من نتائج التقييم إلى:

إما إعادة النظر في المنهجية والبحث عما تفتقده من عناصر لازمة تتناسب مع استنباط خصائص الشريعة) وإضافتها إليها، أو تهذيب المنهجية مما علق بها من ذهينات مضرة بالاستنباط في مجال القضايا المستجدة الاجتماعية (التي تتعطش لأن تتبلور فيها خصائص الشريعة)، وإما إعادة النظر في تطبيق المنهجية، فلربما كانت المنهجية صحيحة إلا أننا قد نطبقها في مسألة أو مجموعة من المسائل بسرعة أو قد لا نطبق جميع عناصرها غفلة أو نسياناً، فلا بد حينئذ من أن نجعل نتائج التقييم أساساً كي نرجع مرة أخرى إلى الاستنباط ونحاول تحقيقها وتطبيقها مع دقة أكثر.

وعليه، فعملية التقييم تؤدي إلى الحفاظ على عملية تكوين الفهم والاستنباط ومما يؤسف له أن الكثير من المفتين من دون أن يشعروا يتسرعون في عملية الفهم والاستنباط وهم لا ينتبهون أن فتاواهم تمثل جسراً تعبره الشريعة لتنتقل إلى الناس.

(۳) نماذج تطبيقية

فيما يلي عرض الخصلتين للشريعة مع بيان ما لهما من الدور والتأثير على المنهجية:

الخصيصة الأولى: انسجام وتوافق النظام التشريعي للنظام التكويني :

حول هذه الخصيصة تتناول أمرين:

الأمر الأول: إثبات كونها خصيصة: أي: إثبات كون النظام التشريعي متناسقاً مع النظام التكويني، فنقول: إن إثبات ذلك يتوقف على مقدمتين :

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

المقدمة الأولى: إن الفاعل في تكوين كلا النظامين واحد هو الله سبحانه، وكلاً من النظام التكويني والنظام التشريعي فعله سبحانه.

المقدمة الثانية من المستحيل أن يفعل الله سبحانه تعالى فعلين ليس بينهما تناسق وتناغم، بمعنى أن يذهب التشريع إلى جهة خلاف التكوين، والتكوين إلى جهة ما مخالفة للتشريع.

وهذه التناغمية بين الشريعة مع نظام التكوين ليس التصديق بها أمراً صعباً، بل هو أمر طبيعي.

الأمر الثاني: دور التركيز على هذه الخصيصة في الاستنباط :

ليس المقصود من التركيز على التناسقية بين نظامي التكوين والتشريع جعلها كقاعدة يستنبط على أساسها بمثل ما يستنبط على أساس استخدام القواعد الأصولية، بل المقصود أن نجعلها فكرة سائدة على الذهنية عند الاستنباط، وتحقيق الاستنباط في ظل هذه الذهنية.

وعليه، فإن الفقيه لو عرف هذه الخصوصية وأذعن لها وصدقها وجعلها الذهنية السائدة في استنباطه، فهو بالطبع عندما يقترب استنباطه مما هو خلاف ما يقتضي التناسقية القائمة بين النظامين الشريعة والكون ينتبه فوراً إلى الخطأ في استنباطه ويبحث عن النقص الذي قد يوجد في منهجيته أو جهوده في الاستنباط، وهذا الانتباه يدفعه باتجاه محاولة فهم لماذا وصل إلى هذا الرأي مع إهمال التناسقية بين التشريع والتكوين، وهذا سيدفع به إلى دقة أكثر في المنهجية.

وصفوة القول : إن حالة التناغم بين التشريع والمتكوين، لو عرفها الفقيه وأذعن لها فإن ذلك سينتهي به إلى أن يوجه ويحرك فقهه نحو إنتاج المعارف والنظريات الشاملة.

قد نجد في بعض المجالات كيف انعكست في بيانات الشارع علائم ومؤشرات على التناسقية بين النظامين فيها، وقد لا نجد أي مؤشر أو علامة في النصوص بالإمكان فهمها وكشفها.

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ربيع صيف ٢٠١٤م ــــــــــــ

دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

ومن موارد وجود مؤشرات على التناسقية في النص، قضية "جعل الناس شعوباً وقبائل" قال الله سبحانه وتعالى: وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا فالتعارف بين الأمم في الحقيقة مؤشر يمكن به أن نكتشف المنطق الذي كمن في التشريع الخاص بكيفية التعامل مع الأمم.

فالتنوع (أمر تكويني) يتناغم مع التعارفية والتي هي كمنطق يمكن أن تحملها الأحكام التشريعية في خصوص تعامل الأمم)، ولا يتناغم مع الحالة العدائية فيما بينها .

فإذا التفت الفقيه إلى التناغمية بين التكوين والتشريع في ارتباطات الأمم (والتي بلورتها كلمة التعارف فإن هذا الالتفات المعرفي يعد نظرة أساسية تجعل الفقيه يوجه فقهه في مجال الارتباطات الاجتماعية نحو التأثير في إيجاد التعامل البناء والتعايش السلمي بين طوائف المسلمين، بل بين أبناء البشر ككل...

وفي هذا الإطار لا يمكن للفقيه الذي يمتلك المنطق التعارفي أن يفتي بما يؤدي إلى إيجاد حالة التنازع والتصادم داخل الأمة الواحدة أو بين الناس بشكل عام...

وللحصول على أبعاد المسألة في المثال المذكور بشكل واضح، يحسن الالتفات إلى ما يلي:

أ - إن الذي يمثل النظام التكويني في المثال هو خصيصة "كون الناس جعلوا شعوبا وقبائل".

ب - إن الذي يمثل ما هو من النظام التشريعي في المثال، هو مجموعة من الأحكام التي شرعت في خصوص كيفية تعامل الأمم بعضها مع البعض ( وبطريق أولى تعامل الطوائف داخل الأمة الإسلامية فيما بينهم).

ج - إن الذي يتمثل كخصيصة للشريعة هنا هو خصيصة التوافقية والتناسقية بين النظامين" في هذا المجال، وهي ما يتبلور في التعامل الإيجابي بين الأمم وتبادل الاستفادة من الإمكانيات التي عندهم، والتعايش فيما بينهم.

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

د - إن الذي يتمثل كمؤشر وارد في النص هو ما دل على أن نوعية المنطق الذي تحمله الأحكام الشرعية في مجال ارتباط الأمم، هو التعامل الإيجابي"، أي: الذي يحقق حالة التناغمية: والتعارفوا

ه - إن الذي لا بد من أن يتم كمنطلق لعملية الإفتاء هو لزوم رعاية وحفظ حالة التناغمية بين التكوين والتشريع - الحالة التي وردت فيها إشارة قرآنية - فالفقيه المنطلق من ذلك ليس فقط لا ينتهي بالأمة والناس إلى وقوعهم في الاصطدامات والافتراقات، بل سيسعى إلى تلطيف الأجواء بين مكونات الأمة والناس أجمعين، وسيدعو ويعمل على إقامة علاقات تعاملية وتبادلية بناءة فيما بينهم.. فإذن، الفتاوى المراعية لحالة التناسقية بين النظام التشريعي والتكويني تتجه نحو التقوية والتمهيد لأرضية ما جاء في هذه الآية من كون التعارف هو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه العلاقة بين الشعوب والقبائل.

أما الفتاوى التي تجعل الأمة تختلف وتتنازع فهي مخالفة للتشريع المتناغم مع النظام التكويني.

ويمكن أن تمثل أيضاً لتطبيق عنصر التناسقية بين نظامي التكوين والتشريع" في المنهجية بما نجده في التكوين من الاختلاف في الاستعدادات والذهنيات، هذا يفكر بصورة وذاك بصورة أخرى، وكل واحد على خلاف الآخر من حيث الإستعدادات والقابليات ودرجة الإستيعاب ...إلخ ، وهذا يعني أن نظام التكوين بني على الاختلاف والتعدد والتنوع. وهذا واضح، ونحن عندما نأتي إلى الفقه، ربما نستنبط ونفتي دون الإلتفات لذلك أو الإنتباه له....

مثل فتوى الجماعات التكفيرية بكفر كل من يرى أو يقرأ الدين على خلاف فهمهم وقراءتهم له .

فإن ذلك يخالف الأمر التكويني، وهذا يجعل الشريعة غير متناغمة مع الوضع الحالي الموجود في النظام التكويني.

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

والحقيقة أنه على العكس من الفتاوى التكفيرية يمكن الانطلاق من ذلك المبدأ للإفتاء بضرورة الاحترام المتقابل بين المذاهب الفقهية.

ونكرر مرة أخرى، إننا عندما نركز على أهمية مراعاة الفقيه الفكرة وجود التناغم بين النظام التشريعي والتكويني لا نريد بذلك أن نجعل هذه الفكرة قاعدة في الاستنباط، فليس هذا هو المقصود، لأن حالة التناغمية ليست قاعدة تتبعها ونطبقها، بل المقصود أن نجعلها منطلقاً لكي يقوم بتقييم ما نريد أن نصل إليه كحكم شرعي، ولو وجدناه مخالفاً للنظام الطبيعي والتكويني فعلى الفقيه أو المفتي أن ينتبه إلى الإشكالات التي في فقهه، وحالة النقص في فهمه ومنهجه؟

الخصيصة الثانية كون الشريعة موحدة للمجتمع :

وهنا نواجه هذا السؤال هل الشريعة توجب التعددية في الأمة، وتقسمها إلى أمم ؟ أم أنها توحدها وتجعلها منسجمة؟ وهل هي توحد أم تفرق ؟ لعل هذا السؤال غريب، ولكن كل من يتحدث باسم الشريعة ويصل إلى أمور تفرق لا بد أن يسأل نفسه عن ذلك؟

فلو كانت الشريعة تفرق الأمة ولا تسمح لمكوناتها العرقية والمذهبية والدينية مثلاً بالانسجام، بل تعمل على ترسيخ الاختلافات، فإن هذا على خلاف الحكمة والعقل، لأن وجود النزاعات والقتال الدائم بين مكونات الأمة هو أساس كل شر وتخلف، وهذا ما يؤدي بدوره إلى الابتعاد عن المعنويات والروحيات... بالإضافة إلى ذلك نستفيد من نصوص كثيرة أن للشريعة تأكيد محوري على التوحد والانسجام والتواصل ، وهي كثيرة جداً، بل حتى الآية التي تتحدث عن تعدد الشرائع تتضمن فكرة لزوم التوحد والوحدة، وهي قوله عز وجل لكل جعلنا منكم شرعة

ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ).

واستفادة المدعى (كون الشريعة موحدة وليست مفرقة) من هذه الآية يمكن أن تتم عبر طريقين :

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

الطريق الأول: إن هذه الآية جعلت قضية التعددية في الأمة، منوطة بتعددية الشريعة، لأن الآية تقول: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة يعني لو شاء لجعل شريعة واحدة لكم فتصبحوا أمة واحدة، ولكن جاءت شريعة موسى وعيسى ونبينا صلوات الله عليه وآله، فأصبحتم أكثر من أمة.

فإذن الأساس للتعددية من حيث الأمة، هو الشريعة، فإذا كانت الشريعة متعددة فهناك أمم متعددة، أما إذا كانت هناك شريعة واحدة فالأمة واحدة، الكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) يعني هناك شرائع ومناهج، فوحدة الأمة منوطة بوحدة الشريعة، فالوحدة في الشريعة أداؤها ونتيجتها الوحدة في الأمة، وهذا مستفاد من الآية بوضوح.

الطريق الثاني: أن نقول إن الضمائر الموجودة في هذه الآية ضمائر الخطاب إلى البشر، لكل جعلنا منكم (أي أيها البشر ) شرعة ومنهاجاً؛ لأن أمة موسى وعيسى ونبينا، والأمم الأخرى، كلهم مخاطبون لقوله تعالى: ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً إذا كان المخاطب فقط الأمة الإسلامية، هذه الآية تواجه مشكلة لأن شريعة موسى لم تأت إلينا ولنا، أو شريعة عيسى، بل هذه الشرائع وجهت ووضعت للبشر، فإذن ضمير (كم) خطاب إلى البشر، وإلى جميع الإنسان، وكذلك ضمير (كم) في تتمة الآية: ولو شاء الله لجعلكم أي أيها البشر) أمة واحدة أي أجعل لكم شريعة ولكن لم أفعل هذا ولكن ليبلوكم فيما أتاكم (خطاب إلى جميع البشر) ثم يقول سبحانه بعد ذلك: فاستبقوا الخيرات وهو خطاب أيضاً إلى جميع البشر يعني عليكم الاستباق إلى الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً أيضاً خطاب إلى البشر، فهذه الآية خطاب إلى جميع البشر.

ومن خلال ذلك كله نصل إلى عدة نقاط :

أولاً: هناك شرائع للبشر.

ثانياً: إن الله لم يجعل البشر أمة واحدة، لأن هناك شرائع فهناك أمم ولو شاء الله لجعلكم) ولكن لم يشأ هكذا، فإذن هناك أمم.

ثالثاً: وهذه النقطة هي التي تهمنا في البحث، إن هذه التعددية الأممية، لا

الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م

دور خصائص التشريع في إعادة المنهجية أو إعادة تطبيقها

يجب أن تصبح عاملاً للاختلاف والاصطدام حسب الآية، لأنه مباشرة بعد ذلك يقول سبحانه: (فاستبقوا الخيرات)، يعني لا بد عليكم أيها البشر - رغم أنكم منقسمون إلى أمم مختلفة - أن يتم بينكم التسابق إلى الخيرات لا إلى التنازع ويتعبير آخر إن هذه التعددية الأممية لا تعني أن تختلفوا، ولا يعني أن تقعوا في الاصطدامات والتنازع، بل عليكم أن تبذلوا جهودكم في التوجه إلى الأمور الخيرية.

فالآية حتى بالنسبة إلى الأمم المختلفة لا تقبل الاختلاف، فكيف الأمر بالنسبة إلى أمة الإسلام وهي واحدة ذات شريعة واحدة فليس لهم أن يختلفوا...

وببيان آخر إنه حتى إذا كانت هناك شرائع مختلفة وهناك أمم مختلفة، فعليهم أن تكون العلاقات بينهم، محققة لأرضية الاستباق إلى الخيرات، فكيف الأمر بالنسبة إلى أمة واحدة والتي هي ذات شريعة واحدة، فإذن الشريعة توحد، ولم تأت للتفرقة.

وهكذا نحصل على خصلة للشريعة وهي كونها توحد، وهذه الخصلة تبرز كمعيار في تقييم الفتاوى، وتؤثر عليها، كيف؟

نقول للتكفيريين الذين تنتهي فتاواهم بالأمة إلى التفرقة والتنازع، هل الشريعة تريد هذه التفرقة؟ طبعاً سيقولون لا فنقول لهم فلماذا تتحرك عملينا الدعوة والافتاء لديكم تجاه تفريق الأمة، إذن فاعلموا أن منهجيتكم فيها نقص لأن فتاواكم أصبحت مخالفة للشريعة.

من خصائص الشريعة التوحيد وترسيخ جذور الوحدة في الأمة وقد جاءت التوحيد الأمة فإذا كانت هذه صفة الشريعة، نقول لهؤلاء الفقهاء الذين تنتهي فتاواهم إلى ترسيخ الاختلاف وتوسيعه بين الأمة، هل هذه الفتاوى تمثل الشريعة؟ فإذا قالوا لا تمثل فنحن نقول: إذن أنتم أردتم أن تستخرجوا من الشريعة أحكاماً فلم توفقوا في ذلك؟ أما إذا قالوا تمثل الشريعة، نقول: أليست الشريعة توحد الأمة فلماذا تفرق فتاواكم الأمة، وليس فقط تفرق بل توسع دائرة الاختلافات وتعمقها وتدفع باتجاه التنازع والتحارب.

ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل

والتوجه إلى هذا الأمر يمنح الفقيه أو المجتهد فرصة كي يرصد ويفهم الإشكاليات الخافية في منهجيته ويحاول رفع هذه الاشكاليات ويقيمها.

لا نريد أن نقول للمجتهدين لا تجتهدوا ولا نريد أن نقول لهم إذا اجتهدتم فعليكم أن تجتهدوا على أساس مناهج الآخرين، بل على أساس مناهجكم، ولا نريد أن نقول لا تجتهدوا على فهمكم، بل نقول لهم لماذا تتسرعون في إصدار الفتاوى دون فهم عميق لخصائص الشريعة؟ المشكلة تكمن هنا، عليكم أن تتأملوا أكثر فأكثر وأن تحافظوا على عملية الفهم وأن تبعدوا هذه العملية عن المخاطر التي قد تكتنف هذه المسيرة.

ونقول في الختام، إن العملية التي اقترحتها هذه الورقة هي أن ينطلق الفقيه من معرفة خصائص الشريعة إلى تقييم الفتاوى، ومن عملية تقييم الفتاوى إلى عملية الرجوع إلى المنهجية للاستنباط وإعادة النظر في هذه المنهجية، حتى يكتشف النقائص الخافية في هذه المنهجية وأن يقومها.

الهوامش:

(1) الحجرات: ۱۳

(٢) المائدة: ٤٨

الفقه المقارن - العدد ان (٤-٥) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤م

نهاية البحث