ملف العدد
الاجتهاد الجماعي في معالجة المستجدات
من الناحية الشرعية وسبل تطويره
(4) أ. الشيخ محمد علي التسخيري *
تمهيد
إن للاجتهاد الجماعي أهمية بالغة في التشريع الإسلامي، وتتجلى أهميته من خلال مجموعة الأمور التي يحققها على أكثر من صعيد، من أبرزها أنه يحقق مبدأ الشورى في الاجتهاد، كما أنه يكون أكثر دقة وعمقاً وإحاطة من الاجتهاد الفردي، وهو في الوقت نفسه يعوض عما قد يتعذر علينا من قيام الإجماع في مسائل الأمة وقضاياها المشتركة، ويسد إلى حد كبير الفراغ الذي يحدثه غياب المعصوم....
والاجتهاد الجماعي أيضاً يعين الأمة على استمرار الاجتهاد في حياتها، ويمنع أسباب توقفه أو انحساره، كما أنه يقي الأمة من الأخطاء والأخطار التي قد تحدق بها جراء الاجتهاد الفردي، وهو أفضل نوعي الاجتهاد لمعالجة المستجدات في حياة الأمة، وهو من أنجع السبل إلى توحيد الأمة عبر توحيد النظم التشريعية لها.
إن هذا النوع من الاجتهاد باعتباره تفاعلاً وتكاملاً ومشاركة بين مجموعة كبيرة من العلماء المجتهدين والخبراء المتخصصين، يتميز عن الاجتهاد الفردي بأنه يكون أكثر استيعاباً وإلماماً بالموضوعات المطروحة للاجتهاد، وأكثر شمولاً في
() رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي بين المذاهب وعضو مجمع الفقه الإسلامي....
الاجتهاد الجماعي في معالجة المستجدات من الناحية الشرعية
الفهم لكل جوانب وملابسات القضايا التي تهم الأمة، لذا يمكن أن نطلق عليه اسم الاجتهاد المجمعي إذ إن تحققه منوط بوجود المجامع الفقهية والموائد المستديرة، والحضور الجماعي.
الكلمات الدليلية: الاجتهاد المجمعي الاجتهاد الفردي، المستجدات الاستنباط، الفتوى.
الاجتهاد المجمعي
إن الاجتهاد المجمعي يعبر عن حالة جديدة صحية في التشريع الإسلامي
نظراً لما يلي:
أولاً: اتساع دائرة المقدمات العلمية التي تتطلبها عملية الاستنباط، من حيث لزوم الاطلاع، على الآراء المختلفة في المسألة، ومناقشتها مناقشة أدلتها، وملاحظة التغيرات التي تركتها الفاصلة الزمنية على المصطلح وظروفه وقرائنه اللفظية والحالية.
ثانياً: ظهور الكثير من الموضوعات المستجدة، وتعقدها، من قبيل ما نجده من عقود مركبة غامضة في موضوع الأسواق المالية، والموضوعات الطبية، والنظم الاجتماعية .... وما إلى ذلك، مما يتطلب حضوراً للخبراء المتنوعين أثناء مناقشة الموضوع.
ثالثاً: تنوع أساليب التحايل، واختلاف الظروف السياسية والاجتماعية التي قد تترك آثارها سلباً أو إيجاباً على عملية الاستنباط.
رابعاً: تعدد المذاهب، وتنوع الحلول المطروحة، وكثرة التساؤلات التي لا تتاح عادة أمام الاجتهاد الفردي.
خامساً: حساسية الفتوى من حيث ما تثيره اليوم من إثارات وردود فعل عالمية أو أقليمية أو محلية، نتيجة سعة وسائل الإعلام وانتشارها.
سادساً: الآثار السلبية الكبرى التي تتركها الفتاوى الفردية المتنوعة في مجال
١٤١
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل
اضطراب الأقوال وتفاوت الاستجابات، في حين ينتفي الخلاف إلى حد كبير عند قیام عملية اجتهاد مجمعية.
سابعاً: حينما يراد الحكم في قضية عامة محلياً أو إقليمياً أو عالمياً، فإن الأمر يتطلب إجماعاً أو شبه إجماع من خلال رأي الأكثرية) حتى يمكن الاطمئنان العملية التنفيذ.
حجية الاجتهاد المجمعي
نقصد بالحجية ما يعبر عنه بالمنجزية والمعذرية المنجزية: إذا طابقت الفتوى الواقع في علم الله، والمعذرية: إذا لم تطابق وعمل بها المكلف.
وواضح أنها تتصور في مجالين:
۱ - تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين في المسائل التي لم يتسن له الاجتهاد فيها.
٢ - تقليد غير المجتهد للمجتهد.
كما أن من الواضح أن عملية التقليد المنجزة والمعذرة إنما تستند إلى حالة إنسانية طبيعية تقضي برجوع الجاهل إلى العالم المتخصص، وهو ما ترشد إليه الآية الشريفة: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وهي سيرة عقلائية عامة ممضاة من قبل الشارع بلا ريب.
وإذا تم ذلك قلنا: إن هذه السيرة نفسها ترى أن الرجوع إلى لجنة متخصصة يرجح في كثير من الاحيان على الرجوع إلى الفرد حتى لو كان متخصصاً، ومن هنا نجد هذا التأكيد على تشكيل لجان متخصصة في حالات العلاج الطبي أو الاجتماعي أو السياسي.
سبل تطوير عملية الاجتهاد المجمعي
ولكي تؤدي هذه العملية دورها المطلوب على أكمل وجه، يجب أن تتم الأمور التالية:
١٤٢
الفقه المقارن -
العددان (٥٤) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤ م -
الاجتهاد الجماعي في معالجة المستجدات من الناحية الشرعية
أولاً: يجب أن تتم دراسة الموضوع المراد اصدار الفتوى فيه، وخصوصاً إذا كان اجتماعياً يترك أثره على نطاق واسع في ندوات متخصصة تشبعه بحثاً ومناقشة، وترفع النتيجة ومعها تقرير يبين مختلف الاتجاهات إلى المجمع الأوسع ليقرر الموقف.
ثانيا: يجب أن نسبق عملية استنباط الحكم الشرعي، توضيح دقيق للموضوع من قبل خبراء متخصصين، وتعريف بكل أبعاده وصوره، وذلك أن التصديق والحكم فرع لهذه المعرفة، وربما كان إهمال عنصر فرعي أو جزئي يؤدي إلى تغير الموقف الشرعي.
وحبذا لو كان هذا التعريف يتم بحضور الفقهاء، والإجابة على تساؤلاتهم الدقيقة.
ثالثاً: يجب أن تسبق عملية الاستنباط ثقافة أصولية واسعة، بل واتفاق مسبق على العناصر المشتركة الدخيلة في عملية الاستنباط، والمؤثرة تماماً في تغيير النتائج.
ومن هذا الأمر الاتفاق على منهج الاستدلال.
فقد لاحظنا المجتهدين قديماً يختلفون في مراحل الاستدلال فتختلف النتائج لديهم، وربما كان من أهل البحوث هنا التركيز على مبحثي تقدم الأدلة بعضها على بعض الآخر بما اصطلح على تسميته بـ «الحكومة» أو «الورود» وهو ما يختلف عن التخصيص» و «التخصص».
فالتخصيص: هو إخراج من الحكم مع دخول المخرج موضوعاً، مثل: كل مكلف يجب عليه الصوم إلا المريض، فهو مكلف أخرج من حكم الوجوب.
والتخصص: يعني الخروج من الموضوع وجداناً، مثل: خروج المجنون من حكم الوجوب؛ لأنه خارج عن التكلف.
أما الحكومة فهي أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى الآخر، موسعاً أو مضيقاً
١٤٣
ملف العدد المناهج المقارنة في استنباط أحكام المستجدات والنوازل
له، مثل ما ورد: «الفقاع خمر استصغره الناس ). فالفقاع ليس خمراً عرفاً، ولكن وسع الشرع مفهوم الخمرية ليشمله وما ورد: لا ضرر ولا ضرار ". فالمورد الضرري ينفي المشرع ضرريته لينفي حكمه.
(1) وأما الورود: فهو دليل ينفي الموضوع وجداناً بواسطة دليل تعبدي، فقول الرسول : رفع عن أمتي ما لا يعلمون " يعتبر وارداً على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، لأنه يرتفع احتمال الضرر وجداناً مع ورود المؤمن الشرعي.
والحقيقة هي أننا نشهد ضعفاً في الدراسات الأصولية في بعض المدارس الفقهية، نتيجة عدم فسح المجال للاجتهاد الحر الخلاق فيها، في حين نشهد إفراطاً في هذه الدراسات عند مدارس أخرى إلى الحد الذي يجعل هذه الدراسات تتأثر تمام التأثر بالعلوم الأخرى كالفلسفة والمنطق، والدراسات اللغوية والأدبية والنفسية، وربما كان هذا التأثر المفرط يبعدها عن حالة الفهم العرفي المطلوب.
رابعاً: ومن الأمور المهمة أن تلاحظ العملية الاستنباطية الاجتهادية المقاصد الشرعية وتضعها في إطارها الاجتماعي المطلوب، وإلا انقلبت على أهدافها.
إذ هناك فرق شاسع بين مجتهد يتصور الإسلام أحكاماً فردية فيتوسع في مجال الاحتياطات حتى لا تبقى مجال للعمل الاجتماعي، ومجتهد ينظر إليه نظاماً للإنسانية جمعاء، ينظم حياتها، ويستوعب تناقضاتها، ويشبع كل الجوانب فيها.
خامساً: هناك قواعد فقهية لها أثرها الكبير في عملية الاستنباط، وخصوصاً في المجالات المالية والاقتصادية. ولذلك يجب الاتفاق أو التقارب الفكري حولها، لما لذلك من أثر في اختصار الطريق ودقة الاستنتاج، فمثلاً ينبغي الإجابة على تساؤلات كثيرة من قبيل:
الفقه المقارن العددان (٤-٥) السنة الثانية ٫ ربيع - صيف ٢٠١٤م
١٤٤
الاجتهاد الجماعي في معالجة المستجدات من الناحية الشرعية
۱ - ما هو الموقف من العقود المستجدة؟ وهل تشملها عمومات تصحيح العقد ولزوم الوفاء به أم أنها تقتصر على العقود النبي كانت جارية في عصر المعصوم ؟
٢ - مسألة التفريق بين الغايات والوسائل، فالعمل المصرفي - مثلاً - له غاياته، ولهذه الغايات وسائل متعددة تجب دراستها وتمحيصها، وتشخيص المحرم منها، فهل علينا اختراع بدائل لها تفي بالغرض، أم أن علينا عدم القيام بذلك لئلا نقع في المحرمات دون أن ندري؟
- ما هي حدود نفوذ أمر ولي الأمر ؟ أهي في خصوص المباحات التي لم يصر الشارع على إباحتها أم في مطلق المباحات أم يمكن أن تنفذ إلى المساحة المستحبة أو المكروهة، وهل لها أن تدخل حريم المساحة التكليفية ؟ وإذا كان ذلك فمن أي باب يتم ذلك؟ وهل يمكنه اختيار ما يراه الأوفق مع مصلحة المجتمع من الفتاوى المطروحة أم أن عليه العمل بفتواه هو؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.
٤ - ما هي ضوابط العمل بالمصالح المرسلة؟ وكيف يتم تشخيصها ؟
ه - ثمة حدود ومعايير يجب أن لا تتخطاها العقود المستجدة، فيجب التدقيق فيها، فهي مهمة لتقرير الموقف، من أهمها:
أ - الربا: فما هو ؟ وهل يشمل الربا المعكوس أو ما يعرف بـ «ضع وتعجل» وهل يشمل كل إضافة في قبال مهلة زمنية، أم يشمل العقوبات المالية على التأخير في الدفع؟ وهل يشمل ما يدفعه الأقرباء، أو ما يدفعه الكفار؟ إلى ما هنالك.
ب - أكل المال بالباطل: فهل هو معيار برأسه أم هو تابع للمعايير الأخرى؟
ج - ماذا يعني المنع عن بيع الكالي بالكالي؟ هل هو بيع الدين بالدين؟ وهل يشمل ما يسمى بتعمير الذمتين، حيث ينشئ العقد نفسه (كما في عقد التوريد) ذمتين متقابلتين.
١٤٥