ملف العدد
ضوابط التوصيف الفقهي للمسائل المستحدثة
مدخل عام
أ. د. محمد كمال الدين إمام (*)
وجدت الشريعة الإسلامية لتبقى، لأنها أمر الله ونهيه في أكمل دين وآخر رسالة، ولأنها رسالة للإنسان من أجل تحقيق مصالحه في المعاش والمعاد، حرصت الأصول الإسلامية على تأسيس منهجية لاعتبار المصالح يجب تعميمها في كل المجالات، وإعلاء شأنها لتفعيل الأحكام في التدبير الشرعي كله عند استنباطه وعند تنزيله على السواء، بما يفتح النص الشرعي أمام اللامتناهي من الوقائع - حصراً وعداً - باعتبار خاتمية النبوة، وعالمية الشريعة التي تستوعب الإنسان والزمان والمكان؛ لأن غياب النص لا يعني انعدام الحكم، فالأصل أن كل الأفعال والأعيان والأشياء داخلة تحت مراتب الحكم التكليفي، لمآلاتها دور في سد مسالكها رفضاً، أو فتح مداركها قبولاً ، فإذا كان للقصود أثرها في العقود، فإن للنتائج والمآلات توصيفها للتصريفات، منظوراً إليها من خلال ما تفضي إليه من مفاسد ومنافع، أي منظوراً إليها من زاوية المصلحة في مقصود الشرع.
وهنا نقول - مع قطب سانو - : لا مناص من توظيف هذا الدليل العلمي المتوازن الحسن بيان حكم الشرع فيما استجد من عالم النص أرحب من التوقف عند الجزئيات، فهو يستوعبها، ولكنه يحكمها وهي تحكم إليه، وعالم النص باعتبار
(*) أستاذ بكلية الحقوق - جامعة الإسكندرية....
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل
علاقته بالخالق هو جزء من نظام الكون ونظام الوجود، وباعتبار علاقته بالمخلوق هو خطاب الله المتعلق بأفعل المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً، أو هو أحكام، وفي التقويم الديني والتقسيم العقلي فإن النظام أولاً، والأحكام ثانياً، والمصلحة في النظام مفترضة إيماناً ومقطوع بها استقراء والمصلحة في سياق الأحكام تستنبط باجتهاد عقلي يربطها بالإنسان والزمان والمكان، وهذا لا يعني نسبية الحكم الشرعي أو تاريخيته، فهو كلام الله تشكل خارج الزمن، ولكن في صلته بأفعال المكلفين يتعين بأشخاص ويتزامن في أوقات ويتحدد على جغرافيات، وينطق بلغة لها منطق وقوانين، بل إنه يتفاعل عبر منظومة من الأسباب والشروط والموانع لا تحدد النص ولا تقيده، ولكنها تحقق مناطه وتبين المحل الذي تتنزل عليه الأحكام، من تجريد الخطاب إلى تفريد المصاديق، لا تتفلت الأحكام المتعالية في مسالك الاستنباط عن دروبها العلمية في مدارك التطبيق والتنزيل
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هي الضوابط التي تفرضها منهجية من هذا النوع وهي تمتثل لحجية الدليل، ولا تنفصل عن وقائع التنزيل ؟
إن النازلة تعني مشكلة ابتلى بها المكلف، ومسؤولية وضعت على عاتق العالم، فسؤال المستفتي يستدعي إجابة المفتي، وربما يعبر عن هذا المعنى قول اشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعاً وعند الله منها المخرج
والنوازل نوعان: وقائع سابقة، أي لها وجود فعلي، وفيها اجتهادات وفتاوى. ووقائع مستجدة والبحث لها عن حكم جائز عند جمهور الفقهاء، بل إنه من الاجتهاد الواجب الذي يستوعبه قول رسول الله الله والذي رواه الشيخان البخاري ومسلم - إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر»، وإذا كان القرآن الكريم والسنة معاً قد ألزما سؤال أهل الذكر، فقد أصبحت معرفة الحكم من الواجبات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول الإمام الشاطبي» في «الموافقات» تحريراً لهذه المسألة: إن الوقائع في الوجود لا
الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع صيف ٢٠١٤م
ضوابط التوصيف الفقهي للمسائل المستحدثة
تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره، من حدوث وقائع لا يكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو اتباع للهوى وذلك كله فساد».
والاجتهاد في المسائل الجديدة مزلة أقدام وأفهام، فمع ترجيح رأي الجمهور في وجود حكم الله في كل واقعة - لم يخالف في ذلك إلا الباقلاني» مخالفة يعوزها الدليل - فإن الوقائع لا تتناهى في العد والحصر، ولكنها في الحقيقة متناهية لوجودها داخل الزمن. أما النصوص فإن تناهيها يعني إمكانية حصرها وعدها، ولكنها في الحقيقة لا متناهية؛ لأنها خطاب الله تعالى وهو يقيناً خارج الزمن ويحسن هنا تأمل ما قاله الإمام الجويني» في «البرهان»: إن الأحكام مترددة بين طرفين أحدهما محصور، والآخر غير محصور، فالنجاسة مثلاً محصورة، والطهارة في مقابلها لا حصر لها، والتحريم محصور، والإباحة لا حصر لها، فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين ووجدت في شق الحصر، فذلك، وإلا حكم بحكم الشق الآخر الذي أعفي الحصر عنه».
وكما قلت: المسألة مزلة أقدام وأفهام، لأن شأن الفقيه - كما يقول العلامة محمد الخضر حسين: «أن ينظر في المعاملات المخالفة لأصل من أصول الشريعة، فإن وجدها ناشئة عن ضرورة كان له أن يستثنيها من أصل المنع ويجعل الضرورة علة استثنائها من ذلك الأصل، فإذا كانت ناشئة عن جهالة أو هوى غالب فما له إلا أن يفتي بفسادها، ويعلم الناس وجه المعاملة الصحيحة، ولا يصح جعل ما يجري به العرف الفاسد أمراً مشروعاً، ويفتي بحصته دون أن تدعو إليه ضرورة يحسن العارف بمقاصد الشريعة تقديرها. قال العلامة أبو عبد الله بن شعيب - أحد علماء تونس في القرن الثامن الهجري: وغلبة الفساد من إهمال حملة الشريعة، ولو أنهم نقضوا عقود الفساد لم يستمر الناس على الفساد».
والمستجدات كلها تدور في مجال الاجتهاد التنزيلي أو في تحقيق المناط،
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل.
وكما يقول - إدريس الحمادي - والاجتهاد في تحقيق المناط يمتد بامتداد زمن التكليف، لأن الشريعة لما لم تنص على حكم جزئية على حدتها، وإنما أنت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعداداً لا تنحصر»، كان تحقيق المناط ضرورياً تتوقف عليه حياة الشريعة، وإلا لم تنزل أحكامها على أفعال المكلفين إلا في الذهن، لأنها أحكام مطلقة منزلة على أفعال عامة مطلقة، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة وإنما تقع معينة مشخصة الحكم، فلا يكون الحكم واقعاً إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يمثله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلاً أو لا يكون، وكله اجتهاد.
وحتى لو كان معيناً فإن لكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين». ومعنى هذا أنه لا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر صعب أو سهل حتى يحقق تحت أي دليل تدخل، ذلك أن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد. وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها فلا بد من النظر في كونها مثلاً أولاً، وهو نظر واجتهاد أيضاً... فتحقيق المناط لا يخرج عنه أية نازلة في الوجود، وصاحب هذا التحقيق - كما يقول الإمام الشاطبي - هو الذي رزق نوراً يعرف النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها وصبرها على أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحصل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن كل ذلك هو المقصود الشرعي من تلقي التكاليف.
والذي يقول به الشاطبي يعني أن الاجتهاد التنزيلي كله يتحرك مع المستجدات لأن الوقائع لا تعيد نفسها، وهو يقوم على منهجية تقفز فوق المذاهب الفقهية، في منهجية تنظر إلى العقل الفقهي في وحدته وتكامله، وليس في التفاريق والاختلافات، فلا ينبغي الحكم على جزئي بجزئي، إذا الوقائع الجزئية النوعية أو الشخصية - كما يقول الشاطبي - لا تنحصر ومجاري العادات تقضي بعدم الاتفاق
٢٤
الفقه المقارن العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :
ضوابط التوصيف الفقهي للمسائل المستحدثة
بين الجزئيات، بحيث يحكم على كل جزئي بحكم واحد، بل لا بد من ضمائم تحتف، وقرائن تقترن، مما يمكن تأثيره في الحكم المقرر، فيمتنع إجراؤه في الجزئيات، وهذا أمر مشاهد ومعلوم».
٢ - التغير مفهوماً:
بين الثابت والمتغير تتحرك فكرة المستجدات في الفقه الشرعي الحديث وهي فكرة فيها من السيولة ما يجعلها عصية على التعريف، ومن الغموض الذي يصل إلى درجة الإلغاز، فالبعض - كالدكتور عبد المجيد السوسوة - ربط موضوع التغير بدراسة ما يتغير من الأحكام بعد وفاة الرسول الله، وهذا يعني أنه لا يتناول النسخ ولا التدرج في التشريع، وهذا تقسيم تحكمي، فما حدق في عهد الرسول من تغير لا يسمى تغيراً، وما حدث بعده يقبل مسمى التغير، مع أن العلمية في واقعها الوجودي واحدة، وإمكان حدوثها لا يتعلق بزمن دون آخر، ويقصد البعض مثل إسماعيل كوسكال - من التغير في الحكم الشرعي انتقاله من حال كونه مشروعاً إلى حال كونه ممنوعاً، أو أن يكون ممنوعاً فيصبح مشروعاً باختلاف درجات المشروعية والمنع، وهذا تعريف يلتصق بأثر الخطاب لا بالخطاب الشرعي، أي بالحكم بالمعنى الفقهي لا الأصولي وأثر الخطاب يتبع منطقة العلم بالحكم، وليس الحكم بذاته؛ لأن خطاب الله المتعلق فأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً لا يرد عليه وصف التغير.
والرأي عندي أن الثبات والتغير لا يردان على محل واحدة، فالثبات يرد على الحكم، والتغير يرد على مصاديق الحكم، لأن الحكم لا ينزل من الذهن إلى الواقع، أو من التجريد إلى التحديد إلا إذا ولدت الأسباب ووجدت الشروط وفقدت الموانع، وثبات الأحكام يأتي من عمومية الخطاب وديمومة الشريعة، والتكليف بها يتعلق بأجيال ماضية وأجيال قائمة وأجيال قادمة، وإذا كانت الأحكام التكليفية تتعلق بأفعال، فإن الأسباب والشروط والموانع ترتبط بأحوال، فالصلاة واجبة ومقدمتها من طهارة ووضوء واجبة بمواقيتها وأعدادها وصورتها من قيام وركوع
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل.
وسجود، وهي مثل كل الواجبات - في دائرة حقوق الله - لا تسقط إلا بالأداء، ووجوب الصلاة حكم ثابت ولكنها عند الأداء قد لا يتوفر الماء فننتقل إلى البدل، وهو التيمم، وقد لا يوجد الماء، وتغلب الضررية فيستبعد استخدامه لحاجة النفس إليه، أو حاجة الغير له، أو مفسدة استعماله لعارض صحي، وقد يكون العارض الصحي سبباً فباستحالة أداء الصلاة بهيئتها قياماً وركوعاً وسجوداً، هذه أحوال تؤثر في الأداء مقدمات وأعداداً وهيئة ولا تؤثر في الوجوب إلزاماً وحجية، والعبادات في أحوال التنزيل كالمعاملات.
ومراعاة الأحوال هي جزء من المعنى والسياق بالمفهوم الإسلامي الذي عرفناه عند الفقهاء منذ عصر الشافعي الذي وضع مقدماته إلى الشاطبي الذي قام بتقعيده وتفعيله، ولكل مقام مقال مثل إسلامي يدخل بنا «بنية السياق» من باب التراث الفقهي، بعيداً عن استدعاء قبعة أسلوبية نسجتها أيد كثيرة، وبألوان متناقضة في أغلب الأحيان تبدأ من سوسير» ولا تنتهي عند «تشومسكي» إن قراءة النص من نافذة جديدة لا يعني انفصالاً عن عالم قوانينه الخاصة وقواعده اللغوية، وإلا تجرد النص من بيئته، واستبدل المتغير بالثابت، إن مدخلاً عربياً إسلامياً إلى بنية السياق يعني أننا منذ البداية ننبه إلى أمرين:
الأول: أننا حين نستخدم مفردات الحداثة والتجديد الغربية ذات الدلالات التي ترتبط بها في واقعها الثقافي والحضاري تحدث فوضى دلالية داخل واقعنا العقلي، وإذا كنا ننشد الأصالة فقد كان من الأحرى بنا أن نبحث مصطلحنا الخاص النابع من واقعنا بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل والناتج أيضاً من قوانيننا اللغوية وخصائصنا الحضارية حتى لا ينطلق النص بما لا يتجاوز المراد أو يكره على أن يتعلق بما ليس فيه، وهو ما أسماه الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره بالتفسير المستكره».
الثاني: حين يتعلق الأمر بالنص القرآني تصبح الحداثة ليست مجرد لعب باللغة، بل إنها بالمفهوم الغربي إسقاط للمقدس المعرفي حتى يمكن «تسلييه»
٢٦
الفقه المقارن - العددان (٤-٥) السنة الثانية ربيع - صيف ٢٠١٤م
ضوابط التوصيف الفقهي للمسائل المستحدثة
في نهر التجربة الإنسانية باعتباره فرداً له عالمه المتغير، وليس كلاً إنسانياً له قواسمه المشتركة، وكان نصر أبو زيد واضحاً وصريحاً في الوصول بهذه الحداثة إلى غايتها متكئاً على أبحاث أستاذه حسن حنفي بحيث تصبح المعادلة عنده من الواقع إلى النص - كما عنون حنفي كتابه في أصول الفقه - لأن الواقع هو الأصل، من الواقع تكون النص، ومنه جاءت لغته وصيغت مفاهيمه، فالواقع أولاً والواقع ثانياً والواقع أخيراً، وإهدار الواقع الحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحول كليهما إلى أسطورة.
ولأن منهج القراءة السياقية الجديدة عند نصر أبو زيد» ينحي علم الأصول عند المسلمين بدعوى تجديده كان طبيعياً أن يصب نصر أبو زيد ـ وقبله أرنالديرز وأركون والجابري - جام غضبه على الإمام الشافعي، حتى يروج القراءات متغيرة ونسبية تقوم على ما أسماه السياق التاريخي الاجتماعي الخارجي للنصوص، ولن أدخل في جدل حول منهج أراد له صاحبه أن يكون قراءة علمية للنصوص، واكتشف أغلب ناقديه - ممن هم على شاكلته - أنه موقف أيديولوجي في الأساس، يسعى - عن عمد وسبق إصرار - إلى تجريد النص من مصدره المتعالي ليصبح مجرد خطاب لغوي تحكمه قوانين ثقافية خاصة تعتمد المنجزات اللسانية المعاصرة، وهي غريبة ومغتربة عنه في آن واحد.
والرأي عندي أن دراسة السياق - كضابط للتوصيف الفقهي للمستجدات تعتبر جزءاً من البناء الأصولي، وهذا مكانها الطبيعي في خارطة العقل التشريعي الإسلامي، ولها إرهاصاتها منذ العصر التشريعي الأول في مرحلتي الوحي والصحابة، واستمر الاهتمام بها حتى يوم الناس هذا، ومنهج السياق عند الشافعي مرتبط بجهده التأسيسي لعلم الأصول، ومباحثه التأصيلية لبيان القرآن والسنة، وهو ليس عارضاً في كتاب «الرسالة بل إنه من المفاهيم الحاكمة لضبط عملية الاستنباط، ولا يتحدد خطاب الشارع في ألفاظه؛ بل يتمدد في معانيه، وإذا كان النص المجرد هو خطاب الله جل في علاه فإن تعلقه بأفعال المكلفين يجعل
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل.
تنزيله من قضاء التجريد إلى عناء التكليف، يعني تحوله من «نظام» يتجاوز حدود الزمان والمكان، إلى أحكام تعينت لها جغرافيا وتاريخ، ومقامات وأقوال، وحتى يتحول «النظام» إلى «أحكام» لا بد أن يكون توصيف الواقع تماماً مع ما أوجبه النظام».
وفي دائرة النظام يتم البحث عن مقاصد الشارع، وفي دائرة الأحكام» يتم النظر إلى الأفعال، فالأمر والنهي يتعلقان بالنظام والحل والحرمة يتعلقان ب الأحكام، ولقد كان الإمام الشافعي في «الرسالة» حريصاً على انفتاح الخطاب على ما هو أوسع من دائرته اللغوية، لأن السياق في مصطلح «الشافعي» لا تتحقق شروطه بعيداً عن حال المخاطب، بما له من تأثير على دلالات النص الظاهرة والباطنة، من هنا جاء مفهوم البيان عنده يستوجب السياق لفظاً ومعنى، ويستوعب العلاقة بين «النظام» و «الأحكام بما يفرض ترتيباً للأدلة لا ينفصل فيه العقل عن النقل، ومعجماً للدلالات ومفاهيمها لا ينفصل فيه الاجتهاد عن النص، حيث تظل المسافة واحدة بين النظام الثابت وبين المتغير من الأحكام»، وكما قيل فإن فكرة البيان التي كانت - قبل الشافعي - عفوية لا تخرج عن الفهم المباشر للمعنى أصبحت مفهوماً نظرياً في البحث عن المعنى موصولاً بوضعية تأويلية جديدة، وقد تجلى ذلك في رسالة الشافعي من جهات ثلاث هي: حد البيان، والمخاطب به وكيفية البيان في دوائره الخاصة بالقرآن والسنة والاجتهاد. وقد حاول الشافعي من خلال فكرة «عقل المعاني توسيع دائرة اللفظ المعجمي في الخطاب الأصولي ليكون مكتنز الدلالات وتعدد المستويات إلا أن فكرة عقل المعاني» لها حدود عند الشافعي يمكن إيجازها فيما يلي:
ا. إن المعنى مهما اتسعت دوائره لا ينبغي أن يتجاوز قوانين ذاتها ـ وهذا ضابط مهم في توسيع النظر الفقهي وتجديده - وإلا كان معنى شارداً يرغم النص على منطوق لم يتناوله من قريب أو بعيد.
الفقه المقارن العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :
ضوابط التوصيف الفقهى للمسائل المستحدثة
إن فهم المعنى عند الشافعي لا يقوم فقط على قاعدة المعقول، وإنما على ما تقتضيه اللغة من فهم لكتاب الله، وأي لبس يظنه البعض في السياق يجد مفاتيح فهمه في إعلاء القطعي» على «ظني»، باعتبار ذلك من قواطع النظام، وقد أشرت أكثر من مرة إلى فكرتي النظام» و«الأحكام والنظام لا أعني به أكثر من الخطاب بالمعنى الأصولي، و «الأحكام» لا أعني به إلا الحكم عند الفقهاء، والغاية من وراء التفريقة بين «النظام» و«الأحكام هي تقول بأن النظام» مطلق كغيره من سنن الله في الكون، وهو مغلق على ذاته يفهم ويكتشف ويعاد فهمه واكتشافه مع تتابع الأجيال ولكنه لا يتعدد ولا يتغير. أما «الأحكام» فهي وصف الفعل - وبعيداً عن فكرة الثابت والمتغير في الأحكام الجزئية ـ وعند التنزيل ترتبط بواقع مغرز له عناصره وأركانه، وشروطه وموانعه، وظرفيته العامة والخاصة، وكلها وقائع حادثة لا بد لها من «وصف» يعتبر سبباً في «قيدها تحت حكم، وعند اختلاف الحال أو المال يتراجع الحكم» ليمارس النظام سلطته في إدخال الواقع تحت كونية النظام» حيث لا أفعال بلا أحكام في دنيا الناس.
في ضوابط التوصيف الفقهي:
كل واقعة إنسانية هي عند التنزيل مسألة مستحدثة؛ لأن التطابق بين الوقائع يخرج من إطار الإمكان إلى الاستحالة، ولعل أنسب تعريف إجرائي للمسألة المستحدثة هو الذي يربطها بالتطور العلمي والتقدم الإنساني، فعلم اليوم ليس كعلم الأسس، وحقوق الإنسان ودوائرها ومنظوماتها في الحاضر ليست ما كان في الماضي، وهذا يعني أن المسألة المستحدثة تستمد جدتها من تطور في العلم أو تقدم في الحقوق، وكلاهما له آثاره السلبية وآثاره الإيجابية، أو كلاهما يخضع المعيارية إسلامية تتعلق بميزان المصالح والمفاسد بالمنظور الثابت في النظام. وأول ما يستدعيه هذا التحليل أن البحث في المستجدات لم يعد حكراً على
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل
الفقيه؛ لأن الجديد في عالمنا المعاصر يحتاج إلى تخصصات علمية مختلفة، فالعلماء هم الذين يحددون وصف «الجدة» والفقهاء هم الذين يستنبطون الحكم»
ونحن هنا أمام أمرين:
الأمر الأول: وقائع معقدة ومركبة تحتاج إلى أهل الاختصاص لتحديدها وضبطها ووصفها، وبغير الوصف الدقيق يتعذر تنزيل الأحكام.
الأمر الثاني: منهجية في الاجتهاد تفرضها جدة الوقائع، وضرورة تعدد الأفهام في النظر إليها، وفي هذا يقول الشيخ القرضاوي: ينبغي في القضايا الجديدة أن ننتقل من الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي، والانتقال ليس كمياً فحسب، بل هو كيفي أيضاً، لأن الاستمداد من النصوص - كما يقول عبد الله دراز في «ميزانه» ليس محدوداً بمنطوقاتها بل كثيراً ما يجاوز فيها العبارة إلى الإشارة، والخصوص إلى العموم، والوسائل إلى المقاصد، فهي منهجية يضبطها الحوار وتبادل الرأي وتلاقي الأكفاء.
والضوابط التي يفرضها التوصيف الفقهي للوصول إلى حكم النازلة يمكن تقسيمها إلى ما يلي:
۱- ضوابط تتعلق بالواقعة
حددنا المسائل المستحدثة في الواقعة التي تتصل بتطور علمي أو تقدم إنساني، وأهم الضوابط التي تتعلق بالواقعة ما يلي:
أ - دخولها من دائرة الإمكان إلى دائرة الحدوث، لأن الوصول إلى حكم لها يتقضي معرفة عناصرها وصفاتها، ونتائجها ومآلاتها، وذلك لا يكون حقيقياً بالوجود الذهني بل الوجود العيني.
ب - صلتها بالفعل الإنساني، لأن التوصيف الفقهي يتعلق بأحكام المكلفينن فلا بد أن تكون للواقعة همزة وصل بدوائر ثلاث: علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بالكون وعلاقة الإنسان بالإنسان.
الفقه المقارن العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :
ضوابط التوصيف الفقهي للمسائل المستحدثة
ج - حاجة الواقعة إلى حكم، فلو أفضى التقدم العلمي إلى معرفة المسافة بين الشمس والأرض، وسرعة الشمس، وطبيعة الكهرباء، فكل هذه المنجزات العلمية هي وقائع تهم العالم، ولا يهتم بها الفقيه.
۲- ضوابط تتعلق بالتعامل مع الواقعة:
أ - وصف الواقعة، وهذا يقوم به أهل الاختصاص الذي تنتمي الواقعة إلى علومه.
ب - وزن الواقعة بميزان المصالح والمفاسد، وهذا يقوم به أولو الأمر، وهم رؤساء الأمة الممثلون لجميع الفئات العالمون بمصالحها، وكبار العلماء، والحكام والقضاء، رؤساء الجند، وكبار التجار، والأطباء المهندسون، وكبار الزراع، ورجال الإعلام، وغير ذلك.
ج - الحكم على الواقعة، وهذه مهمة فقهاء الشريعة لا يشاركهم فيها أحد،
وما يصدر عنهم يكتسب حجية الحكم الفقهي، بإلزاميته المعروفة في السياسة الشرعية.
ضوابط تتعلق باستنباط حكم الواقعة
وهي ضوابط في المنهج تقتضي ما يلي:
أ - تحديد الدليل الذي يحكم الواقعة مع النظر إليه في ضوء المصالح المرعية، والمقاصد الحاكمة، والقواعد المواجهة، وفقه المآلات.
ب - تحديد الموقع الفقهي للواقعة بين الظروف العادية والظروف الاستثنائية، وبين الجماعية والفردية، ولكل آلياته المنهجية وقواعده الأصولية والفقهية.
ج - تحديد جغرافيا الواقعة وهل تنتمي إلى منطقة النصوص الشرعية أم منطقة العفو، أو ما أطلق عليه البعض منطقة الفراغ التشريعي؟
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل
وهنا أشير إلى نموذجين لهما دلالة على منهجية النظر في المسائل المستجدة:
1- النموذج الأول: اجتهاد في شهادة غير المسلمين:
وعصر الجدة في الواقعة أنها ترتبط بفكرة المواطنة، وبمعاهدات حقوق الإنسان وكلاهما أفكار جديدة، والمعلوم أن الفقه الشرعي لا يقر بشهادة غير المسلم على المسلم إلا في الوصية إذا كان المسلم على سفر ولم يجد أحداً من المسلمين، وهو مبدأ مقرر المالكية والحنفية والحنابلة، إلا أنهم قيدوا ذلك بالضرورة.
إلا أن الشيخ محمد علي السايس، والشيخ محمود شلتوت في كتابهما مقارنة المذاهب في الفقه أتجها وجهة مغايرة وقالا : قد يجد الناظر إذا أمعن النظر - في هذه المسألة - أولاً: في مقتضى إباحة التعامل معهم - أي غير المسلمين - وحل طعامهم، ثانياً في مورد قوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) [الإنسان: ۱۳۱] أنه غير متصل بسبيل الشهادة والقضاء، وإنما هو سبيل العزة والغلبة، وثالثاً: إن المطلوب في الحكم هو البيئة التي تكشف الحق وتوضح جانبه وأن هذا يعتمد ظهور الصدق والأمانة في الشاهد لا غير، ورابعاً: في الآيات التي عرضت للشاهدين وأنها للاستشهاد عند المعاملة وإرشاد لاختيار الأفضل في الاستيثاق، وليست الشهادة عند الحكم، فقد يجد الناظر إذا أمعن في كل ذلك أن لا دليل يمنع من قبول شهادة غير المسلمين على المسلمين فيما جرت العادة في وقوعه فيما بينهم من معاملات وجنايات، وأنه لا يشترط في الشاهد أكثر من أن يكون مرضياً ذا عدل في قوله، وهذا لا يمتنع أن يكون في غير المسلمين.
وإذا وصلت إلى هذه النتيجة وجب عليك أن تتساءل عن السبب في أن جمهور الأئمة ذهب إلى القول بمنع قبول شهادتهم على المسلمين، ولعلك إذا بحثت عرفت أنه من قبيل تحكيم الظروف والأوقات الخاصة، وليس من تحكيم الأدلة والبراهين.
۳۲
- الفقه المقارن - العددان (٤-٥) المسنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :
صوابط التوصيف الفقهى للمسائل المستحدثة
النموذج الثاني: عقد التأمين الصحي:
أجاز العلامة محمد علي التسخيري ) عقد التأمين الصحي - وهو عقد جديد معتمد على عدة أدلة أهمها أنه عند الشك في شمول أدلة النهي عن الغرر لهذا المورد وغيره لا يمكننا التمسك بالعام في الشبهة المفهومية للمخصوص المنفصل وتوضيح الأمر فيه إجمالاً هو كما يلي:
من الواضح أن هناك أدلة عامة أو مطلقة تشمل أفراداً عديدة من قبيل: كل ماء طاهر، وأوفوا بالعقود، وأحل الله البيع، وأمثال ذلك. وهنالك أدلة مخصصة لمثل هذه العمومات من قبيل استثناء ما تغير لونه أو طعمه أو رائحته بالنجاسة من عموم كل ماء طاهر. أو استثناء العقود الغربية من حكم الزوم الوفاء». أو استثناء البيوع الربوية من أحل الله البيع، وأمثال ذلك. والأدلة المخصصة أو الأدلة الخاصة تارة تكون واضحة المفهوم ومعلومة المصاديق، وأخرى تكون هناك شبهة في مفهومها أو مصاديقها.
وهناك بحوث مفصلة في أقسام هذه البحوث، إلا أنا سنركز على البحث الذي يرتبط بموضوعنا نحن، وهو بحث يعنون في أصول الفقه لدى الإمامية على النحو التالي:
هل يسري إجمال المخصص ذي الشبهة المفهومية إلى العام أم لا؟ ويعنون به أنه إذا ورد عام وورد مخصص لذلك العام، لكن وقعت شبهة في مفهوم الخاص من قبيل موردنا هذا. فهناك عام يقول: أوفوا بالعقود والمفروض أن المراد هو العقود العرفية، أي التي يؤمن العرف بأنها عقود تامة. وهناك خاص يقول بعدم الوفاء بالعقود الغرورية، ووقع الشك في مفهوم الغرر، وهو شك بين الأقل والأكثر، أي لا نعلم بأن الغرر هل يختص بالغرر الفاحش المؤدي للنزاع في المعاملات؟ أو يمتثل كل جهالة في العقد؟
ملف العدد : المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل.
فالأقل هو خصوص الغرر المؤدي للنزاع عادة، والأكثر هو الأعم منه ومن غيره من أنواع الجهل. هذا هو الموقف في هذه الحالة؟
يقول الأصوليون في هذه الحالة: إن إجمال الخاص لا يسري إلى العام، ذلك أن هذا العام قد انعقد ظهوره بشكل كامل، فشمل كل العقود العرفية. وعندما يأتي الخاص يخصصه في القدر المتقين وهو الغرر الفاحش المؤدي للنزاع، ولكنه لا يستطيع التخصيص فيما عدا ذلك لأنه - أي الخاص - لا تعلم حجيته فيه، أي في القدر الزائد.
فإذا خرج القدر المتقين من تحت العام بحجة أقوى (وهي حجة الخاص) يبقى القدر اللازم لا مزاحم لحجة العام وظهوره فيه، وبتعبير آخر يقول المرحوم الشهيد الصدر، بعد أن يأتي بمثال للعام هو (أكرم كل فقير)، ومثال للخاص وهو لا يجب إكرام فساق الفقراء)، ويتردد مفهوم الفاسق بين مطلق مرتكب الذنب وبين خصوص من ارتكب الكبيرة، يقول: «إن مقتضى الحجية وهو ظهور العام في العموم بالنسبة لمورد الإجمال موجود والمانع مفقود، أما وجود المقتضى فلما تقدم من أن المخصص المنفصل لا يهدم الظهور، وإنما يتقدم عليه في الحجية بملاك الأظهرية أو القرينية، وأما عدم المانع فلأن الثابت من المانع عن حجية العموم إنما هو بمقدار فاعل الكبيرة من الذنب، وأما فاعل الصغيرة فلم يثبت بحسب الفرض خروجه بالتخصيص، فيبقى العام على حجيته لما تقدم من أن ظهور العام بنفسه حجة في نفس التخصيص المحتمل».
وهنا نقول: إن الغرر الذي انتهينا إليه والمنهي عنه لا يمثل موردنا - كما قلنا - فإذا شككنا في شموله لموردنا أي الغرر غير الفاحش الذي لا يؤدي إلى النزاع المعاملي) فمعنى ذلك أننا شككنا في مفهوم الغرر، وترددنا فيه بين خصوص الغرر الفاحش المؤدي للنزاع أو ما يشمل غيره، وحينئذ يمكننا التمسك بعموم أوفوا بالعقود وأمثاله من العمومات والإطلاقات الصحيحة للعقود العرفية، لشمول
الفقه المقارن العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م :
ضوابط التوصيف الفقهي للمسائل المستحدثة
موردنا هذا دون أن يعارضه الدليل المخصص الذي افترضنا فيه شبهة مفهومية.
فهو لا يقوى على إخراج ما يحتمل شموله من نطاق أفراد العام الذي هو حجة فيه، وهذا يعني جواز عقد التأمين الصحي.
في هذين النموذجين منهجية للتعامل مع واقع جديد من خلال فهم جديد يعود إلى الأصول محاولاً تفسيرها ويحتكم إلى القواعد ويتفاعل مع المقاصد لتكون النتيجة في نهاية الأمر إيجاد حكم للواقعة هو الأقرب إلى مقتضى النصوص وأحوال العصر.
الهوامش
(۱) راجع كتاب الاقتصاد الإسلامي، ص ٥٩٤ - ٥٩٦.