2026/08/23 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 6-7قراءة البحث

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

العدد 6-7
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 6-7
دراسة فقهية

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

علي محيي الدين القره داغي

عنوان المقال: التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

الكاتب: أ.د. علي محي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

هيكل المقال: يتكوّن البحث من مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: كيفية التجديد في فقه الاقتصاد والمعاملات المالية

المبحث الثاني: ضوابط التجديد وبخاصة في الاقتصاد والمعاملات المالية

المبحث الثالث: مجالات التجديد

المبحث الرابع: مخاطر التجديد غير المنضبط

أهم محاور المقال:

مفهوم التجديد وضرورته:

التجديد لا يعني التغيير، بل هو إحياء لما اندرس من الدين.

يرتكز على النصوص الشرعية والثوابت، ويجعل الدين صالحًا لكل زمان ومكان.

التجديد يشمل تصفية الدين من البدع، وإعادة تقديمه بوسائل معاصرة.

الركائز الأساسية للتجديد:

المجدد (الشخص أو الجماعة).

المجدد فيه (الدين بمعناه الشامل).

المجدد له (الأمة).

أدوات التجديد (العلم، المقاصد، فقه الواقع...).

ضوابط التجديد:

الالتزام بالثوابت والنصوص القطعية.

الربط بين الجزئيات والمقاصد العامة.

إدراك الواقع وتغيراته الاقتصادية والاجتماعية.

الربط بالعلوم المعاصرة، واعتماد منهجية واضحة في الاجتهاد.

وسائل التجديد الفقهي:

الاجتهاد الفردي والجماعي.

تجزؤ الاجتهاد التخصصي.

تقنين الفقه وصياغته في مواد قانونية.

ربط الفقه بالمجالات الإنسانية والتطبيقية.

التجديد في مناهج التعليم والتأليف وصناعة المجتهدين.

التحذير من التجديد غير المنضبط:

رفض إخضاع النصوص المحكمات للتأويلات الحداثية أو مصالح مادية آنية.

التجديد يجب أن يبقى منضبطًا بأصول الفقه ومقاصد الشريعة.

النتائج والتوصيات:

التجديد ضرورة شرعية وعقلية لإنهاض الأمة.

لا بد من صناعة مؤسسات تعليمية تصنع مجتهدين مجددين.

ضرورة ربط الاجتهاد بالواقع والمقاصد.

الحذر من التجديد المزعوم الذي يخالف ثوابت الدين.

الدعوة لتفعيل الاجتهاد الجماعي والمؤسسي وتطوير مناهج التعليم الشرعي.

الكلمات المفتاحية: التجديد، الاجتهاد، الفتوى، المقاصد، الاقتصاد الإسلامي، المعاملات، الضوابط الشرعية، الاجتهاد الجماعي

ملف العدد

دراسات مقارنة

التجديد في الاجتهاد والفتوى وضوابطه

١. تقييم فقهي لجملة من طرق التحوط من المخاطر في المصرفية الإسلامية

. دور المجامع الفقهية في ترشيد مسيرة المصارف الإسلامية

. الأحكام بين التلفيق والتفريق في التراث الفقهي - وحل المستجدات الفقهية

. ضمان حياة الإنسان في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة

دراسات مقارنة

التجديد في الاجتهاد والفتوى وضوابطه

أ.د. علي محي الدين القره داغي (*)

المقدمة في أهمية التجديد ومعناه

إن الله تعالى أراد لهذه الأمة الدوام والخلود فجعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، وجعلها الأمة الخاتمة بختم الرسالة المحمدية والنبوة الأحمدية فقال تعالى: مَا كَانَ محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً .

وهذا يعني في ذاته كمال الرسالة الإلهية المتمثلة في القرآن العظيم بحيث لا تحتاج معها إلى رسالة أخرى، ولذلك قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام ديناً .

ولكن ختم النبوة وكمال الدين يعنيان في الوقت نفسه أن رسالة هذا الدين صالحة لكل زمان ومكان، وقادرة على حل المشاكل وعلاج الحلول الناجعة لمختلف القضايا الدينية والفكرية والثقافية والعلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية .... وحينئذ تكون شاملة لعنصرين أساسيين، ومقرراً لهما وهما:

أ - الثوابت التي لا تتغير والمتمثلة في الأصول العامة والمبادئ الشاملة لمفاصل الحياة الكلية، وفي جوهرها هي الحماية للأمة من الانصهار في بوتقة الغير بالذوبان والانسلاب الحضاري، وفقدان الهوية.

ب - التطوير والتجديد، وهذا من خلال الاجتهاد والاستنباط كما قال تعالى: ولو

() الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

دراسات مقارنة

ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ... وسواء كان ذلك الاجتهاد اجتهاداً واستنباطاً مباشراً من الكتاب والسنة لمن كان قادراً على ذلك ومتوافراً فيه الشروط، أم كان اجتهاداً انتقائياً ترجيحياً بين الاجتهادات السابقة.

والاجتهاد ليس خاصاً بدائرة الفقه الفرعي، بل هو شامل لجميع النصوص القابلة للاجتهاد وللحالات التي ليس فيها نص وهي منطقة العفو كما في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه سواء كانت في دائرة العقيدة، أم الفكر، أم الفقه، أم غيرها.

وبما أن الله تعالى ختم الرسالات بالقرآن الكريم والأنبياء والمرسلين بسيدنا محمد ال ، فإن الله تعالى جعل لهذه الأمة علماء ومجددين وطائفة منصورة تبقى على الحق وتدافع عنه، وتجدد الدين وأمره حتى تعيده إلى ما كان عليه في عصر الرسول وصحبه أجمعين، وتطبقه على مستجدات العصر، وتعيد له نشاطه وحيويته حيث يقول الرسول ال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، ولفظ (من) في الحديث عام للفرد، والجمع والجماعة، والمؤسسة، كما قال ابن الأثير: (والأولى العموم، فإن "من" تقع على الواحد والجمع، ولا تختص أيضاً بالفقهاء، فإن انتفاع الأمة يكون أيضاً بأولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء، والوعاظ، لكن المبعوث ينبغي كونه مشاراً إليه في كل من هذه الفنون).

يقول فضيلة الشيخ القرضاوي : والذي أراه أن الحديث يفيد أنه لا يبزغ قرن إلا ويبزغ معه فجر جديد، وأمل جديد، وبعث جديد، حتى تستقبل الأمة المسلمة القرن بقلوب يحدوها الرجاء في غد أفضل، وعزائم مصممة على عمل أمثل، ونيات صادقة في تغيير الواقع بما يوافق الواجب، وخصوصاً أن المفروض في الأمة أن تقف على رأس القرن مع نفسها وقفة محاسبة وتقويم محاولة أن تستفيد من ماضيها، وتنهض بحاضرها، وترقى بمستقبلها مبتهلة إلى ربها أن يكون يومها خيراً من أمسها، وغدها خيراً من يومها ) .

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

تجديد الدين، أو تجديد أمر الدين، أو تجديد دين الأمة:

أسند الرسول الحديث السابق التجديد إلى الدين نفسه، وهذا لا يعني تغيير الدين الإسلامي، أو تبديله، أو الزيادة فيه، أو تغيير أحكامه أبداً، لأن التجديد هو غير التغيير لغة وشرعاً، فالتغيير في الدين ليس من حق أحد سوى الله تعالى، فقال تعالى: قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبع إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ فالإسلام مصون، ومحفوظ بنص القرآن، فقال تعالى : إنا نحن نزلنا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وبما أن السنة بيان له فإنها أيضاً محفوظة، ولذلك يكون التجديد عبارة عن (إحياء معالمه، ومحاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما فهم منه ، وترميم ما بلى ورتق ما انفتق، حتى يعود أقرب البلي قديماً، ثم أعيد بفعل فاعل إلى سيرته الأولى المحددة. ما يكون إلى صورته الأولى) .

إذن فالشيء المجدد موجود، ولكن أصابه ما أصابه فاحتاج إلى تجديده، هذا إذا فسرنا (دينها) الوارد في الحديث بالدين الصحيح وهو الإسلام، ولكن يتبادر إلى ذهني معنى جديد له، وهو ما دانت له الأمة الاسلامية مما أدخل فيه بغير حق من الأعراف السائدة، والبدع والخرافات، ومن الإفراط والتفريط، حيث دخل ذلك في الدين فيقوم المجدد (فرداً أو جماعة) فينفي عنه تحريف الضالين، وإفراط المفرطين، وتقصير المفرطين بتشديد الراء المكسورة - كما قال الرسول : لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) وفي رواية لمسلم بلفظ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ......

وتفسير (دينها) بمعنى ما خضعت ودانت له الأمة مقبول في اللغة، ومؤيد بأن الرسول ﷺ أضاف (دين) إلى الأمة، ولم يضفه إلى الله تعالى، أو الإسلام، وهذا يعني أن ما دانت له الأمة الإسلامية وإن كان في ظاهره وأكثره هو دين الإسلام، ولكنهم أدخلوا فيه أشياء، أو تركوا أشياء، فخضعوا لهذا حتى جعلوه ديناً، فيأتي المجدد فيبدد هذه الشبهات، ويعيد الدين إلى صفائه ومنهجه ليحيى بفطرته التي فطر الله المؤمنين

دراسات مقارنة

عليها فيحذف منه كل ما أدخل فيه وليس منه، ويعيد إليه كل ما حذف منه وهو منه، وهذا لا يعني أيضاً وجود تحريف في الكتاب والسنة، وإنما أن الناس يظنون هذه الزيادات أو التروك من الدين، ثم يتبين الحق على أيدي هؤلاء.

نبذة موجزة من حركة الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي

إذا ألقينا نظرة فاحصة في تأريخ فقهنا العظيم نجده قد مر بعدة أدوار من صعود وإبداع وابتكارات نهضت معه الأمة وانتعشت، وانتعشت ثم تلتها حالات من الجمود والركود، ثم ما ما . لبثت أن تنهض مرة أخرى على أيدي مجتهدين مجددين لم يخل منهم عصر من العصور.

ولكن حديثنا في هذه العجالة هو عن سمات العصور السابقة بالنسبة للاجتهاد والتجديد، حيث كانت القرون الثلاثة التي شملت عصور الصحابة والتابعين وعصر من بعدهم من أعظم العصور الإسلامية التي شهدت حركة اجتهادية واسعة وحركة حضارية وعلمية ودعوية، نتجت عن الاحتكاك الحضاري الواسع، وعزم الفقهاء عزماً قاطعاً على إيجاد الحلول لكل ما تركته الحضارة الرومانية والحضارة الفارسية (١٣).

وظل الاجتهاد مزدهراً إلى منتصف القرن الرابع الهجري ولا سيما في ظل الخلافة العباسية التي أعطت الأولوية للفقه، وشجعت العلماء في مختلف العلوم على الإنتاج والإبداع، والترجمة من مختلف الحضارات، بل طلب بعض خلفاء بني العباس تأليف كتب كانت الأمة بحاجة ماسة اليها، مثل ما طلب أبو جعفر من الإمام مالك تأليف الموطأ، وطلب هارون الرشيد من الإمام أبي يوسف أن يؤلف كتاباً لتنظيم الحياة الاقتصادية للدولة، فألف كتاب (الخراج).

أدت إلى هذا الازدهار مجموعة من العوامل من أهمها: التواصل بين مؤسستي (الخلافة، والعلم)، حيث إن التطبيق العملي يؤدي إلى حل مشاكله اليومية، مما يثرى به الفقه، فمثلاً أدت حركة المؤسسات المالية الإسلامية البنوك والتأمين إلى حركة اجتهادية واسعة في مجال الاقتصاد والمعاملات المالية.

١٤٠

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

بالإضافة إلى هذا العامل فقد ساعد على هذا النمو الفقهي العامل الاجتماعي المتمثل في ازدهار المجتمعات وثقافتها وتنوع علومها، وكذلك العامل العلمي حيث دونت العلوم الأساسية مثل علوم التفسير، والقرآن والسنة النبوية المطهرة، وعلوم الحديث، وكذلك علم أصول الفقه.

وكان من أهم سمات هذا العصر من الناحية الاجتهادية هو الاجتهاد المباشر من الكتاب والسنة، وبالتالي العودة إليهما مباشرة مع الاستفادة مما تركه السابقون، ومن علوم العصر، إضافة إلى دراسة النوازل التي تحتاج إلى اجتهاد من كل جوانبها لتنزيل النص عليها بصورة صحيحة، ومنذ أواخر القرن الرابع الهجري، أو بداية القرن الخامس الهجري ظهرت العناية بكتب المذاهب الفقهية، بل ظهر منهج التخريج والاستنباط من نصوص أئمة المذاهب، ناهيك عن شرحها واختصارها ونظمها، وبذلك اتجه الفقه الاجتهادي منحى آخر في منحاه السابق، وحدث خلل بل انقلاب في أصل منهج الاستنباط والاستدلال.

وحدث أمر آخر في تقرير الأحكام، حيث كان الفقه في السابق يعتمد على فقه التنزيل من خلال ربط الاجتهاد بالواقعة فقط، والانطلاق من الواقعة إلى الحكم، ولكن حدث العكس حيث انطلق العلاج من التنظير إلى الواقعة، وظهر منهج التقرير للأحكام المجردة، ولذلك قلت العناية بمقاصد الشريعة، وفقه المصالح والمفاسد، والعرف، فغلب فقه الفهم على فقه التنزيل (14).

ونحن في هذه العجالة لا ننكر دور علماء المذاهب الفقهية في إثراء الفقه المذهبي، وعلاج مشكلات العصر، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر ضمور الاجتهاد والتجديد إذا قسنا هذه العصور بالعصور الثلاثة الأولى، غير أن الذي أضعف الفقه بصورة واضحة هو سقوط الخلافة العباسية بسقوط بغداد عام ٦٥٦هـ على أيدي المغول والتتر، وتمزق الأمة إلى دويلات، ولكن الوحدة للأمة عادت مرة أخرى بدءاً بنور الدين الزنكي، وأكمله

دراسات مقارنة

صلاح الدين الأيوبي، مما دفع إلى تنشيط الحركة العلمية والفقهية والحديثية في مصر وبلاد الشام والعراق، وغيرها، فانطلق صلاح الدين من الاجتهاد إلى الجهاد، ومن توحيد الأمة إلى تحريرها .

والخلاصة أن الفقه الاسلامي منذ العصور الأخيرة قد ضعف دوره وأن الاجتهاد أو التجديد فيه قد قل ليس لسبب واحد، وإنما لأسباب كثيرة لا يسع المجال للخوض فيها، وساهم في ذلك أيضاً منهجية التأليف التي ركزت على الاختصار، ثم الشرح، ثم الحواشي، وانقطاع الصلة بأمهات الكتب الأصلية لفقهاء المذاهب، والاعتماد - في الغالب على الحفظ المجرد دون الفهم والتحليل والتأصيل، وأخطر من ذلك كله عدم العودة إلى الينبوع الصافي المتمثل بالكتاب والسنة، ومقاصد الشريعة، أو البعد المقاصدي.

وقد اكتشف ابن خلدون سلبية هذه الطريقة وبين أضرارها، فقال: (اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التأليف، واختلاف الاصطلاحات في التعاليم، وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها، فيقع القصور ولابد، دون رتبة التحصيل ) .

وضرب ابن خلدون لذلك مثلاً بالمدونة في مذهب مالك، وما كتب عليها من الشروح التي اختلفت فيها طرق الكاتبين من علماء قرطبة، وبغداد، والقيروان، ومصر، فإن المتعلم كما قال: «لا يصل إلى بغيته من التحصيل ولا يسلم له منصب الفتيا إلا إذا أحاط بهذه الطرق علماً وميز بينها، مع أن أحكام طريقة واحدة منها يستنفد العمر) .

الفقه في عصر الاستعمار الحديث

أصيب العالم الإسلامي بنكسة كبيرة في مختلف مجالات الحياة، وبكارثة خطيرة من خلال الاحتلال المباشر وغير المباشر منذ القرن السابع عشر الميلادي للهند، ثم الجزائر، والمغرب العربي، وأفريقيا، والشرق الأوسط، بل ومعظم العالم الإسلامي، حيث

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

فرض المحتلون هيمنتهم السياسية والاقتصادية عليه، ولم يكتفوا بذلك، بل أبعدوا أحكام الشريعة عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية، وفرضوا قوانينهم الوضعية على البلاد الإسلامية رسمياً، فبعد إسقاط الدولة العثمانية قام الرئيس الجديد لتركيا مصطفى كمال نفسه بإلغاء جميع القوانين والأحكام الشرعية المطبقة في البلاد، وإحلال القانون السويسري محلها عام ١٩٢٦م، وقبل ذلك فرضت القوانين الفرنسية على الجزائر والبلاد التي احتلتها فرنسا، بل إن خديوي مصر إسماعيل فرض هو الآخر نيابة عن فرنسا القانون المدني المختلط الذي كان نسخة غير مهذبة عن القانون المدني الفرنسي عام ١٨٧٦، ثم تبعتها سورية ومعظم العالم العربي، وفرض القانون الإنجليزي في مصر والسودان والعراق، والقانون الإيطالي في ليبيا والصومال، وهكذا......

فقد ترك هذا الواقع الجديد الذي لم يشهد مثله حتى في عصر المغول والتتر آثاراً سلبية على حياة المسلمين بصورة عامة، وعلى الفقه الإسلامي بوجه خاص، من حيث المنهج والتأليف والإنتاج، والاجتهاد والتجديد.

النهضة الحديثة

بدأت معالم النهضة الحديثة منذ القرن الثالث عشر الهجري، حيث ظهر عدد من المصلحين والمجددين في العقيدة والفكر والفقه، أمثال الصنعاني، والشوكاني في اليمن، والشيخ محمد عبد الوهاب بالجزيرة، ثم الأفغاني، ومحمد عبده، والشيخ رشيد رضا، وحسن البنا، والمودودي، والشيخ سعيد النورسي بتركيا، وهكذا.....

وظهرت بدايات النهضة الفقهية من خلال مجلة الأحكام العدلية، ومجموعات العلامة محمد قدري باشا، ثم المقارنات...

وأما النهضة الحديثة للاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات فقد بدأت فعلاً بعد القرار الحاسم لمجمع البحوث الإسلامية بحرمة فوائد البنوك، وأنها الربا المحرم الذي نزلت فيه الآيات القرآنية وذكرت في الأحاديث النبوية وذاك في عام ١٣٨٥هـ - ١٩٦٥م حيث

(١٤٣

دراسات مقارنة

بذلت جهود عظيمة، وتمخض عنها فعلاً إنشاء أول بنك إسلامي بدبي عام ١٩٧٥م، ثم بنك التنمية، وتوالت البنوك الإسلامية تترى إلى أن وصلت إلى المئات وعشرات الآلاف من الفروع، والصناديق ونحوهما من المؤسسات المالية الإسلامية.

وبما أن الفكر يتطور مع التطبيق فإن الفقه الإسلامي في مجال المعاملات المالية الإسلامية قد تطور تطوراً هائلاً استطاع أن يحل المشاكل المعقدة لمئات، بل آلاف المسائل والوقائع والمستجدات في عالم المال والاقتصاد والبنوك.

أركان التجديد:

تتكون أركان التجديد وعناصره الأساسية من أربعة أركان، وهي:

١. الشخص المجدد.

والمجدد - بفتح الدال - وهو الدين.

. والمجدد له، وهو الأمة.

. والمجدد به، وهو أدوات التجديد ووسائله.

ونحاول أن نذكر هذه الأركان الأربعة بشيء من الإيجاز.

الركن الأول: المجدد، وهو الشخص الذي تتوافر فيه شروط التجديد في المجال الذي يوفقه الله تعالى للتجديد فيه، فقد يكون التجديد في الأمور العقائدية والفكرية التي شابتها تصورات غير صحيحة وبدع وخرافات، فيقوم المجدد بتصحيحها، ونشر العقيدة الصحيحة والفكر الصحيح، والتصورات الصحيحة، وهكذا.... كما سيأتي.

الركن الثاني: المجدد، وهو الدين بمعناه الشامل للعقيدة، والفكر، والأخلاق، والعبادات والمعاملات والسياسة والاقتصاد والجهاد والقضاء، والعلاقات الإنسانية.....

فلفظ (دينها) في الحديث السابق يشمل كل ما يسمى ديناً، وبالتالي فالتجديد يشمل كل هذه الجوانب، ولكن بالمعنيين اللذين ذكرتهما للحديث.

ومن المعلوم أن التجديد لن يتحقق إلا بأربعة أمور:

۱ - معرفة دين الله الصحيح كما هو في الكتاب والسنة والإجماع.

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

۲ - معرفة ما أدخل فيه من الزيادات، أو ما نقص منه.

  • الاجتهاد فيه بمنهجية واضحة لبيان كماله وشموله، وصلاحيته لكل زمان ومكان وقدرته على الحلول الناجعة، بل التقديم الفعلي لهذه الحلول التي تنبثق من أصول الدين العامة، ومبادئه وقواعده الكلية، أو نصوصه الجزئية.

٤ - عرض الدين العرض المطلوب بلغة العصر، وخطاب مؤثر جذاب لإظهار جماله وروعته وسبقه وتفوقه، إذن فمجالات التجديد شاملة لكل فروع الدين والشريعة.

الركن الثالث: المجدد له، وهو الأمة الاسلامية، التي تكون مستعدة للتجديد، ويكون للمجددين أنفسهم دور في النهوض بهم مثل هذه الصحوة المباركة التي قام بها الدعاة والمصلحون في شتى مجالات الحياة الفقهية والفكرية السياسية والاجتماعية والأخلاقية.

الركن الرابع: أدوات التجديد، وهي كثيرة من أهمها: العلم بشتى أنواعه الفكر والفقه سواء كان فقها في العبادات، أم في المعاملات ونحوها، أم فقهاً سياسياً، أو اقتصادياً .... ومن أهم جوانب تجديد الفقه ربطه بالمنظومة المقاصدية، واستثمار العلوم المعاصرة وبخاصة علم الاجتماع لتطويره.

وقد تكون أدوات التجديد تتم من خلال التخطيط الاستراتيجي والنجاح في تحقيقه

على مستوى الأمة، أو الفتوحات والجهاد بشتى أنواعه، فمثلاً نور الدين الزنكي، مجدد من خلال تخطيطه، وأما صلاح الدين الأيوبي فمجدد من خلال التخطيط، والتحرير والفتح المبين، وكذلك السلطان محمد الفاتح، وهكذا. وقد يتم التجديد بالمشروعات الاقتصادية والاجتماعية، حيث يقدم شخص أو جماعة مشروعاً اقتصادياً معيناً فيؤدي إلى إنعاش الأمة أو جزء منها، وتنميتها، والنهوض بها وإنقاذها من الفقر والمجاعة، أو من البطالة أو التضخم... وقد يقدم مشروعاً اجتماعياً فتتحقق به إغاثة الأمة والخروج بها من أزمة اجتماعية، وهكذا.....

بين التجديد والاجتهاد

أدوات التجديد كثيرة تتحقق بالقول والعقل والفكر والفقه، وبالتقنيات الجديدة

١٤٥

دراسات مقارنة

والأفكار والمشروعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين التجديد والاجتهاد.

إن من لوازم التجديد الاجتهاد، فلا يمكن أن يكون هناك تجديد حقيقي مع التقليد والتعصب الأعمى، ولا بد أن يعلم هنا أن التقليد المنبوذ هو غير الاتباع والقدوة، والموافقة والأخذ برأي أهل العلم لمن لم يكن عنده العلم، فقد قال تعالى: فَاسْأَلُوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .

فالتقليد المرفوض هو الجمود على فكر شخص أو مذهب معين، وعدم التزحزح عنه مهما كانت الأدلة واضحة قوية ثم إن الناس في العلم مراتب، فمنهم من لديه القدرة على الاجتهاد فيجب عليه الاجتهاد ما دامت شروطه متوافرة، ومنهم من هو قادر على الترجيح وله أهليته فعليه أن يفعل ذلك، ومنهم من ليس له أهلية العلم فهذا يجب عليه أن يسأل أهل الذكر، لكن لا يجوز لهم التعصب لرأي مطلقاً حتى ولو لم يكن له دليل..

المبحث الأول: كيفية التجديد في فقه الاقتصاد الإسلامي والمعاملات المالية:

المقصود بالتجديد في فقه الاقتصاد والمعاملات المالية المعاصرة هو تحقيق ما يأتي: (۱) تجديد الفكر الاقتصادي والنظام الاقتصادي والنظريات الاقتصادية من خلال

أصول فكرية متكاملة، وحلول عملية ناجعة لكل المشاكل الاقتصادية المحلية والعالمية، وربط محكم بين الأصول والحلول، وبين الجزئيات والكليات، وبين المسائل الفرعية والأدلة الجزئية والمقاصد العامة للشريعة الغراء.

(۲) تجديد أصول الاستنباط للقضايا الاقتصادية ومناهجه حتى تكون قادرة على تجديد الفقه، وذلك لأن أي تجديد للفقه لا يتم إلا من خلال تجديد في مناهجه؛ لأن أصول الفقه هو منهج الاستنباط الذي ينبثق منه الفقه مباشرة، ولا يقصد بتجديد أصول الفقه التقليل من شأن القواعد الأصولية، أو التشكيك فيها، أو تغييرها، لأن علم أصول الفقه عظيم في قواعده ومبادئه وضوابطه وهو يمثل كيفية الاستنباط الصحيح في الإسلام، وإنما المقصود بذلك ما يأتي:

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

أ - إعادة النظر فيما ليست له علاقة بعلم أصول الفقه واستبعاده من خلال منهج أصولي واضح - كما فصله الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة ، وكما بينه الإمام الشوكاني حيث بين أهمية التجديد في علم أصول الفقه، لأن فيها بعض المسائل تؤدي إلى التقليد بدل الاجتهاد، ولذلك فرض على نفسه في كتابه: إرشاد الفحول إلى علم الأصول، أن يبين الراجح من المرجوح، والسقيم من الصحيح، وما يصلح لإدخاله في علم أصول الفقه، وما لا يصلح من خلال ربط الاجتهاد بالاستنباط من الكتاب والسنة، قال: (ويخرج بطريق الاستنباط: نيل الأحكام من النصوص ظاهراً، أو حفظ المسائل، أو استعلامها من المفتي، أو بالكشف عنها في كتب العلم فإن ذلك وإن كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي، فإنه لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي ) .

كما حصر الاجتهاد في الاجتهاد المطلق المباشر، ولذلك ذكر شروط هذا النوع فقط، وهي العلم بالكتاب والسنة، وبخاصة ما يتعلق بالأحكام، ومعرفة مسائل الإجماع، والعلم بأصول الفقه، والناسخ والمنسوخ، وباللغة العربية التي شدد فيها فاشترط أن يكون له فيها ملكة تمكنه من معرفة معاني الألفاظ، وخواص تركيبها، ولطائفها ومزاياها ".

ب - ربط الجزئيات بالمقاصد العامة، والمبادئ العامة، والقواعد الكلية، والتوزان بين الوسائل والغايات، وبين الفرعيات والكليات وبين سد الذرائع وفتحها، وبين فقه المآلات والأحكام الظاهرة.

ج - استحداث بعض الأصول المهمة التي تساعد على الفهم والاستنباط، مثل فقه الميزان الذي لا يستغني عنه باحث، ومثل المنهج الزوجي الكلي في الفهم بدل المنهج الأحادي الجزئي.

(۳) ربط الفقه بالمنظومة المقاصدية.

(٤) السعي لاستخراج كليات وقواعد عامة، أو ما يسمى بالمبادئ العامة، أو النظريات العامة لتنتظم من خلالها فروع كثيرة ومسائل مختلفة.

فالاهتمام بالتنظير والتخريج والتقعيد يعتبر من أهم أنواع التجديد في عصرنا الحاضر، وقد نشطت هذه الحركة من خلال الرسائل الجامعية في مختلف المبادئ والنظريات

دراسات مقارنة

الفقهية، مثل: مبدأ الرضا في العقود، ومثل نظرية التعسف في استعمال الحق، وغيرهما، حيث جمعت كل المسائل الخاصة بموضوع المبدأ أو النظرية، ورتبت ترتيباً جيداً سهل على الباحثين الرجوع إلى الموضوع، وأعطتهم فكرة جامعة مانعة شاملة.

(٥) المقارنات الفقهية داخل المذاهب الفقهية كلها - من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإباضية، والظاهرية، والإمامية - بل وصلت إلى آراء المذاهب المندثرة، وآراء الصحابة والتابعين

فهذه المقارنات أحدثت حركة فقهية واسعة أدت إلى إحياء الفقه المقارن، ولا سيما

إذا التزمت بالمنهج الصحيح الآتي:

أ - ذكر آراء جميع المذاهب من مصادرها الموثوقة بدقة وموضوعية.

ب - تحرير محل النزاع، وبيان ما هو المتفق عليه، وما هو المختلف فيه، أي تحديد

الخلاف بدقة وعمق مع بيان آثار الخلاف إن وجدت.

ج - ذكر أدلة كل فريق بأمانة وصدق.

د - مناقشة كل دليل من أدلة المختلفين.

هـ - بيان الراجح الذي يرجحه الدليل دون تعصب لأي رأي مهما كان الرأي.

و - أدلة الرأي الراجح، وتطبيقاته، وآثاره على الواقع.

(٦) ربط الاجتهاد بفقه الميزان الذي يساعد كثيراً على فهم الكتاب والسنة.

(۷) تعميم دائرة الفقه لتشمل فقه الأولويات، وفقه الموازنات، والأوزان، وفقه الواقع

ومعرفة فقه المراحل، ففقه التمكين غير فقه الاستضعاف، وفقه المرحلة المكية كان غير فقه المرحلة المدنية، وفقه السنن سنن الله الحاكمة في الكون، وسننه الحاكمة في النشاط من صناعة الحياة، وصناعة الموت من حيث البقاء والتمكين والظفر والنصر والقوة للأحسن، حيث يقول الله تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور " فبهذا الفقه الشمولي، وبهذا الفكر العميق يتحقق التجديد الحقيقي.

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

(۸) العناية القصوى بفقه التنزيل مع فهم النص، أي تنزيل النص على الواقعة، حيث يظهر دور الاجتهاد بشكل كبير مع جميع النصوص بما فيها النصوص القطعية، حيث نرى أن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه لا يطبق النص القطعي المجمع عليه في حد السرقة من خلال فقه التنزيل، أي أن ذلك النص القطعي لا ينطبق على حالة المجاعة، لأنه خاص بتكامل أركان الجريمة، وهذا لا يتحقق في حالة المجاعة.

ومن باب فقه التنزيل الشروط والضوابط التي وضعتها الشريعة أو الفقه لتحقيق الواجب، أو المحرم.

ولعدم الالتفات إلى هذا الفقه والتجديد فيه وقعت - ولا زالت تقع - أخطاء جسيمة، ولا سيما لدى الشباب المخلص المتحمس الذي يطبق نصوص الجهاد والقتال والغنائم دون النظر إلى فقه تنزيلها، وبذلك طغى فقه الفهم والدلالة على فقه التنزيل والتحقيق.

ولأجل تحقيق هذا الفقه وضع المحققون من علماء الفقه والأصول مجموعة من الأصول المهمة العامة، فمثلاً وضعت جماعة من الفقهاء وبخاصة الحنفية، الاستحسان، والعرف لكبح جماح القياس، كما وضع آخرون مقاصد الشريعة لخدمة فقه التنزيل، وهكذا...

(۹) المقارنة بين الفقه الإسلامي بمذاهبه، وبين القوانين الوضعية، أو النظم الوضعية الأخرى الاقتصادية، أو السياسية.

هذه المقارنة بين النظامين (الإسلامي) و(الوضعي) تفيد الفقه الإسلامي فائدة كبيرة من حيث العلاج، ولكن بشرط واحد، وهو أن لا نضحي بمنهجية الفقه وأصوله وضوابطه في سبيل الوصول إلى قاعدة قانونية.

حيث لا يجوز أن يقرأ أصول الفقه من خلال قواعد القانون، ولا الفقه في إطار النظريات القانونية، وإلا دخلنا في عالم التقليد والمحاكاة للغير، وهو أشد سلبية من التقليد الداخلي.

(۱۰) ربط الاجتهاد الفقهي بالعلوم الإنسانية، وبخاصة العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية، بل العلوم ذات الصلة بالموضوع مثل الطب، فلا يستقيم للفقيه رأيه حول

١١٤٩

دراسات مقارنة

موضوع اجتماعي أو نفسي أو تربوي إلا إذا كان لديه إلمام بهذه الجوانب، أو أن يستعين بأحد المختصين فيها، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالقضايا الطبية مثل أحكام الجنين، وموت المريض في حالة حركة القلب بالجهاز ولكن مع موت الدماغ، وقضايا البصمة الوراثية، وغيرها ".

وقد كان الأئمة السابقون يولون العناية بهذه العلوم، فكان معظمهم موسوعيين جمعوا بين الفقه والأصول والعلوم الأخرى، واستثمروها لصالح الفقه، مثل الغزالي وابن رشد والرازي وغيرهم، ولذلك شدد الغزالي النكير على من يفصل بين علوم الشريعة وغيرها، فيقسم العلوم كلها إلى ما هو من فروض العين، أو الكفاية، أو الاستحباب، والإباحة ".

وفي مجال الاجتهاد في الاقتصاد والتجديد فيه فلا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال المعرفة العميقة بالعلوم الاجتماعية والسياسية ونحوهما.

(۱۱) الاجتهاد الجماعي

وقد عرف بأنه الاجتهاد الصادر من المجامع الفقهية، مثل: مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، ومجمع الفقه الإسلامي بالهند، والسودان، ويلحق بها المؤتمرات الفقهية والندوات الفقهية المتخصصة.

إن هذا النوع من الاجتهاد يقوم على المشاورة والمناقشة بين الأعضاء والحاضرين للوصول إلى رأي، أو فتوى، أو قرار يصدر بإجماع الحاضرين، أو بأغلبيتهم، وهذا ليس جديداً، بل كان هو الأصل في عصر الخلافة الراشدة بالنسبة للقضايا الاجتهادية التي تهم الأمة الاسلامية، حيث سار الخليفة الأول أبوبكر الصديق، ومن بعده من الخلفاء الراشدين على هذا المنهج، فقد كانوا إذا عرضت عليهم مسألة جديدة نظروا في كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيه نصاً، نظروا في سنة رسول الله ا ، فإن لم يجدوا فيها،

جمع الخليفة علماء الصحابة وكبارهم، واستشارهم في القضية المعروضة.

فقد روى البغوي والبيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران، قال: (كان أبوبكر

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين عن السنة، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله لا قضى في ذلك بقضاء ؟.... فإن أعياه ذلك، جمع رؤوس المسلمين وعلماءهم، واستشارهم، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به.

وكان عمر يفعل ذلك .... فكان إذا رفعت إليه قضية قال: ادعوا لي علياً، وادعوا لي زيداً، وكان يستشيرهم، ثم يفصل بما اتفقوا عليه ) ".

وقد بعث عمر رضي الله عنه رسالة إلى القاضي شريح الكندي (ت ۷۸هـ) عندما ولاه قضاء الكوفة قال فيها: (فإن) : ( فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن رسول الله ﷺ ، فاقض بما أجمع عليه الناس ....... ..

بل إن أبا هريرة رضي الله عنه وصف رسول الله له بكثرة المشاورة لأصحابه فقال: (ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول ).

وعقد البخاري باباً ترجم له باب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم (۷) وشاورهم في الأمر ثم ذكر مشاورة النبي لأصحابه يوم أحد في القيام والخروج، فرأوا له الخروج ... وقال: وشاور علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة..... وكانت الأئمة بعد النبي يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.. وكان القراء أصحاب مشورة عمر، كهولاً كانوا أو شباناً ... .

وذكر الحافظ ابن حجر عدداً كبيراً من استشارات الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ... وقد سار على هذا المنهج كبار التابعين، فهذا هو الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز لما ولي المدينة جمع عشرة من فقهائها " وقال لهم : ( إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً الا برأيكم، أو برأي من حضر منكم ..

وهذا المنهج الاجتهادي القائم على المشورة طبقه هؤلاء الخلفاء الراشدون تنفيذاً لأمر الله تعالى بالشورى في كل الأمور، ولأمر رسول الله ﷺ وسيرته العطرة، فقد أمر

دراسات مقارنة

الله تعالى بالشورى فقال تعالى: وشاورهم في الأمر " ووصف المؤمنين بقوله: وأمرهم شورى بينهم .

وروى مالك والطبراني عن سعيد بن المسيب عن الخليفة الراشد علي رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله ! الأمر ينزل بنا ما لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه منك سنة ؟ قال: (أجمعوا له العالمين، أو قال (العابدين) من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد) .

ولكن الاجتهاد الجماعي - على الرغم من أهميته - لا يغني عن الاجتهاد الفردي، ولا يمنع منه، إذ الاجتهاد الفردي من أهم روافد الاجتهاد الجماعي، كما أنه هو الأكثر احتكاكاً بمشاكل الأمة اليومية، وقضاياها المتجددة ونوازلها الكثيرة، ولذلك يجب أن يسير الاجتهاد الفردي بجانب الاجتهاد الجماعي، ولا ينبغي أن ينفرد في الفتوى في القضايا الكبرى شخص واحد.

(۱۲) تجزؤ الاجتهاد من الأمور المهمة في هذا الميدان ما ذكره جماعة من الأصوليين مثل الغزالي " الذي تبعه جمهور الأصوليين في تجزؤ الاجتهاد ، ويقصد به أن يكون أحد العلماء مجتهداً في باب واحد، مثل المعاملات، أو في مسألة واحدة منها، ولا يكون مجتهداً في غير ذلك. وهذا هو ما يحدث في عصرنا الحاضر من خلال الرسائل العلمية المتخصصة للدكتوراه، حيث يمكن أن يصبح صاحبها مجتهداً في موضوع رسالته إذا توافرت فيه شروط الاجتهاد.

(۱۳) تقنين الفقه الإسلامي وصياغته صياغة قانونية على شكل مواد منظمة مرتبة، حتى يسهل فهمه والرجوع إليه، وحتى يعرف المتخاصمان الرأي الذي يطبق عليهما، ولكن دون التضحية بخصائص الفقه الإسلامي.

وقد بدأ تقنين الفقه الإسلامي منذ البدء بمجلة الأحكام العدلية ١٢٨٥هـ - ١٨٦٩هـ ثم صدور المرسوم بتطبيقها في شعبان ۱۲۹۳هـ حيث تحتوي على ١٨٥١ مادة تخص المعاملات في المذهب الحنفي، وضمت في صدرها ۹۹ قاعدة، ورتبت أبوابها وفصولها

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

على غرار القانون المدني

وأصدرت الدولة العثمانية بعد ذلك قانون حقوق العائلة عام ١٣٣٦هـ

وقام العلامة محمد قدري باشا (ت ١٣٠٦هـ) بإصدار ثلاثة كتب بصياغة قانونية، وهي: مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية على مذهب أبي حنيفة في ۱۰٤٩ مادة، والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية في ٦٤٧ مادة، وقانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف في ٦٤٦ مادة على المذهب الحنفي ، وقام العلامة مصطفى الزرقاء بجهود حثيثة للتقنين وتأصيله، وبخاصة في كتابه: قانون الأحوال الشخصية الموحدة.

وفي مجال المعاملات والاقتصاد تعتبر المعايير الشرعية، والمعايير المحاسبية من أهم

التقنيات المعاصرة

(١٤) التشجيع على الاجتهاد بنوعيه، مع توفير مستلزماته:

أ - الاجتهاد الانتقائي القائم على دراسة ما لدى الأمة الاسلامية من ثروة فكرية وفقهية وحضارية، ثم ترجيح ما يرجحه الدليل ومقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، والقيام بعملية انتقائية متجردة للوصول إلى ما فيها من كنوز وخبرات وبركات .

وهذا الانتقاء والترجيح، أو التصفية والتخريج لا ينبغي أن يقف عند حدود الفقه وأصوله، بل لا بد أن يشمل كل ثروتنا الفكرية والحضارية مما سطره الأوائل في عالم التفسير والحديث والاجتماع والنفس بالإضافة إلى الفقه وأصوله.

ويكون الغرض من هذا الاجتهاد تحقيق أربعة أهداف

أحدها: الاستفادة من الحلول الموجودة - كما هي - داخل هذه الثروة العظيمة، حيث إن معظم المشاكل قديمة وجديدة، تتكرر مع تكرار الزمن، وأن الأسئلة عنها تتكرر مع مر العصور والأزمان.

الثاني: الاستفادة من حلول الفقه والفكر الإسلامي وأصوله من خلال شيء من التعديل والتقويم، أو إلباسه ثوب العصرنة، أو من خلال التلفيق المقبول بين الآراء، فمثلاً: إن

(١٥٣

دراسات مقارنة

الجمهور يقولون بأن عقوبات الحرابة المذكورة في قوله تعالى إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأَرْضِ فَساداً أَنْ يَقتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تَقطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأَرْضِ ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) تنزل كل واحدة منها على فريق معين من المجرمين، فالذي يقتل ويأخذ المال يقتل ويصلب..... وهكذا، في حين أن المالكية يعطون الحرية للإمام أو من ينوب عنه في الاختيار حسبما يراه مصلحة، فيمكننا اليوم أن نجعل قول الجمهور هو الأصل، وقول المالكية في حالات معينة ينص عليها في النظام (القانون) العقابي - مثلاً -

الثالث: إعادة النظر في الأدلة التي اعتمد عليها الفقهاء والأصوليون والمفكرون القدامى من النصوص الظنية دلالة وثبوتاً، أو دلالة فقط، أو ثبوتاً فقط، فهذه الأنواع الثلاثة تحتاج إلى إعادة النظر في معانيها وسياقها ومراميها، حيث تتجدد بتجدد العصر، فمثلاً: إن جل الاجتهادات السابقة في معنى قوله تعالى: وفي الرقاب تدور حول أنه يقصد به العبد المكاتب الذي يريد التحرير، أو تحرير الرقيق مباشرة، وبما أن الرق قد انتهى، وأن هذه النهاية مقصودة للشارع من خلال تشريعاته، وبما أن نصوص القرآن خالدة؛ أعدنا النظر في معناه فوجدناه ليس نصاً في معناه السابق، بل يقصد به من أذلت رقبته، وهو معنى خالد لا ينتهي، حيث يطبق اليوم على الشعوب المحتلة من قبل المستعمرين، وعلى الأسير والمختطف فتصرف حصته على هؤلاء (١٣.

ويدخل في هذه المجال إعادة النظر على ما بني على ما ادعي من الإجماع، حيث تبين فيما بعد أن الإجماع الأصولي لم يتحقق، بل كان إجماعاً سكوتياً، أو أنه ثبتت مخالفة البعض، أو أن الإجماع كان مبنياً على العرف أو المصلحة، فتغير العرف اليوم، أو المصلحة المبتغاة من ذلك.

وكذلك ما بني على العرف فينبغي إعادة النظر فيه، لأن العرف المطلوب هو العرف المقارن وليس العرف السابق، يقول الإمام القرافي: (لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات، والعيوب في

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

(١٥٤

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

الأعراض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى الحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيباً في الثياب في عادة رددنا به المبيع، فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوباً موجباً لزيادة الثمن لم ترد به.

وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا؟ وعلى هذا التحرير يظهر أن عرفنا اليوم ليس فيه الحلف بصوم شهرين متتابعين فلا تكاد تجد أحداً بمصر يحلف به فلا ينبغي الفتيا به وعادتهم يقولون: عبدي حر، وامرأتي طالق، وعلى المشي إلى مكة، ومالي صدقة إن لم أفعل كذا؛ فتلزم هذه الأمور. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحاً مستغنية عن النية ) .

وكذلك إعادة النظر في بعض الأحكام المأخوذة من الأحاديث النبوية الشريفة من حيث تصنيفها على أساس ما قاله الرسول بلاغاً من رب العالمين، أو على أساس أنها مما قاله بحكم كونه إماماً، أو قاضياً، أنه نطق به لأنه من الأعراف السائدة في عصره ، مثل وصف بعض الأدوية السائدة في عصره .

الرابع: إحياء بعض الآراء الفردية لغير المذاهب المشهورة التي هجرتها العصور السابقة بسبب شهرة المذاهب المعتمدة في العالم الإسلامي، وهي الآراء النادرة لبعض

دراسات مقارنة

الصحابة، أو التابعين، أو علماء الأمة على مر العصور، فمثلاً كان رأي ابن تيمية المعتمد على رأي ابن عباس في عدم وقوع الطلقات الثلاث بلفظة واحدة، يعد في السابق من الآراء الشاذة التي حورب من أجلها، واليوم أصبح هذا الرأي مطبقاً في معظم قوانين العالم الإسلامي الخاصة بالأسرة؛ لأن فيه إنقاذ للأسرة.

ب - الاجتهاد الإنشائي الذي تعالج به القضايا الجديدة التي ليس لها سابقة في العصور السابقة، وهي كثيرة في عالم الاقتصاد والمعاملات المالية، فهناك مستجدات لم تكن موجودة في العصور السابقة، مثل الشركات المساهمة، والأسهم، والنقود الورقية، والتأمين، والبنوك وما فيها من حسابات واستثمارات و اعتمادات وخصم للكمبيالات وغير ذلك كثير، حيث إن كل ذلك يحتاج إلى اجتهاد جديد.

وهناك من المعاصرين من يقول: إن كل ذلك لا بد أن يعالج من خلال الفقه الموجود، مرددين قول من يقول: لم يترك الأوائل للأواخر شيئاً. بل الصحيح ما قاله أهل التحقيق: كم ترك الأوائل للأواخر ؟.

نعم إن الاجتهاد في هذه القضايا مقيد بالمبادئ العامة، ومقاصد الشريعة، والضوابط العامة للاجتهاد، وشروطه التي يجب توافرها.

والاجتهاد في عصرنا الحاضر متاح لأهله بل هو أيسر من السابق، لأن تقنيات العصر سهلت على المجتهد تسهيلاً لم يكن متوافراً في السابق، فالكتب الكثيرة المطبوعة المتوافرة في جميع المذاهب والعلوم لم تكن متوافرة في السابق مثل اليوم، ناهيك عن وسائل التصوير والوسائل الإلكترونية التي تعطي الباحث الكثير من البحوث والمعلومات بمجرد إدخال المصطلح في جهاز الحاسوب، ناهيك عن الكتب الجامعية للفقه أو للحديث، أو التفسير ..... وسهولة التصوير والنقل، يقول الأستاذ أحمد إبراهيم بك: وليعلم أن بين أيدينا الآن كنوزاً ثمينة من المصنفات القيمة في التفسير وموسوعات السنة وشروح الحديث ما لم يكن ميسوراً وجوده كله مجموعاً عند سلفنا الصالح الذين كان يرحل أحدهم إلى البلاد النائية لطلب الحديث الواحد، أو الحديثين... وبالجملة

١٥٠

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠١٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

فالاجتهاد ميسور الآن لتكامل عدته تكاملاً أكثر مما كان عليه الحال من قبل ) .

(١٥) العناية القصوى بالعقل وتنشيطه، وإعادة دوره في ظلال الوحي، فالعقل خادم للوحي، ولا نجد ديناً ولا نظاماً أولى عنايته القصوى بالعقل مثل الإسلام.

والمسلمون اليوم - بل منذ فترة قصيرة - بين إفراط وتفريط في حق العقل، فمنهم من يحاول عزله وإبعاده أو تقليل دوره وشأنه، ومنهم من يعطيه أدواراً تخرج عن دائرته وقدرته ويجعله حاكماً على الشرع، وهذا لم يقل به أحد من علمائنا السابقين، حتى المعتزلة قالوا: بأن الحاكم هو الشرع، ولكن للعقل دوراً في بيان العلل، والحكم، وكشف الحسن والقبيح .

لذلك فعصرنا الحاضر يحتاج إلى أن يأخذ العقل دوره في الحياة الفكرية والاجتهادية والحضارية في إطار توازن تام وتكامل شامل بين الوحي والعقل.

والحق أن العقل - بالإضافة إلى كونه مناط التكليف - فإنه الوسيلة الوحيدة الفعالة للاجتهاد والاستنباط والانتقاء والترجيح والتجديد، وأن دور العقل يصاحب جميع

مصادر الفقه وأصوله، وجميع النصوص، حتى لو كان النص قطعياً فإن دوره لن ينتهي، حيث يبحث عن فقه التنزيل والواقع وكيفية التطبيق والتدرج، كما فعل الخليفة الراشد عمر في عام المجاعة، بشأن حد السرقة.

وأما مع بقية أنواع النصوص الثلاثة ظني الثبوت والدلالة معاً، وظني الثبوت فقط، وظني الدلالة فقط فإن دور العقل كبير من حيث الاجتهاد والاستنباط والبحث عن كل ما يحيط بها من ظروف وملابسات.

وأما إذا لم يوجد نص كما في منطقة العفو فإن دور العقل يتفاقم ويتضخم أكبر للوصول إلى رأي متوازن.

ولكن العقل في جميع أنواع الاجتهاد يسترشد بنور الوحي، ويستنير بمصابيح المبادئ العامة والقواعد الكلية للشريعة الغراء.

دراسات مقارنة

(١٦) تجديد مناهج التعليم بصورة عامة، وأساليب تعليم الفقه، ومنه الفقه الاقتصادي بصورة خاصة، وطرق تدريسه والتأليف فيه، ووضع البرامج الشاملة لتنشيط الاجتهاد والتجديد.

إن التجديد الحقيقي لن يتحقق بالأساليب الراهنة في التعلم والتعليم، والتدريس والتأليف، حيث لا تصنع الملكة الفقهية، ولا العقلية الأصولية، ولا الطرق الاقتصادية التحليلية، إضافة إلى أن برامجها ليس فيها العمق الفقهي واللغوي بكل فروعه من النحو والصرف، وفقه اللغة، والبيان والمعاني والبديع...

إن الطريقة القديمة للتعليم الديني لها إيجابيات ولكنها تحتاج فعلا إلى تجديد كبير في المنهج والمحتوى، وطريق التدريس والإضافة والتعديل.

وهناك مناهج جديدة للتعليم الديني تقوم على أساس العودة إلى الكتاب والسنة مباشرة، ولكن دون الاعتماد على تراثنا الأصولي والفقهي وأدوات الاجتهاد، كما أنها تعلم طريقة الجرأة على الفتوى دون توافر الشروط والضوابط، وهي التي ظهرت في القرن الماضي حيث تعتمد على التجزئة والهجوم، وتربي الشباب على الجرأة على الاجتهاد والفتوى بمجرد معرفته ببعض الآيات والأحاديث الشريفة، دون الاعتماد على هذا التراث العظيم من التفسير وشرح الحديث والفقه والأصول، وكأنها تريد أن يبدأ جيلنا من جديد، ويترك ما تركته الأجيال المختارة الأول، إذن كيف يفهم الكتاب والسنة دون الرجوع إلى هذا التراث العظيم.

وبالمقابل فهناك الطريقة التي تقوم على التهذيب الزائد، ومنع الاجتهاد والتجديد، والتمسك بالماضي بحذافيره.

فكل هذه الطرق لن تربي المجتهدين المجددين الذين تحل باجتهاداتهم مشاكل العصر، وتنهض بها الأمة، ويتحقق بها التنمية الشاملة، فالأمة بحاجة إلى الإبداع واختيار الأحسن في كل شيء - كما سبق.

(۱۷) إنشاء مؤسسات تهتم بصناعة المجتهدين والفقهاء، كما فعل نظام الملك بإنشائه المدارس النظامية في بغداد وغيرها، فأراد بها إحياء علوم الدين مرة أخرى، فما أحوجنا

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

اليوم إلى مثل هذه المؤسسات التي تقوم بصناعة الرجال، رجال الفكر والفقه.

(۱۸) الاستفادة من حركات التأريخ، ودورات الحضارة، والترابط الوثيق في الحضارة الإسلامية بين خطي العلوم التكليفية والعلوم الطبيعية، حيث سارا بخطى ثابتة متوازنة ومتقارنة، لذلك وجدنا علماء مجتهدين عظاماً في مختلف العلوم الشرعية في الوقت الذي وجدنا علماء عظاماً في العلوم التطبيقية من الطب والكيمياء والفلك.

إن توقف المد الحضاري وظهور التقليد والجمود، يؤدي إلى توقف حركة العلم والاجتهاد والتجديد، كما أن هناك ارتباطاً آخر بين الكبت السياسي ومنع الحرية، وبين التقليد والجمود وعدم التجديد والإبداع، فقد أشار القرآن الكريم إلى أن الشعب الذي ليس له حرية لا يؤمل منه الخير بل يصبح عالة حتى على الدولة الكابتة نفسها، فقال تعالى ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .

المبحث الثاني: ضوابط التجديد وبخاصة في الاقتصاد والمعاملات المالية

لا شك أنه يعتبر من أهم الضوابط للتجديد أو الاجتهاد، بل إن أولها هو توافر القدرات الذاتية والمؤهلات العلمية التي ذكرها علماؤنا بالتفصيل عند تناولهم شروط المجتهد بكل أنواعه، وشروط المفتي من علمه باللغة العربية نحواً وصرفاً، وبياناً وبلاغة، وفقه لغة، وبعلم أصول الفقه، وبالكتاب والسنة، والمجمع عليه والمختلف فيه، على تفصيل ليس هذا محله.

وإنما نحن نتحدث في هذه العجالة عن أهم الضوابط الأخرى الخاصة بالتجديد في الاقتصاد والمعاملات المالية الإسلامية، وهي بالإضافة إلى الشرط السابق كالآتي:

أولاً - الالتزام بالثوابت الشرعية والمبادئ الكلية للإسلام، فلا يجوز لأي اجتهاد - تحت غطاء التجديد، أو غيره - أن يخرج عن النصوص القطعية (دلالة وثبوتاً) أو يتعارض معها، فلا يجوز تحت أي غطاء تحليل الربا (الفوائد الربوية) إلا في حالات الضرورة بالنسبة للمدين، وهي تقدر بقدرها.

دراسات مقارنة

ولكن هذا الشرط لن يشل حركة الاجتهاد والتجديد، بل يضبطها بالثوابت التي تحمي الأمة من الانصهار والذوبان، والتشريع من التحريف والتضليل، وتبقى الأمة على تمايزها الفكري والعقدي والتشريعي والأخلاقي.

وهذا الشرط في حقيقته يعمل في دائرة ليست واسعة، إذ أنه يبقي للاجتهاد مجالاً واسعاً، وللتجديد مكاناً رحباً في أربع دوائر وساحات يسمح بها الإسلام أن يصول فيها ويجول، وهي:

١. دائرة النصوص ظنية الدلالة فقط، وهي كثيرة جداً في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

٢. دائرة النصوص ظنية الثبوت فقط، وهي تشمل معظم الأحاديث، أي ما عدا المتواتر.

. دائرة النصوص ظنية الدلالة والثبوت معاً، وهي أيضاً ليست قليلة بين الأحاديث الشريفة.

. دائرة العفو، أي المنطقة التي لم يرد بها نص - كما سبق -

ثانياً - معرفة تامة بالاقتصاد علماً ونظاماً، واقتصاداً كلياً أو جزئياً، ونظريات

وسواء كان رأسمالياً حراً، أو مقيداً، أو اشتراكياً، أو شيوعياً. فمعرفة هذا العلم بوجهات

نظره المختلفة تفيد الباحث الشرعي إفادة عظيمة، وأن أكبر مشكلة عندنا اليوم هي ندرة

من يجمع بين العمق الفقهي والعمق الاقتصادي، وهذا يتطلب فعلاً دراسة هذا العلم

بجانب فقه المعاملات والاقتصاد الإسلامي حتى يكون صاحبه قادراً على الاجتهاد

والإبداع بعيداً عن التكرار والاستجرار.

ثالثاً - أن يكون لديه المام بعلوم العصر من العلوم الانسانية، والاجتماعية، والتطبيقية بالقدر الذي يحتاج إليه اجتهاده، يقول الامام الشوكاني: (ولقد وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعاً عظيماً وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي والبحث، ومن لا اشتغال له بالدليل ) ...

رابعاً - معرفة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية والعالمية حيث إن لهذه التغيرات دوراً كبيراً في الحياة الاقتصادية، فقد حدثت تغيرات ضخمة في عصرنا الحاضر، ولا سيما في المجال الاقتصادي، وظهرت مشاكل كبيرة وأزمات

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

اقتصادية أدت إلى الركود الاقتصادي، وارتفاع معدل التضخم والبطالة بشكل مخيف وهذه الأوضاع لا تأتي منفردة أيضاً، بل هي مرتبطة بالأوضاع السياسية والاجتماعية والسياسة العالمية، وسياسة الحرب والسلم.

ولذلك ينبغي للاجتهاد الإسلامي أن يتجه نحو إيجاد هذه الحلول من منطلقات تحل مشكلة الفقر والفروق الطبقية والتضخم ونحو ذلك، ويتجه نحو تحقيق التنمية الشاملة.

وهذا الاتجاه ينبغي أن يكون له دوره في توجيه الفقه الاقتصادي إلى ترجيح الأقوال

التي تشد أزر هذه الأهداف، وتؤدي إلى تحقيق مقاصد الشريعة في الاستخلاف

والتعمير. فمثلاً حينما ندرس الأقوال والآراء الاقتصادية لفقهائنا فإن المطلوب أن نرجح

ما يحقق هذه المقاصد، ولذلك يتجه الفقه الاقتصادي المعاصر إلى ترجيح قول أبي

يوسف في تفسير الاحتكار بأنه: (كل ما يضر بالناس حبسه فهو احتكار، سواء كان قوتاً

أم غيره وترجيح قول الشافعي في تحقيق تمام الكفاية للفقير بحيث يعطى له من حصيلة

الزكاة ما يغنيه طول العمر من خلال إغنائه بتمليكه وسائل حرفته أو تجارته، وترجيح

قول ابن تيمية في جواز التسعير، بل وجوبه إذا تحقق تلاعب التجار بالأسعار، واحتكروا

السلع لرفع الضرر عن الناس، وجواز تدخل الدولة لحماية الطرف الضعيف، وترجيح

قول ابن حزم في وجوب التكافل بين أغنياء كل بلد وفقرائهم، بحيث يجبرهم السلطان

على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم...

ثم إن معرفة الفقيه الاقتصادي بالأزمات الاقتصادية وأسبابها وحلولها، وبالتجارب الناجحة أو الفاشلة والنظريات المتنوعة تعود بفائدة كبرى عليه وعلى حلوله، وذلك لأن التجارب البشرية هي ملك للجميع، وأن المطلوب أن تبدأ حيث انتهى الآخر، ولذلك أخذ سيدنا عمر بنظام الدواوين المطبق في الإمبراطورية الفارسية، وبذلك بدأ الاحتكاك الحضاري الإيجابي والتفاعل العلمي والاجتماعي في وقت واحد.

فالاقتصاد الإسلامي، وحتى الفقه يتكونان من الثوابت المتمثلة المأخوذة من النصوص القطعية والمبادئ الكلية، ومن اجتهاد بشري وإنتاج عقلي في ظل فهم

دراسات مقارنة

النصوص الشرعية، ولذلك لا بد أن نستفيد من تجارب الماضي وواقع العصر، ومن كل قديم صالح وجديد نافع.

خامساً ـ أن يتم التجديد داخل المنظومة الفقهية من أصول الفقه ومصادره، والقواعد والتخريج وليس داخل دائرة الغير من الاقتصاد الرأسمالي أو الاشتراكي، أو القانون اللاتيني أو الإنجليزي أو غيرها فلا بد - كما يقول الأستاذ السنهوري - أن توضع التصورات العامة للفقه الإسلامي من داخل هذا الفقه نفسه، ومن مناهجه ومرجعياته الموثوق بها، فتقريب الفقه الإسلامي من القانون الوضعي يبتعد به عن الجدة والإبداع ) (٢) وهذا يشمل الاستفادة من أي حكمة نافعة، كما أنه لا يؤدي في نظري إلى منع تجديد الصياغة والاستفادة من آليات العلاج والحلول.

سادساً - وضع منهجية للتجديد والاجتهاد، وهي لا بد أن تقوم على ما يأتي:

۱ - استقلالية الاجتهاد دون تأثير خارجي، وهذا يقتضي النية الخالصة لله تعالى، والتجرد الكامل، والابتعاد عن التقليد، والتأثر بسلطة الحاكم، ورأي العامة، بشهوات الأنفس وأهوائها.

  • البحث عن الدليل والاعتماد عليه يكون الهم الأول.
  • الجمع بين الأدلة ما أمكن، لأن إعمال الدليل أولى من إلغائه.

٤ - الأخذ بمنهج الجمع والزوجية - كما سبق -

ه - ربط الجزئيات بالكليات والفروع بالمبادئ، والوسائل بالغايات، والأدلة الجزئية بالمقاصد العامة.

٦ - الاعتماد على القواعد العامة والأصول الأساسية للفقه.

  • الاعتماد على الحديث وعلى علومه دراية ورواية.
  • الاعتماد على العقل فيما فيه مجاله.

٩ - مراعاة الأبعاد المقاصدية للشريعة - كما سيأتي -

١٠ - الربط بين الاجتهاد الواقع بكل ما تعني هذه الكلمة من واقع اجتماعي، أو اقتصادي.

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫ ٢٠٣٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

۱۱ - رعاية مراتب الأدلة وقوتها، حيث إن من المنهجية الدقيقة إعطاء كل مصدر رتبته ووزنه، فالكتاب هو الأول، وتأتي بعده السنة، ثم بقية المصادر. وكذلك إعطاء الأوزان المناسبة لما هو مجمع عليه أو مختلف فيه، وما هو من الثوابت أو من المتغيرات وما هو من المقاصد أو الوسائل، وما هو من المبادئ والقواعد العامة أو من الجزئيات ولذلك يقول ابن تيمية: إن ما هو محرم للغرر يباح عند الحاجة، وأما الربا فلا يباح إلا للضرورة، وكذلك فرق هو وابن القيم بين ما هو محرم تحريم وسيلة، أو ما هو محرم تحريم غاية.

المبحث الثالث: مجالات التجديد

إن مجالات التجديد في الدين الإسلامي كثيرة، فهي جميع ما يمكن الاجتهاد والإبداع فيها، منها:

(۱) مجال العقيدة.

(۲) مجال الفقه، وأصول الفقه.

مجال الفكر والتصورات.

(٤) مجال العلوم والفنون

مجال التخطيط.

(٦) مجال الأخلاق والسلوك.

(۷) مجال الاقتصاد علماً ونظاماً ونظرياً وتطبيقاً.

مجال الاجتماع علماً ونظاماً ونظرياً وتطبيقاً.

۹) مجال السياسة علماً ونظاماً ونظرياً وتطبيقاً.

(۱۰) مجال الصناعة والتجارة والزراعة.

(۱۱) مجال التقنيات والتطبيقات.

وفي الختام لا بد أن نعلم أن التجديد الحقيقي إنما يتحقق إذا كان شاملاً لكل جوانب الحياة ومجالات الدين، وذلك لأن التجديد الجزئي لن يصل إلى دفع العجلة كلها إلى

دراسات مقارنة

الأمام، بل يكون منقوصاً.

وقد حدث خلل في العصور السابقة، وهو أن الاهتمام بفقه العبادات والشعائر كان أكبر، مع أن التجديد في هذا المجال قليل، فكان المطلوب هو العناية القصوى بالاجتهاد والتجديد في مجالات المعاملات والسياسية والاقتصاد والاجتماع؛ لأن هذه المجالات هي مجال الاجتهاد والتجديد بشكل أكبر وأقوى.

مراتب التجديد

للتجديد مراتب تبدأ بالاجتهاد الانتقائي، والترجيحات المفيدة، وبتبسيط الفقه وبيان مقاصده وحكمه، وتنتهي بالاجتهاد المطلق الشامل في كل المجالات، فالتجديد إذن يشمل الاجتهاد والتبصير، وفقه التنزيل والقضاء، والتدريس، وتقديم المشروعات والبرامج وتنفيذها......

المبحث الرابع: مخاطر التجديد غير المنضبط :

وقد اتخذ التجديد مجالات كثيرة في عالمنا اليوم، حيث اتخذه البعض متكأ لكل

الأفكار الوافدة، والتصورات المخالفة، كما حاول بعض آخر تجاوز قواعد علم

الأصول، واللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، كما قام البعض بإخضاع الآيات

المحكمات للتفسير التاريخي وحصرها في عصر النزول فقط، فقالوا في الميراث بأنه

كان خاصاً بالمجتمع الجاهلي أما اليوم فالذكر والأنثى سيان في الإرث، مستدلين

بالعدل، وبمقاصد الشريعة !! !

وجاء بعض آخر بإباحة القرض الإنتاجي الربوي، بحجة أن الربا المحرم هو الربا في القرض الاستهلاكي، لأن في ذلك ظلماً فقط.

وجاء آخر فأباح الفوائد البنكية التي أجمعت المجامع الفقهية على حرمتها، بل وصل إلى أن ربا البنوك التقليدية أفضل من أرباح البنوك الإسلامية....

وتحت لافتة مقتضيات العصر والتجديد : أجيزت بعض العقود والآليات التي لا علاقة

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

لها بمقاصد الشريعة في المعاملات من التنمية، ونحوها، مثل عقود التورق المنظم الذي يتم عن طريق المرابحة في السلع والمعادن الدولية دون قبض حقيقي ولا حكمي، ولا تحمل لأية مخاطر، ومثل المرابحة العكسية، وتحويل الوكالة من عقد خدمات إلى عقد استثمار أضيفت إليها مجموعة من الإجراءات الشكلية من حق البيع للنفس ونحوه، فأدت إلى ضمان الوكيل، ومثل الوعد الملزم من المضارب، أو الشريك، أو الوكيل الاستثماري بشراء الصكوك بالقيمة الاسمية، وهكذا.....

فهذه المخالفات والتجاوزات في نظري ليست تجديداً، بل إن التجديد يقتضي إزالتها، وإعادة العقود الحالية إلى مبادئها العامة ومقاصدها الشرعية؛ لتتحقق بها التنمية الحقيقية المنشودة المطلوبة بالنصوص الكثيرة، بل إن رسالة المسلم في هذا الكون هي التعمير، وغايته العبودية لله تعالى، بل إن العبودية نفسها تشمل التعمير ومستحقات الاستخلاف في الأرض، ولذلك لا بد من الالتزام بالضوابط التي ذكرناها، وإلا فيكون شره أكثر من نفعه... والله المستعان.

دراسات مقارنة

الهوامش:

(۱) سورة الأحزاب ٫ الآية ٤٠

(۲) سورة المائدة ٫ الآية ..

(۳) سورة النساء ٫ الآية ٨٣

(٤) روى الترمذي وابن ماجه وغيرهما بسندهم عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم) وفي رواية أخرى رواها الحاكم والبزار بلفظ : ( فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسي شيئاً، وتلا: (وما كان ربك نسيا) سورة مريم ٫ الآية ٦٤.

(٥) الحديث رواه أبو داود في سننه الحديث رقم، ٤٢٧٠ والحاكم في المستدرك (٥٢٢٫٤) ورواه غيرهما،

وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ٥٩٩.

(٦) جامع الأصول ( ٣٢٠٫١١ - ٣٢٤).

(۷) د. يوسف القرضاوي بحثه الموسوم: تجديد الدين في ضوء السنة المنشور في مجلة مركز بحوث السنة

والسيرة، العدد الثاني، ١٤٠٧هـ، ص ٠٠٠٢٥.

(٨) سورة يونس ٫ الآية ١٥.

(۹) سورة الحجر ٫ الآية ..

(۱۰) أ.د. يوسف القرضاوي تجديد الدين في ضوء السنة، بحث منشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة،

جامعة قطر، العدد ٢، ص ۲۹، سنة ۱۹۸۷م.

(۱۱) الحديث متفق عليه، صحيح البخاري، الحديث ٣٦٤٠، ٧٣١١، ومسلم، الحدیث ۱۹۲۱

(۱۲) مسلم، الحدیث ۱۹۲۰

(۱۳) يراجع: محمد الحضري بك تأريخ التشريع الإسلامي، ط. دار القلم ببيروت، ص ۹۷، والشيخ محمد علي السايس: تأريخ الفقه الإسلامي، ط. محمد علي صبيح بالقاهرة، ص ۸۳، وحسن عبد الله العمري: الإمام الشوكاني راند عصره، ط. دار الفكر المعاصر، بيروت، ص ٥٠

(١٤) يراجع: المراجع السابقة نفسها، والدكتور عبد المجيد النجار: في فقه التدين فهماً وتنزيلاً، ضمن سلسلة الأمة القطرية (٦٨٫١) ومعالم تجديد المنهج الفقهي، نموذج الامام الشوكاني، سلسلة كتب الأمة، حليمة بوكروشة.

(١٥) بحث للدكتور علي محيي الدين القره داغي بالعنوان الأخير، ألقي في جامعة قطر بمناسبة ذكرى صلاح

الدين الأيوبي

(١٦) ابن خلدون المقدمة (بيروت: دار الفكر، د ت) ص ۵۳۱

١٦٠

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

التجديد في الاجتهاد والفتوى، وضوابطه

(۱۷) المرجع السابق نفسه، ومعالم تجديد المنهج الفقهي، نموذج الامام الشوكاني، سلسلة كتب الأمة، حليمة

بو كروشة

(۱۸) سورة النحل ٫ الآية ٤٣.

(۱۹) ارشاد الفحول إلى علم الأصول، ص ٢٥٠ وما بعدها.

(۲۰) المصدر السابق، ص ٢٥١ ٢٥٢

(۲۱) سورة الملك ٫ الآية ١-٢.

(۲۲) يراجع لمزيد من البحث أ.د. علي محيى الدين القره داغي، وأ.د. علي يوسف المحمدي: فقه القضايا

الطبية المعاصرة، ط. دار البشائر الإسلامية، بيروت، ٢٠٠٥م.

(۲۳) احیاء علوم الدين (١٤٫١).

(٢٤) فتح الباري (٣٤٢٫١٣)، واعلام الموقعين (٦٢٫١).

(٢٥) اعلام الموقعين (٦٥٫١)، وراجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (۲۰۰٫۱۹ ۲۰۱)

(٢٦) رواه الترمذي في سننه، كتاب الجهاد - مع تحفة الأحوذي - (٣٧٥٫٥).

(۲۷) سورة الشورى ٫ الآية ٣٨.

(۲۸) سورة آل عمران ٫ الآية ١٥٩.

(۲۹) صحيح البخاري - مع الفتح - (٣٣٩٫١٣ - ٣٤٠).

(۳۰) فتح الباري (٣٤٢٫١٣).

(۳۱) وهم: عروة بن الزبير (ت ٩٤هـ) وأبو بكر بن عبد الرحمن (ت ٩٤هـ) وعبيد الله بن عبد الله بن زيد (ت ۹۸هـ) وخارجة بن زيد (ت ١٠٠هـ) وعبد الله بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٥هـ) وسالم بن عبد الله بن عمر (ت ١٠٦هـ) وسليمان بن يسار (ت ۱۰۷هـ) والقاسم بن محمد (ت ۱۰۸هـ) وأبوبكر بن سليمان بن أبي حكمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة (ت بضع و ٨٠هـ).

(۳۲) تأريخ الطبري، ط. دار المعارف، بيروت (٤٢٧٫٦ - ٤٢٨).

ويراجع للاجتهاد الجماعي الدكتور يوسف القرضاوي: الاجتهاد في الشريعة الاسلامية ط دار القلم بالكويت ۱۹۸۵ ص ۱۰۱ وما بعدها، و د. شعبان محمد اسماعيل ط دار البشائر الإسلامية بيروت ص ٢٤ - ٢٥

(۳۳) سورة آل عمران ٫ الآية ١٥٩.

(٣٤) سورة الشورى ٫ الآية ٣٨.

(٣٥) رواه الخطيب بسنده عن مالك، ورواه الطبراني كذلك في الأوسط، يراجع: مجمع الزوائد (۱۷۸٫۱) و اعلام الموقعين (٢٥٤٫٢).

(٣٦) المستصفى.

(۳۷) شرح الكوكب المنير.

(۳۸) الأستاذ الزرقاء: المدخل الفقهي العام (۱۹۸٫۱)

دراسات مقارنة

(۳۹) المرجع السابق، ود. محمد زكي عبد البر: تقنين الفقه الإسلامي، ط. قطر، ص ٦١؛ وأ.د. محمد الدسوقي، ود. أمينة الجابر: مقدمة في دراسة الفقه، ط. دار الثقافة ٫ قطر، ص ٢٩٠ - ١٩٤.

(٤٠) الدكتور القرضاوي: الاجتهاد ص ١١٤ - ١١٥، حيث سمى هذا الاجتهاد الانتقائي، والنوع الثاني بالاجتهاد

الانشائي.

(٤١) سورة المائدة ٫ الآية ٣٣

(٤٢) سورة البقرة ٫ الآية ١٧٧.

(٤٣) انظر: بحثنا وفي الرقاب، مقدم إلى الندوة الأولى للهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة، والتي عقدت

بالقاهرة.

(٤٤) الفروق للقرافي ( ١ ٫١٧٦ - ١٧٧).

(٤٥) يراجع فقه القضايا الطبية المعاصرة، ص ١٣١ - ١٣٥.

(٤٦) الدكتور القرضاوي المرجع السابق، ص ۱۰۲ - ۱۰۷

(٤٧) علم أصول الفقه، ط. دار الأنصار بالقاهرة، ص ۱۰۸.

(٤٨) يراجع المني للقاضي عبد الجبار المعتزلي، ط. القاهرة (۹۲،۱۲۹٫۱۷) ود. عبد العظيم الديب: العقل عند المعتزلة، ط. دار الوفاء، ١٤١٥هـ ص ١٥ ، ود. عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، ط. دار الشروق، جدة،

١٤٠٢هـا ص ٢٠.

(٤٩) سورة النحل ٫ الآية ٧٥

(٥٠) يراجع: ارشاد الفحول، ص ١٥٦.

(٥١) يراجع: أ.د. يوسف القرضاوي المرجع السابق، ص ۱۲۱ - ۱۲۲

(٥٢) مصادر الحق (٦٫١).

١٦٨

الفقه المقارن العددان السادس والسابع ٫ خريف – شتاء ١٤٤٤ هـ ٫٢٠٢٣م

نهاية البحث